عقوبة اغتصاب الأطفال
عدد القراءات : 5931

السؤال

السلام عليكم ما عقوبة من يغتصب الأطفال الصغار؟ أرجو تزويدي بأكثر أدلة ممكنة في إجابتكم.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

اغتصاب الأطفال جريمة عظيمة مركبة من عدة جرائم شنيعة وهي:

أولا: أنها إفساد في الأرض ومحاربة لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. وقد جاء الأمر بعقوبة المفسدين أعظم عقوبة؛ وذلك في قوله - تعالى -: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم" [المائدة: 33]. واغتصاب الأطفال داخل في الإفساد في الأرض، بل هو من أعظم الإفساد. قال مجاهد - رحمه الله - في تفسير المفسدين في الأرض كما ورد في تفسير الطبري (6/211) (الزنى والسرقة وقتل الناس وإهلاك الحرث والنسل) وقال الطبري (وأما قوله ويسعون في الأرض فسادا فإنه يعني يعملون في أرض الله بالمعاصي من إخافة سبل عباده المؤمنين به، أو سبل ذمتهم، وقطع طرقهم وأخذ أموالهم ظلما وعدوانا، والتوثب على حرمهم فجورا وفسوقا) ولاشك أن الاعتداء على الأطفال من أعظم سبل الإخافة للمسلمين. كيف لا والمسلم لا يعود يأمن على صغيره عتبة داره لو ظهر هذا الأمر، نسأل الله العافية.

ثانيا: أنها اعتداء على جسم الطفل بما يحدث فيه من الأمراض الأخلاقية والجسدية مما لعله لا يبرأ غالبا، ويصير الطفل بعده شاذا عبئاً على نفسه ومجتمعه.

ثالثها: أن هذا اعتداء على نفس الطفل. وهو الأمر الذي يُحْدِث لدى الطفل من الأمراض النفسية ما يؤثر سلبا عليه في جميع أطوار حياته.

رابعا: هي جناية على أهل هذا الطفل؛ حيث يؤثر هذا الاعتداء على سمعة العائلة ومكانتها بين الناس.

خامسا: تتضمن جناية اغتصاب الأطفال جريمة عمل قوم لوط الذين ذمهم الله - تعالى -به حيث قال - تعالى -في حقهم: "أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين" [الأعراف: 80]. "ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون" [النمل: 54]. "إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين" [العنكبوت: 28]. وعرف هذه الفاحشة في آية أخرى، فقال - تعالى -: "أتأتون الذكران من العالمين" [الشعراء: 165]. "إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء" [الأعراف: 81]. فسمى الله - سبحانه وتعالى - هذه الجريمة فاحشة. والفواحش من أعظم المحرمات قال - تعالى -: "ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن" [الأنعام: 151]. "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن" [الأعراف: 33].

وجاء اللعن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمن عمل عمل قوم لوط فيما روى ابن حبان والحاكم والبيهقي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط، لعن الله من عمل عمل قوم لوط" صحيح ابن حبان (4417)، المستدرك (4/396)، السنن الكبرى (4/322).

وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل (15133) عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط".

ولما في هذا العمل من القبح ومخالفة الفطرة، وما ترتب عليه من التحريم جاءت العقوبة عليه شديدة في الشريعة الإسلامية. فقد اختلف الفقهاء في عقوبته على قولين مشهورين:

أحدهما: القتل للفاعل والمفعول به. والمقصود بالمفعول به المجرم المطاوع على هذه الجريمة. واختلفوا في الطريقة التي يقتل بها، فقيل بالرجم بكرا كان أم ثيبا. ذكر في المغني ج9/ص58: وهو قول علي وابن عباس وجابر بن زيد وعبد الله بن معمر والزهري وأبي حبيب وربيعة ومالك وإسحاق وأحد قولي الشافعي وقيل: يقتل إحراقاً. وهو فعل أبي بكر - رضي الله عنه -. وقيل: يرمى من شاهق.

وأدلة القتل: الحديث المروي في سنن أبي داود (4462)، وجامع الترمذي (1456)، وابن ماجه (2561) عن ابن عباس رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به". وجاء في سنن ابن ماجه (2562) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي يعمل عمل قوم لوط قال: "ارجموا الأعلى والأسفل، ارجموهما جميعا".

القول الثاني: أنه يحد حد الزاني: إذا كان محصنا فعليه الرجم، وإن كان بكرا فعليه الجلد والنفي، وهو قول قتادة والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وأبي ثور وهو المشهور من قولي الشافعي؛ لأنه إيلاج فرج آدمي في فرج آدمي، لا ملك له فيه، ولا شبهة ملك؛ فكان زنا كالإيلاج في فرج المرأة وإذا ثبت كونه زنا، دخل في عموم الآية والأخبار فيه؛ ولأنه فاحشة فكان زنا كالفاحشة بين الرجل والمرأة.

والراجح هو القول الأول؛ وذلك لأن دليل القول الثاني هو القياس. والقياس لا يصار إليه إلا مع عدم الدليل. والدليل من السنة ثابت على القول الأول.

أما اغتصاب الأطفال فإنه جريمة أعظم من جريمة عمل قوم لوط.ولذلك فكما تقدم فإنه إفساد في الأرض، وينطبق عليه حكم المفسدين في الأرض.والله - سبحانه - أعلم.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة