شعراء خلف القضبان 2 / 2
عدد القراءات : 1275

(الأمير الأسير) أبو فراس الحمداني:

أبو فراس الحمداني (320- 357) هو الحارث بن سعيد بن حمدان، فارس أسرة بني حمدان و شاعرهم، ولد في الموصل ونشأ يتيما، لأن ناصر الدولة صاحب الموصل، وهو أخ سيف الدولة، كان قتل سعيدا والد أبي فراس، فكفله علي (سيف الدولة) الذي كان زوج أخته.

رأى سيف الدولة في أبي فراس دلائل النّجابة والفروسية فجعله صاحب منبج، وأوكل إليه أمر الثغور في نواحيها لصد الروم أو هجمات الأعراب، فأبدى شجاعة فائقة وإقداما عظيما.

وفي سنة 348 أسرت الروم أبا فراس، ففداه سيف الدولة سنة 355. ويقال إنه أسر مرتين إحداهما سنة 348 والثانية سنة 351، وفي الثانية ذهبوا به إلى القسطنطينية فأقام ينتظر فداء سيف الدولة له بمال وفير، أو مبادلة بأسير عظيم، فتأخر سيف الدولة في فدائه وطال ذلك حتى سنة 355. فكتب إليه أبو فراس يحثه على سرعة فدائه:

دَعوتُكَ للجَفن القريـْحِ المسهـَّـدِ

لديّ، وللنّوم القليـل المُشـــرَّدِ

وما ذاك بُخــلا بالحياةِ وإنهــا

لأوّلُ مبذولٍ لأولِ مُجْـتــــدِ

وما الأسرُ مما ضِقْتُ ذَرْعًا بحمله

وما الخب مما أن أقول له قـَـدِ

دعَوْتك والأبـوابُ ترتـجُّ دوننـا

فكن خيــرَ مدعوٍّ وأكرمَ مُنْجِدِ

فمثلك مــن يـُدعى لكلِّ عظيمة

ومثليَ منْ يُفْدَى بكـلِّ مُسـَـوَّدِ

أناديكَ لا أني أخافُ من الـرَّدى

ولا أرتجيْ تأخيرَ يومٍ إلى غَـدِ

فما كلُّ منْ شاء المعالي ينالُهــا

ولا كل سيَّارٍ إلى المجد يَهتـدِي

وإنك لَلْمولى الـذي بـكَ أقتـدي

وإنك لَلنّجمُ الذي بـه أهتــدي

وأنت الذي عرَّفْتَنِي طـُرقَ العلا

وأنت الـذي أهويتني كلَّ مقصدِ

وأنت الـذي بلغتني كلَّ رتبــةٍ

مشيْتُ إليهـا فوق أعناق حُسَّدي

فيا مُلبسي النُّعْمى التي جلَّ قدرُها

لقد أخْلَقـَتَ تلك الثيابُ فجَـدِّدِ!

وتأتي حمامة وتقف على نافذة زنزانته وهو في الأسر، وهي تصدر أصواتا وكانها تنوح وتبكي على فقدان عزيز فيخاطبها أبو فراس قائلا:

أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ:

أيـا جارتا هل بات حالك حالي؟

معاذَ الهوى؟ ما ذُقْتِ طارقةَ النَّوى

ولا خـطرت منك الهمومُ ببالِ

أتـحمل مـحزونَ الفؤاد قوادم

عـلى غصن نائي المسافةِ عالِ

أيـا جارتا، ما أنصف الدهرُ بيننا

تـعالَيْ أقـاسمْك الهمومَ تعالي

تـعالَيْ ترَيْ روحاً لدي ضعيفةً

تـردّدُ فـي جـسم يُعَذّبُ بالِ

أيـضحك مأسورٌ وتبكي طليقةٌ

ويـسكت محزونٌ ويندبُ سالِ

لقد كنتُ أولى منك بالدمع مقلةً

ولـكنّ دمعي في الحوادثِ غالِ

ولما ثقل الجرح وآيس من نفسه وهو أسير كتب إلى والدته يعزيها بنفسه:

مصـابي جـليلٌ والعـزاءُ جميلُ

وعـلمي بـأن اللهَ سـوف يديلُ

وإنـي لفـي هذا الصباح لَصالحٌ

ولـي كُـلما جــنّ الظلامُ غليلُ

وأسرٌ أقاسيه وليـلٌ نجـومُــه

أرى كــلَّ شيء غيرهنّ يزولُ

تطولُ بي الساعاتُ وهي قصيرةٌ

وفـي كـل دهـر لا يسرُّك طولُ

وإنّ وراء السـتر اُمّا بـكاؤهـا

عـلي وإن طـال الـزمانُ طويلُ

ثم يدعو أمه للصبر والتحمل احتسابا للأجر من الله - تعالى -:

فيـا أمَّـنا لا تعدمي الصبرَ إنه

إلى الخير والنُّجـح القريب رسولُ

ويـا أمَّـنا لا تحبطي الأجرَ إنه

عـلى قدر الصـبر الجميل جزيلُ

ويـا أمَّنا صبـرًا فكـلُّ مُلِـمّة

تجـلى على عـلاتهــا وتزولُ

ثم يدعوها إلى الاقتداء والتأسي بذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - وعن أبيها مع ابنها عبد الله بن الزبير بن العوام وكذلك التأسي بصفية بنت عبد المطلب حين صبرت بعد فقدانها لأخيها حمزة في غزوة أحد:

أمالك في ذات النطاقين أسوةٌ

بمكـة والحـرب العـوانُ تجولُ

أراد ابنُها أخذَ الأمانِ فلم يُجَبْ

وتعـلمُ عـلمـًا إنّـه لَـقــتيلُ

وكوني كما كانت بأحد صفية

ولـم يشـف منهــا بالبكاء غليلُ

فما رد يوما حمزةُ الخيرِ حزنَها

إذا مـا عـلتها زفـرةٌ وعــويلُ

وبلغه نعي أمه وهو في الحبس فرثاها بقصيدة بكائية يصف فيها حالته في الأسر وأنها ماتت وهو بعيد عنها فكانت المأساة مزدوجة ومشتركة:

أيــا أُمَّ الأسيــرِ بمن أنادي؟

وقـدمت الأيـــادي والشعورُ

إذا ابـنُك ســار في برٍّ وبحرٍ

فمن يدعو له أو يستجيرُ؟!

حـرامٌ أن يـبـيت قريرَ عينِ

ولـومٌ أن يُـلِمَّ بـه السرورُ

وقـد ذُقْـِت المـنايا والرزايا

ولا ولـدٌ لـديك ولا عــشيرُ

وغاب حبـيبُ قلبِك عن مكانٍ

ملائكةُ الســـماءِ به حضورُ

إلـى مـن أشتكي وبمن أناجي

إذا ضاقت بما فيها الصدورُ؟!

بأيِّ دعــاءِ داعــيةٍ أوقـى

بـأيِّ ضيــاءِ وجهٍ أستنيرُ؟!

بمـن يُستدفَعُ القــدرُ المرجى

بمـن يُستفتحُ الأمرُ العسيرُ؟!

تَسَــلّي عـنك إنـا عن قليلٍ

إلى ما صرْتِ في الأخرى نصيرُ

المعتمد بن عباد:

من الملك والسرير إلى أغمات أسير:

حين رأى المرابطون تفكك ملوك الطوائف في الأندلس وسقوط ممالكهم في أيدي الروم مملكة تلو الأخرى غار عليهم يوسف بن تاشفين واستولى على إماراتها واحدة تلو الأخرى، حتى بلغ اشبيلية، فواجه المعتمد غارات المرابطين بشجاعة نادرة، لكنهم في النهاية تغلبوا عليه واعتقلوه، وأرسلوه مع أسرته إلى أغمات قرب مراكش بعد مقتل ابنه المأمون في قرطبة، وابنه الراضي في رندة؛ فبقـي في أغمـات سجينا حتى مـات فقيرا مُعْدَمًـا، بعد أن تقلّب في نعيم الملك وجاه السلطان.

وفي أغمات تفجر شعر المعتمد، وأشرقت شمس إبداعه، فبعد أن كان شـاعرا مترفـا، إذا هـو يكتوي بحرارة المعاناة، وينصهر في بوتقة التجربة المريـرة القاسية، فها هو يبكي ماضيه، وقد أصبح غريبا بأرض المغرب، وقد تكالبت عليه من الهمـوم ما لا تستطيع الجبال الرواسي احتماله فيقول:

غريـبٌ بأرض المغربـين أسـيرُ

سيبكـي عليـه منـبر وسـريرُ

إذا زال لم يسـمع بطيّب ذكـره

ولم يـر ذاك اللهـوُ منـه منـيرُ

وتندبه البيـضُ الصـوارمُ والقنا

وينهـلُّ دمـع بينهـن غزيـرُ

سيبكيه في زاهيه والزاهـرُ الندى

وطلابُـه والعـرفُ ثـم نكـيرٌ

إذا قيل في أغمات قد مات جودُه

فمـا يرتجـي بعد الممات نشورُ

مضى زمـنٌ والملكُ مستأنسٌ به

وأصبح عنـه اليـوم وهو نفورُ

أذل بـني مـاءِ السمـاءِ زمانُهم

وذُلُّ بني مـاءِ السمـاءِ كثـيرُ

برأيٍ مـن الدهـر المضلل فاسدٍ

متى صلحت للصالحـين دهـورُ

فما ماؤهـا إلا بكـاءٌ عليهـم

يفيض علـى الأكبـاد منه بحورُ

فيا ليت شـعري هـل أبيتنّ ليلةً

أمامي وخلفـي روضـةٌ وغديرُ

بمنبتة الزيتـون مورثـة العُلـا

تغـني حمـام أو تـرفَُ طيـورُ

بزاهـرها السامي الذي جاده الحيا

تشـيرُ الثريـا نحـونا ونشـيرُ

ويلحظنا الزاهي وسعدُ سُـعودِه

غيورين والصـبُّ المحبُّ غيـورُ

تراه عسـيراً لا يسـيراً منالُـه

ألا كلُّ مـا شـاء الإلـه يسـيرُ

وحين جاءت بناته لزيارته في حبسه يوم العيد ولما رأى مايعانينه من شظَف العيش أنشأ هذه الأبيات:

فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا

فـساءكَ الـعيدُ في أغمأتَ مأسورا

تـرى بـناتِك في الأطمار جائعةً

يـغزلْنَ لـلناس مايملكن قِمْطيرا

بـرزْنَ نـحوك للتسليم خاشعةً

أبـصارُهن حـسيراتٍ مكاسيرا

يـطأن في الطين والأقدامُ حافيةٌ

كـأنها لـم تـطأ مِسكاً وكافورا

لاخـدَّ إلا تـشكى الجدْبَ ظاهرُه

ولـيس إلا مع الأنفاس ممطورا

أفطرْتَ في العيد لا عادت مساءتُهُ

فـكان فِـطْرُك لـلأكبادِ تفطيرا

قـد كان دهرُك إنْ تأمرْه ممتثلاً

فـردَّك الـدهرُ مـنهيّاً ومأمورا

مـن بات بعدك في ملكٍ يُسَرُّ بهِ

فـإنما بـاتَ بـالأحلام مغرورا

 

 

 

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة