دروس مستفادة من فريضة الحج
الكاتب : يسري شاهين
عدد القراءات : 5960

دروس مستفادة من فريضة الحج

يسري شاهين

 

مرت أيام الحج، وانقضت أعماله، وعاد معظم الحجيج إلى بلادهم، حاملين معهم ذكريات رحلتهم إلى بيت الله..ولكن إذا كان الحج قد انقضت أعماله فإن منافعه ومقاصده لم ولن تنتهي أبدا..

لقد قال بعض المنصرين قديما: " سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التبشير ما دام للإسلام هذه الدعائم: القرآن، واجتماع الجمعة، ومؤتمر الحج". فإذا كان هذا فهم أعداء الإسلام لمعاني الحج وما يمكن أن يكون له من أثر في أمة الإسلام، فماذا يعني الحج بالنسبة لك كمسلم؟ وما هي المنفعة التي تعود عليك في دينك في ذكرى الحج؟ وماذا تستفيد الأمة من درس الحج؟ هل الحج مجرد مناسك تؤدي، وشعائر تقام وأدعية وأوراد وأذكار أم أن الحج أكبر من ذلك؟

إن الله تعالت عظمته وجلت حكمته ما شرع شريعة من الشرائع، ولا افترض فريضة من الفرائض إلا ومن ورائها من الحكم والمنافع ما لا يحيط بعلمه إلا هو - سبحانه -، جهل ذلك من جهله وعلمه من علمه، وأمة الإسلام في أيام محنتها وشدتها، وضعفها وتيهها تحتاج، بل هي في أشد الحاجة، أن تتأمل وتتعلم وتقف وقفات مع مقاصد شعائر الإسلام ـ ومنها الحج ـ لتستلهم العبر، وتجدد العزم، وتصحح التوجه والنية للتمسك بهذا الدين، والجهاد من أجل نصرته، ومحاربة من يصد عن سبيله ويقف في وجهه.

إن الحج فريضة عظمت في مناسكها، وجلت في مظاهرها، وسمت في ثمارها. عظيمة المنافع جمة الآثار، تضمنت من المنافع والمصالح ما لا يحصيه المحصون، ولا يقدر على عده العادون، بل لقد انتظم الحج من المقاصد أسماها، ومن الحكم أعلاها، ومن المنافع أعظمها وأزكاها، وقد نوه الله بهذه المنافع والمقاصد بميسور الكلام حين قال: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (الحج 27: 28). قال ابن عباس: "منافع الدنيا والآخرة".

 

إعلاء منار التوحيد:

وأول هذه المقاصد وأعلاها وأزكاها: إعلاء منار التوحيد، وإحياء ما درس من معالمه؛ وهذا أظهر المقاصد وأوضحها في رحلة الحج، بل هو ملازم لها من مبتداها بإخلاص النية وإطلاق الصوت بالتلبية، وإلى منتهاها مع آخر رمية حجر وجمرة في آخر أيام التشريق، وهي آخر أعمال الحج قبل أن يطوف الحاج طواف الوداع مودعا مكة إلى أهله.

لقد كان أهل الجاهلية يلبون، كانت قريش تلبي وتشرك بالله في تلبيتها: "... لبيك لا شريك لك.. إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك". فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلَّم أمته التوحيد الخالص من خلال هذه التلبية العظيمة الجميلة: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك". أي طاعة لك بعد طاعة، وإنابة بعد إنابة.. توحيد لا شرك فيه، وإخلاص لا رياء معه؛ فكل عمل لا إخلاص فيه لا بركة فيه، ولا قبول له: "من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري فهو للذي أشرك وأنا منه بريء".

فأول درس من دروس الحج ينبغي أن يتعلمه الحاج وأن تعيه الأمة هو درس التوحيد والعودة إلى الله مرة أخرى في زمان تعددت فيه الآلهة وكثرت فيه المعبودات والمقصودات، ودرس فيه الإيمان في قلوب أهله، كما يدرس وشي الثوب، وترك الناس عبادة الله إلى عبادة غيره.. ما بين دعاء للأموات، واعتقاد في الأولياء أو الأدعياء، وعكوف على القبور، وتقديم للهدايا والنذور، وطلب الولد لمن لا تلد، والزواج لمن طال مكثها في بيت أبيها، أو شفاء مريض وإعادة غائب.

وما بين عابد لغير الله يبتغي منه النصر والعون والمدد، ويجعله ملاذه وأمنه، ويعتقد فيه من القوة ما لا يعتقده في ذات الله - تعالى -. وإذا مسهم ضر توجهت قلوبهم إلى معبوداتهم من دون الله على خلاف ما كان عليه أهل الشرك في شركهم: (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ)[الزمر: 8] (وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ)[لقمان: 32].

وأما أهل هذا الزمان فإذا مسهم ضر توجهوا إلى آلهة الأرض يتوكلون عليها ويستغيثون بها، ويتضرعون إليها، ويستنصرون بها، ويقدمون لها القرابين ولو كان القربان هو ذبح التوحيد والإيمان.

ناهيك عن عبادة الأهواء والأموال والزوجات والأولاد... فيأتي الحج ليغير على ذلك كله فيهدم عرش الشرك، ويقيم على أنقاضه صرح التوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. فأنت الإله الحق، والمعبود بصدق، لا رب غيرك، ولا إله سواك، لبيك حقًّا حقّا.. لبيك تعبُّدًا ورِقَّا.

 

تجريد المتابعة

ومن دروس الحج أن تعلم الأمة وتتذكر وتستشعر، بل تستيقن أنه لا رفعة ولا سداد ولا توفيق ولا رشاد إلا باتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والسير على نهجه، والمسيرة الجادة على هديه في الاعتقاد والأعمال، والسلوك والأخلاق، وفي الحكم والتحاكم.

والحج درس في ذلك، وتدريب عملي سيفعله الحاج وتراه بقية الأمة.. مناسك معلومة وترتيب عجيب يفعله كل الحجاج في نفس الوقت والمكان، وقد بين ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بقول عند كل منسك من مناسك الحج: "خذوا عني مناسككم". ولذلك قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "حجوا كما حج النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا تقولوا هذا سنة وهذا فرض".

وليس هذا في الحج فحسب، بل في كل مناحي حياة المسلم، لا بد من طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - واتباع هديه، وإلاَّ فالهاوية والهلاك في الدنيا والآخرة. قال - تعالى -: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً)[النساء: 65]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". وقال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[النور: 63]،.

 

الاستسلام والإذعان لأمر الله

إن من أَسَرته مدنيته، وتسلطت عليه آلهة العوائد، وملكته المألوفات والشهوات، فإنه لا حريةَ له ولا انعتاق لديه، لاسيما مَن كان يَزِن كل شيء بعقله، ولا يَنشط لعمل، بل لا يمتثل لأمر إلا بعد حساب مادي دقيق، شأن عُبَّاد العقل و المادة، لكن الحج بوصفه الغامض المُغاير للمألوف، تحَدٍّ لأسارى النُّظم، وأرِقاء الترتيبات، ودعوةٌ للاستسلام المجرد والإيمان بالغيب، والخضوع المطلق لمراد المحبوب - عز وجل -، بدون طلب برهان، أو استناد إلى منطق أو دليل عقلي … وهذا الخضوع المطلق للأمر، والاستسلام الكلي لمقتضاه بتجرد عن بيان الحكمة… هو كمال رِقِّ الإنسان ومنتهى عبوديته للإله الأعظم - سبحانه -.

إن الله - تعالى -قد وظف على الحجيج ـ كما يقول الإمام الغزالي ــ" أعمالا لا تأنسُ بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول كرمي الجمار، والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار، وبمثل هذه الأعمال يظهر كمالُ الرق و العبودية، فإن الزكاةَ إرفاق، ووجهه مفهوم، وللعقل إليه ميل، والصومَ كسرٌ للشهوة التي هي آلة عدو الله، وتفرغ للعبادة بالكفِّ عن الشواغل، والركوعَ والسجودَ في الصلاة تواضعٌ لله - عز وجل - بأفعال هي هيئة التواضع… أما ترددات السعي ورمي الجمار، وأمثال هذه الأعمال فلا حظَّ للنفس فيها ولا أُنس للطبع فيها ولا اهتداءَ للعقل إلى معانيها؛ لأن كلَّ ما أدرك العقل معناه، مال الطبع إليه ميلا ما، فيكون الميل معينا للأمر وباعثا معه على الفعل، فلا يكاد يظهر به كمال الرق والانقياد، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - في الحج على الخصوص: "لبيك بحجة حقا، تعبدا ورِقَّا" ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها … وإذا اقتضت حكمة الله - سبحانه وتعالى - ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالُهم على سَنَن الانقياد، وعلى مقتضى الاستعباد، كان ما لا يُهتدى إلى معانيه أبلغَ أنواع التعبدات في تزكية النفوس، وصرفها عن مقتضى الطباع و الأخلاق إلى مقتضى الاسترقاق. "

 

درس في وحدة الأمة

ومن أعظم فوائد الحج أنه يؤكد وحدة الأمة الإسلامية التي قررها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، كما في قوله - تعالى -: إن هذه أمتكم أمة واحدة، فنجد فيه جميع المسلمين متحدين في أداء مناسك واحدة متفقة لا خلاف ولا تفرق فيها، فالجميع يطوفون ببيت واحد، ويسعون في مكان واحد، ويقفون جميعاً في صعيد واحد، ويتجهون إلى قبلة واحدة، ويتلون كتاباً واحداً، ويعبدون رباً واحداً لا إله غيره، ويقتدون بنبي واحد، وكل ذلك مما يقوي الأخوة الإسلامية، والرابطة الدينية بين جميع المسلمين.. ألوان شتى، وأشكال متعددة وبلاد مختلفة، رفعت وحدة الدين اختلافها وجمعت قوة العقيدة بين قلوبها، وأعمال الحج بين أبدانها وأجسامها وأفعالها، فرفضت بالفعل فواصل القوميات والعرقيات والحزبيات، وبقي الشاهد أن هذه الأمة لا يوحدها إلا حداء العقيدة ونداء الإيمان كما قال - تعالى -: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون، وقال: إنما المؤمنون إخوة، وكما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وهذا المعنى السامي لو استشعره المسلمون وعملوا به، وطبقوه لقلّت واضمحلت أوجه الخلاف، وأسباب الفرقة بينهم، ولكانوا كالجسد الواحد، امتثالاً لأمر الله - تعالى -: واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا.

 

الاعتدال والتوسط في كل الأمور

ومجانبة الغلو والإفراط والتفريط. روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة العقبة: ألقط لي حصى". فلقطت له حصى من حصى الخذف، فجعل ينفضهم في كفه ويقول: "بأمثال هؤلاء فارموا". ثم قال: أيها الناس! إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين". وما أحوج الأمة للاعتدال والتوسط دون إفراط أو تفريط، ودون غلو أو جفاء بل وسطية كما قال - تعالى -: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)(البقرة: من الآية143).

 

وحدة التاريخ والغاية

فحين يعيش المسلم الحج سيرة وذكرى، أو مباشرة وفعلاً يسطر اسمه ويقيد نفسه كواحد من ذلك الركب العظيم الذي استجاب لدعوة المرسلين وأطاع رب العالمين؛ ذلك الركب الذي طالما قاد خطاه الأنبياء والمرسلون من لدن إبراهيم ومن قبله ومن بعده، نوح وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين.

فيعلم المسلم أنه ليس وحده في هذا الطريق، بل سبقه فيه أنبياء ومرسلون، وأئمة مهتدون، وأتباع مؤمنون، عاشوا نفس الأزمات، وعاينوا نفس المواقف والعقبات، ولكنهم ثبتوا لها وصبروا عليها، فكانت لهم العاقبة في الدنيا قبل الآخرة، وعلت على الأعداء كلمتهم، وارتفعت بالتلبية بالحج أصواتهم بعد أن عاش بعضهم زمنًا لا يستطيع أن يأتي البيت ولا أن يصلي فيه فضلاً عن أن يحج ويعتمر.

فإذا ذكرت ذلك اطمأن قلبك، وثبتت على الطريق قدمك، وما أحوجك إلى هذا الثبات في زمن الغربة وعلمت أن العاقبة لك كما كانت للمؤمنين ممن سبقك: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)[إبراهيم: 13، 14].

وفي الحج من الحكم دون ذلك الشيء الكثير كتعلم التواضع، وتذكر الآخرة، وتجديد الإيمان برؤية أماكن العبادة ومواطن الدعوة.. وإنما هذا الذي ذكرناه قطرة من بحر، وغيض من فيض ومن تأمل تعلم، وصدق الله العظيم إذ يقول: "ليشهدوا منافع لهم".

 

 03/02/2005

 

http://www.islamweb.net                       المصدر :

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
رنيم
السعودية
2012/04/13
حلو