طعام أهل النار وشرابهم ولباسهم
عدد القراءات : 2487

طعام أهل النار الضريع والزقوم، وشرابهم الحميم والغسلين والغساق، قال - تعالى -: (ليس لهم طعام إلا من ضريع* لا يسمن ولا يغني من جوع) [الغاشية: 6-7]، والضريع شوك بأرض الحجاز يقال له الشبرق. وعن ابن عباس: الشبرق: نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، فإذا هاج سمي ضريعاً. وقال قتادة: من أضرع الطعام وأبشعه (1). وهذا الطعام الذي يأكله أهل النار لا يفيدهم، فلا يجدون لذة، ولا تنتفع به أجسادهم، فأكلهم له نوع من أنواع العذاب.

وقال - تعالى -: (إن شجرت الزقوم*طعام الأثيم*كالمهل يغلي في البطون* كغلي الحميم) [الدخان: 43-46]، وقد وصف شجرة الزقوم في آية أخرى فقال: (أذلك خيرٌ نزلاً أم شجرة الزقوم* إنا جعلناها فتنة للظالمين* إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم*طلعها كأنه رؤوس الشياطين* فإنهم لأكلون منها فمالئون منها البطون* ثم إن لهم عليها لشوباً من حميم* ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم) [الصافات: 62-68].

وقال في موضع آخر: (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون* لأكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها البطون* فشاربون عليه من الحميم* فشاربون شرب الهيم* هذا نزلهم يوم الدين) [الواقعة: 51-56].

ويؤخذ من هذه الآيات أن هذه الشجرة شجرة خبيثة، جذورها تضرب في قعر النار، وفروعها تمتد في أرجائها، وثمر هذه الشجرة قبيح المنظر ولذلك شبهه برؤوس الشياطين، وقد استقر في النفوس قبح رؤوسهم وإن كانوا لا يرونهم، ومع خبث هذه الشجرة وخبث طلعها، إلا أن أهل النار يلقى عليهم الجوع بحيث لا يجدون مفراً من الأكل منها إلى درجة ملء البطون، فإذا امتلأت بطونهم أخذت تغلي في أجوافهم كما يغلي دردي الزيت، فيجدون لذلك الآماً مبرحة، فإذا بلغت الحال بهم هذا المبلغ اندفعوا إلى الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهى حره، فشربوا منه كشرب الإبل التي تشرب وتشرب ولا تروى لمرض أصابها، وعند ذلك يقطع الحميم أمعاءهم (وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم) [محمد: 15]. هذه هي ضيافتهم في ذلك اليوم العظيم، أعاذنا الله من حال أهل النار بمنه وكرمه.

وإذا أكل أهل النار هذا الطعام الخبيث من الضريع والزقوم غصوا به لقبحه وخبثه وفساده (إن لدينا أنكالاً وجحيماً* وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليما) [المزمل: 12-13]، والطعام ذو الغصة هو الذي يغص به آكله، إذ يقف في حلقه.

وقد صور لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - شناعة الزقوم وفظاعته، فقال: (( لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. (2)

ومن طعام أهل النار الغسلين، قال - تعالى -: (فليس لـه اليوم هاهنا حميم * ولا طعام إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون)[الحاقة: 35-37]، وقال - تعالى -: (هذا فليذوقوه حميم وغساق* وآخر من شكله أزواج) [ص: 57-58].

والغسلين والغساق بمعنى واحد، وهو ما سال من جلود أهل النار من القيح والصديد، وقيل: ما يسيل من فروج النساء الزواني ومن نتن لحوم الكفرة وجلودهم، وقال القرطبى: هو عصارة أهل النار. (3)

وقد أخبر الحق أن الغسلين واحد من أنواع كثيرة تشبه هذا النوع في فظاعته وشناعته.

أما شرابهم فهو الحميم، قال - تعالى -: (وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم) [محمد: 15]، وقال: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) [الكهف: 29]، وقال: (ويسقى من ماء صديد* يتجرعه ولا يكاد يسيغه) [إبراهيم: 16-17]، وقال: (هذا فليذوقوه حميم وغساق) [ص: 57].

وقد ذكرت هذه الآيات أربعة أنواع من شراب أهل النار:

الأول: الحميم، وهو الماء الحار الذي تناهي حره، كما قال - تعالى -: (يطوفون بينهم وبين حميم آن) [الرحمن: 44]، والـ (آن): هو الذي انتهى حره، وقال: (تسقى من عين آنية) [الغاشية: 5]، وهي التي انتهى حرها فليس بعدها حر.

النوع الثاني: الغساق، وقد مضى الحديث عنه، فإنه يذكر في مأكول أهل النار ومشروبهم.

والنوع الثالث: الصديد، وهو ما يسيل من لحم الكافر وجلده، وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن على الله عهداً لمن شرب المسكرات ليسقيه طينة الخبال، قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار)).

الرابع: المهل. وفي حديث أبي سعيد الخدري عند أحمد والترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (( كعكر الزيت، فإذا قرب وجهه سقطت فروة وجهه فيه)).

وقال ابن عباس: في تفسير المهل: " غليظ كدردي الزيت ".

أكلهم النار:

من أصحاب الذنوب من يطعمه الله جمر جهنم جزاء وفاقاً، (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً) [النساء: 10].

وقال: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار) [البقرة: 174].

أما لباس أهل النار فقد أخبرنا الحق- تبارك وتعالى-أنه يُفصّل لأهل النار حلل من النار، كما قال - تعالى -: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم) [الحج: 19]. وكان إبراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول: سبحان من خلق من النار ثياباً. (4)

وقال - تعالى -: (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد* سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار) [إبراهيم: 49]. والقطران: هو النحاس المذاب. وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الاشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليه سربال من قطران ودرع من جرب)).

وخرجه ابن ماجه ولفظه: (( النائحة إذا ماتت ولم تتب قطع الله لها ثياباً من قطران ودرعاً من جرب )).

--------

(1) التخويف من النار، لابن رجب: ص 115.

(2) مشكاة المصابيح: (3/105)، وراوي الحديث هو ابن عباس.

(3) يقظة أولي الاعتبار: ص 86.

(4) التخويف من النار:ص 126.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة