قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في لطائف المعارف في الكلام على النهي عن صوم آخر شعبان قال: و لربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، و لهذا يقولون هي أيام توديع للأكل، و تسمى تنحيساً و اشتقاقه من الأيام النحسات.. و ذكر أن أصل ذلك من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، و هذا كله خطأ و جهل ممن ظنه، و لربما لم يقتصر كثير منهم على الشهوات المباحة، بل يتعدى إلى المحرمات، و هذا هو الخسران المبين، و أنشد لبعضهم:
إذ العشرون من شـعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهــار
و لا تشـرب بـأقـداح صــغار فإن الوقت ضاق على الصغار
و قال آخر:
جاء شعبان منذراً بالصيام فاسقياني راحاً بماء الغمام
و من كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، و له نصيب من قوله تعالى: (( و لقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها)) (الأعراف:170) الآية، و ربما تكره كثير منهم بصيام رمضان، حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، و كان للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعراً:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهراً بعده آخــر الدهـر
فلو كان يعيني الأنام بقــــدرة عن الشهر لاستعديت جهدي على الشهر
فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة، و مات قبل أن يدركه رمضان آخر.
وهؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه، فكثير منهم لا يصلون إلا في رمضان، و لا يجتنب كبائر الذنوب إلا فيه، فيشق على نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يعد الأيام و الليالي ليعود إلى المعصية، و منهم لا يقوى على الصبر عن المعاصي فهو يواقعها في رمضان أ.هـ. هكذا ذكر ابن رجب رحمه الله عن أهل زمانه و من قبلهم.
ولا شك أن الدين يزداد غربة و الأمر في شدة، و الكثير من هؤلاء الذين يتوقفون ظاهراً عن مألوفاتهم يفرحون بانقضاء الشهر و انصرافه، فالعيد عندهم يوم فرحتهم برجوعهم إلى دنياهم و ملاهيهم و مكاسبهم المحرمة أو المكروهة، فأين هؤلاء ممن يحزنون و يستاءون لانقضاء الشهر؟، بل من الذين يجعلون السنة كلها صياماً و قياماً و عبادات وقربات، و يحمون أنفسهم عن جميع الملذات فضلاً عن المحرمات؟ فالله يرحمهم فما مثلنا و مثلهم إلا كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منزل