المصحف الشريف
أحياناً يتهيأ لي أن خلطاً فاحشاً وقع في الغرض الأصلي من الإعجاز وفي الجهة المعنية به..فإحدى المسلّمات أن القرآن الكريم أعجز ببلاغته الرائعة الأعراب..بل تحداهم في غير موضع وفي أكثر من مناسبة أن يجاروه فيأتوا بعشر سور من مثله.. ثم كبر التحدي فإذا العدد يتدنى حتى يطلب سورة واحدة منه.
ولأن ناظم الكلمات هو الله، وأن ناقلها هو عربي قبل أن يكون أي إنسان آخر، فلا بد أن مناط التحدي استند إلى خامة من جنس ما يملك العرب، وأن المتحدي كان على ثقة كاملة بعجز المتحدي برغم تفوقه في تلك الصناعة، وإلا ما صح الحديث أصلاً عن شيء اسمه الإعجاز.
وتحكي السير أن المناجزة كانت شديدة، وأن الوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث كانا من أعند المشاقين وألد الخصوم، وينسب المستشرق (نولدكه) إلى مسيلمة الكذاب، الذي نحسب أن اسمه لم يلمع إلا في حروب الردة، ينسب إليه نصيباً وافراً من المحاججات التي عادة ما قوبلت بها مسألة الإعجاز بالصد والإعراض، وإذا تصور البعض أن المغالبة كانت سجالا، أي مرة يفوز المشركون فيها بقصب السبق، وتارة يختل الميزان فتميل الكفة لصالح المؤمنين، فالثابت أن بلاغة القرآن لم تهن، وأنها برهنت على مقدرة فائقة على استمالة القلوب، وليست قصة إيمان عمر آخر تلك القصص.
هل كان الإسلام في حاجة إلى دليل قوي يشد أزر النبي كما شد من أزر رسل قبله؟ أي هل كان للناس أن يقبلوا بنفس راضية على رجل ما، دون حاجة لأن يؤيد زعمه بشاهد قوي على أنه نبي مرسل؟ الإجابة ببساطة شديدة: لا!، وما يعزز هذا الرأي ويؤكده، هو أن المدعوين للإيمان على اختلاف عصورهم وتوالي حقبهم، كانوا من أشد الناس حماساً للخوارق وإلحاحاً عليها، وعادة ما كانت خوارقهم وأعاجيبهم من جنس العجائب التي كان يستسيغها الذوق في ذلك الزمان.
كان (الواسطي) المتوفى سنة 918م، أول من استعمل لفظ (الإعجاز) في مؤلفه (إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه) واقتفى (السيوطي) في الإتقان (وأبو مسلم الأصفهاني) أثر سابقيهما في استعمال المصطلح وفي مقدمته على (طبعة الباقلاني) لم يخرج الباحث (أحمد صفر) عن هذا الإطار، أما (النظّام) فقد آثر استعمال لفظ أعجوبة للدلالة على الإعجاز قبل هذا القرن غير أن الطبيب (ابن ربان الطبري) في كتابه (الدين والدولة.. في نبوة النبي محمد)، الذي ألفه بتكليف من الخليفة العباسي (المتوكل)، توسع في المصطلح فتحدث عن معاني القرآن، وتطرق إلى اللغة والبلاغة والأسلوب، وذلك من خلال تجربته الخاصة بوصفه مسيحياً اعتنق الإسلام.
وكان (للجاحظ) حضور قوي، فقد استعار السيوطي في (إتقانه) مقطعاً من كتاب الجاحظ: "إن الله أرسل محمداً فتحدى بالقرآن أكبر الشعراء والبلغاء حين قدم أفضل الأساليب اللغوية..
أما (ابن قتيبة) في (تأويل مشكل القرآن) فقد انحاز إلى تحكم ميزان اللغة حيث قال: "إنما يدرك مستوى القرآن من عرف لغة العرب ومن أتقن أساليبهم في الإنشاء وما ميز الله لغتهم على سواهم إلا لقدرة على التصوير والوضوح، فالله أراد أن يبرهن على النبوة بهذا الكتاب"،
ورأى الرماني أن إعجاز القرآن يكمن في سبع نقاط أهمها البلاغة، وما يتصل بأنباء الغيب، وترتيب السور والموضوعات، وما يقدر عليه البشر وما لا يقدرون، وما يتعلق بأسلوب الخطاب من إعجاز، ومزاوجة، واستعارة، ومبالغة وسجع عفوي جميل. ولما كان الرماني خصص 40 صفحة من مقالته للحديث عن البلاغة وأربعاً منها فقط للأشياء الأخرى، فقد عدها المستشرق (جروتز فلد) علامة بارزة على ترجيح عنصر البلاغة.
أما الباقلاني فقد وسع دائرة الإعجاز المكانية، حين بين أن العرب على عهد الرسول لم يكونوا الوحيدين المقصودين بالإعجاز، ورأي أن أزلية القرآن تمثل إعجازه، وظل هذا المفهوم سائداً حتى القرن 14، ثم جاء الجرجاني المتوفى سنة 1078 بكتابه (دلائل الإعجاز) ليبلغ الذروة.
أما أبو هلال العسكري في كتابه (الصناعتين) فقد اتخذ موقفاً متحفظاً من مسألة حصر الإعجاز باللغة، فالأهلية اللغوية في نظره لا يمكن أن تكون المدخل الوحيد لإدراك إعجاز القرآن، وإلا فكيف بالأسود والأصفر، الصيني والهندي والفارسي، هل نشترط عليهم أن يجاروا العرب ببلاغتهم كي يؤمنوا بإعجاز القرآن؟! وهكذا يكون أبو هلال قد فتح نافذة جديدة للحوار حين ألمح إلى أوجه أخرى للإعجاز.
لقد نزل القرآن الكريم كي يكون آية للناس على الدوام، فما الذي توقعه المتقدمون والمتأخرون من رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - كي يرضوا؟ هل سأل سائل يوماً عن فاتحة الكتاب، عن المغزى من صدارتها، والمرتجى من أفكارها ومعانيها؟
فحول الوحدانية تدور الأحداث المتنوعة الكبرى لسور وآيات القرآن كافة، وليس هذا الترتيب عفوياً ولا عبثياً.
لقد كان الواحد الأحد، الفرد الصمد الخالق له الأسماء الحسني، لا اللات ولا مناة، لا المغضوب عليهم ولا الضالين، كان مدار الصراع ومثار النزاع بين الدين الجديد من جهة والشرك والإلحاد من جهة أخرى.
من أجل تصديق المبادئ والقيم الجديدة الراقية التي حملت بنورها كلمات مختارات من عيون ما أجمع عليه العرب فصاحة وبلاغة، وكان لا بد للحامل أن يكون في مستوى العرض جمالاً وثقافية وأداء، فالحضارة الجديدة لم تعد تقوى على حملها عصا موسى ولا نار إبراهيم - عليهما السلام -.
لنطرح الماضي وشجونه جانباً، فماذا عن عصرنا وزماننا الذي نحن فيه؟! إن الانتقال من النظري إلى العملي ليس علامة إفلاس بقدر ما هو مؤشر على متانة هذا الكتاب وتماسكه ومرونته، والأصل في الفكرة كما يقرر الفقهاء، أن الكشف عن التطابق إن وجد بين حيثية علمية وبين آية كريمة في زمن ما يعد تفسيراً، أما إذا سبقت الآية الكريمة الكشف العلمي، فلا يعد ذلك تفسيراً وإنما إعجازا وهذا حال القرآن الكريم.