الملف العلمي للأضحية
الكاتب :
عدد القراءات : 507

ثامنا: مسائل متعلقة بالأضحية:

1- هل ذبح الأضحية أفضل أم التصدق بثمنها؟

التضحية أفضل من الصدقة بثمنها؛ لأنها سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعمل المسلمين من بعده.

قال ابن تيمية - رحمه الله -: "والأضحية والعقيقة والهدي أفضل من الصدقة بثمن ذلك"([1]).

وقال ابن القيم - رحمه الله -: "الذبح في موضعه أفضل من الصدقة بثمنه، ولو زاد، كالهدايا والضحايا، فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود، فإنه عبادة مقرونة بالصلاة، كما قال - تعالى -: فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ [الكوثر: 2]، وقال - تعالى -: قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ [الأنعام: 162]"([2]).

وقال ابن عثيمين - رحمه الله -: "والأفضل أن تضحي، فذبحها أفضل من الصدقة بثمنها، وأفضل من شراء لحم بقدرها أو أكثر ليتصدق به؛ وذلك لأن المقصود الأهم في الأضحية هو التقرب إلى الله - تعالى -بذبحها لقوله - تعالى -: لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ [الحج: 37]"([3]).

وقال أيضا: "والذي يدل على أن ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، فإنهم كانوا يضحون ولو كانت الصدقة بثمن الأضحية أفضل لعدلوا إليه، بل لو كانت تساويه لعملوا بها أحياناً؛ لأنها أي الصدقة أيسر وأسهل...، وأيضاً لو عدلوا إلى الصدقة لتعطلت شعيرة عظيمة نوه الله عليها في كتابه في عدة آيات"([4]).

2- أيها أفضل الأضحية بالإبل أو البقر أو الغنم؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: أفضل الأضحية الإبل ثم البقر ثم الغنم، وهو قول الحنفية([5])، والشافعية([6]) والحنابلة([7])، وبه قال أبو محمد بن حزم([8])، رحم الله الجميع.

ومما استدلوا به:

حديث أبي ذر قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله، وجهاد في سبيله)) قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: ((أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها))([9]).

قالوا: والإبل أغلى ثمناً من البقر، والبقر أغلى ثمناً من الغنم.

وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن))([10]) الحديث.

قالوا: وجود المفاضلة في التقرب إلى الله بين الإبل والبقر والغنم، ولا شك أن الأضحية من أعظم التقرب إلى الله - تعالى -، ولأن البدنة أكثر ثمناً ولحماً ونفعاً([11]).

القول الثاني: أن الأفضل الغنم ثم البقر ثم الإبل. وهو قول المالكية([12]) - رحمهم الله -.

ومما استدلوا به:

حديث أنس - رضي الله عنه -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين([13]).

قالوا: وما كان - صلى الله عليه وسلم - يختار لخاصته ولا يفعل إلا الأفضل.

وأجاب عن ذلك ابن حزم - رحمه الله - بأنه محمول على التخفيف لرفع المشقة([14]).

واعلم أن كلام الجمهور محمول على من ضحى عن نفسه وأهل بيته ببعير أو بقرة، لا سبع بعير أو سبع بقرة، وإلا فالغنم في هذه الحالة أفضل([15]).

3- حكم الاشتراك في الأضحية:

اختلف أهل العلم - رحمهم الله - في جواز الاشتراك في الأضحية على قولين:

القول الأول: جواز الاشتراك، وبه قالت الحنفية([16])، والشافعية([17])، والحنابلة([18])، وبه قال ابن حزم([19])، رحم الله الجميع.

ومما استدلوا به:

حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: نحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة([20]).

قالوا: وتقاس عليه الأضاحي.

وقالوا: إن اشتراك السبعة في الجزور أو البقرة هو المشهور عند أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -([21]).

القول الثاني: أنه لا يجوز الاشتراك في الأضحية وهو قول المالكية([22])، وإليه ذهب جمع من أئمة الدعوة كـعبد الله بن عبد اللطيف، وعبد الله أبا البطين، ومحمد بن إبراهيم([23])، رحم الله الجميع.

ومما استدلوا به:

أن الأصل عدم جواز التشريك، والقياس لا يصح([24]).

وقالوا: إنه حيوان يضحى به، فلم يجزئ إلا عن واحد، كالشاة، ولأن كل واحد يصير مخرجاً للحم بعض بدنة أو بقرة، وذلك لا يكون أضحية، كما لو اشترى لحماً، ولأن كل إنسان مخاطب بفعل ما يسمى أضحية، وهذا الاسم ينطلق على الدم دون اللحم، ولأنه اشتراك في دم، فوجب ألا يجزئ مريد القربة([25]).

4- عمن تجزئ الأضحية الواحدة؟

وتجزئ الأضحية الواحدة عن الرجل وأهل بيته، وإن كثروا.

لحديث أبي أيوب - رضي الله عنه - قال: كان الرجل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون([26]).

قال ابن القيم - رحمه الله -: "وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أن الشاة تجزئ عن الرجل، وعن أهل بيته ولو كثر عددهم"([27]).

5- طروء العيب على الأضحية بعد التعيين:

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: إذا تعيبت بعد أن أوجبها فإنها تجزئ إذا لم يكن ذلك العيب بفعله أو تفريط منه. وهو قول المالكية([28]) في الأضاحي دون الهدي، والشافعية([29])، والحنابلة([30]).

ومما استدلوا به:

حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: ابتعنا كبشاً نضحي به، فأصاب الذئب من أليته أو أذنه، فسألنا النبي - صلى الله عليه وسلم -: فأمر أن نضحي به([31]).

قالوا: وذلك لأن فقد الألية عيب يمنع الإجزاء، لكنه لما كان هذا العيب بعد التعيين وليس بتفريط منه ولا بفعله فإنه أمين، ولا ضمان عليه([32]).

وبحديث ابن عباس، قال موسى بن سلمة الهذلي: انطلقت أنا وسنان بن سلمة معتمرين، قال: وانطلق سنان معه ببدنة يسوقها، فُأزحِفت عليه بالطريق فَعَيِيَ بشأنها، إن هي أُبدِعَت كيف يأتي بها، فقال: لئن قدمت البلد لأستحفينّ عن ذلك، قال فأضحيت فلما نزلنا البطحاء قال: انطلق إلى ابن عباس نتحدث إليه، قال: فذكر له شأن بدنته فقال: على الخبير سقطت، بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بست عشرة بدنة مع رجل وأمَّره فيها، قال: فمضى ثم رجع، فقال: يا رسول الله، كيف أصنع بما أُبْدِع عليَّ منها؟ قال: ((انحرها، ثم اصبغ نعليها في دمها، ثم اجعله على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك))([33]).

القول الثاني: أنها لا تجزئ، وإليه ذهبت الحنفية([34]).

لأن الأضحية عندهم واجبة، فلا يبرأ منها إلا بإراقة دمها سليمة، كما لو أوجبها في ذمته ثم عينها فعابت.

قال ابن تيمية - رحمه الله -: "وأما إذا اشترى أضحية، فتعيبت قبل الذبح، ذبحها في أحد قولي العلماء، وإن تعيبت عند الذبح أجزأ في الموضعين"([35]).

6- الاستدانة من أجل الأضحية:

سئل ابن تيمية - رحمه الله - عمن لا يقدر على الأضحية، هل يستدين؟

فقال: "الحمد لله رب العالمين، إن كان له وفاء فاستدان ما يضحي به فحسن، ولا يجب عليه أن يفعل ذلك، والله أعلم"([36]).

7- توزيع الأضحية:

يستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته، ويهدي، ويتصدق، والأمر في ذلك واسع، من حيث المقدار، ولكن المختار عند أهل العلم أن يأكل ثلثاً، ويهدي ثلثاً، ويتصدق بثلث([37]).

ولا فرق في جواز الأكل والإهداء من الأضحية بين أن تكون تطوعاً، أو واجبة، ولا بين أن تكون عن حي أو ميت أو وصية.

ويحرم بيع شيء من الأضحية من لحمها، أو جلدها، أو صوفها، ولا يعطي الجزار منها شيئاً أجرة على ذبحه؛ لأن ذلك بمعنى البيع([38]).

8- الأضحية عن الميت:

قال ابن تيمية - رحمه الله -: "وتجوز الأضحية عن الميت، كما يجوز الحج عنه، والصدقة عنه، ويضحى عنه في البيت، ولا يذبح عند القبر أضحية ولا غيرها"([39]).

وقال - رحمه الله -: "والتضحية عن الميت أفضل من الصدقة بثمنها"([40]).

وقال ابن عثيمين - رحمه الله -: "مسألة: هل الأضحية مشروعة عن الأموات أو عن الأحياء؟

الجواب: مشروعة عن الأحياء، إذ لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الصحابة فيما أعلم أنهم ضحوا عن الأموات استقلالاً، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مات له أولاد من بنين أو بنات في حياته، وماتت له زوجات وأقارب يحبهم، ولم يضح عن واحد منهم، فلم يضح عن عمه حمزة ولا زوجته خديجة، ولا عن زوجته زينب بنت خزيمة، ولا عن بناته الثلاث، ولا عن أولاده، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سنته قولاً أو فعلاً، وإنما يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته.

وأما إدخال الميت تبعاً فهذا قد يستدل له بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى عنه وعن أهل بيته، وأهل بيته يشمل زوجاته اللاتي متن واللاتي على قيد الحياة، وكذلك ضحى عن أمته، وفيهم من هو ميت، وفيهم من لم يوجد، لكن الأضحية عليهم استقلالاً لا أعلم لذلك أصلاً في السنة. ولهذا قال بعض العلماء: إن الأضحية عنهم استقلالاً بدعة ينهى عنها، ولكن القول بالبدعة قول صعب؛ لأن أدنى ما نقول فيها أنها من جنس الصدقة، وقد ثبت جواز الصدقة عن الميت([41]).

وقال - رحمه الله -: "وأما الأضحية عن الأموات فهي ثلاثة أقسام: الأول أن تكون تبعاً للأحياء كما لو ضحى الإنسان عن نفسه وأهله وفيهم أموات، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضحي ويقول: ((اللهم هذا عن محمد وآل محمد)) وفيهم من مات سابقاً.

الثاني: أن يضحي عن الميت استقلالاً تبرعاً فقد نص فقهاء الحنابلة على أن ذلك من الخير وأن ثوابها يصل إلى الميت وينتفع به، قياساً على الصدقة عنه، ولم ير العلماء أن يضحي أحد عن الميت إلا أن يوصي به، لكن من الخطأ ما يفعله كثير من الناس اليوم يضحون عن الأموات تبرعاً، ثم لا يضحون عن أنفسهم وأهليهم الأحياء فيتركون ما جاءت به السنة، ويحرمون أنفسهم فضيلة الأضحية، وهذا من الجهل، وإلا فلو علموا بأن السنة أن يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته فيشمل الأحياء والأموات، وفضل الله واسع.

الثالث: أن يضحي عن الميت بموجب وصية منه تنفيذاً لوصيته فتنفذ وصيته كما أوصى بها بدون زيادة ولا نقص"([42]).

وذهبت اللجنة الدائمة للإفتاء إلى جواز ذلك([43]).

9- ذبيحة المرأة والصبي:

عن كعب بن مالك - رضي الله عنه -، أن امرأة ذبحت شاة بحجر، فسئل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن ذلك، فأمر بأكلها([44]).

قال ابن حجر - رحمه الله -: "وفيه جواز أكل ما ذبحته المرأة سواء كانت حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة"([45]).

وكان أبو موسى يأمر بناته أن يذبحن نسائكهن بأيديهن([46]).

وعن إبراهيم النخعي قال في ذبيحة المرأة والصبي: "لا بأس إذا أطاق الذبيحة وحفظ التسمية"([47]).

قال ابن المنذر - رحمه الله -: "أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي"([48]).

----------------------------------------

([1]) مجموع الفتاوى (26/304).

([2]) تحفة المودود (ص65).

([3]) الشرح الممتع (7/521-522).

([4]) رسالة الأضحية (ص5).

([5]) انظر: الدر المختار وحاشيته (5/226) وما بعدها، بدائع الصنائع (5/80).

([6]) انظر: الأم (2/49) مغني المحتاج (4/285).

([7]) انظر: المغني (13/366)، كشاف القناع (2/615).

([8]) انظر: المحل (7/370).

([9]) أخرجه البخاري في العتق، باب: أي الرقاب أفضل (2518).

([10]) أخرجه البخاري في الجمعة، باب: فضل الجمعة (881)، ومسلم في الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة (850).

([11]) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة (11/359).

([12]) انظر: الكافي لابن عبد البر (ص421)، المعونة على مذهب عالم المدينة (1/658)، المنتقى (3/88).

([13]) أخرجه البخاري في الأضاحي، باب: في أضحية النبي - صلى الله عليه وسلم - (5553)، واللفظ له، ومسلم في الأضاحي (1966).

([14]) انظر: المحلى (7/374).

([15]) انظر: مغنى المحتاج (6/127).

([16]) انظر: بدائع الصنائع (5/105).

([17]) انظر: المجموع (8/397).

([18]) انظر: المغني (13/392).

([19]) انظر: المحلى (7/381).

([20]) أخرجه مسلم في الحج، باب: الاشتراك في الهدي، وإجزاء البقرة والبدنة (1318).

([21]) انظر: شرح معاني الآثار (4/175)، والمحلى (7/382).

([22]) انظر: المعونة (1/663)، المنتقى (3/95).

([23]) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (11/397).

([24]) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (11/396).

([25]) من كلام القاضي عبد الوهاب في المعونة (1/663).

([26]) أخرجه الترمذي في الأضاحي، باب: ما جاء أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت (1505)، وابن ماجه في الأضاحي، باب: من ضحى بشاة عن أهله (3147)، ومالك في الموطأ في الضحايا (1050)، قال الترمذي: "حسن صحيح". وصححه الألباني في صحيح الترمذي (1216).

([27]) زاد المعاد (2/323).

([28]) انظر: المدونة (2/504).

([29]) انظر: الأم (2/352).

([30]) انظر: مسائل صالح (ص281)، شرح الزركشي (4/301).

([31]) أخرجه أحمد (3/32) وابن ماجه في الأضاحي، باب: من اشترى أضحية صحيحة فأصابها عنده شيء (3146)، والبيهقي (9/289) وفيه جابر الجعفي وله شاهد عن جابر عند أحمد (3/78)، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه (679).

([32]) انظر: الشرح الممتع (7/516).

([33]) أخرجه مسلم في الحج، باب: ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق (1325).

([34]) انظر: بدائع الصنائع (5/76).

([35]) مجموع الفتاوى (26/304).

([36]) مجموع الفتاوى (26/305).

([37]) انظر: مجموع الفتاوى ابن تيمية (26/309).

([38]) انظر: تحفة الفقهاء (3/135)، شرح مسلم (13/130)، المغني لابن قدامة (11/109).

([39]) مجموع الفتاوى (26/306).

([40]) الاختيارات (ص120).

([41]) الشرح الممتع (7/455-456).

([42]) رسالة الأضحية (ص51).

([43]) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة (11/417).

([44]) أخرجه البخاري في الأضاحي، باب: ذبيحة المرأة والصبي (5504).

([45]) فتح الباري (9/633).

([46]) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (4/389) وصححه الحافظ في الفتح (10/19).

([47]) عزاه ابن حجر لسعيد بن منصور، وصححه (9/632).

([48]) انظر: المغني (8/581)، ومغني المحتاج (6/124-125).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة