ستكتب شهادتهم ويسألون
عدد القراءات : 3695

 

عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر "ثلاثاً"؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئاً فقال: ألا وقول الزور قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت".

 

[رواه البخاري، كتاب الشهادات]

 

معاني الألفاظ:

- ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً: كرر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الجملة ثلاث مرات تأكيداً لينتبه السامع ويستحضر فهمه، والكبائر جمع كبيرة وهي: كل ذنب ختمه الله - تعالى - بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب ونحو هذا.

- الإشراك بالله: الشرك على نوعين: الشرك الأكبر وهو اتخاذ العبد من دون الله نداً يسويه برب العالمين يحبه كحب الله ويخشاه كخشية الله ويلتجئ إليه ويدعوه ويخافه ويرجوه أو يطيعه في معصية الله أو يتبعه على غير مرضاة الله.

قال - تعالى -: [إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ]، وقال - تعالى -: [ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً]، وقال - تعالى -: [إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار ].

والشرك الأصغر: وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور وهو يسير الرياء الداخل في تحسين العمل المراد به - تعالى -، قال - سبحانه -: [فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء، ومن الشرك الأصغر الحلف بغير الله كالحلف بالآباء، والأنداد والأمانة والكعبة.

وجلس وكان متكئاً: هذا يشعر باهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - وتحذيره من شهادة الزور، وتأكيد حرمته وبيان عظم قبحه.

ألا وقول الزور: الزور أعلى الصدر، والأزور المائل الزور وقيل للكذب زور لكونه مائلاً عن جهته.

وأصله تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق.

فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت: فعلوا ذلك شفقة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكراهية لما يزعجه، ويظهر من ذلك محبتهم له - عليه الصلاة والسلام - وتوقيرهم له.

أحكام فقهية ودروس مستفادة من الحديث:

1 - استحباب إعادة بعض الكلام وتكرار الموعظة ثلاثاً لينتبه لها السامع ويفهمها.

2 - بيان معنى الكبائر وذكر بعضها والتحذير من الوقوع فيها.

3 - الشرك بالله من أكبر الكبائر التي يدخل فاعلها النار إذا مات على ذلك.

4 - عقوق الوالدين من كبائر الذنوب التي يهان فاعلها في الدنيا ويعاقب في الآخرة.

5 - غلظ أمر شهادة الزور وتأكيد حرمتها وعظيم قبحها لما يترتب عليها من المفاسد، ولذلك قرن ذكرها مع الشرك.

6 - التحريض على مجانبة كبائر الذنوب ليحصل تكفير الصغائر بذلك.

7 - وجوب أداء الشهادة على وجهها وعدم كتمانـها]ومن يكتمها فإنه آثم قلبه].

8 - انزعاج الواعظ في وعظه ليكون أبلغ في الوعي والزجر عن فعل ما ينهى عنه.

9 - إشفاق التلميذ على شيخه إذا رآه منـزعجاً وتمنى عدم غضبه لما يترتب على الغضب من تغير مزاجه.

حد الكبائر والتحذير منها:

اجتناب الكبائر من سمات المؤمنين الذين وصفهم الله - تعالى - بقوله: [وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربـهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون] [الشورى: 36 - 37]. وبقوله: [ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة] [النجم: 32].

واجتناب الكبائر شرط في تكفير السيئات. قال - تعالى -: [إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً] [النساء: 31].

قال العلماء: ولا انحصار للكبائر في عدد مذكور، وقد جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن الكبائر أسبع هي؟ فقال: هي إلى السبعين ويروى إلى سبعمائة.

وذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر.

وإذا ثبت انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر فقد اختلفوا في ضبطها اختلافاً كثيراً، فروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله - تعالى - بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب.

قال الشيخ العز بن عبد السلام: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغيرة والكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها، فإذا نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهي من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو ربت عليه فهي من الكبائر.

فشتم الرب - سبحانه -، أو الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو الاستهانة بالرسل، أو تكذيب أحد منهم أو إلقاء المصحف في القاذورات، هي من أكبر الكبائر ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة، وكذلك لو دلَّ الكفار على عورات المسلمين، ولو كذب على إنسان كذباً يعلم أنه يقتل بسببه فهي كبيرة، والحكم بغير الحق كبيرة، فإن شاهد الزور متسبب والحاكم مباشر، فإذا جعل السبب كبيرة فالمباشرة أولى.

وقال ابن عبد السلام أيضاً: لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة لا يسلم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعاراً دون الكبائر المنصوص عليها.

وقال أبو الحسن الواحدي المفسر: الصحيح أن حد الكبيرة غير معروف، بل ورد الشرع بوصف أنواع من المعاصي بأنـها كبائر، وأنواع بأنـها صغائر وأنواع لم توصف وهي مشتملة على صغائر وكبائر، والحكمة في عدم بيانـها أن يكون العبد ممتنعاً من جميعها مخافة أن تكون من الكبائر كإخفاء ليلة القدر، وساعة الجمعة، واسم الله الأعظم. والله أعلم[1].

وقال الشيخ الشنقيطي: والأظهر عندي في ضابط الكبيرة أنـها كل ذنب اقترن بما يدل على أنه أعظم من مطلق المعصية سواء كان ذلك الوعيد عليه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، أو كان وجوب الحد فيه أو غير ذلك مما يدل على تغليظ التحريم وتوكيده، مع أن بعض أهل العلم قال: إن كل ذنب كبيرة[2].

والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، وروي عن عمر وابن عباس رضي الله عنهم: "لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار".

والإصرار: هو أن تتكرر منه الصغيرة تكراراً يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك.

كونوا قوامين بالقسط شهداء لله:

الشهود والشهادة: الحضور مع المشاهدة إما بالبصر أو البصيرة، قال - تعالى - في مدح المؤمنين الصالحين: [والذين لا يشهدون الزور]، والشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر.

وشهدت يقال على ضربين: أحدهما: جار مجرى العلم وبلفظه تقام الشهادة، يقال: أشهد بكذا.

الثاني: يجري مجرى القسم فيقول: أشهد بالله..

وقد يعبّر بالشهادة عن الحكم نحو قوله - تعالى -:]وشهد شاهد من أهلها]، ويعبر بـها عن الإقرار نحو قوله - تعالى -: [شاهدين على أنفسهم بالكفر[[3].

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى فانطلق معه في إبله فمرّ به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالاً فشد به عروة جوالقه.

فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيراً واحداً، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال. قال: فأين عقاله؟ قال فحذفه بعصاً كان فيها أجله. فمرّ به رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد وربما شهدته. قال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم. قال: فكتب: إذا أنت شهدت الموسم فنادِ يا آل قريش، فإذا أجابوك فنادِ يا آل بني هاشم فإن أجابوك فاسأل عن أبي طالب فأخبره أن فلاناً قتلني في عقال ومات المستأجر. فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض فأحسنت القيام عليه، فوليت دفنه. قال: قد كان أهل ذاك منك. فمكث حيناً، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال: يا آل قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا بني هاشم. قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب. قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة أن فلاناً قتله في عقال. فأتاه أبو طالب فقال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، وإن أبيت قتلناك به. فأتى قومه فقالوا: نحلف. فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له فقالت: يا أبا طالب أحب أن تجيز ابن هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل. فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب أردت خمسين رجلاً أن يحلفوا مكان مائة من الإبل، يصيب كل رجل بعيران هذان بعيران فأقبلهما مني ولا تصبر يميني حيث تُصبر الأيمان فقبلهما. وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا. قال ابن عباس: فوا الذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرف"[4].

أيها القارئ اللبيب: لقد حلت بأمة الإسلام فتن عظيمة، خصوصاً في العقد الأخير من الزمن الذي نعيشه، فاكتوى بعض الناس بنارها، وصمد لها آخرون من العلماء الصالحين والدعاة المخلصين الذين أخلصوا دينهم لله، فصبروا على ما أصابـهم في سبيل الله.

فُتن بعض الناس وتأثروا بزخارف الدنيا وغرتـهم المناصب والجاه فشهدوا ضد العلماء الصالحين شهادة زور، وطعنوا بـهم وتسببوا بحصول الأذى للعلماء الصادقين من أجل حصولهم على مكاسب دنيوية لا تدوم، وقد حذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يفعل ذلك بعذاب جهنم، فعن المستورد بن شداد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله - عز وجل - يطعمه مثلها من جهنم، ومن اكتسى برجل مسلم ثوباً فإن الله - عز وجل - يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام سمعة فإن الله - عز وجل - يقوم به مقام سمعة يوم القيامة"[5].

فهل هناك ما هو أعظم زوراً وأشد ظلماً من الوشاية ضد العلماء، وتحريض ذوي السلطان ضد من قاموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتـهامهم بالخروج على الحكام وإثارة الفتنة والشغب؟!!.

وهل هناك ما هو أعظم زوراً وبـهتاناً من النيل من العلماء العاملين الذين أنار الله بصائرهم، وحذروا الأمة من المجازر التي وقعت ضد المسلمين والدعاة العاملين في مناطق مختلفة من بلاد العالم الإسلام، وصدق في هؤلاء العلماء المتوسمين قول الشاعر:

بصير بأعقاب الأمور كأنما  تخاطبه من كل أمر عواقبه

أي زور أعظم ممن قالوا في حق العلماء - الذين بينوا للأمة ما يراد بـها - من أنـهم يثبطون عن الجهاد وغير ذلك من بذاءات واتـهامات واستطالة في أعراض العلماء؟!!.

لقد تطاول أناس حتى على الأموات من المسلمين، وأساءوا بـهم الظن، وحملوا كلامهم ما لا يحتمله، واتـهموهم زوراً وبـهتاناً بشتى التهم، رغم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء عنه في الحديث كما تروي أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسبوا الأموات فإنـهم قد أفضوا إلى ما قدموا" رواه البخاري.

ستكتب شهادتـهم ويسألون:

أيها القارئ اللبيب: تلك لمحات ذكرتـها لك مما قد وقع من زور وبـهتان في حق العلماء والدعاة المخلصين، ولكن يجدر بي أن أذكر لك أمراً لا أنساه مما يتعلق بالشهادة، وكلما أذكره أتذكر حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يرويه عمران بن حصين - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خيركم قرني، ثم الذين يلونـهم، ثم الذين يلونـهم - قال عمران: لا أدري أذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدُ قرنين أو ثلاثة - قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن بعدكم قوماً يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يُستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السِّمن"[6].

أذكر لك - أيها القارئ أو أذكرك لتعتبر - أن شخصاً يقيم في بلد غير بلده، ثم يرحل إلى بلاد أخرى يقيم فيها عالم كبير ليلتقي معه فيها ليسجل له كلاماً يكون له حجة ودليلاً للنيل من بعض العلماء الصالحين الذين يخالفون هوى ذلك الشخص الذي كلف نفسه عناء السفر، فهل تفكر في نيته!! هل كان سفره لفعل عباده، أو لمقابلة عدو، إنه فعل ذلك ليشهد وليس بمُستشهد.

أيها القارئ اللبيب، ما أسطره لك على هذه الصفحات لم يكن إلا لدعوتك إلى التمسك بالسنة إن شاء الله، وإن الذكرى تنفع المؤمنين، وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ومن أبكاك فربما يبكي عليك أحياناً، لقد طلع الصبح لذي عينين، وظهرت كثير من الحقائق وانكشفت كثير من خبايا الأمور، ورائد القوم لا يكذبـهم.

ألم يأن لك أن تتحلل من عرض أناس باعوا نفوسهم لله فشتمتهم واستطلت في أعراضهم؟ ألم يأن لك أن تبذل ما في وسعك وطاقتك لكي تسترضي هؤلاء الذين طعنت فيهم ونلت منهم بغير حق، وقلت فيهم منكراً من القول وزوراً؟ والله - تعالى - يقول: [وإذا قلتم فاعدلوا].

إنني نذير لك بين يدي الله، ومبتغ لك الخير عند الله أن تدع عنك نزغات الشيطان، فتمسك نفحة من الرحمن، فانته عن غيك، وارجع إلى صديقك وأخيك الذي أخطأت في حقه فتحلل من الظلم الذي أحللته به، قبل أن تصل إلى يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وقبل أن تأتي إلى يوم يؤخذ فيه من حسناتك ويطرح من سيئات من وقعت في أعراضهم عليك، فتعود مفلساً، وكنت تحسب نفسك غنياً وتحسب أنك على شيء فإن لم تفعل فقد كتمت شهادة حق والله - تعالى - يقول: [ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه[[البقرة: 283].

وأصررت على قول الزور والله - تعالى - يقول: [واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين].

واعتبر بمن قال: "على مثل الشمس فاشهد وإلا فلا".

ولا تشهد على الظلم ولا على الجور كما علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد جاء في الحديث عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - قال: سألت أمي أبي بعض الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبها لي فقالت: لا أرضى حتى تشهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أمه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا. قال: ألك ولد سواه؟ قال: نعم. قال فأراه قال: لا تشهدني على جور".

وقال أبو حريز عن الشعبي: "لا أشهد على جور"[7].

ولرب قائل يقول: وماذا تقول في الحديث المروي عن زيد بن خالد الجهني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها"[8].

فالجواب هو أن معنى الحديث ينطبق على من يأتي بشهادة ينصر فيها مظلوماً أو يظهر حقاً مغموطاً أو يؤيد ضعيفاً مستضعفاً كما فعل ذلك اليماني في شهادته بشأن المستأجر الذي قتل من أجل عقال فتجشم عناء السفر وأنفق من ماله حتى يبلغ شهادة حق، فمثل هذا تختلف شهادته عمن يؤدي شهادة ليرضي حاكماً أو لينال منصباً أو ليطعن في عرض عالم أو جماعة فلا يستوي الخبيث والطيب ولا المصلح والمفسد ولا المحسن والمسيء، فهل تنبهت وأدركت لئلا تتشعب بك المسالك فتضل عن الطريق وحينئذ تبحث عن المنقذ فلا تجده، فأعد النظر قبل فوات الأوان. قال - تعالى -: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[[النساء: 135]...

----------------------------------------

[1] - أنظر شرح صحيح مسلم للنووي، كتاب الإيمان 1/265، وفتح الباري لابن حجر، كتاب الأدب 10/424.

[2] - أضواء البيان - تفسير سورة الشورى 7/129.

[3] - أنظر المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني، ص 271.

[4] - صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب القسامة في الجاهلية، رقم الحديث: 3845.

[5] - مسند الإمام أحمد، تخريج حمزة الزين، رقم الحديث: 17934.

[6] - صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب (لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد)، رقم: 2651.

[7] - صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، رقم: 2650.

[8] - جامع الترمذي، أبواب الشهادة، رقم الحديث في تحفة الأحوذي: 2397.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة