مناهج الفتيا في القضايا المعاصرة ( 1 )
عدد القراءات : 2140

برزت في العصر الحاضر مناهج في النظر فيما استجد حدوثه من نوازل وواقعات، وبرز لكل منهج منها علماء ومفتون وجهات تبني اجتهادها في النوازل من خلال رؤية هذه المناهج وطرقها في النظر.

وهذه المناهج المعاصرة في الفتيا والاجتهاد ليست وليدة هذا العصر بل هي امتداد لوجهات نظر قديمة واجتهادات علماء وأئمة سلكوا هذه المناهج وأسسوا طرقها. فلن يكون مقصود بحثنا تأريخ هذه المناهج ورموزها إلا بقدر ما يوضح مناهج الفتوى والنظر في عصرنا الحاضر إذ هي الوعاء لكل ما يجد وينزل بالناس من أحكام وواقعات معاصرة.

ويمكن إجمال أبرز هذه المناهج المعاصرة في النظر في أحكام النوازل في ثلاثة مناهج، هي كالتالي:

أولاً: منهج التضييق والتشديد:

من المقرر شرعاً أن هذا الدين بُني على اليسر ورفع الحرج. وأدلة ذلك غير منحصرة، فاستقراء أدلة الشريعة قاضٍ بأن الله - عز وجل - جعل هذا الدين رحمة للناس، ويسراً، والرسول ص أصل بعثته الرأفة والرحمة بالناس ورفع الآصار والأغلال التي كانت واقعة على من قبلنا من الأمم، يقول الله - تعالى -: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (التوبة:128).

ويقول - عز وجل -: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء:107)، ويقول - عليه الصلاة والسلام -:"إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً ميسراً"(1).

ومن أبرز أوصافه - عليه الصلاة والسلام - ما قاله ربه - عز وجل -: " ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم "(الأعراف: 157).

ولذلك كان - عليه الصلاة والسلام - يترك بعض الأفعال والأوامر، خشية أن يشق على أمته كما قال - عليه الصلاة والسلام -:"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك".(2)

ونظائره من السنة كثير ولذلك كان - عليه الصلاة والسلام - يأمر أصحابه بالتيسير أيضاً على الناس وعدم حملهم على الشدة والضيق، فقد قال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري - رضي الله عنهما -لما بعثهما إلى اليمن:"يسِّرا ولا تعسِّرا وبشِّرا ولا تنفِّرا"(3).

إن منهج التضييق والتشدد من الغلو المذموم انتهاجه في أمر الناس سواءً كان إفتاءً أو تعليماً أو تربية أو غير ذلك، وقد يهون الأمر إذا كان في خاصة نفسه دون إلزام الناس به، ولكن الأمر يختلف عندما يُتجاوز ذلك إلى الأمر به، والإلزام به، ويمكن إبراز بعض ملامح هذا المنهج في أمر الإفتاء بما يلي:

أ التعصب للمذهب أو للآراء أو لأفراد العلماء:

تقوم حقيقة التعصب على اعتقاد المتعصب أنه قبض في الأمور الاجتهادية على الحق النهائي الذي لا جدال ولا مراء فيه، فيؤدي إلى انغلاق في النظر وحسن ظن بالنفس وتشنيع على المخالف والمنافس، مما يولد منهجاً متشدداً يتَّبعه الفقيه أو المفتي بإلزام الناس بمذهبه في النظر وحرمة غيره من الآراء والمذاهب، مما يوقعه وإياهم في الضيق والعنت بالانغلاق على هذا القول أو ذاك المذهب دون غيره من الآراء والمذاهب الراجحة.

يقول الإمام أحمد - رحمه الله -:"من أفتى الناس ليس ينبغي أن يحملهم على مذهبه ويشدد عليهم"(4).

مع العلم بأن مذهب جمهور العلماء عدم إيجاب الالتزام بمذهب معين في كل ما يذهب إليه من قول (5).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -:

"وإذا نزلت بالمسلم نازلة يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان، ولا يجب على أحد من المسلمين تقليد شخص بعينه من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزام مذهب شخص معين غير الرسول ص في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ص"(6).

يقول د. يوسف القرضاوي عن أثر التعصب للمذهب في إغلاق الفكر والنظر:"المدرسة المذهبية.. لاتزال تؤمن بوجوب اتباع مذهب معين لا يجوز الخروج عنه، ويجب الاجتهاد للمسائل الجديدة في إطاره، وتخريجاً على أقوال علمائه وبخاصة المتأخرون منهم. وهؤلاء إذا سئلوا عن معاملة جديدة لا بد أن يبحثوا لها عن نظير في كتب المذهب، أو المذاهب المتبوعة، فإذا لم يجدوا لها نظيراً أفتوا بمنعها، كأن الأصل في المعاملات الحظر، إلا ما أفتى السابقون بإباحته"(7).

ولا يختلف الحال والأثر إذا كان التعصب لآراء وأقوال طائفة أو إمام معين لا يُخرَج عن اجتهادهم وافقوا الحق أو خالفوه.

والناظر في أحوال الناس المعاصرة وما أصابها من تغيّر وتطور لم يسبق له مجتمع من قبل مع ما فيه من تشابك وتعقيد، يتأكد لديه أهمية معاودة النظر في كثير من المسائل الفقهية التي بنيت على التعليل بالمناسبة أو قامت على دليل المصلحة أو العرف السائد، كنوازل المعاملات المعاصرة من أنواع البيوع والسلم والضمانات والحوالات وغيرها، وقد يكون التمسك بنصوص بعض الفقهاء وشروطهم التي ليس فيها نصٌ صريح أو إجماع من التضييق والتشدد الذي ينافي يسر الإسلام وسماحته، وخصوصاً إن احتاج الناس لمثل هذه المعاملات التي قد تدخل في كثير من الأحيان في باب الضرورة أو الحاجة الملحة.

ومن ذلك ما نراه في مجتمعنا المعاصر من شدة الحاجة لمعرفة بعض أحكام المعاملات المعاصرة التي تنزل بحياة الناس، ولهم فيها حاجة ماسة، أو مرتبطة بمعاشهم الخاص من غير انفكاك، والأصل الشرعي فيها الحل، وقد يطرأ على تلك المعاملات ما يخلّ بعقودها مما قد يقربها نحو المنع والتحريم، فيعمد الفقيه إلى تغليب جهة الحرمة والمنع في أمثال تلك العقود التي تشعبت في حياة الناس، مع أن الأصل في العقود الجواز والصحة (8)، والأصل في المنافع الإباحة(9).

فيصبح حال أولئك الناس إما بحثاً عن الأقوال الشاذة والمرجوحة فيقلدونها ولن يعدموها، وإما ينبذون التقيد بالأحكام الشرعية في معاملاتهم وهي الطامة الكبرى، ولو وسَّع الفقهاء على الناس في أمثال تلك العقود وضبطوا لهم صور الجواز واستثنوا منها صور المنع ووضعوا لهم البدائل الشرعية لكان خيراً من أن يحملوا الناس على هذا المركب الخشن من المنع العام والتحريم التام لكل تلك العقود النازلة(10).

ومن الأمثلة في هذا المجال أيضاً ما يقع في الآونة الأخيرة أيام الحج من تزايد مطرد لأعداد الحجاج وما ينجم عنه من تزاحم عنيف ومضايقة شديدة أدت إلى تغير اجتهاد كثير من العلماء المفتين في كثير من المسائل، ومخالفة المشهور من المذاهب تخفيفاً على الناس من الضيق والحرج، وكم سيحصل للناس من شدة وكرب لو تمسك أولئك العلماء بأقوال أئمتهم أو أفتوا بها دون اعتبار لتغير الأحوال والظروف واختلاف الأزمنة والمجتمعات.

فرمي الجمار في أيام التشريق يبدأ من زوال الشمس حتى الغروب، وعلى رأي الجمهور لا يجزئ الرمي بعد المغرب(11).

ومع ذلك اختار كثير من المحققين وجهات الإفتاء جواز الرمي ليلاً مراعاة للسعة والتيسير على الحجاج من الشدَّة والزحام(12).

ب التمسك بظاهر النصوص فقط:

إن تعظيم النصوص وتقديمها أصل ديني ومطلب شرعي لا يصح للمجتهد نظر إذا لم يأخذ بالنصوص ويعمل بها، ولكن الانحراف يحصل بالتمسك بظواهر النصوص فقط دون فقهها ومعرفة مقصد الشرع منها. ومما يدل على وجود هذا الاتجاه ما ذكره د.صالح المزيد بقوله:"وقد ظهر في عصرنا من يقول: يكفي الشخص لكي يجتهد في أمور الشرع أن يقتني مصحفاً مع سنن أبي داود، وقاموس لغوي"(12).

وهذا النوع من المتطفلين لم يشموا رائحة الفقه فضلاً أن يجتهدوا فيه، وقد سماهم د. القرضاوي (بالظاهرية الجدد) مع فارق التشبيه في نظري حيث قال عنهم:"المدرسة النصية الحرفية، وهم الذين أسميهم (الظاهرية الجدد) وجلهم ممن اشتغلوا بالحديث، ولم يتمرسوا الفقه وأصوله، ولم يطلعوا على اختلاف الفقهاء ومداركهم في الاستنباط ولا يكادون يهتمون بمقاصد الشريعة وتعليل الأحكام بتغير الزمان والمكان والحال"(14).

وهؤلاء أقرب شيء إلى ألسنتهم وأقلامهم إطلاق كلمة التحريم دون مراعاة لخطورة هذه الكلمة ودون تقديم الأدلة الشافية من نصوص الشرع وقواعده سنداً للتحريم وحملاً للناس على أشد مجاري التكليف، والله - عز وجل - قد حذر من ذلك حيث قال - سبحانه -: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (النحل:116).

فكم من المعاملات المباحة حرمت وكثير من أبواب العلم والمعرفة أوصدت وأخرج أقوام من الملَّة زاعمين في ذلك كله مخالفة القطعي من النصوص والثابت من ظاهر الأدلة؛ وليس الأمر كذلك عند العلماء الراسخين.

يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله -:"لا يجوز للمفتي أن يشهد على الله ورسوله بأنه أحل كذا أو حرمه أو أوجبه أو كرهه إلا لما يعلم أن الأمر فيه كذلك مما نص الله ورسوله على إباحته أو تحريمه أو إيجابه أو كراهيته.. قال غير واحد من السلف: ليحذر أحدكم أن يقول: أحل الله كذا أو حرّم كذا، فيقول الله له كذبت لم أحل كذا، ولم أحرمه"(15).

وهذا التحذير من إصدار أحكام الله - تعالى - قاطعة في النوازل والواقعات من دون علم راسخ لا شك أنه يفضي إلى إعنات الناس والتشديد عليهم بما ينافي سماحة الشريعة ورحمتها بالخلق.

وقد وقع في العصور الأخيرة من كفّر المجتمعات والحكومات حتى جعلوا فعل المعاصي سبباً للخروج عن الإسلام، ومن أولئك القوم؛ ما قاله أحدهم:"إن كلمة عاص هي اسم من أسماء الكافر وتساوي كلمة كافر تماماً، ومرجع ذلك إلى قضية الأسماء، إنه ليس في دين الله أن يسمى المرء في آنٍ واحد مسلماً وكافراً"(16)!!؟

إن هذا المنهج القائم على النظر الظاهر للنصوص دون معرفة دلالاتها أعنت الأمة وأوقع المسلمين في الشدة والحرج ولعله امتداد للخوارج في تشديدهم وتضييقهم على أنفسهم والناس، أو الظاهرية في شذوذهم نحو بعض الأفهام الغريبة والآراء العجيبة.

ج الغلو في سد الذرائع والمبالغة في الأخذ بالاحتياط عند كل خلاف:

دلت النصوص الكثيرة على اعتبار سد الذرائع والأخذ به حماية لمقاصد الشريعة وتوثيقاً للأصل العام الذي قامت عليه الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد. ولله در ابن القيم - رحمه الله - إذ يقول:

"فإذا حرّم الرب - تعالى - شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقاً لتحريمه، وتثبيتاً له، ومنعاً من أن يقرب حماه. ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم وإغراءً للنفوس به"(17).

ويحدث الإشكال في اعتبار قاعدة سد الذرائع عندما تؤول المبالغة في الأخذ بها إلى تعطيل مصالح راجحة مقابل مصلحة أو مفسدة متوهمة يظنها الفقيه؛ فيغلق الباب إساءةً للشرع من حيث لا يشعر، كمن ذهب إلى منع زراعة العنب خشية اتخاذه خمراً، والمنع من المجاورة في البيوت خشية الزنى، فهذه الأمثلة وغيرها اتفقت الأمة على عدم سده، لأن مصلحته راجحة فلا تترك لمفسدة مرجوحة متوهمة(18).

وقد يحصل لبعض متفقهة العصر الحاضر المبالغة في رفض الاقتباس من الأمم الأخرى فيما توصلت إليه من أنظمة وعلوم ومعارف ومخترعات؛ معتبرين ذلك من الإحداث في الدين والمخالفة لهدي سيد المرسلين(19).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقاً إلا بنية، رقمه (1478) 2-1104.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة 2-5. وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، باب السواك رقم (1732)، 1-220.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد باب وما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب وعقوبة من عصى إمامه 4-79. وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجهاد، باب الأمر بالتيسير وترك التنفير رقم (1732)3-1358.

(4) الآداب الشرعية لابن مفلح 2-45.

(5) انظر: تحرير النزاع في المسألة: المجموع 1-90، 91، شرح المحلى على جمع الجوامع 2-393، شرح تنقيح الفصول ص 432، المسودة ص 465، شرح الكوكب المنير 4-574، والوصول إلى علم الأصول لابن برهان 2-369.

(6) مجموع الفتاوى 20-208، 209.

(7) الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط ص 88، الاجتهاد في الإسلام د. القرضاوي ص 175.

(8) انظر: تهذيب الفروق 4-120، الفتاوى الكبرى لابن تيمية 4-581.

(9) انظر: البحر المحيط 1-215، القواعد للحصني 1-478، الإبهاج 3-177، نهاية السول 4-352، الأشباه والنظائر للسيوطي ص 133، ويدل على هذه القاعدة ما جاء عن النبي ص أنه قال: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه" رواه الترمذي في كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء 4-220. ورواه ابن ماجه في كتاب الأطعمة، باب أكل الجبن والسمن، 2-1117.

(10) انظر: الفكر السامي 1-215.

(11) انظر: الكافي لابن عبد البر 1-355، مغني المحتاج للشربيني 2-377، المبدع لابن مفلح 3-250، الإقناع للحجاوي 1-390.

(12) انظر: بدائع الصنائع 2-137، الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين 7-385، فتاوى الحج والعمرة والزيارة، جمع محمد المسند ص 110.

(13) فقه الأئمة الأربعة بين الزاهدين فيه والمتعصبين له ص 66.

(14) الاجتهاد المعاصر ص 88.

(15) إعلام الموقعين 4-134.

(16) نقلاً عن كتاب الغلو في الدين د. عبد الرحمن اللويحق ص 273.

(17) إعلام الموقعين 3-109.

(18) انظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 449448، الفروق للقرافي 2-33، مقاصد الشريعة الإسلامية د. اليوبي ص 574 584.

(19) انظر: السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها د. القرضاوي ص 231.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
محمد عبدالمعتمد يوسف
مصر
2013/11/20
أكرمكم الله علي هذا التوضيح