الاستنساخ
عدد القراءات : 18063

تمهيد:

تطور العلم في القرن العشرين الميلادي فقفز قفزات جبارة في شتى العلوم وكان لها تأثير كبير في تغيير مجريات الأحداث وأنماط الحياة ومن أبرز ما ظهر في هذا القرن ما يلي:

1 الثورة الذرية: حيث تمت صناعة قنابل ذرية واستخدمت على اليابان في مدينتي هيروشيما ونجازاكي عام 1945 م، معلناً بذلك الانتقال من عصر الكهرباء والأسلحة التقليدية إلى عصر الذرة بكل مخاوفه وهواجسه وويلاته.

وتمتلك عدد من الدول قنابل ذرية تقدر قوتها بما يكفي لتدمير الأرض ست مرات.

2 ثورة الإلكترونيات:

حيث ظهر علم السيبرنطيقا Cybernetics وكان ظهوره بمثابة الأساس لتقنية الحاسوب (الكمبيوتر) فيما بعد، ومن ثم ثورة الانترنت Internet الذي أورث ثورة عارمة في المعلومات المختلفة في شتى الميادين بلا ضابط وتنشأ يوماً بعد يوم مئات المواقع وتدخل يومياً ملايين المعلومات المختلفة في شتى الميادين وبعدة لغات.

3 غزو الفضاء:

حيث تمكن الروس من إطلاق أول قمر صناعي (سبوتنيك 1) عام 1957 م، وتوالت بعدها المحاولات التي كان منها هبوط الإنسان على سطح القمر وإرسال مركبات للمريخ وزحل والكوكب الأخرى لدراسة أحوالها، وتم وضع أقمار صناعية حول الأرض لأغراض متعددة منها تسهيل الاتصالات والتجسس ونقل الأحداث من شتى بقاع العالم مباشرة.

4 الثورة البيوتكنولوجية (الحيوية):

واتخذت عدة أشكال أشهرها:

1 زراعة الأعضاء: حيث تم عام 1967م أول عملية زرع قلب بشري وحظيت بالنجاح، ثم توسعت عمليات النقل والزرع حتى سجلت الكلى والبنكرياس والكبد والقلب والرئة معاً، وقد تطور الأمر في البلاد الإسلامية ليشمل إنشاء مراكز للتبرع بالأعضاء بعد الموت.

2 التلقيح الصناعي:

حيث نجحت أول عملية للإخصاب الصناعي عام 1978م وكانت ولادة أول طفلة سميت لويزا براون، ثم أنشئ بعدها بعامين بنك المني حيث يودع فيه مني الرجل وبييضات المرأة لأغراض مختلفة وتوالت بعدها التقنيات المستجدة كتأجير الأرحام والأم البديلة والتحكم في جنس الجنين وبنك العباقرة وغيره.

3 الهندسة الوراثية:

حيث تم الكشف عن الحمض الريبي النووي DNA ونال صاحبه جائزة نوبل عام 1962م ثم تم الكشف عن أنزيمات التحديد أو التقييد اللازمة لقص ذلك الحمض في مواقع محددة، وتدريجياً بدأ مصطلح هندسة وراثية Genetic Engineering يتداول بين الناس لتشكل تلك الهندسة في ذاتها ثورة من أخطر الثورات العلمية وهي ثورة حقيقية تعتمد على مادة الحياة وهي الخلية وبداخلها الجينات وهي ثورة تشارك فيها ثلاثة علوم أساسية هي علوم الوراثة والخلية والأجنة وتقوم على فكرة التحكم في الجهاز الوراثي للإنسان ومن ثم إمكانية برمجة الجنس البشري وفق تصميمات معدة سلفاً، وبذلك بدأ العلماء في تعديل أو العبث في أهم خصوصيات الإنسان وهي الشفرة الوراثية.

4 الاستنساخ:

حيث فوجئ العالم عام 1997 م باستنساخ النعجة (دوللي) على يد العالم إيان ويلمت وتوالت بعدها التجارب حتى أعلن في اكريكا عن استنساخ اثنين من القرود من خلايا جنينيه أعلن في أمريكا عن استنساخ اثنين من القرود من خلايا جنينية وأعلن في اليابان عن نجاح استنساخ ضفادع وقد وقف العالم ضد فكرة سريان الاستنساخ لعالم البشر حتى سمحت بريطانيا لاحقاً بإجراء التجارب تحت ضوابط معينة لأغراض خاصة(1).

فما هي حقيقة الاستنساخ وما هي آثاره ولماذا وقف العالم ضده؟ وما هو الموقف الشرعي منه؟ هذا ما سيكون الإجابة عليه في المباحث التالية:

المبحث الأول: حقيقة ا لاستنساخ:

الاستنساخ في اللغة بمعنى: النقل، يقال نسخت الكتاب نسخاً أي: نقلته من صورته المجردة إلى كتاب آخر، ويأتي أيضاً بمعنى الإزالة، يقال نسخت الشمس الظل أي: أزالته(2).

أما معناها في الاصطلاح فهو عبارة عن: زرع خلية إنسانية أو حيوانية جسدية تحتوي على المحتوى الوراثي كاملاً في رحم طبيعي أو صناعي وذلك بغرض إنتاج كائن حي (حيوان أو إنسان) صورة طبق الأصل من نظيره صاحب الخلية الأولى(3).

أقسامه:

ينقسم الاستنساخ إلى قسمين:

أ الاستنساخ الحيواني والنباتي.

ب الاستنساخ البشري وهو ثلاثة أنواع:

1 الاستنساخ الجنيني (الاستتآم)

وهو العمل على فصل خلايا بييضة ملقحة بخلية منوية بعد انقسامها إلى خليتين أو أكثر لتصبح كل خلية منها أيضاً صالحة للانقسام أيضاً بعد تهيئة ظروف نموها وانقسامها، وهكذا يتوالى الانقسام والفصل في كل خلية ثم تزرع بعض هذه الخلايا في رحم الأم، ويتم تبريد الباقي ليحتفظ به إلى وقت اللزوم.

2 الاستنساخ العضوي:

وهو العمل على استنساخ العضو الذي يحتاج إليه الإنسان في حياته حال حدوث عطب في هذا العضو.

3 الاستنساخ الخلوي (التنسيل)

وهو زرع خلية جسدية (تحتوي على 46 كروموزوم) مكان نواة منزوعة من بيضة ليتولى السيتوبلازم المحيط بالنواة الجديدة حثها على الانقسام والتنامي من طور إلى طور من أطوار الجنين الذي يكون بعد ولادته صورة مطابقة لصاحب تلك الخلية الجسمية من الناحية المظهرية(4).

كيف بدأ الاستنساخ؟

عندما نجح العلماء في معالجة البقرة (روزي) التي يمكنها إفراز حليب مقارب لحليب الأم البشرية بعد القيام بهندستها وراثياً هي وثمان بقرات أخر لإنتاج البروتين الآدمي ألفا لاكتالبومين Alpha-Human Lactalbumin، وقد كلفت عملية إنتاج (روزي) وحدها 4 ملايين دولار أمريكي.

فكر (ويلموت) و (كامبل) في الحفاظ على هذه الخاصية في البقرة حيث أنه إذا تم التزاوج الطبيعي بين (روزي) وذكر آخر فقد تفقد الجين الوراثي الذي تم تهجينها به أثناء عملية اندماج الخلية المنوية بالبييضة لتكوين النطفة، وبالتالي يضيع كل الجهد الذي بذله للوصول إلى هذا الاكتشاف، ومن هنا بدأ العالم (ويلموت) يفكر في إمكانية حل المشكلة عن طريق الاستنساخ الجسدي أي من خلال أخذ نواة خلية من ثدي روزي تحتوي على كل صفاتها الوراثيـة بما في ذلك الجنين الذي يضع بروتين (لاكتالبومين) وتفرزه في لبنها، ودمج هذه النواة مع بييضة نعجة أخرى بعد تفريغها من النواة التي تحمل كل صفاتها الوراثية، لكي يكون الناتج جنيناً يحمل كل الصفات الوراثية لروزي التي أخذت منها الخلية الجسدية، وهو مالا يمكن أن نضمنه لو تم تلقيح بييضة روزي التي تحمل نصف صفاتها الوراثية بخلية منوية من ذكر يحمل النصف الآخر وهكذا بدأت فكرة الاستنساخ(5).

المبحث الثاني: كيف تمت عملية الاستنساخ:

إن الاعتقاد الطبي السائد كان يقوم على فكرة حصر عملية التكاثر عن طريق الخلايا الجنسية فقط إلا أن تقنية الاستنساخ صححت هذه الفكرة:

وقد تمت العملية على النحو التالي:

1 تم أخذ خلية لبنية من ضرع النعجة (أ) وعمرها ست سنوات ووضعت في المعمل لتنميتها ووضعت في وسط حامضي يحتوي على نسب قليلة من المواد اللازمة لنموها لمدة خمسة أيام وبذلك تخرج الخلية من طور النمو إلى طور الراحة والتجويع.

2 تم سحب بييضة من مبيض النعجة (ب) بواسطة إبرة خاصة، ثم تفريغها من نواتها ووضعها في سائل كيميائي لإبطاء حركة نموها.

3 تم حقن خلية ثدي النعجة (أ) في البييضة المفرغة للنعجة (ب) ثم تسليط كهربائي ضعيف عليها لإتمام عملية الالتحام والاندماج، حيث تقوم الجزيئات في البييضة عندئذ ببرمجة الجينات في الخلية الثديية لإنتاج الخلية الأولية للجنين.

4 تم وضع هذه الخلية المندمجة في محلول كيميائي لتنميتها.

5 عند بلوغها مرحلة معينة من النمو والانقسام إلى خلايا متعددة تم نقلها إلى رحم النعجة (ج) لاحتضانها.

6 بعد 160 يوماً تم ولادة النعجة التي سميت دوللي وعند تحليلها كروموزمياً ثبت أنها صورة طبق الأصل من النعجة (أ) التي أخذ منها الخلية الأصلية وليس من النعجة (ب) التي أعطت البييضة أو النعجة (ج) التي احتضنت البييضة طوال فترة الحمل(6).

وفي 24 شباط 1997م أعلن الدكتور (أيان ويلموث) وفريقه عن استنساخ

شاة استنساخاً جسديا وأسموها " دوللي " حيث أن هذه النعجة صارت أشهر نعجة في التاريخ حيث اشترك في وجودها (ثلاث أمهات) بدون أب الأولى أعطت الخلية المانحة للمورثات من ضرعها والثانية أعطت البييضة والثالثة حملت البييضة في رحمها حتى ولدت جنينيها الكامل وقد جاء هذا النجاح بعد 277 مرة وقد لوحظ على النعجة ما يلي:

1 - أن تركيبها الكروموزومي يتطابق تماماً مع النعجة (أ) التي أخذت الخلية منها.

2 أنها كائن ثدي كامل سليم التكوين وقد ولدت ابنتها في نيسان 1998م بشكل طبيعي.

3 أن الخلايا التي تحملها عمرها (6)سنوات وليست كالنعاج الطبيعية وبالتالي ستصل لمرحلة الشيخوخة مبكراً.

وقد كانت المواقف متباينة تجاه الاستنساخ كما هو الشأن في عامة القضايا العلمية فالفريق المؤيد للاستفادة من الاستنساخ بضوابط يرى أنها ذات فوائد للأسباب التالية:

1 أنه حل فاعل للرجال المصابين بالعقم الذين لا يوجد في منيهم خلايا منوية وكذلك للنساء اللواتي لا تقبل بييضاتهن التلقيح، فالاستنساخ هو الحل الوحيد حتى الآن لأمثال هؤلاء(7).

أما المجتمع الغربي الكافر فمشاكل العقم عندهم تحل عن طريق التبني أو أخذ خلايا منوية أو بييضات من متبرعين.

2 أن بعض الرجال والنساء يفقدون قدرتهم على الإنجاب نتيجة تلقيهم علاجاً كيميائياً أو إشعاعياً بسبب إصابتهم بمرض السرطان، وتعتبر هذه الوسيلة الوحيدة لهم كي ينجبوا كما في الحالة الأولى.

3 أن الاستنساخ يمكن أن يكون حلا لبعض المرضى من الرجال والنساء الذين يعانون من الفشل الكلوي حيث أن هؤلاء يعانون بشدة من نقص الأعضاء المتوفرة ويحتاجون لثلاث جلسات أسبوعية على الأقل لعمل الغسيل الكلوي الذي يستغرق ساعات طويلة، ولو حالفهم الحظ ووجدوا متبرعين للكلية فسوف تعمل بأجسادهم لعدة سنوات فقط ثم سيحتاجوا بعدها لعملية نقل كلى أخرى بسبب رفض جسمهم لها بسبب اختلاف فصائل الأنسجة.

بينما لو تمكن الإنسان من عمل نسخة منه فإنه يضمن الحصول على أعضاء كثيرة خلقها الله مزدوجة عند الإنسان مثل الكلى والرئتين والمبايض أو الخصيتين بل حتى يمكنه الحصول على جزء من الكبد أو نخاع العظم دون التأثير على الإنسان المنسوخ مع ضمان استمرار عمل الأعضاء المنقولة في المريض بكفاءة؛ لأنها من نفس الفصيلة(8).

4 أن العباقرة في عالمنا محدودين، وهم يقدمون للبشر خدمات كبيرة، وربما مات العالم وترك فراغاً لا يسد إلا بعد فترة من الزمان، فلو أمكن أخذ عدة نسخ منه لأمكن إنجاب عباقرة آخرين لمصلحة البشرية.

5 في حالة فقدان أي زوجين لطفل أو أكثر من أطفالهم بسبب المرض أو الحوادث يمكن التخفيف من هذه المصيبة بأخذ خلية ومن ثم زرعها في الرحم بعد إجراء العمليات المناسبة فتحصل على نسخة طبق الأصل من الطفل المفقود.

6 اختيار جنس الجنين في المستقبل حسب الظروف العائلية؛ لأن الطفل يكون نسخة طبق الأصل من الخلية الملقحة بالبييضة(9).

هذه أبرز الفوائد التي يمكن الحصول عليها من خلال هذه التقنية بغض النظر عن حكمها الشرعي.

الاعتراضات الواردة على تقنية الاستنساخ:

1 أن الاستنساخ مدعاة لتكثير الجريمة وانتشار الفساد وتضييع الحقوق حيث يصعب التعرف على الجاني في الجريمة التي يكون الدليل فيها بصمات الأصابع أو حمض النوويك وهو دليل يفي بتحديد شخص واحد تماماً حتى الآن، وكذلك في القضاء حيث يلتبس على الشهود الجاني، والزوجة قد يتعذر عليها التفريق لا سيما إذا كانت حديثة الزواج وهكذا الأمور الأخرى.

2 أن هناك التباس وإشكال كبير في علاقة المستنسخ فلو صنعت عذراء نسخة لها من أحد خلاياها ثم أودعت الزريعة في رحمها لتنمو حتى الميلاد، كيف يكون الحمل شـرعياً وهي لا زوج لها؟ وما علاقتها بالمولودة؟ هل ولدت نسـختها أو توأمتها (أختها) أو ابنتها؟

3 أن الاستنساخ مدعاة لفتح أبواب شائكة وقضايا معقدة وأمور تتنافى مع الشرع ومن ذلك:

1 إحداث نسخة بعد موت الشخص ولو بعد عشرات السنين وبعد توزيع التركة.

2 قد تستغني المرأة عن الزواج الشرعي للحصول على الولد حيث يتم تخصيب بييضتها بخلية من جسدها ثم الحصول على الطفل بلا حاجة للأب وهذا يؤدي لخلخلة اجتماعية ونفسية معقدة حيث يفقد الطفل العواطف الأبوية(10).

3 أن ذلك مدعاة لشيوع الفاحشة، حيث ترغب النساء في الحصول على طفل لها طبق الأصل من رجل مميز كلاعب أو فنان أو عالم بالحصول على خلية منه والقيام بالتخصيب كما هو حاصل في بنوك العباقرة في الغرب..

4 ينجم عن الاستنساخ اختلال التوازن السكاني بسبب الاستغناء عن أحد الجنسين وفقدان التنوع الذي هو أساس المجتمع فالاختلاف حكمة إلهية "ولو شاء لجعلكم أمة واحدة " (11).

5 قد يؤدي الاستنساخ إلى إنتاج أشخاص مشوهين أو مجرمين لديهم الاستعداد للإفساد أو التخريب.

أو تتسابق الدول لاستنساخ أفراد ذوي صفات معينة مما يمهد للحروب واعتبار هؤلاء أسلحة تهدد الشعوب الأخرى(12).

6 إمكانية التلاعب بالجينات والخلايا والأجنة حسب الرغبات والأهواء واستعمالها للكسب والتجارة وهذا كله مسخ للإنسان وامتهان لكرامته.

7 احتمال حدوث خلل تقني أثناء إجراء عملية الاستنساخ مما ينتج عنه تشوهات جسمية وعقلية ونفسية لم نسمع بها من قبل.

8 اسـتبدال الطريقة الطبيعية للتكاثر وعمارة الأرض واختلال النظم الاجتماعية كالزواج والأسرة والأبوة والبنوة والميراث وغير ذلك من أسس النسيج الاجتماعي(13).

المبحث الثالث: الحكم الشرعي في الاستنساخ

لابد من إفراد كل نوع من الاستنساخ بحكمه الخاص، ومن الخطأ تعميم فكرة الاستنساخ ابتداء.

أولاً: الاستنساخ النباتي والحيواني

يختلف الاستنساخ النباتي والحيواني كثيراً عن الاستنساخ البشري، لأن هذه المخلوقات جاءت لمصلحة البشر ومسخرة لخدمته والانتفاع بها، بخلاف بني آدم الذي كرمه الله - سبحانه -.

وقد ذهب عامة الفقهاء المعاصرين إلى جواز الاستفادة من تقنية الاستنساخ في غير البشر بما يعود عليهم بالنفع؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل مصالح العباد وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها.

ويستدل للجواز بما يلي:

1 قوله - تعالى -: "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً " (14).

2 قـوله - تعالى -: "ألم تروا أن الله سـخر لكم ما في السموات وما في الأرض "(15).

3 قوله - تعالى -: "والأنعام خلقها لكم فيها دفٌ ومنافع ومنها تأكلون "(16).

وجه الدلالة:

أن الأرض وما فيها من نبات ودواب وغير ذلك مسخرة لنفع الإنسان، فيجوز الانتفاع بتكثيرها باستنساخها وغير ذلك.

4 حديث ثعلبة الخشـني - رضي الله عنه - قال، قال رسـول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله - عز وجل - فرض فرائض فلا تضـيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها "(17).

5 قاعدة " الأصل في الأشياء الإباحة "(18).

حيث أن كل عمل يصب في دائرة الإباحة حتى يأتي الدليل المانع لذلك.

6 قاعدة " الضرر يزال "(19).

حيث تبين أن الاستنساخ الحيواني والنباتي سيكون سبباً في توفر الثمار الكثيرة واللحوم الوفيرة والألبان بكميات هائلة مما يدفع ضرر التخوف من نقص موارد الأرض، إضافة إلى تطلع العلماء إلى أنه سيكون سبباً في درء العديد من المضار والمفاسد نحو مقاومة بعض الأمراض المورثة والتغلب على نقص الدم وقلة الأعضاء.

وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة عام 1418هـ - 1997م " يجوز شرعاً الأخذ بتقنيات الاستنساخ والهندسة الوراثية في مجالات الجراثيم وسائر الأحياء الدقيقة والنبات والحيوان في حدود الضوابط الشـرعية بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسـد "(20).

وجاء في قرار الحكم الشرعي للجنة الطبية الفقهية بالأردن: " أولاً: استنساخ أو تنسيل النبات و الحيوان جائز ضمن الضوابط الشرعية التالية:

1 أن تتحقق المصلحة الشرعية المفيدة من هذه الإجراءات.

2 أن لا تدخل تحت باب العبث وتغيير خلق الله، بمعنى العمل على إيجاد المسخ.

3 أن لا يترتب عليها ضرر يربو على المصلحة المرتجاة.

4 أن لا يترتب عليها إيذاء أو تعذيب للحيوان.

وقد خالف في هذا القرار الأستاذ الدكتور عمر الأشقر حيث رأى حرمة استنساخ الحيوان لمخالفته سنة الله في التكاثر والخلق "(21).

وهذه المخالفة التي انفرد بها عمر الأشقر مبنية على أن سنة الله في التكاثر تكون بين الذكر والأنثى حتى في الحيوان، ووضع خلية جسدية في بييضة منزوعة النواة أمر مخالف لسنة الله في التكاثر ويخشى أن تظهر مفاسد وأضرار لهذا النوع، لأن فتح باب الجواز في الحيوان قد يفتح المجال لإجرائه في الإنسان.

وقد أجيب عن هذا الاعتراض بأن التفريق بين خلق الله وسنن الله ليس له مستند شرعي يدل على التحريم وفرق عظيم بين قياس الإنسان على الحيوان فالجواز في الحيوان لا يعني البتة جوازه في الإنسان.

والرسول - عليه الصلاة والسلام - قال في قضية تأبير النخل حيث لم تثمر: " أنتم أعلم بأمور دنياكم "(22).

فهذه قاعدة في جواز استخدام العقول والوسائل المختلفة التي تحسن شأن الحيوان والنبات ضمن الحدود الشرعية لا سيما أن الله أمرنا بإعمار الأرض واستخلفنا فيها(23).

وهذا التفريق يلزم منه تحريم أشياء كثيرة استجدت في حياتنا مثل حرمة أكل الدجاج الذي خرج بالفقس الصناعي، لأنه لم يخرج عن طريق رقاد الدجاجة على البيض كما هو معهود، وهو نوع من التكاثر الصناعي وهذا التحريم لم يقل به أحد من العلماء فيما أعلم والعلم عند الله.

ومن ثمرات تطبيق هذه التقنية:

1 نجح اليابانيون في إنتاج سلالة من الأبقار كلها إناث في المختبر فانتفت الحاجة إلى الذكور وبالتالي الاستمرار في إنتاج الحليب وتحقيق الكفاية من اللحوم.

2 زراعة حقول ذات مساحات شاسعة من خلايا نبتة واحدة، حيث تكون جميع النباتات الناتجة نسخاً متشابهة تماماً ولها نفس الخصائص من حيث كبر الثمرة وطعمها ومدى مقاومتها للأمراض.

3 مواجهة مشكلة التلوث بإيجاد سلالات من البكتريا تقوم بتخليص البيئة من الملوثات بعد التحكم الجيني بها.

4 تمكن العلماء باستخدام الكائنات الدقيقة الحية من إنتاج أصعب الأدوية وأندرها مثل الأنسولين المنظم لسكر الدم والسوماتاستاتين المنظم لأعمال بعض الغدد في الجسم والانترفيرونات التي تستخدم في علاج السرطان(24).

ثانياً: الاستنساخ البشري:

المطلب الأول: الاستنساخ الجنيني (الاستتآم)

وصورته تكون بتلقيح البييضة بماء الزوج وعند الانقسام تفصل الخلايا كل خلية على حده لتكون نسخاً متعددة ثم تودع في رحم الزوجة(25).

وقد بدأت فكرة هذا النوع عام 1993 م من العالمين الأمريكيين ستيلمان وهول حيث أخذا (خلية منوية تحتوي على 23 كروموزوم) ولقحا بييضة (تحتوي على 23 كروموزوم) لينتجا بييضة ملقحة بنواة ذات 46 كروموزوم ثم انقسمت هذه الخلية الملقحة لتعطي أربع خلايا.

والأمر الجديد في بحثهما ما يلي:

1 أنهما توصلا إلى أنزيم ومواد كيميائية استطاعت أن تذيب الغشاء البروتيني السكري المحيط بهذه الخلايا فانفصلت عن بعضها البعض.

2 توصلا إلى مادة جديدة من الطحالب البحرية لإصلاح جدار الخلايا المنفصلة وتغطيتها حتى لا تتأثر.

3 أخذا كل خلية من هذه الخلايا وقاما باستنساخ كل واحدة على حدة لتنتج (4) خلايا مرة أخرى أي الناتج (16) خلية ثم فصلا هذه الخلايا واستنساخها على (64).

ثم جمدوا هذه الخلايا التي هي البداية الأولى للجنين وأخذوا واحدة فقط لتنميتها حتى وصلت إلى 32خلية ولم يكملا العمل خوفاً من الجوانب الأخلاقية وهذا البحث جرى بعيداً عن أعين اللجان الأخلاقية وأذيع في أحد المؤتمرات عام 1993م وأثار زوبعة من الخلاف من علماء الدين وعلماء الأخلاقيات إلا أن علماء الخلايا والبيولوجيا منحوهما جائزة أحسن بحث في المؤتمر(26).

وقد اختلف العلماء المعاصرون في حكم هذه الصورة على النحو التالي:

القول الأول: التحريم وعليه جمهور العلماء المعاصرين وعليه قرر مجمع الفقه الإسلامي بجدة.

وقد جاء في قرار المجمع الفقهي " تحريم الاستنساخ البشري بطريقتيه المذكورتين أو بأي طريقة أخرى تؤدي إلى التكاثر البشري "(27).

القول الثاني: جواز استنساخ الجنين وعليه قرار اللجنة الطبية الفقهية بالأردن.

وقد جاء في ملخص الحكم الشرعي للاستنساخ الجنين البشري: " فصل الخلايا من البييضة الملقحة بعد الانقسام الأول أو الثاني أو الثالث أو بعد ذلك بقصد استعمالها لإحداث الحمل في فترة الزوجية جائز شرعاً، وتحكمه القواعد ذاتها التي تحكم موضوع التلقيح الاصطناعي الخارجي (طفل الأنابيب) In-Vitor-Fertilization (IVF) وقد وافق الفقهاء الحضور بالإجماع على ذلك … وقد تحفظ على هذا الرأي كل من الشيخ الدكتور راجح الكردي والشيخ الدكتور عبد الناصر أبو البصل، الذي كان رأيه أن الاستنساخ الجنيني غير جائز إلا في حالة امرأة لديها مشكلة في ثبات الحمل، فيجيز الاستنساخ والتجميد لهذه الغاية فقط "(28).

المناقشة:

استدل المانعون بالأدلة والاعتراضات التي تمنع الاستنساخ (الجسدي) ورأوا أنها تأخذ نفس الحكم لكونها كالاستنساخ الجسدي من حيث الأصل.

أما القائلين بالجواز فرأوا أنها تأخذ حكم التلقيح الصناعي الخارجي لأن هذه العملية قائمة بين رجل وزوجته في ظل العلاقة الزوجية ولا علاقة لطرف ثالث في العملية ولها فوائد وهذه التقنية تفيد في الآتي:

1 أنها علاج لبعض حالات العقم لدى المرأة والرجل فالمرأة التي تعاني مشكلة الفقر في التبويض، والرجل الذي تكون خلاياه المنوية ميتة أو بها تشوهات إلا القليل منها فإن هذه التقنية تساعده في الإنجاب.

2 أنه يمكن الاستفادة منها في تشخيص الأمراض الوراثية في المختبر فالنسخة التي تم استنساخها يمكن فحصها فإن كان ثمة مرض وراثي أهملت جميع النسخ ولم تودع في الرحم وبذلك نتحاشى ولادة أطفال مشوهين.

أدلة المانعين:

1 قاعدة " يتحمل الضرر الخاص أمام الضرر العام "(29).

حيث أن المصلحة الجزئية لحالات محدودة ممن ابتلوا بالعقم والتي تحل مشكلة بعض الأسر لا تعارض هذه المفسدة بالمفاسد المترتبة بفتح أبواب الاستنساخ الجنيني حيث أن احتمال الاختلاط والعبث بالخلايا وارد خاصة في هذا الزمان الذي ضعفت فيه الأمانة وقاعدة سد الذرائع أخذ بها عامة العلماء.

2 أن النطفة أصل الإنسان، والإنسان مكرم وهو جنين منذ تكونه فلا يصح العبث بالنطفة ولا مساسها دون حاجة داعية لذلك واحتمال إجهاض النطفة أثناء العملية وارد(30).

3 إن المحاذير الواردة في الاستنساخ الخلوي أكثرها موجود في الاستنساخ الجنيني.

الترجيح:

يظهر لي جواز الاستنساخ الجنيني عند وجود الحاجة الماسة أو الضرورة إليها كما هو الشـأن في علاج بعض مشـاكل العقم لكون الطريقة من حيث المبدأ سـليمة.

أما في الأحوال العادية كالرغبة في الحصول على أجنة متشابهة فلا يجوز؛ لأن الأصل في التلقيح الصناعي الجواز عند الضرورة و " الضرورة تقدر بقدرها " فلا يتوسع في استباحة المحظور والله أعلم.

وقد جاء في البيان الختامي لندوة (رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة) الصادر عن المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية المنعقدة في الدار البيضاء في صفر 1418هـ يونيو 1997م في شأن استنساخ الجنين البشري " ترى الندوة أن الطريقة من حيث مبدأ التلقيح سليمة، لكن تقويمها من ناحية النفع والضرر لا يزال في حوزة المستقبل، ومن منافعها القريبة المنال إمكان تطبيق الوسائل التشخيصية على أحد الجنينين أو خلايا منه، فإن بانت سلامته سمح بأن يودع في الرحم، وكذلك التغلب على بعض مشاكل العقم وينطبق عليها كل الضوابط المتعلقة بطفل الأنابيب "(31).

الاستنساخ والعقيدة الإسلامية:

توهم بعض الناس أن الاستنساخ يتصادم مع العقيدة الإسلامية القاضية بأن الخلق والإيجاد لله وحده، وأن هذا الاستنساخ الذي هو من فعل البشر يضاهي خلق الله.

وقد جاء هذا التوهم نتيجة الإثارة الهائلة التي واكبت عملية الاستنساخ والعبارات التي صدرت بها بعض الصحف الغربية والعلمانية هذا الاكتشاف مما جعل البعض ينكر الاستنساخ أصلاً أو يظن أن في ذلك تحدي للخالق وهذا وهم ظاهر.

ويمكن الإجابة على هذه الشبه بما يلي:

1 أن الاستنساخ ليس خلقاً، بل هي طريقة جديدة للتكاثر غير الطريقة المعهودة في البشر فالخلية المستنسخة والبييضة كلها من خلق الله، ولم تكن معدومة فأوجدت. بل غايته التلقيح بصورة جديدة فقط. فالعلماء يتعاملون مع عناصر مخلوقة من عند الله فالخلية من النعجة والنعجة لم يوجدها العلماء بل هي من خلق الله، وعملية الانقسام الخلوي التي تتم بوسائل حيوية بالغة التعقيد داخل الخلية نفسها وكلها موجودة ولم يخلقها العلماء.

والخلق عند الإطلاق يدل على الإيجاد من العدم ويدل لذلك:

أ قوله - تعالى -: "وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً" (32).

ب قوله - تعالى -: "أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً" (33).

ج قوله - تعالى -: "إنه يبدأ الخلق ثم يعيده"(34).

2 أن الله - سبحانه - أوجد القابلية للتكاثر في خلقه بهذه الطريقة وغاية ما فعله الإنسان هو اكتشاف هذه الخاصية وتسخيرها لخدمته ولا يعد هذا خلقاً كما هو الشأن في النبات حيث يمكن غرس غصن البرتقال في شجرة ليمون لتحمل شجرة واحدة ثمرتين أو تهجين نباتين مع بعضها لينتج ثمرة تحمل صفتين مثل (الليم) وكذلك الشأن في الحيوان مثل البغل الناتج من الحصان والحمار، فكل هذا لا يعد خلقاً ولا يتعارض مع سنن الله.

3 أن العمل لو كان فيه معنى الخلق، فليوجد العلماء خلية أو بييضة من العدم أو من التراب كما هو شأن الخالق وهذا ما يستحيل تصوره عقلاً فضلاً عن إمكانية تحقيق ذلك لدى البشر.

وقد أعلمنا الله أن الآلهة التي يعبدها البعض لن تستطيع أن تخلق ذبابة صغيرة ولو اجتمعوا لذلك وإن سلب الذباب منهم شيئاً لن يستطيعوا رده البتة.

وهذا التحدي قائم أبداً لا يمكن للبشـر أو غيرهم خرق هذا التحدي(35)، قال تعالى: "يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " (36).

هل يتنافى وقوع الاستنساخ في البشر مع العقيدة الإسلامية؟

ظن البعض أن عملية الاستنساخ يستحيل وقوعها في البشر لأن ذلك يتنافى مع دلالة بعض النصوص كقوله - تعالى -: "يخرج من بين الصلب والترائب " (37)، أي صلب الرجل وترائب (صدر) المرأة. والاستنساخ البشري قد يقع من أي خلية من الرجل مع بييضة المرأة أو خلية من المرأة نفسها مع بييضتها دون الرجل.

والجواب على هذا التوهم ما يلي:

1 أن ولادة الطفل بالطريقـة المعهودة لا يعني عدم وقوع غيرها، فالنصوص دلت على الطريـقـة المعروفة ولم تنف ما سـواها، فالآية في سـياق الخبر لا الحصر.

2 أن المراد بقوله - تعالى -يخرج من بين الصلب والترائب (الإنسان) وليس كما هو مشهور أن ذلك مني الرجل من الصلب وماء المرأة من الصدر فالآية في سياق الخبر عن الإنسان ويفهم هذا من السياق على النحو التالي:

"فلينظر الإنسان مم خلق" - الخبر عن الإنسان "خلق من ماء دافق" - أي الإنسان

"يخرج من بين الصلب والترائب" - أي الإنسان

"إنه على رجعه لقادر" - أي الإنسان

وهذا التفسير يدل عليه علم الأجنة حيث أن وضع الجنين في البطن عند خروجه يكون رأسه لأسفل ويمتد جسمه ليصل الصدر مع الظهر فهو يخرج من بين الصلب والترائب(38).

المطلب الثاني: الحكم الشرعي في الاستنساخ الخلوي.

والمراد به إحداث تلقيح بالبييضة عن طريق خلية من الجسـم غير منوية كما تقدم، وهذا النوع هو الذي تناولته وسائل الإعلام والكتاب وعليه الاعتراضات الكثيرة وقد نجحت في مجال الحيوان ويتوقع نجاحه في الإنسان، وقد تقدم بيان موقف المؤيدين والمعارضين لقضية الاستنساخ.

أما الحكم الشرعي يمكن تلخيصه على النحو التالي:

القول الأول: التحريم وهو رأي عامة الفقهاء المعاصرين منهم محمد بن صالح العثيمين، وعبد الكريم زيدان، ويوسف القرضاوي، ونصر فريد واصل، ومحمد سيد طنطاوي، ومحمد سعيد البوطي، ومحمود السرطاوي، وعجيل النشمي، وعبد الستار أبو غدة، وعبد الله بن منيع، ومحمد الأشقر، ووهبه الزحيلي(39).

وعليه قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي وقرار اللجنة الفقهية الطبية بالأردن(40).

القول الثاني: التوقف.

وهو رأي محمد تقي الدين العثماني والشمري.

وهذا القول جاء بناء على أن الاستنساخ البشري ليس إلا نظرية وخيال، ولم يأت إلى حيز الوجود، ولكون المعلومات والصورة الحقيقية بهذا النوع لم تتضح بعد وقد كان بعض السلف يقول: " لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله "(41).

القول الثالث: تأييد الاستنساخ البشري

وهذا الرأي ذهب إليه من لا يعتد بقوله شرعاً من الشيعة والصحفيين والأطباء وغيرهم فلا يعول عليه(42).

الأدلة:

استدل القائلون بتحريم الاستنساخ البشري (الخلوي) بالأدلة التالية:

1 قوله - تعالى -: "ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم "(43).

وجه الدلالة:

أن التمايز بين أبناء البشر ضرورة للناس اقتضتها حكمة الباري - سبحانه وتعالى - والاستنساخ وشيوعه ينافي هذه الحكمة.

2 قـوله - تعالى -: "إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً " (44).

وجه الدلالة:

الأمشاج هو المزيج المختلط بين ماء الرجل وماء المرأة وهذا الخليط في الاستنساخ ينتهي بنزع النواة من البييضة، فيكون خصائص الأنثى معدومة وهذا نوع من تغيير خلق الله(45).

3 قـوله - تعالى -: "وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى "(46).

4 قوله - تعالى -: "فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب" (47).

وجه الدلالة:

أن الاستنساخ يتعارض مع النصوص الشرعية الدالة على طريق معهود للتكاثر عن طريق الزوجين بمائهما فقط(48).

5 قوله - تعالى -: "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" (49).

وجه الدلالة:

أن الزواج هو أساس التكاثر في الشرع وهو سبيل إيجاد المودة والرحمة، وفي الاستنساخ مساس بالعلاقة التي أوجدها الله في النكاح ليكون من آثاره حصول الأولاد وانتسابهم، إضافة إلى أن الاستنساخ يخالف معنى التخليق الشرعي (من أنفسكم) لأن الكائن الجديد لا يحمل صفات الأبوين معاً(50).

6 قوله - تعالى -: "فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" (51).

وجه الدلالة:

أن النسخ يصطدم بفكرة الموت وهو سبيل الخلود عند بعض الباحثين عنه، والخلود من الأفكار الشيطانية وكل سبيل يؤدي إليه له حكمه(52).

7 قوله - تعالى -: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء" (53).

وجه الدلالة:

الآية تقرر أن بث الرجال والنساء وهم الذرية ناتج من الزوجين لقوله - سبحانه -: "وبث منهما" والقول بأن الإنجاب يصح من المرأة نفسها يعارض هذه الآية(54).

8 حكاية الإجماع:

حيث انعقد إجماع الأمة سلفاً وخلفاً على المعاني المتصلة بطريقة التكاثر البشري من خلال الاتصال الجنسي بين الزوجين.

قال نور الدين الخادمي: "إن الإجماع لم يكن شرعياً فقط إن لم يصدر من علماء الشرعية ومجتهديها فحسب، وإنما صدر من جهات فكرية وسياسية مختلفة وانعقد من قبل هيئات ومنابر ومؤسسات وهياكل متعددة التخصصات والفنون والمعارف والاهتمامات، فقد كان إجماعاً شرعياً وعالمياً، واتفاقاً عاماً على وجوب منع هذا النوع من الاستنساخ الخسيس، ولزوم حظر تجاربه ومنجزاته "(55).

7 قاعدة " سد الذرائع " وقواعد الشريعة الأخرى " الضرر يزال " و " كل ما أدى إلى الحرام فهو حرام "(56).

حيث أن الاستنساخ يؤدي إلى مفاسد كثيرة سبق بيانها ومن أعظمها علاقة المستنسخ بالأصل هل هي البنوة أم الأخوة وإذا كانت الأخوة هل سيكون مثل الأخ الشقيق أم كالأخ لأم، وكذا البنوة هل يتساوى مع ابن الصلب مما يؤثر على قضية الميراث والولاية والمحرمية والوصية وأحكام عديدة.

إضافة إلى اختلال الناحية الأمنية إذا حصلت جريمة حيث تتشابه بصمات الأصابع وكذلك البصمة الوراثية وكذلك يضطرب أمر القضاء إذا تعدد الشهود المتشابهين تماماً وفي حالة النكاح لا تدري المرأة زوجها من شبيهه المستنسخ إذا كانوا متعددين وأمور عديدة تنتج من الاستنساخ.

قال ابن تيمية: " ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعاً ولا مباحاً وإنما يكون مشروعاً إذا غلبت مصلحته على مفسـدته مما أذن فيه الشـرع

والمسلم يعلم أن الله لم يحرم شيئاً إلا ومفسدته محضة أو غالبة "(57).

ويظهر لي:

أن الأدلة التي ساقها الجمهور لتحريم الاستنساخ لا يخلوا من نظر؛ لأن الشرع إذا أخبر عن طريق معهود للتكاثر لا يعني تحريم غيره فطفل الأنبوب جائز عند الجمهور رغم مجيئه بطريقة غير معهودة بل بتلقيح صناعي وليس هناك ثمة دليل يمنع إنجاب الولد بخلية جسدية إذا تعطلت الخلية المنوية.

لذا أرى أن التحريم للاستنساخ ليس في ذاته بل لغيره وذلك لما تجره من المفاسد الكثيرة للقاعدة الفقهية "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " أما المصالح الفردية التي يمكن أن يستفاد منها فلا تعارض المصلحة العامة للبشر لكونها هي المقدمة عند التعارض للقاعدة الفقهية " يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام "(58).

ومع هذا فلا شك أن الأطباء سيمضون في تجاربهم لا سيما وأن بعض الدول كبريطانيا سمحت بإجراء هذه التجارب رسمياً، ولعلهم ينجحون في تجاربهم في استنساخ البشر فإذا تم ذلك فيرى بعض الباحثين أنه لا مانع من إعطاء فرصة وحيز من الاجتهاد في إعادة النظر في حكم بعض الحالات الفردية كأخذ خلية جسدية من زوج عقيم لا يمكن الإنجاب إلا عن طريق الاستنساخ وتوضع في رحم زوجته أثناء قيام الزوجية والله أعلم.

---------------------------------------

(1) انظر: الاستنساخ قنبلة العصر لصبري الدمرداش ص 13 19، حول الهندسة الوراثية وعلم الاستنساخ لمحمد صالح المحب 143 180، عصر الهندسة الوراثية لعبد الباسط الجمل ص 11 99، ثبت علمياً حقائق طبية جديدة لموسى محمد ص 125، آيات الله المبصرة لتوفيق علوان ص 131.

(2) انظر: مادة (نسخ): معجم مقاييس اللغة لابن فارس ص 1026، المصباح المنير للفيومي ص 310، المعجم الوسيط ص 917.

(3) انظر: الاستنساخ البشري لتوفيق علوان ص 13.

(4) انظر: رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة بحث الاستنساخ لحسن الشاذلي 2 / 267 وبحث الاسـتنسـاخ البشـري بين الإقدام والإحجام لأحمد رجائي الجندي 2 / 133 135 بحث الاستنساخ (الكلونة) لصديقة العوضي 2 / 165 ضمن مطبوعات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية -.

(5) انظر: الاستنساخ البشري لفوزي محمد ص 130.

(6) انظر: الاستنساخ البشري لفوزي محمد ص 144، اعطني طفلاً بأي ثمن لسمير عباس ص 303، آيات الله المبصرة لتوفيق علوان ص 146.

(7) وقد تقدم أن الأطباء استطاعوا بفضل الله مساعدة زوجين في الإنجاب عن طريق خلايا مستديرة من أنسجة خصية الزوج وحقنها في بييضات الزوجة بواسطة الحقن المجهري وذلك لعدم وجود أي خلايا منوية لدى الزوج.

(8) انظر: أعطني طفلا بأي ثمن لسمير عباس ص 306، مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد العاشر 3 / 324 بحث الاستنساخ لصالح الكريم.

(9) انظر: الاستنساخ البشري لفوزي محمد ص186 194، أعطني طفلا بأي ثمن لسمير عباس ص 307.

(10) انظر: بين جنون البقر واستنساخ البشر للسيد وجيه ص 127 133، البيولوجيا ومصير الإنسان لسعيد الحفار ص 109، عصر الهندسة الوراثية لعبد الباسط الجمل ص 130.

(11) سورة النحل: 93.

(12) انظر: حول هندسة الوراثة وعلم الاستنساخ لمحمد صالح ص 183، الاستنساخ قنبلة العصر لصبري الدمرداش ص 92.

(13) انظر: قضايا طبية معاصرة 2 / 97 98، مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد العاشر 3 / 324 327 بحث الاستنساخ لصالح الكريم.

(14) سورة البقرة: 29.

(15) سورة لقمان: 20.

(16) سورة النحل: 5.

(17) أخرجه الدارقطني 4 / 184 برقم 42، وحسنه ابن رجب في جامع العلوم والحكم ص 275.

(18) انظر: الضرر في الفقه الإسلامي لأحمد موافي 2 / 935، قاعدة اليقين لا يزول بالشك للباحسين 107، رفع الحرج في الشريعة الإسلامية لصالح بن حميد ص 107 بلفظ " الأصل في المنافع الإباحة " قواعد الفقه للبركتي ص 59.

(19) انظر: الأشباه والنظائر لابن السبكي 1 / 41، المبادئ الفقهية لمحمد درويش ص 19، القواعد الكبرى للعجلان ص 90 الاستنساخ لنور الدين الخادمي ص 133 ويرى أن هذا النوع يمكن أن يكون مندوباً أو واجباً حسب الحاجة إليه.

(20) انظر: قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي ص 216.

(21) انظر: قضايا طبية معاصرة 2 / 119.

(22) أخرجه مسلم كتاب الفضائل باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً برقم 2363.

(23) انظر: قضايا طبية معاصرة 2 / 114 117 المناقشات الفقهية لموضوع الاستنساخ والرد لإبراهيم الكيلاني وزير الأوقاف السابق بالأردن.

(24) انظر: الاستنساخ لنور الدين الخادمي ص 147، الاستنساخ قنبلة العصر لصبري الدمرداش ص 79، الهندسة الوراثية والأخلاق لناهد البقمي ص 96، مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد العاشر 3 / 244، 283 بحث الاستنساخ البشرى لأحمد الجندي و الاستنساخ لصالح الكريم.

(25) انظر: الاستنساخ البشري لتوفيق محمد ص 29.

(26) انظر: مجلة المجمع الفقهي العدد العاشر 3 / 242 243 بحث الاستنساخ البشري لأحمد الجندي.

(27) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد العاشر 3 / 421 والطريقتين هي الاستنساخ الجنيني والاستنساخ الخلوي (الجسدي).

(28) انظر: قضايا طبية معاصرة 2 / 173، والفقهاء الموافقون محمد الأشقر ومحمد شبير وعمر الأشقر وهمام سعيد وفضل عباس.

(29) انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 87، شرح المجلة للباز ص 31، النظريات الفقهية للزحيلي ص 226.

(30) انظر: دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة بحث عمليات التنسيل (الاستنساخ) وأحكامها الشرعية لعبد الناصر أبو البصل 2 / 657.

(31) انظر: رؤية إسلامية لبعض المشكلات الطبية المعاصرة 2 / 509 510.

(32) سورة مريم: 9.

(33) سورة مريم: 67.

(34) سورة يونس: 4.

(35)انظر: الاستنساخ البشري بين القرآن والعلم الحديث لتوفيق علوان ص3538، الاستنساخ البشري لفوزي محمد ص 214، موقع الإسلام على الإنترنت islamonline.net مقالة نحو اجتهاد لضبط قضية الاستنساخ.

(36) سورة الحج: 73.

(37) سورة الطارق: 5-8.

(38) انظر: القرار المكين لمأمون شقفة ص 34 ويبدو لي أن البار تكلف في تفسير الآية علمياً حين ذكر أن التغذية الحاصلة للخصية والمبيض بالدماء والأعصاب واللمف تبقى من حيث أصلها أي من بين الصلب والترائب لذا فتكون المني في الخصية نسب للصلب باعتبار أنه استقى مواد التكوين من العروق والأعصاب المتدلية من الظهر وكذلك الشأن بالنسبة للمرأة وهذا خلاف الظاهر والله أعلم انظر كتابه خلق الإنسان ص 116.

(39) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي المناقشات الفقهية العدد العاشر 3 / 392، 412، 371، جريدة المسلمون العدد 647 في 27 يونيو 1997م.

(40) انظر: قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي ص 216، قضايا طبية معاصرة 2 / 157.

(41) انظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي المناقشات الفقهية العدد العاشر 3 / 368، 373 ولاحظ أن هذه المناقشات كانت عام 1418هـ / 1997م.

(42) انظر: أعطني طفلا بأي ثمن لسمير عباس ص 308، مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد العاشر 3 / 220 226، جريدة الشرق الأوسط مقال الاستنساخ البشري بين الحرمة والإباحة لعبد الهادي الحكيم بتاريخ 23 / 6 / 2001م.

(43) سورة الروم: 22.

(44) سورة الإنسان: 2.

(45) انظر: قضايا طبية معاصرة 2 / 137، المناقشات الفقهية والاستدلال لإبراهيم الكيلاني.

(46) سورة النجم: 45.

(47) سورة الطارق: 5 7.

(48) انظر: قضايا طبية معاصرة 2 / 128 المناقشات الفقهية -.

(49) سورة الروم: 21.

(50) انظر: الأحكام الطبية المستجدة لمحمد النتشة 1 / 247، قضايا طبية معاصرة 2 / 131 المناقشات الفقهية-.

(51) سورة طه: 120.

(52) المصدر السابق.

(53) سورة النساء: 1.

(54) انظر: دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة بحث عمليات التنسيل (الاستنساخ) وأحكامها الشرعية لعبد الناصر أبو البصل 2 / 678.

(55) انظر: الاستنساخ لنور الدين الخادمي ص 84 85 وهذا الإجماع الذي حكاه غريب جداً، وأعجب منه أن يدعي أنه على مستوى جميع التخصصات والفنون وهناك عدد كبير من الأطباء المسلمين وغيرهم يرحبون بهذا النوع ويؤيدونه ومن المؤيدين من الغرب الباحث فليتشر من جامعة فرجينا وادوارد من جامعة كامبردج وهو أول من أجرى عمليات طفل الأنبوب والباحث فيشل من إنجلترا وسيدل من جامعة كولورادو والباحث الشهير دات من كندا ودواكن من أكسفورد وديش من بريطانيا وهولمان وفليك ودوكاس من أمريكا، انظر: الاستنساخ البشري بين التحليل والتحريم لفوزي محمد ص 248 249.

(56) انظر هذه القواعد: النظريات الفقهية لمحمد الزحيلي ص 223، الوجيز للبورنو ص 201، روضة الفوائد لمصطفى مخدوم ص 51، قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 2 / 328، مجلة المجمع الفقهي العدد العاشر 3 / 378 المناقشات الفقهية.

(57) انظر: طريق الوصول إلى العلم المأمول جمع عبد الرحمن السعدي ص 203.

(58) انظر القاعدة: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 87، شرح المجلة للباز ص 31 القاعدة 26، الضرر في الشريعة الإسلامية لأحمد موافي 2 / 944، النظريات الفقهية للزحيلي ص 226.

 

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة