من أعلام الفكر المعاصر .. الدكتور محمد عبد الله دراز
عدد القراءات : 234

قليلٌ من المفكِّرين هم الذين يجمعون بين أصالة الفِكْر ودقةِ التعبير وجماليته، بين عُمق الرأي ونَصاعة الأسلوب ورَوْنقه، وعلى رأس هؤلاء المفكرين يأتي شيخُنا الأستاذ الدكتور "محمد عبد الله دراز"؛ حيث أُوتي مع قوةِ الحجة ونَفاذ البصيرة رصانةَ الكلمةِ وإشراقة النَّص، الأمر الذي يجعل لكتابتِه وقع الزَّاد وموضع الرِّي لأصحَّاء الفكر، والدواء الناجع للحيارى والتائهين، ولا غرو أن تكون هذه هي مكانة الشَّيْخ وطبيعته؛ إذ هو سليلُ بيتِ علمٍ ودين، تنفَّس في هوائه عَبَق العلم، وتنسَّم في ظلاله شذى التِّلاوة وأريج التقوى؛ فأبوه هو الشَّيْخ "عبد الله دراز" الفقيه الأصولي الذي جعل من بيته منتدى للعلم وكعبة للعلماء، تهفو لغشيانه القلوب، وتأنس لما يلقى فيه من بيِّنات العلم، ولوامع الفكر، وجوامع الأدب، وسديد الرأي، الأمر الذي أَوْرث مترجمنا ملكاتٍ شتَّى، والعهدُ فيها الكَسْب لا الوراثة، غير أنها لما رأت لشيخنا من كرامةِ المحتد، وطيب الأرُومة، ما جعلها تخرجُ عن طبعها وتأتيه طَيِّعةً خالصة، وقد علمتْ فيه طيبَ الغرس، وحسن المنبت، فأكرم وِفَادتَها، ومكَّن لها من نفسه وأنزلها منزلةَ الطَّبع، فنمت وربَتْ، ولعلَّ في تقديم هذه الشذرات من حياة الشَّيْخ ما يقرِّب المُثُل العُليا لدنيا النَّاس:

سطور من حياة الشَّيْخ:

• ولد - رحمة الله عليه - عام 1894م في قرية "محلة دياي" بدسوق.

• وانتسب إلى معهد الإسكندرية الدِّيني سنة 1905م.

• حصل على الشَّهادة الثانوية الأزهرية في عام 1912م، وكان أولَ الناجحين فيها.

• حاز على "شهادة العالمية" سنة 1916م وكان ترتيبُه الأول.

• اختير للتدريب بالقسم العالي بالأزهر عام 1928م.

• اختير للسَّفر إلى "فرنسا" في بعثة علمية عام 1946م.

• حصل على شهادة الدكتوراه برتبة الشرف العليا من "السوربون" عام 1947م.

• اشتغل بالتدريس في "جامعة القاهرة" وفي "دار العلوم" وفي كلية "اللغة العربية" بعد عودته.

• نال عضوية كبار العلماء عام 1949م.

• لبَّى نداءَ ربِّه في عام 1958م أثناء مشاركته في مؤتمر "لاهور" بباكستان، وفيما بين عودته من "باريس" وحتى انتقاله لرحمة ربه، شارك في العديد من الأعمال، حيث كان عضوًا في اللجنة العليا لسياسة التعليم، وفي المجلس الأعلى للإذاعة، وفي اللجنة الاستشارية الثقافية في الأزهر، كما رُشِّح شيخًا للأزهر في مداولات مجلس الوزراء قُبَيْل اختيار الشَّيْخ "الخضر حسين".

شمائل الشَّيْخ:

عُرِفَ الدكتور "دراز" بالعديد من الصِّفات والمزايا، ونستطيع أنْ نقول: إنَّ مفتاح شخصية الشَّيْخ هو التقوى بمعناها الواسع والشامل؛ حيث رُزق الشَّيْخ لباس التقوى، وكان لباسًا سابغًا تمثَّل في القراءة اليومية لسُدُس القرآن الكريم وفي التهجد والصلاة، وقد وصفه المقرَّبون منه بأنَّه لا يُشاهد في خلوته إلا قارئًا للقرآن أو مصليًا، وتظهر هذه الصفة كأقوى ما تظهر في حياة الشَّيْخ وسلوكه في الفترة التي قضاها في "باريس"، والتي طالتْ بعضَ الشيء لتصلَ لثنتي عشرة سنة، فلم يضعف أمام مُغريات الحياة "الفرنسية" ولم يَلِن؛ وإنما ازداد تمسكًا بدينه، وحرصًا على تجلية مبادئه وإظهار كنوزه.

يقول الشَّيْخ "محمد أبو زَهْرة" - وكان قريبًا منه، مصاحبًا إياه قبل إقامته في "فرنسا" -: (وقد عاد بعد هذه الرِّحلة الطويلة الشَّاقة المجهدة، وتوقعنا أن نجدَ تغيرًا في مظهرِه أو ملبسه أو عاداته أو تدينه، كما رأينا في بعض من ذهبوا وأقاموا بعضَ إقامته، ولكنَّا وجدناه كما تركناه خلقًا ودينًا وإيمانًا، فأثبتَ بذلك سلامةَ جَوْهره؛ لأنَّ جيد المعادن تجلوه التَّجارِبُ، وتصقلُه الحوادثُ من غير أن يفنى ويبلى.

ولقد ازداد استمساكًا بدينه وتشددًا فيه، فزاد بهاءً ونورًا وجلالاً)، ويقول فيه أيضًا: (عالمٌ فقيهٌ عميق النَّظرة، صادق الإيمان، ثبتٌ في علمه، قويٌّ في تدينه)، ويستمر الشَّيْخ "أبو زهرة" في الكشف عن صفات الشَّيْخ الأخرى، وهي: (سلامةُ تفكيرِه، وحسنُ قصده، واستقامةٌ في الغايةِ وفي العقل، يتجه إلى طلبِ الحقيقة لا يريدُ سواها ولا يبغي عوجًا ولا أمتًا، لا تستهويه بدعُ الآراء، ولا يستطير لبّه بدء الأفكار، كما لا يوقفه عن طلب الحقيقية تقليدٌ لرأيٍ سابق، فلا يتبع الرِّجالَ على أسمائهم، ولا يأخذ بريقَ الجديد ولمعانه، بل هو مستقلُّ التفكير في فهم النصوص وطلب الحقائق، لا يقيِّده إلا قيدٌ واحد، وهو النصوصُ القرآنية والنبوية).

عوالي الأمور:

من الصِّفات التي جُبل عليها الشَّيْخ تمسكُه بعوالي الأمور والشَّغَف بها، والابتعاد عن سَفَاسِفِها، فكان ذلك دَيْدنه ودأبه منذ نعومة أظفاره؛ فهو الأول على أقرانه في كلِّ مراحل التعليم، حتَّى إذا ما ابتُعِث إلى "السوربون" تجلَّتْ هذه الصفة أظهر ما يكون التجلي؛ حيث فضَّلَ - كما يقول الدكتور "محمد بدوي" - أن يسير في الطريق الأكاديمي في بدايته، ويفعل ما يفعله طلاب العلم من الفرنسيين، الذي يعدُّون أنفسَهم إعدادًا أكاديميًّا رصينًا، فالتحق بـ"السوربون" للتحضير لدرجة الليسانس، ودرس الفلسفةَ والمنطق والأخلاق وعلم النفس وعلم الاجتماع على أيدي أساتذة "السوربون" و"الكوليج دي فرنس" من أمثال "ماسينيون" و"ليفى بروفسال"، ونجد أثرَ هذا التكوين العلمي الرَّصين في رسالته "دستور الأخلاق في القرآن الكريم"؛ حيث لم يكتفِ بتوضيح وجهةِ النَّظر الإسلامية، بل كان يجتليها بمقارنتِها بآثار المفكِّرين والفلاسفة، وكان لا يتركُ مناسبةً إلا استعرضَ فيها رأيَ عالمٍ من علماء الغرب أو نظريةً من النَّظريات السَّائدة، ثم يبينُ ما في هذه النظرية أو في ذلك الرأي من قُصُور أو خطأ، ويعقِّب على ذلك ببيان كمال النظرية الأخلاقية في القرآن الكريم.

أيضًا من مظاهر تمسكه بعوالي الأمور نفورُه من الإعادة والتَّكْرار لما سبق درسه، وإنما هو مشغولٌ باستنباط رأي لم يُسبق إليه، أو الكشف عن معنًى لم يأخذ حظَّه من دراسة السابقين، فيُقبِل عندئذٍ على البحث والفحص، فكتبه وأبحاثه وإنْ كانت محدودةً من حيث الكمِّ إلا أنَّ ما بها من المعاني والآراء، والنظر الثاقب، والفكر المتجدد ما يعوِّض هذا الكم، وهذا الكيف خيرٌ وأبقى من مجرد الكم مهما كثر وكَبِر.

يصف الدكتور "محمد بدوي" خُلُقَ الشَّيْخ وأبوَّته لتلاميذه في الغربة - وهي محكُّ الاختبار والكشف عن معادن الرِّجال - فيقول: (كنت مع الطَّلبة العرب في "باريس" نتلمَّس في رحابِ الأستاذ الجليل ما نحتاج إليه من رعايةٍ في وقت الشِّدة، وكان يجمعنا في منزله في المناسبات الدِّينية والقومية؛ ليشعرَنا بما افتقدناه من جوٍّ عائلي.

وكنا نجد عنده كرمَ الضِّيافة العربية، ونستمتع بأحاديثه ومناقشاته في شؤون الدِّين والعلم والسياسة، وكان - رحمه الله - لا يضيق بما نثير من آراءٍ متطرِّفة أحيانًا، بل ينقدُها بروح العالم المستنير في سماحة ورَحابة صدرٍ، ولا يزال بنا حتى يقنعنا بوجهة نظره المستنِدة إلى البُرهان العلمي والمنطقي).

ألمعية الفكر:

تميَّز الدكتور "دراز" في أعماله العلمية بالجدة والطَّرافة - على ما سلف - وشواهد ذلك وآياته عديدة لا تخطئها العينُ، ويكفي أنْ نذكُرَ في هذا الصدد تفسيره لسورة "الفاتحة"، فمهما نتابع المفسرين الذين سبقوا الشَّيْخ - وهم ولا شك ألوف - يتحفنا الدكتور "دراز" بالجديد في تفسيرِه هذا؛ والمتمثل في سبق الخاطرة، ودِقَّةِ التَّعليل، وسلامةِ الاستنتاج، فضلاً عن طَرَافة الفكرة التي ساقها إلى كل هذه المعاني.

ولعلَّ القارئ في حاجةٍ إلى ما يُظهر له هذه الجدة والطَّرافة التي تمثَّلت في تفسير "الفاتحة"، خاصةً وأنَّ تفسيره هذا مما لا يتيسَّر لكثير من القرَّاء الاطلاعُ عليه، الأمر الذي يحتِّم علينا الإشارةَ إلى أمهات المعاني التي تضمنتها السورة، والمتمثلة في قول الشَّيْخ: (إنَّ سورةَ الفاتحة هي السورةُ الوحيدة التي وضعت أولَ الأمر لا على لسانِ الرُّبوبية العليا؛ ولكنْ على لسان البشريَّة المؤمنة[1]، تعبيرًا عن حركة نفسية جماعية متطلِّعة إلى السَّماء، بينما سائرُ السُّوَر تعبِّر عن الحركةِ المقابلة؛ حركةِ الرحمة المرسلة من السَّماء إلى الأرض، وهكذا حين ننظر إلى القرآن في جملته نراه يتمثل أمامنا في صورةِ مناجاة ثُنائية، الفاتحةُ أحدُ طرفَيْها وسائر القرآن طرفها الآخر، الفاتحةُ سؤالٌ وباقي القرآن جوابٌ، الفاتحة هي طلبُ الهدى والباقي هو الهدى المطلوب).

فإذا ما انتقلنا إلى أثرٍ آخر من آثار الشَّيْخ، وليكن كتاب "الدِّين" [2]، فإننا نجد فيه أيضًا العديد من الشَّواهد والدلالات على عُمْق فكره، وأصالةِ رأيه؛ فالكتاب ينقسم إلى مقدِّمة وأربعة بحوث، أما المقدمة، فينبئنا فيها المؤلفُ أنَّه يهيئ للقرَّاء (فرصةً للنظرة الفاحصة، والبحث الهادئ الرَّصين)، ويظهر فيها تواضعَه الجم حين يقول فيها موجِّهًا كلامه للقراء: (حتى إذا لمسوا موطنَ حاجة لتهذيب أو تكميل، كان من حقِّهم - بل من حقِّ العلم عليهم - أنْ يهدوا إلينا ملاحظاتِهم القيِّمة مشكورين مأجورين).

ثمَّ يتابع الكاتب عرضَ الفكرة الدِّينية في مختلف العصور وعند سائرِ الأمم: (الإغريق والرومان والفراعنة والنصارى)، ويبدى المؤلفُ ملحظًا ذكيًّا في استغرابه من أنَّ (الاختلاط بين الرُّومان واليونان قرونًا متوالية من قبل ومن بعد، ولم يصنعْ منهما أمةً واحدة في اللغة والدِّين والفن والتشريع وسائر مقومات الحياة الجماعية، كما صنع الفتحُ الإسلاميُّ في الأقطار التي دخلها).

ثمَّ يبدأ البحثَ الأول، وهو خاصٌّ بـ"الدِّين"، فيطوف على سائر المعاني التي وردت للدِّين سواء على المستوى الإسلامي أو المستوى الغربي، مناقشًا ومفنِّدًا لينتهي إلى أصالة الكلمة في معاجمنا العربية.

وفي البحث الثاني الذي خُصِّص لـ"بيان علاقة الدِّين بأنواع الثقافة والتهذيب"، فيتناول علاقةَ الفلسفة بالدِّين، مقررًا: (أنَّ الاتحاد في موضوع البحث لا يعني دائمًا الاتفاق على نتائجه)، فبيَّن أنَّ: (غايةَ الفلسفة المعرفةُ، وغايةَ الدِّين الإيمانُ، ومطلب الفلسفة فكرة جافة ترتسِمُ في صورة جامدةٍ، ومطلب الدِّين روحٌ وثَّابة وقوة محرِّكة).

ثمَّ يعرِّج الشَّيْخ على موضوع السَّاعة، وهو العلاقة بين الدِّين والعلم، فبيَّن أنَّ العلاقة بينهما إنْ لم تكن التناسُق، فهي الحياد، انظر إليه يقول: (إنَّه إذا كان واجبُ الأديان أن تُهادِنَ العلوم ولا تنابذها، وكان من الخير لها أن تستثمرَ المعارف البشرية كافة وتتسلَّحَ بنتائجها، فإنَّ من الخير للعلوم كذلك أن تدعَ الأديان تكمل ما فيها من نقصٍ، وتملأ ما تتركه في النفوس من فراغٍ بما يملؤها من الحقائق الرُّوحية، فإنْ لم تفعل فلا أقلَّ من أن تلتزمَ شقة حياد، فلا تعادي الأديان ولا تنكرها جملة).

أما المبحث الثالث، فهو خاص بـ "نزعة التدين ومدى أصالتها في الفطرة".

والمؤلف هنا يرجع نزعة التَّشْكيك التي سادت في القرن الثامن عشر في أوروبا إلى ذوي "السفسطة" من اليونانيين القدماء، مبينًا السبب في هذا الرُّجوع القهقرى، ثمَّ يعرض بعد ذلك للآراء والمذاهب المختلفة حول نشأةِ العقيدة الدِّينية، فيسردُ لنا آراء الطبيعيين والروحانيين والنفسانيين والأخلاقيين والاجتماعيين والتعليميين، وما أن ينتهي من هذا التَّطواف الشاسع والشَّامل لمختلف الاتجاهات والأفكار، حتى يعود للقرآن الكريم، الذي يتَّسِع لهذه المعاني كلها؛ ليخرجَ بنتيجة هي إعجازٌ آخر للقرآن الكريم (وأنَّه لن يسع الباحث المنصف متَّى تحققت هذه الإحاطةُ العلمية الشاملة إلا أنْ يرى فيها آيةً جديدة على أنَّ القرآن المجيد ليس صورةً لنفسيةِ فردٍ، ولا مرآة لعقلية شعب، ولا سجلاً لتاريخ عصر؛ وإنما هو كتابُ الإنسانية المفتوح، ومنهلها المورود).

وهكذا شأنُ سائرِ أعمال الدكتور "دراز"، تتآخى فيها عمقُ الأصالة، ودقةُ التحليل، وطرافة الاستنتاج والاستنباط، مع قوَّةِ الحجة، وسلامة الوجهة، وحسن القصد، وبراعة التوجيه.

ترى ذلك واضحًا جليًّا في كتابه "دستور الأخلاق في القرآن الكريم"، وكذلك الأمر ذاته في كتابَيْه "النبأ العظيم" و"مدخل القرآن الكريم"، فضلاً عن سائر أبحاثه ومقالاته.

وبجانب هذه الوجهة العقلية التي ميَّزتْ آثارَ شيخنا الجليل، فهناك سمةٌ أخرى للدكتور "دراز" تمثَّلَتْ في محافظته على السَّند، فهو حافظٌ مسند، ولنسمع إليه يقص لنا من نبأ هذا الإسنادِ حين يقول: (أروي صحيح البخاري)، (وجلُّ "صحيح مسلم" طريق شيوخنا المصريين قراءة منهم وأنا أسمع)، و(أما سائر "الكتب الستة"، فبالإجازة، كتابةً عن عالم المغرب السيد "محمد عبدالحي الكتاني" المحدث المشهور، عند اجتيازه للدِّيار المصرية في طريقِه إلى الحجِّ، وبالإجازة والمناولة ومقابلة النُّسخ والقراءة للبعض والسَّماع للبعض الآخَر من أستاذنا الكبير القارئ المحدث الأصولي الفقيه الأديب الجامع بين أسانيد المشارقة والمغاربة الشَّيْخ "محمد حبيب الله الشنقيطي")[3].

______________________

[1] انظر تفسير سورة الفاتحة في مجلة "المحلة" العدد الرابع - والمعنى في قول الشَّيْخ (ولكن على لسان البشرية) أنها مناجاة بين العبد وربه بتعليم الله إياه، فهي بمعنى: قولوا: الحمد لله.

[2] الكتاب بعنوان "الدِّين بحوث ممهدة لتاريخ الأديان" وقد صدر عام 1952م.

[3] انظر النص في مقدمة كتابه (من كنوز السنة) ط الأنصار.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة