هل يحتسب الطلاق المعلق على شرط ؟ ( 1 )
عدد القراءات : 1375

الأصل في الطلاق أن يقع بألفاظ صريحة تفيده لا يدخلها الاحتمال والتأويل نحو قول الرجل لزوجته: (أنت طالق) أو قوله: (طلقتك، وسرحتك، وفارقتك)· وهذه الألفاظ هي التي نطق بها الكتاب في مثل قوله - سبحانه -: (يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) الطلاق: 1، وقوله: (أو فارقوهن بمعروف) الطلاق: 4، وقوله: (أو تسريح بإحسان) البقرة: 229، فمتى واجه الرجل زوجته بهذه الألفاظ لزمه الطلاق لأنها صريحة لا تفتقر إلى نية فيقع الطلاق لمجرد الخطاب بها· ومن هنا لم يكن مقبولاً شرعاً الهزل فيها واللعب، ولقد نبَّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا بقوله: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد· النكاح، والطلاق، والرجعة)(2)، وذلك من أجل أن يتحمل كل زوج مسؤوليته فيما ينطق به لسانه·

ونظراً لخطورة الفراق وما يترتب عليه من آثار فإن الرجال درجوا على تهديد نسائهم به، فتراهم يعلقون طلاقهن على قيامهن بشيء أو انتهائهن عنه، وهذا ما يطلق عليه الفقهاء الطلاق المعلَّق على شرط ويميزونه عن الطلاق المنجز الذي يمضي فيها لحال عند التلفظ به· وقد اختلفوا في حكمه على ثلاثة أقوال أحدها أن الطلاق المعلَّق على شرط يقع عند وجود الأمر المعلق عليه، والثاني أنه لا يقع، والثالث أنه ينظر فيه إلى ما يقصده الشخص من تعليقه الطلاق· وهذا تفصيل أقوالهم وأدلتهم في المسألة:

 

أولاً: آراء وأدلة الفقهاء في المسألة:

القول الأول: إن الطلاق المعلق على شرط يقع عند حصول المعلق عليه، وهو قول جمهور الفقهاء، وفيهم الأئمة الأربعة، فإنه ورد التصريح به عندهم· فبالنسبة للمذهب الحنفي ورد عن الكاساني قوله: (لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت فلاناً (···) فإن كانت في ملكه عند دخول الدار صحت اليمين المتعلقة بالشرط وهو الكلام، فإذا كلمت يقع الطلاق)(3)· وبالنسبة للمذهب المالكي جاء في المدوَّنة الكبرى: (قلت: أرأيت لو أن رجلاً قال لامرأته: إذا دخلت الدار فأنت طالق، ثم قال لها بعد ذلك: (إذا دخلت الدار فأنت طالق)، والدار التي حلف عليها واحدة، فدخلت الدار كم يقع عليها؟ قال: يقع عليها تطليقتان إلا أن يكون نوى بقوله في المرة الثانية إذا دخلت الدار فأنت طالق، يريد به الكلام الأول ولم يرد به تطليقة ثانية)(4)· وجاء التصريح بلزوم الطلاق بوجود المعلق عليه عند ابن رشد في مقدماته(5)، وبالنسبة للمذهب الشافعي صرح الإمام الشافعي بأن الرجل (لو قال لها: أنت طالق إن كلمت فلاناً، فكلمت فلاناً وهو حي طُلِّقت)(6)· وبالنسبة للمذهب الحنبلي ذكر ابن قدامة أنه (متى علق الطلاق بإيجاد فعل بواحد منها ـ يعني بالحروف المستعملة للشرط ـ كان على التراخي مثل قوله: (إن خرجت، وإذا خرجت (···) وأيتكن خرجت فهي طالق، فمتى وجد الخروج طُلِّقت)(7)·

ظاهرة هذه النصوص أن الطلاق يرتبط بحصول الأمر الذي علق عليه الزوج طلاقه، وإلى هذا القول ذهبت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية·(8)

واحتج الجمهور لقولهم بما يلي:

1 ـ قوله - صلى الله عليه وسلم -: (المؤمنون عند شروطهم)(9)، أورده الشيرازي(10) للاحتجاج به على وقوع الطلاق إذا وجد الشرط المعلق عليه، لأنه كالوعد يلتزم به الزوج فيلزمه الوفاء به وقال: (إذا علق الطلاق بشرط لا يستحيل كدخول الحمام ومجيء الشهر تعلق به، فإذا وجد الشرط وقع، وإذا لم يوجد لم يقع لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (المؤمنون عند شروطهم)(11)·

2 ـ عمل بعض الصحابة والتابعين من بعدهم، فقد أخرج الإمام البخاري بسنده إلى نافع قال: (طلَّق رجل امرأته ألبتة إن خرجت· فقال ابن عمر: إن خرجت فقد بتت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء)(21)· وروى البيهقي من طريق إبراهيم عن ابن مسعود في رجل قال لامرأته إن فعلت كذا وكذا فهي طالق فتفعله؟ قال: هي واحدة وهو أحق بها)(31)· وأيضاً روي عن أبي الزناد عن أبيه أن الفقهاء السبعة من أهل المدينة كانوا يقولون: (أيما رجل قال لامرأته: أنت طالق إن خرجت إلى الليل فخرجت، طُلِّقت امرأته)(14)·

لكن ابن تيمية وتلميذه ابن القيِّم حملا قول الصحابة والتابعين من بعدهم بوقوع الطلاق المعلق على شرط، على ما إذا كان القصد والغرض من تعليق الطلاق إمضاؤه إذا حصل الأمر المعلق عليه لا مجرد الحلف(15)، وذكر ابن القيم أنه صح عن الصحابة أنهم أفتوا بالوقوع في صور وبعدم الوقوع في صور أخرى· وساق ما حفظ عنهم في الوقوع وما أُثِر عنهم في خلافه(16)، مما يبطل دعوى الإجماع على حكم معين في المسألة·

والقول الثاني: إن الطلاق المعلَّق على شرط لا يقع إذا لم يكن القصد من التعليق هو الطلاق· وهو مذهب الشيعة الجعفرية، ففيه أنه (يشترط تجريده ـ يعني الطلاق ـ من الشرط والصفة)(17)· وذكر الدكتور محمد مصطفى شلبي أن العلة في هذا الحكم عندهم هي أن (الطلاق كالزواج، وكما لا يصح الزواج المضاف أو المعلق، فكذلك الطلاق، ولاحتمال أن يجيء ذلك الوقت وهي ليست بزوجة بموتها أو بطلاقها قبله فيكون لغواً)(18)·

وبهذا القول أخذت مجموعة من قوانين الأحوال الشخصية العربية وبعض الفقهاء المعاصرين، جاء في الفصل الثاني والخمسين من مدونة الأحوال الشخصية المغربية أن (الطلاق المعلق على فعل شيء أو تركه لا يقع)· وذكر الأستاذ علال الفاسي أن هذا الحكم هو الذي (وافقت عليه الشيعة الجعفرية)(19)، وجاء في الفقرة (ب) من المادة الثالثة والثلاثين من قانون الأسرة الليبي رقم 10 لسنة 1984م أنه (لا يقع الطلاق المعلق على فعل شيء أو تركه)، وورد في المادة الخامسة ومئة من قانون الأحوال الشخصية الكويتي أنه (يشترط في الطلاق أن يكون منجزاً)، وهو ما يفهم منه أن الطلاق غير المنجز لا يعتبر، وممن أخذ بهذا القول من الفقهاء المعاصرين الأستاذ علي حسب الله وصرح بميله إليه·(20)·

وعللت المذكرة التوضيحية لقانون الأحوال الشخصية الكويتي اختيار العمل بهذا القول إن (الشرط الذي يعلق عليه الطلاق، لا فرق بين أن يكون ذنباً تقترفه الزوجة وبين أن يكون طاعة منها، (···) وقد يكون التعليق على فعل شخص آخر(···)· وعلى هذا كثرت حوادث الفرقة والشتات من دون ذنب، على حين غفلة من الزوجات الصالحات المطيعات، والزوجة في هذه الحال أحب إلى زوجها· وإن تقوية العزائم على الفعل أو الترك، ومثلها تأكيد الأخبار إنما طريقها في الإسلام هو الحلف بالله - تعالى -، واستخدام الطلاق لذلك هو انحراف عن غايته وما شرع له، ولو كان اليمين بالطلاق تعليقاً أو تنجيزاً في صورة التعليق مما هو أكثر دوراناً في هذه الأيام)(21)·

والقول الثالث: إنه يرجع في حكم الطلاق المعلق على شرط إلى مراد المتكلم وقصده، فإن كان يقصد به طلاق زوجته عند حصول الشرط، وقع طلاقه بحصوله، وإن لم يكن يقصده وكان يريد فقط حض زوجته على القيام بعمل أو نهيها عنه، لم يقع طلاقه· وهو قول ابن حزم وابن تيمية وابن القيم· قال ابن حزم: (الطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم وبالله - تعالى -التوفيق، ولا يكون طلاقاً إلا كما أمر الله - تعالى -به وعلمه وهو القصد إلى الطلاق، وأما ما عدا ذلك فباطل وتعدِّ لحدود الله - عز وجل -)(22)· ويؤخذ من قوله هذا أن القصد إلى الطلاق شرط لصحته، فإذا لم يردد الرجل توقيعه بحصول أمر علقه عليه، لم يقع، وعند ابن تيمية أن (الأصل في هذا أن ينظر إلى مراد المتكلم ومقصوده، فإن كان غرضه أن تقع هذه الأمور وقعت منجزة أو معلقة إذا قصد وقوعها عند وقوع الشرط· وإن كان مقصوده أن يحلف بها وهو يكره وقوعها إذا حنث، وإن وقع الشرط فهذا حالف بها لا موقع لها فيكون قوله من باب اليمين لا من باب التطليق والنذر)(23)، وكذلك قال ابن القيم فصرح باعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ(24)· وأورد في فصل بعنوان هل ينفذ الطلاق المعلق الذي يقصد به الترهيب؟ قول أشهب من علماء المالكية: (إذا قال الرجل لامرأته: إن كلمت عمراً أو زيداً أو خرجت من بيته بقصد أن يقع عليها الطلاق لم تطلق(25)، وعلق عليه بقوله: (لا ريب أن هذا الذي قاله أشهب أفقه من القول بوقوع الطلاق، فإن الزوج إنما قصد حضها ومنعها ولم يقصد تفويض الطلاق إليها، ولا خطر ذلك بقلبه ولا قصد وقوع الطلاق عند المخالفة)(26)·

وبهذا القول: أخذت مجموعة من قوانين الأحوال الشخصية العربية وعدد من الفقهاء المعاصرين· جاء في المادة الثانية من قانون الأحوال الشخصية المصري رقم 52 لسنة 1929 أنه (لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير)، وجاء في المادة التسعين من قانون الأحوال الشخصية السوري أنه (لا يقع الطلاق غير المنجز إذا لم يقصد به إلا الحض على فعل شيء أو المنع منه واستخدم استعمال القسم لتأكيد الخبر لا غير)(27)، وورد في المادة السبعين من قانون الأحوال الشخصية الأردني أنه (لايقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه)(28)، وهو ما جاء في القرار الذي أصدرته الدائرة الشرعية بدولة الإمارات العربية المتحدة·(29)

ومن الفقهاء المعاصرين الذين صرحوا بأخذهم بهذا القول الشيخ محمود شلتوت، والشيخ أبوزهرة، والدكتور مصطفى السباعي، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، فذكر الشيخ محمود شلتوت أن (حكمه ـ يعني حكم الطلاق المعلق ـ أنه إن كان يقصد تخويفها ومنعها من الفعل وهو في نفسه يكره طلاقها ولا يرغب فيه ليس لديه من الأسباب ما يجعله يقصد الطلاق، كان ذلك لغواً من القول لا أثر له في الحياة الزوجية· أما إذا كان منطوياً على بعضها، غير راغب في عشرتها واتخذ التعليق مبرراً له في الطلاق أمام الناس، فإنه يقع إذا خالفت الزوجة، ويقع واحدة رجعية لا غير، ولو كان بلفظ الثلاث أو الستين، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء من سلف الأمة وخلفها، وبه أخذ قانون المحاكم الشرعية المعمول به الآن)(30)، وصرح الشيخ أبو زهرة بأن حكم (من يقول: إن فعلت كذا فأنت طالق وهو لا يقصد الطلاق، بل يقصد منعها من الفعل، فإن الطلاق لا يقع (···)، أما إن قصد إيقاع الطلاق، فإن الطلاق يقع)(31)· وأوضح الدكتور مصطفى السباعي أنه (لما كان أكثر الناس يقصدون من مثل تلك العبارة معنى اليمين لا إيقاع الطلاق، كان الأخذ بذلك التفصيل أرفق بالناس وأكثر تطبيقاً لدائرة الطلاق وبهذا أخذ قانوننا)(32)، ووصف الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي الحكم بعدم إيقاع الطلاق المعلَّق الذي يُراد به الحمل على فعل شيء أو المنع منه بأنه من (التعديلات الضخمة التي أدخلت على تشريعات الأسرة التي تسمى بالأحوال الشخصية)(33)·

تفيد هذه النصوص مراعاة قصد من يعلق الطلاق على شرط، فإن كان يقصد طلاقها عند حصول الشرط وقع طلاقه، وإن كان لا يقصده ويريد به نهي زوجته عن فعل شيء مثلاً فلا يقع طلاق بحصوله·

وهذا القول مبني على ما يلي:

1 ـ إن الله - تعالى -اعتبر النية في القول فلم يؤاخذ على ما يتلفظ به المرء من قول لا يريده حتى يكون يقصد أثره، فرفع - سبحانه وتعالى - (المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مكرهاً لما لم يقصد معناها ولا نواها)(34)· فكذلك المتكلم الطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر مكرهاً لا يلزمه شيء من ذلك لعدم نيته وقصده (···) وكذلك إذا أخطأ من شدة الغضب لم يؤاخذ بذلك· ومن هذا قوله - تعالى -: (ولو يُعجِّل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقُضِيَ إليهم أجلهم) يونس: 11(35)·

2 ـ إن الطلاق المعتبر في الشرع هو ما ورد بصيغة منجزة فقط· وإن عبارات الطلاق الواردة في القرآن ـ كما قال الشيخ محمود شلتوت ـ (لا تصدق لغة إلا على من نجز الطلاق وأوقعه بالفعل غير معلق له على شيء، فقوله - تعالى -: (الطلاق مرتان)، وقوله: (فإن طلّقها)، وقوله (وإذا طلَّقتم)، كل هذا لا يفهم منه إلا شيء واحد هو إيقاع الطلاق بالفعل، أما من علق بالطلاق على فعل غيره زوجة أو غيرها، فإنه لا يصدق عليه أنه طلَّق)(36)·

ثانياً: سبب الاختلاف·

يرجع سبب اختلاف الفقهاء في المسألة إلى عدم ورود نص من كتاب أو سنة فيها، فهي مسألة خلافية اجتهدوا فيها رأيهم فمنهم من عدَّ تعليق الطلاق على شرط يميناً يلزم به الطلاق عند حصول الشرط المعلق عليه وهو قول الجمهور، ومنهم من لم ير وقوعه وهو مذهب الشيعة الجعفرية، ومنهم من قال بالنظر إلى قصد من يعلق طلاق امرأته على حصول أمر، وهو قول ابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم·

فأما جمهور الفقهاء فإنهم ذهبوا إلى أنها يمين يقع الطلاق بها إذا حنث المتلفظ بها وقد ورد التصريح بهذا عند بعض الفقهاء منهم، حيث جاء في المدوَّنة الكبرى: >قلت: أرأيت إن قال الرجل لامرأتك إن دخلت الدار فأنت طالق أو أكلت أو شربت أو لبست أو ركبت أو قمت أو قعدت فأنت طالق ونحو هذه الأشياء أتكون هذه أيمان كلها؟ قال نعم)(37)· ونسب ابن قدامة إلى القاضي أبي يعلى قوله في بيان الحلف بالطلاق بأنه >تعليق على شرط يقصد به الحنث من الفعل أو المنع منه كقوله: (إن دخلت الدار فأنت طالق<، وإن تدخلي فأنت طالق)، أو على تصديق خبره مثل قوله: (أنت طالق إن قدم زيد أو لم يقدم)(38)· وأما ابن تيمية فإنه ميَّز بين ما إذا كان مقصود المعلق للطلاق على شرط هو توقيعه عند حصول الأمر المعلق عليه وبين ما إذا لم يكن يقصده· (فإذا كان مقصوده أن يحلف بذلك ليس غرضه وقوع هذه الأمور ـ كمن ليس غرضه وقوع الطلاق إذا وقع الشرط ـ فحكمه حكم الحالف وهو من باب اليمين، وأما إن كان مقصوده وقوع هذه الأمور كمن غرضه وقوع الطلاق عند وقوع الشرط(···) فهذا يقع به الطلاق)(39)·

وبناء على هذا كان مذهب الجمهور هو الإلزام بوقوع الطلاق المعلق على شرط إذا حنث المتكلم به، وأبطلته الشيعة الجعفرية لأنها ليست من صيغ اليمين التي بيّنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتوسط ابن تيمية فاعتمد قصد من يعلق الطلاق على شرط·

ثالثاً: الترجيح·

يتبين من خلال عرض آراء وأدلة الفقهاء في المسألة أن القول الراجح فيها هو قول ابن تيمية، وابن تيمية وابن القيم باعتماد قصد ونية من يتلفظ بتعليق الطلاق على شرط، فإن كان مراده توقيع الطلاق عند وجود الشرط المعلق عليه وقع الطلاق، وإن لم يكن هذا مراده وكان يريد به مجرد تأكيد فعل ما أو منع منه، فإن طلاقه لا يقع بحصول الشرط المعلق عليه وتلزمه كفارة اليمين، ويتأيد ترجيحه بما يلي:

1 ـ إن هذه المسألة اجتهادية، لم يرد فيها نص صريح من كتاب أو من سنة يفيد وقوع الطلاق المعلق على شرط عند حصول الشرط المعلق عليه· وحيث إنها كذلك فإن اختيار أيسر الأقوال فيها وأرفقها هو اختيار على وفق هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي (كان إذا خير بين أمرين أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً)(40)، وإن أيسر أقوال الفقهاء هنا هو اعتبار الطلاق المعلق على شرط والذي لا يكون المقصود منه إلا الحث على القيام بفعل ما أو الانتهاء عنه أو تصديق خبر أو تكذيبه يميناً مكفِّرة، وقد كثر اليوم استعمال الأزواج هذه الصيغة بقصد حسم نقاش مع زوجاتهم في المواضيع التي يختلفون فيها، فيعلق أحدهم طلاق زوجته على عدم اعتمادها رأيه بدل أن يحترم رأيها ويحكم عليه بميزان الشرع ويراجعها فيها بهدوء· وإنا لو أمضيناه عليهم مع أنهم لا يقصدون إيقاع الطلاق وهو كره لهم لوقعوا في حرج، والله - تعالى -يقول: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج: 78·

2 ـ ويمكن بناء على حديث النيات(41) تقرير اعتماد قصد من يعلق طلاق زوجته على حصول أمر يمكن تحققه، فإذا كان يقصد به مجرد الحمل على القيام بعمل أو الانتهاء عنه، فلا يعتبر طلاقه بحصول الأمر المعلق عليه· ويعرف التعليق الذي يقصد به وقوع الطلاق عند وجود المعلق عليه بأن يعلق طلاقه على أمر غير اختياري، نحو قوله: (إذا أنت ولدت أنثى فأنت طالق)، فظاهر هذه الصيغة أن القصد من استعمالها ليس هو التخويف من حصول الشيء المعلق عليه الطلاق، فهي لا تملك تحقيق طلبه أو الانتهاء عنه·

3 ـ إن اليمين كما بيَّن ابن تيمية ثبوتها عند جميع الناس العرب وغيرهم هي (ما تضمنت حضاً أو منعاً أو تصديقاً أو تكذيباً بالتزام ما يكره الحالف وقوعه عند المخالف، فالحالف لا يكون حالفاً إلا إذا كره وقوع الجزاء عند الشرط، فإن كان يريد وقوع الجزاء عند الشرط لم يكن حالفاً)(42)، وهنا يكون تعليق الطلاق على شرط حين لا يكون قصد الزوج منه إنجاز الطلاق يميناً، لأنه يعلقه على أمر يكرهه ولا يفكر في إمضائه، وتكون هذه اليمين داخلة في عموم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك)(34)، وإذا ثبتت يميناً كانت يميناً مكفَّرة تدخل في قوله - تعالى -: (قد فرض الله لكم تَحِلَّة أيمانكم) التحريم: 2، وقوله - سبحانه -: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) المائدة: 89، وإن هذا الحكم هو المروري عن عطاء بن رباح· روى عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال في رجل يقول لامرأته أنت طالق إن لم أنكح عليك؟ قال: فإن لم ينكح عليها حتى يموت أو تموت توارثاً· قال: وأحب إلى أن يبر يمينه قبل ذلك)(44)·

ــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1 ـ الطلاق المعلَّق على شرط من الصيغ التي يتلفظ بها الناس في الطلاق، ويرد بصور مختلفة يهمنا منها في هذا المبحث وروده معلقاً على قول أو فعل يمكن تحقيقهما، يربط الزوج فراق زوجته بوقوعه، نحو قوله: (إن دخلت دار فلانة فأنت طلاق)، أو قوله: (إذا لم يحضر فلان فأنت طالق)·

2 ـ سنن الترمذي: كتاب الطلاق واللعان، رقم الحديث 4011، وسنن أبي داود: كتاب الطلاق، رقم الحديث 1875·

3 ـ بدائع الصنائع للكاساني: ج3/128·

4 ـ المدوَّنة الكبرى للإمام مالك برواية سحنون: ج3/3·

5 ـ انطر المقدمات الممهدات لابن رشد: ج2/119 ـ 120·

6 ـ كتاب الأم للشافعي: ج5/199·

7 ـ المغني لابن قدامة: ج4/ 353·

8 ـ انظر أبحاث هيئة كبار العلماء: ج2/387، في قرار رقم 61 بتاريخ 21/11/1393هـ·

9 ـ سبق تخريجه في مبحث الشروط المقترنة بعقد النكاح·

10ـ هو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزأبادي الشيرازي الشافعي المتوفى سنة 476هـ، ترجمته في طبقات الشافعية: ج4/215رقم 356، وسير أعلام النبلاء للذهبي: ج8/452، رم 237·

11 ـ المهذب مع شرحه المجموع للشيرازي: ج16/152·

12 ـ هذا لأثر أورده البخاري معلقاً في كتاب الطلاق باب الطلاق في الإغلاق والمكره والسكران، ج6/206، ولم يورده ابن حجر في كتابه تغليق التعليق كما لم يبين في فتح الباري من وصله·

13 ـ السنن الكبرى للبيهقي: ج7/356·

14ـ المصدر نفسه: ج7/356·

15ـ انظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية: ج3/246·

16ـ أعلام الموقعين لابن القيم: ج3/64 ـ 74·

17 ـ المختصر النافع: 222، نقلاً عن كتاب مدى حرية الزوجين في الطلاق للصابوني: 296·

18 ـ انظر أحكام الأسرة في الإسلام للدكتور محمد مصطفى شلبي: 496·

19 ـ انظر التقريب شرح مدونة الأحوال الشخصية: 253·

20 ـ الفقرة بين الزوجين للأستاذ علي حسب الله: 50 ـ 51·

21ـ انظر قانون الأحوال الشخصية وهو من وضع مجلس الوزراء، إدارة الفتوى والتشريع: 217 ـ 218·

22 ـ المحلى لابن حزم: ج9/478، رقم المسألة 1966·

23ـ الفتاوى الكبرى: ج3/235·

24 ـ انظر إعلام الموقعين: ج3/53 ـ 55·

25 ـ أعلام الموقعين: ج4/79، وأورد ابن رشد قول أشهب في المقدمات في كتاب الطلاق·

26ـ أعلام الموقعين: ج4/79·

27ـ هذا من المبادئ القانونية التي أقرتها المحاكم السورية، (انظر كتاب المبادئ القانونية: 108)·

28ـ لكن ورد ما يعارض هذه المادة في قانون الأسرة الأردني نفسه، حيث ورد التصريح بصحة تعليق الطلاق على شرط وصحة إضافة الطلاق إلى الزمن المستقبل في المادتين 75 ـ 76·

29ـ جاء في هذا القرار أن (الطلاق المعلق لا يقع إذا كان غرض المتكلم به التخويف أو الحمل على فعل شيء أو تركه وهو يكره حصول الطلاق، أما إذا كان يقصد حصول الطلاق عند حصول الشرط المعلق عليه فيقع الطلاق عند حدوث هذا الشرط) نشر هذا القرار في المجلة العربية للفقه والقضاء: ع4/85·

30 ـ الفتاوى للشيخ شلتوت: 300·

31ـ تنظيم الإسلام للمجتمع للشيخ محمد أبو زهرة: 97 ـ 98·

32 ـ المرأة بين الفقه والقانون للدكتور مصطفى السباعي: 137·

33 ـ فتاوى معاصرة للدكتور القرضاوي: ج2/118·

34 ـ ذلك في قوله - سبحانه -: (إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون· من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) النحل: 105 ـ 106·

35 ـ أعلام الموقعين: ج3/44·

36 ـ الفتاوى: 300·

37 ـ المدونة الكبرى: ج3/2·

38ـ المغني لابن قدامة: ج8/334·

39ـ الفتاوى الكبرى: ج3/234 ـ 235·

40ـ صحيح البخاري: كتاب المناقب، رقم الحديث: 3560، وصحيح مسلم بشرح النووي: كتاب الفضائل، ورقم الحديث 2327·

41ـ صحيح البخاري: كتاب بدء الوحي: رقم1، وصحيح مسلم بلفظ >إنما الأعمال بالنية<، كتاب الإمارة رقم الحديث 1907·

42 ـ الفتاوى الكبرى: ج3/113·

43 ـ صحيح مسلم بشرح النووي: كتاب الإيمان، رقم الحديث: 1653، وسنن ابن ماجة: كتاب الكفارات، رقم الحديث 2121·

44 ـ مصنف عبد الرزاق: رقم 11310·

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة