الإعجاز البياني واللغوي في القرآن
الكاتب :
عدد القراءات : 2517

قضية الإعجاز البياني بدأت تفرض وجودها على العرب من أول المبعث، فمنذ أن تلا المصطفى - عليه الصلاة والسلام - في قومه ما تلقى من كلمات ربه، أدركت قريش ما لهذا البيان القرآني من إعجاز لا يملك أي عربي يجد حسَّ لغته وذوقها الأصيل، سليقة وطبعاً، إلا أن يسلم بأنه ليس من قول البشر.

من هنا كان حرص طواغيت الوثنية من قريش، على أن يحولوا بين العرب وبين سماع هذا القرآن. فكان إذا أهل الموسم وآن وفود العرب للحج، ترصدوا لها عند مداخل مكة، وأخذوا بسبل الناس لا يمر بهم أحد حذروه من الإصغاء إلى ما جاء به محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - من كلام قالوا إنه السحر يفرق بين المرء وأبيه وأخيه، وبين المرء وزوجه وولده وعشيرته.

وربما وصلت آيات منه إلى سمع أشدهم عداوة للإسلام، فألقى سلاحه مصدقاً ومبايعاً، عن يقين بأن هذه الكلمات ليست من قول البشر.

حدثوا أن " عمر بن الخطاب " خرج ذات مساء متوشحاً سيفه يريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورهطاً من أصحابه، في بيت عند " الصفا " سمع أنهم مجتمعون فيه، فلقيه في الطريق من سأله:

ـ أين تريد يا عمر؟

أجاب: أريد محمداً هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها، فأقتله.

قال له صاحبه:

ـ غرتك نفسك يا عمر! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمداً؟ أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟

سأله عمر، وقد رابه ما سمع:

ـ أي أهل بيتي تعني؟

فأخبره أن صهره وابن عمه " سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل " قد أسلم.

و كذلك أسلمت زوجته، أخت عمر " فاطمة بنت الخطاب".

فأخذ " عمر " طريقه إلى بيت صهره مستثار الغضب، يريد أن يقتله ويقتل زوجته فاطمة. فما كاد يدنو من الباب حتى سمع تلاوة خافتة لآيات من سورة طه، فدخل يلح طلب الصحيفة التي لمح أخته تخفيها عند دخوله....

و انطلق من فوره إلى البيت الذي اجتمع فيه المصطفى بأصحابه، فبايعه، وأعز الله الإسلام بعمر، وقد كان من أشد قريش عداوة للإسلام وحرباً للرسول. [سيرة بن هشام].

و في حديث بيعة العقبة، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ندب صاحبه " مصعب بن عمير " ليذهب مع أصحاب العقبة إلى يثرب، ليقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام. فنزل هناك على " أسعد بن زرارة " الأنصاري الخزرجي.

فحدث أن خرجا يوماً إلى حي بني عبد الأشهل رجاء في أن يسلم بعض القوم. فما سمع كبير الحي "سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير" بقدم مصعب وأسعد، ضاقا بهما وأنكرا موضعهما من الحي، قال سعد بن معاذ لصاحبه أسيد بن حضير: " لا أبا لك! انطلق على هذين الرجلين فأزجرهما وانهما عن أن يأتيا دارينا. فإنه لولا أن أسعد بن زرارة منى حيث علمت، كفيتك ذلك: هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدماً".

و التقط أسيد بن حضير حربته ومضى إلى صاحبي رسول الله فزجرهما متواعداً:

ـ ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بنفسيكما حاجة.

قال له مصعب بن عمير:

ـ أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كُفَّ عنك ما تكره؟

فركَّز أسيد حربته واتكأ عليها يصغي إلى ما يتلو مصعب من القرآن. ثم أعلن إسلامه من فوره، وعاد إلى قومه فعرفوا أنه جاء بغير الوجه الذي ذهب به. وما زال أسيد بسعد بن معاذ حتى صحبه إلى ابن خالته أسعد بن زرارة، فبادره سعد سائلاً في غضب وإنكار:

" يا أبا أمامة، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني. أتغشانا في دارنا بما نكره؟ ".

ولم يجب أبو أمامه، بل أشار على صاحبه " مصعب " الذي استهل سعد بن معاذ حتى يسمع منه، ثم تلا آيات من معجزة المصطفى، نفذت إلى قلب ابن معاذ فمزقت عنه حجب الغفلة وغشاوة الضلال. وأعلن إسلامه وعاد إلى قومه فسألهم: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟

أجابوا جميعاً: سيدنا، وأفضلنا رأياً، وأيمننا فيكم؟

فأجابوا جميعاً: سيدنا، وأفضلنا رأياً، وأيمننا نقيبة.

فعرض عليهم الإسلام " فو الله ما أمسى في حي بني عبد الأشهل رجل أو امرأة إلا مسلماً ومسلمة "[سيرة بن هشام].

هل فرض القرآن إعجازه على هؤلاء الذين استنارت بصائرهم فآمنوا بمعجزة المصطفى بمجرد سماعهم آيات منها، دون غيرهم ممن لجوا في العناد والتكذيب؟

إن القرآن لم يفرض إعجازه البياني من أول المبعث، على هؤلاء الذين سبقوا إلى الإيمان به فحسب، بل فرضه كذلك على من ظلوا على سفههم وشركهم، عناداً وتمسكاً بدين الآباء ونضالاً عن أوضاع دينية واقتصادية واجتماعية لم يكونوا لم يكونوا يريدون لها أن تتغير.

و في الخبر أن من طواغيت قريش وصناديد الوثنية العتاة من كانوا يتسللون في اوئل عصر المبعث خفية عن قومهم، ليسعوا آيات هذا القرآن دون أن يملكوا إرادتهم.

روى " ابن إسحاق " في السيرة أن أبا سفيان بن حرب العبشي، وأبا جهل ابن هشام المخزومي، والأخنس بن شريق الزهري، خرجوا ذات ليلة متفرقين على غير موعد، إلى حيث يستمعون من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلى ويتلو القرآن في بيته. فأخذ كل رجل منهم مجلساً يستمع فيه، ولا أحد منهم يعلم بمكان صاحبيه. فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض:

" لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً " ثم انصرفوا.

حتى إذا كانت الليلة التالية، عاد كل منهم إلى مجلسه لا يدري بمكان صاحبيه.

فباتوا يستمعون للمصطفى حتى طلع الفجر فتفرقوا وجمعهم الطريق فتلاوموا، وانصرفوا على ألا يعودوا.

لكنهم عادوا فتسللوا في الليلة الثالثة وباتوا يستعمون إلى القرآن[سيرة بن هشام].

إعجاز النظم في القرآن الكريم

لإعجاز النظم عدة مظاهر تتجلى فيها:

المظهر الأول: " الخصائص المتعلقة بالأسلوب "

و إليك هذه الخصائص:

الخاصة الأولى: إن هذا الأسلوب يجري عن نسق بديع خارج عن المعروف من نظام جميع كلام العرب، ويقوم في طرقته التعبيرية على أساس مباين للمألوف من طرائقهم. بيان ذلك أن جميع الفنون التعبيرية عند العرب لا تعدو أن تكون نظما أو نثرا، وللنظم أعاريض، وأوزان محددة معروفة، وللنثر طرائق من السجع، والإرسال وغيريهما مبينة ومعروفة. والقرآن ليس على أعاريض الشعر في رجزه ولا في قصيده، وليس على سنن النثر المعروف في إرساله ولا في تسجيعه، إذ هو لا يلتزم الموازين المعهودة في هذا ولا ذاك، ولكنك مع ذلك تقرأ بضع آيات منه فتشعر بتوقيع موزون ينبعث من تتابع آياته، بل يسري في صياغته، وتألف كلماته، وتجد في تركيب حروفه تنيسقاً عجيباً يؤلف اجتماعها إلى بعضها لحنا مطرباً يفرض نفسه على صوت القارئ العربي كيفما قرأ، طالما كانت قراءته صحيحة. ومهما طفت بنظرك في جوانب كتاب الله - تعالى - ومختلف سوره وجدته مطبوعاً على هذا النسق العجيب فمن أجل ذلك تحير العرب في أمره، إذ عرضوه على موازين الشعر فوجدوه غير خاضع لأحكامه، وقارنوه بفنون النثر فوجدوا غير لاحق بالمعهود من طرائفه فكان أن انتهى الكافرون منهم إلى أنه السحر، واستيقن المنصفون منهم بأنه تنزيل من رب العالمين. وإليك أيها القارئ الكريم بعض الأمثلة التي توضح هذه الحقيقة، وتجليها، قال - تعالى -:

بسم اللَّهِ الرحمن الرحيم

حم 1 تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 2 كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 3 بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ 4 وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ 5 قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ 6 [سورة: فصلت]. و هذه الآيات بتأليفها العجيب، ونظمها البديع حينما سمعها عتبة بن أبي ربيعة وكان من أساطين البيان استولت على أحاسيسه، ومشاعره، وطارت بلبه، ووقف في ذهول، وحيرة، ثم عبر عن حيرته وذهوله بقوله: " والله لقد سمعت من محمد قولاً ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة... و الله ليكونن لقوله الذي سمعته نبأ عظيم".

و إليك سورة من سوره القصار تتجلى فيها هذه الحقيقة أمام العيان من ينكرها فكأنما ينكر الشمس في وضح النهار.

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا 1 وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا 2 وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا 3 وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا 4 وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا 5 وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا 6 وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا 7 فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا 8 قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا 9 وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا 10 كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا 11 إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا 12 فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا 13 فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا 14 وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا 15 [سورة الشمس].

تأمل هذه الآيات، وكلماتها، وكيف صيغت هذه الصياغة العجيبة؟ وكيف تألفت كلماتها وتعانقت جملها؟ وتأمل هذا النغم الموسيقي العذب الذي ينبع من هذا التالف البديع، إنه إذا لامس أوتاد القلوب: اهتزت له العواطف ن وتحركت له المشاعر، وأسال الدموع من العيون، وخرت لعظمته جباه أساطين البيان، أشهد أنه النظم الإلهي الذي لا يقدر على مثله مخلوق.

و هذه الحقيقة توجد في سائر كتاب الله لا تتخلف في سورة من سوره ولا في آياته، ومن أجل ذلك عجز أساطين البيان عن الإتيان بأقصر من مثله.

و في هذا يقول الرافعي - رحمه الله -: (وذلك أمر متحقق بعد في القرآن الكريم: يقرأ الإنسان طائفة من آياته، فلا يلبث أن يعرف لها صفة من الحس ترافد ما بعدها وتمده، وفلا تزال هذه الصفة في لسانه، ولو استوعب القرآن كله، حتى لا يرى آية قد أدخلت الضيم على أختها، أو نكرت منها، أو أبرزتها عن ظل هي فيه، أو دفعنها عن ماء هي إليه: ولا يرى ذلك إلا سواء وغاية في الروح والنظم والصفة الحسية، ولا يغتمض في هذا إلا كاذب على دخله ونية، ولا يهجن منه إلا أحمق على جهل وغرارة، ولا يمتري فيه إلا عامي أو أعجمي وكذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) [1]".

الخاصة الثانية:

هي أن التعبير القرآني يظل جارياً على نسق واحد من السمو في جمال اللفظ، وعمق المعنى ودقة الصياغة وروعة التعبير، رغم تنقله بين موضوعات مختلفة من التشريع والقصص والمواعظ والحجاج والوعود والوعيد وتلك حقيقة شاقة، بل لقد ظلت مستحيلة على الزمن لدى فحول علماء العربية والبيان.

و بيان ذلك أن المعنى الذي يراد عرضه، كلما أكثر عموما وأغنى أمثلة وخصائص كان التعبير عنه أيسر، وكانت الألفاظ أليه أسرع، وكلما ضاق المعنى وتحدد، ودق وتعمق كان التعبير عنه أشق، وكانت الألفاظ من حوله أقل.

و لذا كان أكثر الميادين الفكرية التي يتسابق فيها أرباب الفصاحة والبيان هي ميادين الفخر والحماسة والموعظة والمدح والهجاء، وكانت أقل هذه الميادين اهتماماً منهم، وحركة بهم ميادين الفلسفة والتشريع ومختلف العلوم، وذلك هو السر في أنه قلما تجد الشعر يقتحم شيئاً من هذه الميادين الخالية الأخرى.

و مهما رأيت بليغاً كامل البلاغة والبيان، فإنه لا يمكن أن يتصرف بين مختلف الموضوعات والمعاني على مستوى واحد من البيان الرفيع الذي يملكه، بل يختلف كلامه حسب اختلاف الموضوعات التي يطرقها، فربما جاء بالغاية ووقف دونها، غير أنك لا تجد هذا التفاوت في كتاب الله - تعالى -، فأنت تقرأ آيات منه في الوصف، ثم تنتقل إلى آيات أخرى في القصة، وتقرأ بعد ذلك مقطعاً في التشريع وأحكام الحلال والحرام، فلا تجد الصياغة خلال ذلك إلا في أوج رفيع عجيب من الإشراق والبيان، وتنظر فتجد المعاني كلها لاحقة بها شامخة إليها. ودونك فأقرأ ما شئت من هذا الكتاب المبين متنقلاً بين مختلف معانيه، وموضوعاته لتتأكد من صدق ما أقول، ولتلمس برهانه عن تجربة ونظر[2].

ويقول الرافعي في معرض حديثة عن أسلوب القرآن: لا ترى غير صورة واحدة من الكمال، وإن اختلفت أجزاؤها في جهات التركيب وموضع التأليف وألوان التصوير وأغراض الكلام " [3].

و يقول في معرض حديثه عن " روح التركيب " في أسلوب القرآن: "و هذه الروح لم تعرف قط في كلا عربي غير القرآن، وبها انفرد نظمه، وخرج مما يطيقه الناس، ولولاها لم يكن بحيث هو، كأنما وضع جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين، إذ نراه ينظر في التركيب إلى نظم الكلمة، وتأليفها، ثم إلى تأليف هذا النظم، فمن هنا تعلق بعضه على بعض، وخرج في معنى تلك الروح صفة واحدة هي صفة إعجازه في جملة التركيب، وأن العبارات على جملة ما حصل به من جهات الخطاب: كالقصص والمواعظ والحكم والتعليم، ضرب الأمثال إلى نحوها مما يقدر عليه.

و لولا تلك الروح لخرج أجزاء متفاوتة على مقدار ما بين هذه المعاني، وموقعها في النفوس، وعلى مقدار ما بين الألفاظ والأساليب التي تؤديها حقيقة ومجازا، كما تعرف من كلام البلغاء، عند تباين الوجوه التي يتصرف فيها، على أنهم قد رفهوا عن أنفسهم وكفوها أكبر المؤنة فلا يألون أن يتوخوا بكلامهم إلى أغراض ومعان يعذب فيها الكلام ويتسق القول وتحسن الصنعة مما يكون أكبر حسنة في مادته اللغوية، وذلك شائع مستفيض في مأثور الكلام إلى غيره، وافضوا بالكلام إلى المعنى ما يشبه في اثنين متقابلين من الناس منظر قفا إلى وجه

و على أننا لم نعرف بليغاً من البلغاء تعاطى الكلام في باب الشرع وتقرير النظر، وتبيين الأحكام ونصب الأدلة وأقام الأصول والاحتجاج لها والرد على خلافها إلا جاء بكلام نازل عن طبقة كلامه في غير هذه الأبواب، وأنت قد تصيب له في غيرها اللفظ الحر والأسلوب الرائع والصنعة المحكمة والبيان العجيب، والمعرض الحسن فإذا صرت إلى ضروب من تلك المعاني، وقعت ثمة على شيء كثير من اللفظ المستكره، والمعنى المستغلق، والسياق المضطرب والأسلوب المتهافت والعبارة المبتذلة، وعلى النشاط متخاذلا، والعرى محلولة، والوثيقة واهنة " [4].

الخاصة الثالثة: أن معانيه مصاغة بحيث يصلح أن يخاطب بها الناس كلهم على اختلاف مداركهم وثقافتهم وعلى تباعد أزمنتهم وبلدانهم، ومع تطور علومهم واكتشافاتهم.

خذ آية من كتاب الله مما يتعلق بمعنى تتفاوت في مدى فهمه العقول، ثم اقرأها على مسامع خليط من الناس يتفاوتون في المدارك، والثقافة، فستجد أن الآية تعطي كلا منهم معناها بقدر ما يفهم، وأن كلا منهم يستفيد منها معنى وراء الذي انتهي عنده علمه.

و في القرآن الكثير من هذا وذاك فلنعرض أمثلة منه:

من القبيل الأول قوله - تعالى -:

(تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً) (الفرقان: 61) فهذه تصف كلاً من الشمس والقمر بمعنيين لهما سطح قريب يفهمه الناس كلهم، ولها عمق يصل إليه المتأملون والعلماء، ولها جذور بعيدة يفهمها الباحثون والمتخصصون، والآية تحمل بصياغتها هذه الدرجات الثلاثة للمعنى، فتعطي طاقته وفهمه.

فالعامي من العرب يفهم منها أن كلاً من الشمس والقمر يبعثان بالضياء إلى الأرض، وإنما غاير في التعبير عنه بالنسبة لكل منهما تنويعاً للفظ، وهو معنى صحيح تدل عليه الآية، والمتأمل من علماء العربية يدرك من وراء ذلك أن الآية تدل على أن الشمس تجمع إلى النور الحرارة فلذلك سماها سراجاً، والقمر يبعث بضياء لا حرارة فيه.

الخاصة الرابعة: وهي ظاهرة التكرار.

وفي القرآن من هذه الظاهرة نوعان:

أحدهم: تكرار بعض الألفاظ أو الجمل.

و ثاينهما: تكرار بعض المعاني كالأقاصيص، والأخبار.

فالنوع الأول: يأتي على وجه التوكيد، ثم ينطوي بعد ذلك على نكت بلاغية، كالتهويل، والإنذار، التجسيم والتصوير وللتكرار أثر بالغ في تحقيق هذه الأغراض البلاغية في الكلام، ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله - تعالى -:

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَاقَّةُ 1 مَا الْحَاقَّةُ 2 وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ 3 " وقوله - تعالى -: 25 سَأُصْلِيهِ سَقَرَ 26 وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ 27.

و النوع الثاني: وهو تكرار بعض القصص والأخبار يأتي لتحقيق غرضين هامين:

الأول: إيصال حقائق ومعاني الوعد والوعيد إلى النفوس بالطريقة التي تألفها، وهي تكرار هذه الحقائق في صور وأشكال مختلفة من التعبير والأسلوب، ولقد أشار القرآن إلى هذا الغرض بقوله: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً) (الاسراء: 41).

الثاني: إخراج المعنى الواحد في قوالب مختلفة من الألفاظ والعبارة، وبأساليب مختلفة تفصيلاً وإجمالاً، الكلام في ذلك حتى يتجلى إعجازه، ويستبين قصور الطاقة البشرية عن تقليده أو اللحاق بشأوه، إذ من المعلوم أن هذا الكتاب إنما تنزل للإقناع العقلاء، من الناس بأنه ليس كلام بشر، ولإلزامهم بالشريعة التي فيه، فلابد فيه من الوسائل التي تفئ بتحقيق الوسيلة إلى كلا الأمرين.

و من هنا كان من المحال أن تعثر في القرآن كله على معنى يتكرر في أسلوب واحد من اللفظ، ويدور ضمن قالب واحد من التعبير، بل لابد أن تجده في كل مرة يلبس ثوباً جديداً من الأسلوب، وطريقة التصوير والعرض، بل لابد أن تجد التركيز في كل مرة منها على جانب معين من جوانب المعنى أو القصة ولنضرب لك مثالاً على هذا الذي نقول: بقصة موسى - عليه السلام - إذ أنها أشد القصص في القرآن تكراراً، فهي من هذه الوجهة تعطى فكرة كاملة على هذا التكرار.

وردت هذه القصة في حوالي ثلاثين موضعاً، ولكنها في كل موضع تلبس أسلوباً جديداً وتخرج أخراجاً جديدا يناسب السياق الذي وردت فيه، وتهدف إلى هدف خاص لم يذكر في مكان آخر، حتى لكأننا أمام قصة جديدة لم نسمع بها من قبل.

الخاصة الخامسة:

و هي تداخل أبحاثه، ومواضيعه في معظم الأحيان فإن من يقرأ هذا الكتاب المبين لا يجد فيه ما يجده في عامة المؤلفات والكتب الأخرى من التنسيق والتبويب حسب المواضيع، وتصنيف البحوث مستقلة عن بعضها، وإنما يجد عامة مواضيعه وأبحاثه لاحقة ببعضها دونما فاصل بينهما، وقد يجدها متداخل في بعضها في كثير من السور والآيات.

و الحقيقة أن هذه الخاصة في القرآن الكريم، إنما هي مظهر من مظاهر تفرده، واستقلاله عن كل ما هو مألوف ومعروف من طرائق البحث والتأليف.

المظهر الثاني:

المفردة القرآنية:

إذا تأملت في الكلمات التي تتألف منها الجمل القرآنية رأيتها تمتاز بميزات ثلاثة رئيسية هي:

 

1 ـ جمال وقعها في السمع.

 

2ـ اتساقها الكامل مع المعنى.

 

3ـ اتساع دلالتها لما لا تتسع له عادة دلالات الكلمات الأخرى من المعاني والمدلولات. د

 

و قد نجد في تعابير بعض الأدباء والبلغاء كالجاحظ والمتنبي كلمات تتصف ببعض هذه الميزات الثلاثة أما أن تجتمع كلها معاً، وبصورة مطردة لا تتخلف أو تشذ فذلك مما لم يتوافر إلا في القرآن الكريم.

 

و إليك بعض الأمثلة القرآنية التي توضح هذه الظاهرة وتجليها:

 

أنظر إلى قوله - تعالى - في وصف كل من الليل والصبح: 16 وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ 17 وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ 18ألا تشم راحة المعنى واضحاً من كل هاتين الكلمتين: عسعس، وتنفس؟

 

ألا تشعر أن الكلمة تبعث في خيالك صورة المعنى محسوسا مجسماً دون حاجة للرجوع إلى قواميس اللغة؟

 

و هل في مقدورك أن تصور إقبال الليل، وتمدده في الآفاق المترامية بكلمة أدق وأدل من " عسعس ".

 

و هل تستطيع أن تصور انفلات الضحى من مخبا الليل وسجنه بكلمة أروع من " تنفس ". ؟

 

أقرأ قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (التوبة: 38)

 

و ادرس الأداء الفني الذي قامت به لفظة " أثاقلتم " بكل ما تكونت به من حروف، ومن صورة ترتيب هذه الحروف، ومن حركة التشديد على الحرف اللثوية " الثاء " والمد بعده، ثم مجيء القاف الذي هو أحد حروف القلقلة، ثم التاء المهموسة، والميم التي تنطبق عليها الشقتان، ويخرج صوتها من الأنف، ألا تجد نظام الحروف، وصورة أداء الكلمة ذاتها أوحت إليك بالمعنى، قبل أن يرد عليك المعنى من جهة المعاجم.؟ ألا تلحظ في خيالك ذلك الجسم المثاقل، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط في أيديهم في ثقل؟ ألا تحس أن البطء في تلفظ الكلمة ذاتها يوحي بالحركة البطيئة التي تكون من المثاقل؟

 

جرب أن تبدل المفردة القرآنية، وتحل محلها لفظة " تثاقلتم" ألا تحس أن شيئاً من الخفة والسرعة، بل والنشاط أوحت به " تثاقلتم " بسبب رصف حروفها، وزوال الشدة، وسبق التاء قبل الثاء؟

 

إذن فالبلاغة تتم في استعمال " أثاقلتم " للمعنى المراد، ولا تكون في " تثاقلتم ".

 

المظهر الثالث:

الجملة القرآنية وصياغتها

إن دراسة الجملة القرآنية تتصل اتصالا مباشراً بدراسة المفردة القرآنية لأن هذه أساس الجملة، ومنها تركيبها، وإذا كان علماء البلاغة يجعلون البلاغة درجات، فإنهم مقرون دون جدل أن صياغة العبارة القرآنية في الطرف الأعلى من البلاغة الذي هو الإعجاز ذاته. وللإعجاز فيها وجوه كثيرة.

فمنها: ما تجده من التلاؤم والاتساق الكاملين بين كلماتها، وبين ملاحق حركاتها، وسكناتها، فالجملة في القرآن تجدها دائماً مؤلفة من كلمات وحروف، وأصوات يستريح لتألفها السمع والصوت والمنطق، ويتكون من تضامها نسق جميل ينطوي على إيقاع رائع، ما كان ليتم لو نقصت من الجملة كلمة أو حرف أو اختلف ترتيب ما بينها بشكل من الأشكال.

أقرأ قوله - تعالى -: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ 11 وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ 12 [سورة القمر].

وتأمل تناسق الكلمات في كل جملة منها، ثم دقق نظرك، وتأمل تألف الحروف الرخوة مع الشديدة والمهموسة والمجهورة وغيرها، ثم تمعن في تأليف وتعاطف الحركات والسكنات والمدود اللاحقة ببعضها، فإنك إذا تأملت في ذلك، علمت أن هذا الجملة القرآنية. إنما صبت من الكلمات والحروف والحركات في مقدار، وأن ذلك إنما قدر تقديراً بعلم اللطيف الخبير وهيهات للمقاييس البشرية أن تضبط الكلام بهذه القوالب الدقيقة.

و منها: إنك تجد الجملة القرآنية تدل بأقصر عبارة على أوسع معنى تام متكامل لا يكاد الإنسان يستطيع التعبير عنه إلا بأسطر وجمل كثيرة ن دون أن تجد فيه اختصاراً مخلا، أو ضعفاً في الأدلة. أقرأ قوله - تعالى -: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: 199).

ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام كل خلق عظيم، لأن في أخذ العفو صلة القاطعين والصفح عن الظالمين.

و اقرأ قوله - تعالى - مخاطباً آدم - عليه السلام -: 117 إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى 118 وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى 119 [سورة طه] ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام أصول معايش الإنسان كلها من طعام وشراب وملبس، ومأوى.

و أقرأ قوله - تعالى -: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص: 7).

وتأمل كيف جمعت هذه الآية الكريمة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين أما الأمرين فهما: " أرضعيه، وألقيه في اليم، وأما النهيان فهما " لا تخافي "، و" لا تحزني ".

و أما الخبران فهما " أوحينا " و" خفت " وأما البشارتان فهما " أنا رادوه إليك " و" جاعلوه من المرسلين ".

و تأمل سورة " الكوثر " وهي أقصر سورة في القرآن إذ هي ثلاثة آيات قصار كيف تضمنت، على قلة آياتها الأخبار عن مغيبين: أحدهما: الأخبار عن الكوثر " نهر في الجنة " وعظمته وسعته وكثرة أوانيه، الثاني: الإخبار عن " والوليد بن المغيرة " وكان عند نزولها ذا مال وولد، ثم أهلك الله - سبحانه - ماله وولده، وانقطع نسله

ومنها: أخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحس الملموس، ثم بث الروح والحركة في هذا المظهر نفسه.

و مكمن الإعجاز في ذلك، أن الألفاظ ليست إلا حروفاً جامدة ذات دلالة لغوية على ما أنيط بها من المعاني، فمن العسير جداً أن تصبح هذه الألفاظ وسيلة لصب المعاني الفكرية المجردة في قوالب من الشخوص والأجرام والمحسوسات، تتحرك في داخل الخيال كأنها قصة تمر أحداثها على مسرح يفيض بالحياة والحركة المشاهدة الملموسة. أستمع إلى القرآن الكريم وهو يصور لك قيام الكون على أساس من النظام الرتيب والتنسيق البديع الذي لا يتخلف، ولا يلحقه الفساد، فيقول: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (لأعراف: 54).

إنه يصور لك هذا المعنى في مظهر من الحركة المحسوسة الدائرة بين عينيك، وكأنها أمام آلات تتحرك بسرعة دائبة في نظام مستمر يعيها وتصورها الشعور والخيال.

 

الباحثون في القرآن يجمعون على إعجازه

الجاحظ ورأيه في بلاغة القرآن:

 

الجاحظ هو مؤسس البيان العربي بلا منازع، هو أبو عثمان بن بحر بن محبوب الكتاني، المعروف بالجاحظ البصري ولد سنة 150 هـ وتوفي سنة 255هـ.

ففي رسالة له بعنوان حجج نبوية يقول: " إن محمد - صلى الله عليه وسلم - مخصوص بعلامة، لها في العقل موقع كموقع فلق البحر في العين.. ذلك قوله لقريش خاصة وللعرب عامة مع من فيها من الشعراء والخطباء والبلغاء، والحكماء وأصحاب الرأي والمكيدة، والتجارب والنظر في العامة " إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي، وصدقتكم في تكذيبي " ثم يقول " ولا يجوز أن يكون مثل العرب في كثير عددهم واختلاف عللهم وكلامهم، وهو سيد علمهم، وقد فاض بيانهم، وجاشت به صدورهم، وغلتهم قوتهم عليه عند أنفسهم، حتى قالوا في الحيات، والعقارب والذئاب والكلاب، والخنافس، والحمير والحمام وكل ما دب على الأرض ولاح لعين، وخطر على قلب ولهم أصناف النظم، وضروب التأليف.. كالقصيد، والرجز، والمزدوج والمتجانس والاستماع والمنثور وبعد فقد هاجوه من كل جانب، وهاجا أصحابه شعرائهم، ونازعوه خطباءهم وحاجوه في الموقف وخاصموه في الموسم، وباروه العداوة، وناصبوه الحرب، فقتل منهم وقتلوا منه.. وهم أثبت الناس حقداً، وأبعدهم مطلباً، وأذكرهم لخبر أو الشر، وأبقاهم له، وأهجاهم ثم لا يعارضه معارض، ولم يتكلف ذلك خطيب وشاعر.

ثم يقول: ومحال في التعارف ومستنكر في التصادف أن يكون الكلام أقصر عندهم، وأيسر مئونة عليهم، وهو أبلغ في تكذيبه، وأنقض لقوله، أجدر أن يعرف ذلك أصحابه، فيجتمعوا على ترك استعماله والاستغناء عنه، وهم يبذلون مهجهم وأموالهم ويخرجون من ديارهم في إطفاء أمرهم وتوهين ولا يقولون، بل ولا يقول واحد من جماعتهم، لم تقتلوا أنفسكم وتستهلكوا أموالكم، تخرجون من دياركم والحيلة في أمره ميسرة والمأخذ في أمره قريب؟

 

ليؤلف واحد من شعرائكم وخطبائكم كلاماً في نظم كلامه، كأصغر سورة يحتكم بها، وكأصغر آية دعاكم إلى معارضتها، بل لو نسوا ما تركهم حتى يذكرهم، ولو تغافلوا ما ترك أن ينبههم، فدل ذلك العاقل على أن أمرهم في ذلك لا يخلو ا من أحد أمرين:

إما أن يكونوا عرفوا عجزهم، وأن مثل ذلك لا يتهيأ لهم، فرأوا أن الأعراض عن ذكره، والتغافل عنه في هذا الباب أمثل لهم في التدبير، وأجدر ألا ينكشف أمرهم للجاهل والضعيف، وأجدر أن يجدوا إلى الدعوة سبيلاً، وإلى اختراع الأنباء سبباً.

و إلا أن يكون غير ذلك، ولا يجوز أن يطبقوا على ترك المعارضة وهم يقدرون عليها، لأنه لا يجوز على العدد الكثير من العقلاء والدهاة والحكماء مع اختلاف عللهم، وبعد همهم، وشدة عداوتهم، بذلك الكثير، وصون اليسير فكيف على العقلاء لأن تحبير الكلام أهون من القتال ومن إجراء المال أ. هـ.

مسيحوا العصر الحديث يعترفون بعظمة القرآن

اعترف الدكتور ماردريس المستشرق الفرنسي بعظمة القرآن الكريم وذلك إثر بعد أن كلفته وزارتا الخارجية والمعارف الفرنسية بترجمة (62) سورة من السور الطوال التي لا تكرار فيها ففعل وقال في مقدمة ترجمته الصادرة 1926م أما أسلوب القرآن فهو أسلوب الخالق - جل وعلا - فإن الأسلوب الذي ينطوي على كنه الخالق الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهاً، والحق الواقع أن أكثر الكتاب شكاً وارتيابا قد خضعوا لسلطان تأثيره.

و يورد الأستاذ محمد صادق الرافعي بعض تصريحات لمسيحيين عن بلاغة القرآن من هؤلاء أديب الملة المسيحية هو الشيخ إبراهيم اليازجي وهو أبلغ كاتب أخرجته المسيحية، وذلك في كتابه (نجعة الرائد) وكذلك أورد الدكتور حين حسن ضياء الدين تصريحاً لأحد المسيحين يتضمن إعجابه بالإعجاز البياني بالقرآن الكريم وهذا الأديب الشاعر هو الشاعر المعاصر (نقولا حنا).

 

الإعجاز والبلاغة

لقد نشب صراع حاد وعنيف بين علماء البلاغة حول الصور والألوان البلاغية في القرآن الكريم، هل هي معجزة أو غير معجزة؟

ففريق منهم يرى أنها معجزة، ويجعلها من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، وفريق يرى أنها غير معجزة، وينفي أن تكون من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، ومن هذا الفريق " أبو بكر الباقلاني.

و المسألة تحتاج إلى بحث وتحقيق، وفي هذا الفصل من البحث سأقوم بتحقيقها، وإظهار وجه الصواب فيها فأقول طالباً العون والتوفيق من الله وحده:

إن هذه الصورة والألوان معجزة في القرآن، وإعجازها راجع إلى نظمها، فالقرآن الكريم كما سبق أن وصحنا معجز بنظمه، وهذه الصور والألوان قد اقتضاها هذا النظم المعجز فأصبحت جزءا منه فتكون معجزة ولقد أشار إلى ذلك الشيخ عبد القاهر الجرجاني عندما تعرض لتوضيح الاستعارة في قوله: - تعالى - " وأشتعل الرأس شيباً " فقال: " إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته.

و من دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله - تعالى -: " واشتعل الرأس شيباً " لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم نيسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزية موجباً سواها، هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزية الجليلة، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة ولكن لأن يسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لما هو من سببه، فيرفع به ما يسند إليه، ويؤتي بالذي الفعل له في المعنى منصوباً بعده، مبينا أن ذلك الإسناد، وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني، ولما بينه وبينه من هذا الاتصال والملابسة كقولهم: طاب زيد نفساً وقر عمرو عينا، وتصبب عرقاً، وكرم أصلاً، وحسن وجهاً وأشباه ذلك مما تجد منقولا عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه، وذلك أنا نعلم أن " اشتعل " للشيب في المعنى، وأن كان هو الرأس فقط، كما أن ما أسند إليه، يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك وتوخى به هذا المذهب، أن تدع هذا الطريق فيه، وتأخذ اللفظ فتسنده إلى الشيب صريحاً فتقول: " اشتعل الرأس " أو " الشيب في الرأس "، ثم تنظر هل تجد ذلك الحس، وتلك الفخامة.؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها؟ فإن قلت: فما السبب في أن كان " اشتعل " إذا استعير للشيب على هذا الوجه كان له الفضل، ولم بأن بالمزية من الوجه الآخر هذه البينونة؟ فإن السبب أنه يفيد مع لمعان الشيب في الرأس، الذي هو أصل المعنى، الشمول، وأنه قد شاع فيه، وأخذه من نواحيه، وأنه قد استقر به، وعم جملته، حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به. وهذا ما لا يكون إذا قيل: " أشتعل شيب الرأس " أو " الشيب في الرأس بل لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة، ووزان ذلك أن تقول: اشتعل البيت عليه، وأخذت في طرفيه ووسطه، وتقول ": اشتعلت النار في البيت " فلا يفيد ذلك، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه، وأصابتها جانباً منه، فأما الشمول، وأن تكون قد استولت على البيت، وابتزته فلا يعقل من اللفظ التفجير للعيون في المعنى، ووقع على الأرض في اللفظ ألبته. ونظير هذا في التنزيل قوله - تعالى -: " وفجرنا الأرض عيرانا " التفجير للعيون في المعنى وواقع على الأرض في اللفظ كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس. وقد حصل بذلك من معنى الشمول ها هنا مثل الذي حصل هناك.

و ذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء كان يفور من كل مكان فيها ولو أجرى اللفظ على ظاهره فقيل: " وفجرنا عيون الأرض "، " أو العيون في الأرض " لم يفد ذلك، ولم يدل عليه، ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتنبجس من أماكن فيها "[5].

من هذا النص يتضح لنا أن عبد القاهر يرجع جمال الاستعارة وشرفها ور وعتها في القرآن الكريم إلى نظمها العجيب البديع، وكم كنت أود أن يتناول هذا الأديب الذواقة الصور والألوان البلاغية في القرآن بهذه العبارة الفياضة وبتك الطريقة البيانية الرائعة التي تشف عن الجمال الأخاذ والإعجاب الرائع الذي يكمن في هذه الصور، وينبع من نظمها العجيب الذي لا يقدر على مثله بشر، ولكنه وقف عند لمحة من لمحاته الجزئية شأنه في ذلك شأن غيره من بلغاء عصره.

من روائع التشبيه في القرآن الكريم:

قال - تعالى - (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس: 24).

شبه القرآن حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها، واغترار الناس بها، بحال ماء نزل من السماء وأنبت أنواع العشب، وزين بزخارفها وجه الأرض كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة، حتى إذا طمع أهلها فيها، وظنوا أنها مسلمة من الجوائح أتاها بأس الله فجأة فكأنها لم تكن بالأمس.

تأمل بعقلك وخيالك وذوقك نظم الآية الكريمة أنها مكونة من عشر جمل لو سقط منها شيء اختل التشبيه، وانظر إلى هذه الجمل تجد كل جملة تعبر عن مشهد من مشاهد الحياة الدنيا، وقد رتبت ترتيبا عجيبا ً كان كل جملة منها تلد التي تليها، وقد تكونت كل جملة من طائفة من الكلمات تألفت بأصواتها وظلالها وأجراسها فعبرت أصدق تعبير عن المشهد الذي استقلت به، أن نظمها أو حرفا بأخر اختل بمقدار، بحيث إذا أخرت أو قدمت أو غيرت كلمة بأخرى أو حرفا بآخر اختل المعنى، وتبعثرت مشاهد الصورة الدنيوية.

قال - تعالى -: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) (ابراهيم: 18).

الذين كفروا في ضياعها، وذهابها إلى غير عودة بهيئة رماد تذروه الرياح وتذهب به بددا إلى حيث لا يتجمع أبدأ.

تأمل نظم الآية تجد كل كلمة قارة في مكانها، مطمئنة في موضعها لا تشكو قلقاً ولا اضطراب، معبرة في دقة وصدق عن معناها، وتأمل تناسق الكلمات وتألقها، وترتيب الجمل وتعانقها، ومخارج الحروف وأصواتها، وإيحاءات الألفاظ واشاراتها تجد نظماً عجيباً لا يقدر عليه إلا خالق الأرض والسماوات.

تأمل كلمة " رماد " إنها توحي بخفة الوزن، وتأمل، " اشتدت " فإنها توحي بسرعة الرياح وتأمل كلمة " عاصف " فإنها توحي بالعنف.

و تأمل كيف أبرز لك هذا التشبيه ببديع نظمه الصورة حية متحركة كأنك تراها وتلمسها.

قال - تعالى -: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: 265).

شبه القرآن الصدقات التي تنفق ابتغاء مرضات الله في كثرة ثوابها ومضاعفة أجرها بجنة فوق ربوة أصابها مطر غزير فأخصبت تربتها، وتضاعف أكلها.

تأمل نظم الآية العجيب كلمات إلهية لا يصلح في مكانها غيرها تعبر عن معانيها في دقة وإحكام، وتنبعث منها لطائف وأنوار، وينطوي تحتها الكثير من العجائب والأسرار، وجمل ربانية متناسقة متلاحقة قد فصلت على معانيها بمقدار، وحروف ذات أصوات وأنغام تبعث في الصورة الحركة وتبث فيها الحياة.

تأمل نظم الآية العجيب كلمات إلهية لا يصلح في مكانها غيرها تعبر عن معانيها في دقة وإحكام، وتنبعث منها لطائف وأنوار، وينطوي تحتها الكثير من العجائب والأسرار، وجمل ربانية متناسقة متلاحقة قد فصلت على معانيها بمقدار، وحروف وأنغام تبعث في الصورة الحركة وتبث فيها الحياة.

إنما من يقرأ الآية الكريمة، يتذوق خلاوتها يخيل إليه أنه يرى هذه الصورة الغيبية الخفية أمام عينيه وأنه يلمسها ويتقراها بيديه.

أبعد هذا التصوير يأتي مكابر مجهول يصف التشبيه القرآني بأنه عن الإعجاز معزول؟

قال - تعالى -: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: 41).

شبه القرآن الكريم حال هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أندادا في لجوئهم واحتمائهم بهؤلاء الأنداد الضعفاء المتناهين في الضعف بحال العنكبوت حينما تأوي إلى بيتها الضعيف الواهن وتحتمي به.

صورة عجيبة تلح على الحس والوجدان، وتجتذب إليها الألتفات، وتسترعي الانتباه، وتسترق الأسماع وتبهر الألباب وتستولي على الأحاسيس والمشاعر، ويقف أمامها دهاقين الكلام حيارى يتساءلون كيف نظمت هذه الصورة؟ وكيف تكونت؟ ثم لا يجدون من يجيبهم على تساؤلاتهم، لأن البشر مهما أوتوا من البراعة والبيان لا يمكنهم الوصول إلى معرفة سر نظم القرآن.

إنها تصور لك هؤلاء العباد الغافلين بصورة العناكب الضئيلة الواهنة، وتصور لك هؤلاء الضعفاء العاجزين بصورة بيت العنكبوت الذي يضرب به المثل في الضعف والوهن.

و أظنك أيها القارئ الكريم لست في حاجة إلى أن أحدثك عن نظم هذه الصورة البلاغية فذلك متروك لذوقك وإحساسك، ولكنني أدعوك إلى النظر والتأمل في الكلمات التي اختيرت للمشبه به ونظمت منها صورته ": كمثل العنكبوت اتخذت بيتا.. " هل في مقدورك أو في مقدور أي بليغ مهما كان حظه من الفصاحة البيانية، ومهما كان يحفظ من مفردات اللغة العربية أن يأتي بألفاظ تسد مسد هذه الألفاظ التي نظمت منها صورة المشبه به؟ إن أحداً من البشر لن يستطيع، واللغة العربية على اتساع مفرداتها ليس فيها ما يسد مسد هذه الألفاظ.

إنها الصياغة الإليهة يقف البشر أمامها عاجزين حيارى مذهولين.

قال - تعالى -: 174 وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ 175 وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ 176 سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ 177 [سورة العنكبوت].

تأمل الصورة التشبيهية التي اشتملت عليها الآية الكريمة.

لقد شبه القرآن الكريم في هذه الآية حال الكذب بآيات الله في إصرار على ضلاله في جميع أحواله كالكلب في إدامه اللهثان.

إنها صورة فنية رائعة أحكم القرآن الكريم صياغتها، وأجادت الريشة الإلهية رسمنها، تكشف في جلاء ووضوح عن حقيقة هذا الكذب الضال، إنه حقير قذر، لا يؤثر فيه النصح والإرشاد ولا ينفع معه الوعظ والتذكير، قد ركب رأسه، ولج في ضلاله، واتخذ الشيطان إلها من دون الله ثم تأمل الكلمات التي نظمت منها صورة المشبه به لا تجد في مفردات اللغة ـ على كثرتها، من بقوم مقامها ويسد مسدها، ثم تأمل كلمة " الكلب " وحدها لا تجد كلمة في اللغة تصور هذا المعنى وتبرزه في صورة حية متحركة سواها، إذ كل مخلوق إنما يلهث من مرض أو عطش أو إعياء إلا الكلب فإنه يلهث في جميع أحواله في حال الدلال وفي حالة الراحة، وفي حالة الصحة والمرض وفي حالة الري والعطش.

قال - تعالى -: 21 وَحُورٌ عِينٌ 22 كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ 23 جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 24 [سورة الرحمن].

شبه القرآن الكريم الحور العين باللؤلؤ المكنون في الصفاء والنقاء والهدوء والصيانة.

تأمل نظم هذه الصورة التشبيهية الإلهية أنه فوق طاقة البشر. ثم تأمل هذه الكلمة العجيبة " اللؤلؤ " هل في مقدورك أو في مقدور أي بليغ مهما أوتي من البراعة والبيان أن يأتي بكلمة أخرى تؤدي معناها، وتصور ما صورته؟ ثم تأمل الدقة في صفة هذا اللؤلؤ بكونه مكنونا.

إن اللؤلؤ فيه الصفاء والهدوء والنقاء، وهو أحجار كريمة من شأنها أن تصان ويحرص عليها.

تأمل الارتباط العجيب والصلة الوثيقة بين الحور العين واللؤلؤ المكنون، إنه الإعجاز يلبس ثوب التشبيه فيقف البلغاء أمامه ضعفاء قد استولت عليه الحيرة وسيطرت على عقولهم الدهشة وداعبت أنامل الإعجاب حبات قلوبهم. فخروا ساجدين لعظمته، وشهدوا بأنه البيان الإلهي الذي لا يقدر عليه بشر.

قال - تعالى -: 3 يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ 4 وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ 5 فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ 6 فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ 7 وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ 8 فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ 9 وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ 10 نَارٌ حَامِيَةٌ 11[سورة القارعة].

شبه القرآن الكريم الناس يوم القيامة بالفراش المبثوث في ضعفهم وضالتهم وتهافتهم.

و شبه الجبال بالعهن " الصوف " المنفوض في هشاشتها وخفتها.

مشهدان رائعان رسمتهما الريشة الإلهية فأجادت وأعجزت، وسخرت وأدهشت.

تأمل هذه الكلمة " الفراش " إنها تصور لك بظلها وجرسها، وإيحائها الناس في هذا اليوم في منتهى الضعف والضالة، وهم مستخفون من هول هذا اليوم.

و تأمل الدقة في وصف الفراش في وصف الفراش بكونه مبثوثاً أن هذا الوصف يصور لك كثرة الناس في هذا اليوم وتهافتهم. ثم حدثني بربك هل في مفردات اللغة كلمة تصور هذا المشهد سوى هذه الكلمة القرآنية؟

و هل هناك أعجب من هذه الدقة في وصف الفراش بكونه مبثوثاً؟.

ثم دقق نظرك في كلمة " العهن " هل في قواميس اللغة العربية كلمة أقدر على تصوير هذا المشهد من هذه الكلمة؟ إنها بجمالها وظلها وجرسها الساحر تصور لك الجبال الضخمة الثابتة بالصوف المنقوش الذي تتقاذفه الرياح الهوج. ثم تأمل بعقلك ر خيالك الدقة والإحكام في وصف العهن بكونه منفوشاً إن هذا الوصف يصور لك الجبال الضخمة الثابتة في منتهى الهشاشة والخفة.

إنه النظم القرآني يبهر العقول، ويطير بالألباب، ويذهب بسر البلاغة وسحر البيان.

من روائع الاستعارة في القرآن الكريم

قال - تعالى -: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ) (يّـس: 37)

استعير في الآية الكريمة: " السلخ " وهو كشط الجلد عن الشاة ونحوها لإزالة ضوء النهار عن الكون قليلاً قليلاً، بجامع ما يترتب على كل منهما من ظهور شيء كان خافياً، فبكشط الجلد يظهر لحم الشاة، وبغروب الشمس تظهر الظلمة التي هي الأصل والنور طاريء عليها، يسترها بضوئه. و هذا التعبير الفني يسميه علماء البلاغة " الاستعارة التصريحية التبعية ".

استعارة رائعة وجملية، إنها بنظمها الفريد وبإيحائها وظلها وجرسها قد رسمت منظر بديعاً للضوء وهو ينحسر عن الكون قليلاً قليلاً وللظلام وهو يدب إليه في بطء.

إنها قد خلعت على الضوء والظلام الحياة، حتى صارا كأنهما جيشان يقتتلان، قد أنهزم أحدهما فولى هارباً، وترك مكانه للآخر.

تأمل اللفظة المستعارة وهي " نسلخ " إن هذه الكلمة هي التي قد استقلت بالتصوير والتعبير داخل نظم الآية المعجز فهل يصلح مكانها غيرها؟

قال - تعالى -: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) (التكوير: 18) استعير في الآية الكريمة خروج النفس شيئاً فشيئاً لخروج النور من المشرق عند انشقاق الفجر قليلاً قليلاً بمعنى النفس، تنفس بمعنى خرج النور من المشرق عند انشقاق الفجر.

استعارة قد بلغت من الحسن أقصاه، وتربعت على عرش الجمال بنظمها الفريد، إنها قد خلعت على الصبح الحياة حتى لقد صار كائنا حيا يتنفس، بل إنساناً ذا عواطف وخلجات نفسية، تشرق الحياة بإشراق من ثغره المنفرج عن ابتسامة وديعة، وهو يتنفس بهدوء، فتتنفس معه الحياة، ويدب النشاط في الأحياء على وجه الأرض والسماء، أرأيت أعجب من هذا التصوير، ولا أمتع من هذا التعبير؟

ثم تأمل اللفظة المستعارة وهي " تنفس " أنها بصوتها الجميل وظلها الظليل، وجرسها الساحر قد رسمت هذه الصورة البديعة في إطار نظم الآية المعجزة، فهل من ألفاظ اللغة العربية على كثرتها يؤدي ما أدته، ويصور ما صورته؟

قال - تعالى -: (إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) (الحاقة: 11).

استعير في الآية الكريمة " الطغيان " للأكثر الماء بجامع الخروج عن حد الاعتدال والاستعارة المفرط في كل منها.

ثم اشتق من الطغيان: " طغى " بمعنى كثر.

استعارة فريدة لا توجد في غير القرآن إنها تصور لك الماء إذا كثر وفار واضطرب بالطاغية الذي جاوز حده، وأفرط في استعلائه. أرأيت أعجب من هذا التصوير الذي يخلع على الماء صفات الإنسان الآدمي؟ ثم تأمل اللفظة المستعارة " طغى " إنها بصوتها وظلها وجرسها إيحائها قد استقلت برسم هذه الصورة الساحرة في إطار نظم الآية المعجز.

قال - تعالى -: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: 94).

استعير في الآية الكريمة: " الصدع " وهو كسر الزجاج للتبليغ بجامع التأثير في كل منهما أما في التبليغ فلأن المبلغ قد أثر في الأمور المبلغة ببيانها بحيث لا تعود إلى حالتها الأولى من الخفاء، وأما في الكسر فلأن فيه تأثير لا يعود المكسور معه إلى الإلتئامه.

ثم اشتق من الصدع معنى التبليغ اصدع بمعنى بلغ، استعارة رائعة وجميلة إنها تبرز لك ما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صورة مادة يشق بها ويصدع. إنها تتبرز لك المعنى المعقول في صورة حسية متحركة كأنها كأنك تراها بعينك وتلمسها بيدك. تأمل اللفظة المستعارة " اصدع " إنها بصورتها وجرسها وإيحائها قد استقلت برسم هذه الصورة الفردية المؤثرة إذ أن من يقرأها يخيل إليها أنه يسمع حركة هذه المادة المصدوعة تخيل لو استبدلت كلمة " اصدع " بكلمة " بلغ" ألا تحس أن عنصر التأثير قد تضاءل وأن الصورة الحية المتحركة قد اختفت وأن المعنى قد أصبح شاحباً باهتاً؟

إن اللفظة المستعارة هي التي رسمت هذه الصورة في إطار نظم الآية المعجزة.

قال - تعالى -: (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً) (الكهف: 99).

استعير في الآية الكريمة الموج " حركة الماء" للدفع الشديد بجامع سرعة الاضطراب وتتابعه في الكثرة ثم اشتق من الموج بمعنى الدفع الشديد" يموج " بمعنى يدفع بشدة.

إن هذه الاستعارة القرآنية الرائعة تصور للخيال هذا الجمع الحاشد من الناس احتشاداً لا تدرك العين مداه حتى صار هذا الحشد الزاخر كبحر ترى العين منه ما تراه من البحر الزاخر من حركة وتموج واضطراب. تأمل اللفظة المستعارة أنها في إطار نظم الآية المعجزة قد استقلت برسم هذا المشهد الفريد بصوتها وجرسها وإيحائها.

قال - تعالى -: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (ابراهيم: 1).

استعير في الآية الكريمة الظلمات للضلال بجامع عدم الاهتداء في كل منها.. واستعير النور بجامع الاهتداء في كل منها. وهذا المسلك الأدبي يسميه علماء البلاغة " الاستعارة التصريحة الأصلية ".

هذه الاستعارة الفردية تجعل الهدى والضلال يستحيلان نوراً وظلمة. إنها تبرز المعاني المعقولة الخفية في صورة محسوسة، حية متحركة كأن العين تراها واليد تلمسها.

تأمل كلمة " الظلمات " إنها تصور لك بظلامها الضلال ليلاً دامساً يطمس معالم الطريق أمام الضلال فلا يهتدي إلى الحق ثم تأمل الدقة القرآنية في جمع " الظلمات " أنه يصور لك إلى أي مدى ينبهم الطريق أمام الضلال فلا يهتدون إلى الحق وسط هذا الظلام المتراكم.

ثم تأمل كلمة " النور " أنها بنورها تصور لك الهداية مصباحاً منيراً ينير جوانب العقل والقلب ويوضح معالم الطريق أمام المهتدي فيصل في سهولة ويسر إلى الحق فينتفع به فيطمئن قلبه وتسكن نفسه ويحظى بالسعادة في دنياه وأخراه.

من روائع الكناية في القرآن الكريم

قال - تعالى -: (ِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)(البقرة: من الآية223) لقد كنى القرآن الكريم في هذه الآية بكلمة " الحرث " عن المعاشرة الزوجية.

إن هذه الكناية الفردية مما انفرد به القرآن الكريم فهي لطيفة دقيقة راسمة مصورة، مؤدية مهذبة، فيها من روعة التعبير وجمال التصوير، وألوان الأدب والتهذيب ما لا يستقل به بيان، ولا يدركه إلا من تذوق حلاوة القرآن. إنها عبرت عن العاشرة الزوجية التي من شأنها أن تتم في السر والخفاء بالحرث وهذا نوع من الأدب رفيع وثيق الصلة بالمعاشرة الزوجية، وتنطوي تحته معاني كثيرة تحتاج في التعبير عنها إلى الآف الكلمات انظر إلى ذلك التشابه بين صلة الزراع بحرثه وصلة الزوجة في هذا المجال الخاص، ويبن ذلك النبت الذي يخرجه الحرث، وذلك النبت الذي تخرجه الزوج، وما في كليهما من تكثير وعمران وفلاح كل هذه الصور والمعاني تنطوي تحت كلمة " الحرث " أليست هذه الكلمة معجزة بنظمها وتصورها؟

هل في مفردات اللغة العربية ـ على كثرتها ـ ما يقوم مقامها ويؤدي ما أدته ويصور ما صورته. إن المعنى لا يتحقق إلا بها. وعن التصوير لا يوجد بسواها.

قال - تعالى -: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)(البقرة: من الآية24).

هذه الآية كناية عن عدم العناية عند ظهور المعجزة. أي لا تعاندوا عند ظهور المعجزة فتمسكم هذه النار العظيمة تأمل هذه الكناية ومدى ما فيها من جمال التعبير، وروعة التصوير، ولطافة الإيجاز. إنها عبرت عن العناد عند ظهور المعجزة بالنار العظيمة، وهذا التعبير فيه ما فيه من شدة التنفيذ وقوة التأثير، ثم أن هذا التعبير قد أبرز لك هذا المعنى الفكري المجرد في صورة محسوسة ملموسة ولم يقف عند هذا الحد من التجسيم والتشخيص بل تعداه إلى التصيير والتحويل. فحوله على نار ملتهبة متأججة متوهجة بل تعداه إلى أعجب من هذا التصوير، ولا أروع وألذ من هذا التعبير؟ إنه الإعجاز يلبس ثوب الكناية فتنحني له هامات البلغاء، ويثير في النفس أسمى آيات الإعجاب.

قال - تعالى -: (وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً)(البقرة: من الآية235).

في هذه الآية كنى القرآن الكريم عن الجماع بالسر. تأمل هذه الكناية ومدى ما فيها من اللطائف والأنوار والأسرار. تأمل هذه الكناية ومدى ما فيها من اللطائف والأنوار والأسرار. إن في الكناية بالسر عن الجماع من ألوان الأدب والتهذيب ما يعجز عن وصفه أساطين البيان، وفيها من جمال التعبير ما يسترق الأسماع ويهز العواطف ويحرك الأحاسيس والمشاعر. لقد ألبست الجماع الذي يتم في السر ثوب السر فذهبت بسر الفصاحة والبيان. أبعد هذا يقال أن الكناية في القرآن يستطيع أن يحاكيها بنو الإنسان؟ أبداً والله إن بني الإنسان من المعجز بحيث لا يمكنهم فهم ما تنطوي عليه الكناية في القرآن من الأسرار.

قال - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) (آل عمران: 90).

كنى القرآن الكريم في هذه الآية بنفي التوبة عن الموت على الكفر. تأمل هذه الكناية ومدى ما فيها من الجمال والروعة. ألا تحس أن التعبير الذي كنى به القرآن أجمل من أي تعبير آخر؟ ألا تحس أن في هذا التعبير إيجاز لطيف؟ إن التعبير بجماله وإيجازه وبديع نظمه فوق مقدور البشر.

قال - تعالى -: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (الفيل: 5).

كنى القرآن الكريم " بالعصف المأكول " عن مصيرهم إلى العذر فإن الورق إذا أكل انتهى حاله إلى ذلك.

تأمل هذه الكناية إن فيها من ألوان الأدب والجمال ما لا يستقل به بيان، وفيها من الإعجاز اللطيف ما يعجز عن وصفه مهرة صناع الكلام. أما الأدب والجمال ففي التعبير عن العذرة بالعصف المأكول وهذا التعبير مما أنفرد به القرآن فلا يوجد في غيره، وأما الإيجاز اللطيف ففي اختصار مقدمات لا أهمية لها بالتنبيه على النتيجة الحاسمة التي يتقرر فيها المصير. وفيها زيادة على ذلك التلازم الوثيق بين اللفظ والمعنى الكنائي الذي لا يتخلف أبدا فإن العصف المأكول لابد من صيرورته إلى العذرة.

فالمعنى لا يؤدي إلا بهذا اللفظ لا يصلح لهذا المعنى حتى لتكاد تصعب التفرقة بينهما فلا يدري أيهما التابع؟ وأيهما المتبوع؟ ومن هنا يأتي الإعجاز.

قال - تعالى -: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) (الاسراء: 29).

كنى القرآن الكريم في هذه الآية بغل اليد إلى العنق عن البخل، وببسطها كل البسط عن الإسراف. تأمل الكنايتين تجد فيهما من روائع البيان ما لا يحيط به فكر إنسان فيهما جمال في التعبير، وروعة في التصوير، وإيجاز وتأثير، وتنفير.

حدثني بربك ألا ترى أن التعبير عن البخل باليد المغلولة إلى العنق فيه تصوير محسوس لهذه الخلة المذمومة في صورة بغيضة منفرة؟ فهذه اليد التي غلت إلى العنق لا تستطيع أن تمتد، وهو بذلك يرسم صورة البخيل الذي لا تستطيع يده أن تمتد، وهو بذلك يرسم صورة البخيل الذي لا تستطيع يده أن تمتد بإنفاق ولا عطية. والتعبير ببسطها لك البسط يصور هذا المبذر لا يبقى من ماله على شيء كهذا الذي يبسط يده فلا يبقى بها شيء. وهكذا استطاعت الكناية أن تنقل المعنى الذي يبسط يده فلا يبقى بها شيء. وهكذا استطاعت الكناية أن تنقل المعنى قوياً مؤثراً ثم تأمل التلازم الوثيق الذي لا يتخلف أبداً بين التعبير والمعنى الكنائي. إن هذا التلائم يدلك على أن المعنى الكنائي لا يمكن تأديته وتصويره إلا بهذا التعبير، وأن هذا التعبير لا يصلح إلا لهذا المعنى. هل في مقدور البشر أن يحاكوا هذا الأسلوب؟

إعجاز في نغم القرآن

إنك إذا قرأت القرآن قراءة سليمة، وتلاوة صحيحة. أدركت أنه يمتاز بأسلوب. إيقاعي ينبعث منه نغم ساحر يبهر الألباب، ويسترق الأسماع، ويسيل الدموع من العيون. ويستولي على الأحاسيس والمشاعر، وأن هذا النغم يبرز بروزاً واضحاً في السور القصار والفواصل السريعة، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامة، ويتوارى قليلاً أو كثيراً في السور الطوال ولكنه ـ على لك حال ـ ملحوظ دائماً في بناء النظم القرآني. إنه تنوع موسيقي الوجود في أنغماه وألحانه.

و لعنا لا نخطئ إن رددنا سحر هذا النغم إلى نسق القرآن الذي يجمع بين مزايا النثر والشعر جميعاً يقول المرحوم الأستاذ سيد قطب: " على أن النسق القرآني قد جمع بين مزايا الشعر والنثر جميعاً، فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحدة والتفعيلات التامة، فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامة، وأخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر الموسيقى الداخلية، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغنى عن التفاعيل، والتقفية التي تغني عن القوافي، وضم ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا فجمع النثر والنظم جميعاً " [6].

أقرأ معي الآيات الأولي من سورة النجم:

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى 1

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى

عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى

ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى

وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى

فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى

فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى

مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى

أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى

وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى

عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى

عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى

مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى

لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى

أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى

وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى

أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى

تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى 1- 22 [سورة النجم].

تأمل الآيات تجد فواصل متساوية في الوزن تقريباً ـ على نظام غير نظام الشعر العربي ـ متحدة في حرف التقفية تماماً، ذات إيقاع موسيقي متحد تبعاً وذلك، وتبعاً لأمر آخر لا يظهر ظهر الوزن والقافية، لأنه ينبعث من تألف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل، ومرده إلى الحس الداخلي، والإدراك الموسيقي، الذي يفرق بين إيقاع موسيقي وإيقاع، ولو اتحدت الفواصل والأوزان. والإيقاع الموسيقي هنا متوسط الزمن تبعاً لتوسط الجملة الموسيقية في الطول متحد تبعاً لتوحد الأسلوب الموسيقي وإيقاع، ولو اتحدت الفواصل والأوزان.

و لا يعني هذا أن كلمة " الأخرى " أو كلمة " الثالثة " أو كلمة " إذن " زائدة لمجرد القافية أو الوزن، فهي ضرورية في السياق لنكث معنوية خاصة.

و تلك ميزة فنية أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى في السياق لنكث معنوية خاصة، وتلك ميزة فنية أخرى أن تأتي اللفظة لتؤدي معنى في السياق، وتؤدي تناسباً في الإيقاع، دون أن يطغى هذا على ذلك، أو نحو يختل إذا قدمت أو أخرت فيه، أو عدلت في النظم أي تعدل.

و إن هذا النغم القرآني ليبدو في قمة السحر والتأثير في مقام الدعاء، إذا الدعاء ـ بطبيعة ـ ضرب من النشيد الصاعد إلى الله، فلا يحلو وقعه في نفس الضارع المبتهل إلا إذا كانت ألفاظه جميلة منتقاة وجملة متناسقة متعانقة، وفواصله متساوية ذات إيقاع موسيقي متزن، والقرآن الكريم لم ينطق عن لسان النبيين والصديقين والصالحين إلا بأحلى الدعاء نغماً، وأروعه سحر بيان، أن النغم الصاعد من القرآن خلال الدعاء يثير بكل لفظة صورة، وينشئ في كل لحن مرتعاً للخيال فسيحا: فتصور مثلاً ـ ونحن نرتل دعاء زكريا - عليه السلام - ـ شيخاً جليلاً مهيباً على كل لفظه ينطق بها مسحة من رهبة، وشعاع من نور، ونتمثل هذا الشيخ الجليل ـ على وقاره ـ متأجج.

العاصفة، متهدج الصوت، طويل النفس، ما تبرح أصداء كلماته تتجاوب في أعماق شديدة التأثير. بل أن زكريا في دعائه ليحرك القلوب المتحجرة بتعبيره الصادق عن حزنه وأساه خوفاً من انقطاع عقبه، وهو قائم يصلي في المحراب لا ينئ ينادي أسم ربه نداء خفياً، ويكرر اسم " ربه " بكرة وعشياً، ويقول في لوعة الإنسان المحروم وفي إيمان الصديق الصفي: 3 قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا 4 وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا 5 يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا 6 [سورة مريم].

و إن البيان لا يرقى هنا إلى وصف العذوبة التي تنتهي في فاصلة كل آية بيائها المشددة وتنوينها المحول عند الوقف ألفا لينة كأنها في الشعر ألف الإطلاق: فهذه الألف اللينة الرخية المنسابة تناسقت بها " شقياـ وليا ـ رضياً " مع عبد الله زكريا ينادي ربه نداء خفياً، ولقد استشعرنا هذا الجو الغنائي ونحن نتصور نبياً يبتهل وحده في خلوة مع الله، وكدنا نصغي إلى ألحانه الخفية تتصاعد في السماء، فكيف بنا لو تصورنا جماعة من الصديقين الصالحين وهم يشتركون: ذكرانا وإناثا، شبانا ً بأصوات رخيمة متناسقة تصعد معا وتهبط معا وهي تجأر إلى الله، وتنشد هذا النشيد الفخم الجليل: " ربنا ما خلقت هذا باطلاً، سبحانك فقنا عذاب النار، ربنا إنك من تدخل النار فقد أخذيته، وما للظالمين من أنصار، ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بركم فأمنا، ربنا فأغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيأتينا، وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ".

إن في تكرار عبارة " ربنا " لما يلين القلب، ويبعث فيه نداوة الإيمان، وأن في الوقوف بالسكون على الراء المذلقة المسبوقة بهذه الألف اللينة لما يعين على الترخيم والترنيم، ويعوض في الأسماع أحلى ضربات الوتر على أعذب العيدان.

و لئن كان في موقفي الدعاءين هذين نداوة ولين، ففي بعض مواقف الدعاء القرآني الأخرى صخب رهيب، ها هو ذا نوح - عليه السلام - يدأب ليلاً ونهاراً على دعوة قومه إلى الحق، ويصر على نصحهم سراً وعلانية، وهم يلجون في كفرهم وعنادهم، ويفرون من الهدى فراراً، ولا يزدادون إلا ضلالاً واستكباراً، فما على نوح ـ وقد أيس منهم ـ إلا أن يتملكه الغيظ ويمتلئ فمه بكلمات الدعاء الثائرة الغضبى تنطلق في الوجوه مديدة مجلجة، بموسيقاها الرهيبة، وإيقاعها العنيف، وما تتخيل الجبال إلا دكا، والسماء إلا متجهمة عابسة والأرض إلا مهتزة مزلزة، والبحار إلا هائجة ثائرة، حين دعا نوح على قومه بالهلاك والتيار فقال: 25 وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا 26 إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا 27 رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا 28 [سورة الأحزاب].

أما الحناجر الكظيمة المكبوتة التي يتركها القرآن في بعض مشاهده تطلق أصواتها الحبيسة ـ بكل كربها وضيقها وبحتها وحشرجتها ـ فهي حناجر الكافرين النادمين يوم الحساب العسير، فيتحسرون ويحاولون التنفيس عن كربهم ببعض الأصوات المتقطعة المتهدجة، كأنهم بها يتخففون من أثقال الدين يدعون ربهم دعاء التائبين النادمين ويقولون (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا) (الأحزاب: 67).

و إن هذه الموسيقى الداخلية لتنبعث في القرآن حتى من اللفظة المفردة في كل آية من آياته، فتكاد تستقل ـ بجرسها ونغمها ـ بتصوير لوحة كاملة فيها اللون زاهياً أو شاحباً، وفيها الظل شفيقاً أو كثيفاً. أرأيت لونا أزهي من نضرة الوجوه السعيدة الناظرة إلى الله، ولونا أشد تجهما من سواد الوجوه الشقية الكالحة الباسرة في قوله - تعالى -: 21 وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ 22 إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 23 وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ 24 [سورة القيامة]. لقد استقلت في لوحة السعداء لفظة " ناضرة " بتصوير أزهى لون وأبهاه، كما استقلت في لوحة الأشقياء لفظة " باسرة " برسم أمقت لون وأنكاه

محاولات تحدي القرآن

حاول الكثيرين ممن أخذ القرآن بلب عقولهم؛ تحدي القرآن، فعجزوا عن ذلك.. وأصيبوا بالخيبة والفشل الذريع.. فكيف يقارن كلام العباد بكلام رب العباد؟؟! ولعل أهم القصص التي تجسد لنا هذه المحاولات، هي..

قصة لبيد بن أبي ربيعة -رضي الله عنه- ذلك الشاعر الصنديد، الذي اعترفت العرب جميعا بشاعريته.. عندما سمع تحدي القرآن للناس، ولم يكن قد سمع به، كتب أبياتا من الشعر وعلقها على ستار الكعبة.. فرأى ذلك أحد المؤمنين، فأخذته عزة الإسلام فكتب آيات من القرآن فوضعها بجانبها..

وعندما جاء الشاعر العربي لبيد من الغد، شاهد ورقة بجانب شعره فقرأها فإذا هي بآيات من كتاب الله، فتلفت حوله، وتعجب عقله، والله ما هذا بقول بشر.. وقال:

"أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله"

وأقسم أن لا يقول الشعر بعد ذلك أبدا.. حتى جاء في أحد الأيام عمر بن الخطاب أثناء خلافته وقال للبيد: "أنشدني بشيء من الشعر"، فقرأ من سورة البقرة وآل عمران، ثم قال: "والله ما كنت لأقول الشعر وقد حفظت سورة البقرة وآل عمران.. "

وقصة مسيلمة الكذاب، ذلك المرتد عن الإسلام الذي حاول مجارات القرآن.. حيث يقول في كتابه الباطل..

"والليل الأضخم، والذئب الأدلم، والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من محرم"

"والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس"

"والفيل، وما أدراك ما الفيل، له جسم كبير، وذيل وبيل، وخرطوم طويل"

"والشاة وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تجتمعون؟ "

"يا ضفدع يا بنت الضفدعين، نقي لا تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين؟، لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين.. لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوما يعتدون"

"والمبديات زرعا، فالحاصدات حصدا، فالذاريات قمحا، فالطاحنات طحنا، فالخابزات خبزا، والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، إهالة وسمنا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ضيفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوءوه"

مهزلة.. كلام بشر أجوف.. ولا يعتقد أحد أن الذين اتبعوه قد آمنوا بما يقول وصدقوه.. وإنما كان ذلك حمية، حيث سأل أحدهم مسيلمة: "ماذا ترى؟ " - أي عند زول الوحي عليه كما يزعم، فقال: "أرى رجس"، قال: "أفي نور أم في ظلمة؟ "، قال: "بل في ظلمة"، فقال الرجل: "والله إنه لشيطان.. ولكن؛ كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر.. "

 

المصدر:

إعجاز النظم في القرآن الكريم تأليف الأستاذ محمود شيخون.

دراسات حول الإعجاز البياني في القرآن الدكتور المحمدي عبد العزيز الحناوي

إعجاز القرآن البياني الدكتور عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

من روائع القرآن الكريم للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي

إعجاز القرآن مصطفى صادق الرافعي.

 

----------------------------------------

[1] [إعجاز القرآن للرافعي: ص 275].

[2] [عن من كتاب روائع القرآن: للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي].

[3] [إعجاز القرآن ص274 وكتاب تاريخ الأدب العربي للرافعي 241]

[4] [كتاب إعجاز القرآن للرافعي].

[5] [دلائل الإعجاز للجرجاني ص79 ـ80].

[6] [التصوير الفني في القرآن سيد قطب].

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة