Share |
اجتماع الجرح والتعديل في راوٍ واحد
الكـاتب : محمد الأحمد
تم قراءة المقال : 538

من المحاسن الواضحة لهذه الصحـوة المباركة ، ومن سماتها الظاهرة: حرصها على صفاء المورد وسلامة الطريق ، مما أثمر اهتمامـاً بالسنة النبوية تحقيقاً ونشراً ، ودراسة وفقهاً ، وقبل ذلك وبعده ، التزاماً ودعوة ومشاركــة في هذه المسيرة الراشدة. وهذه الأسطر تعرض موضوعاً مهماً للمشتغلين بدراسة الأسانيد ، وهو: العمل عند اجتماع الجرح والتعديل في الراوي الواحد ، وهو موضوع أغفله عدد مــن الباحثين - خصوصاً المعتمدين على كتاب »تقريب التقريب«.

وأتمنى أن يكون في هذه الأسطر بيان لأهمية هذا المبحث في الحكم على الرجال وتصحيح الأحاديث وتضعيفها ، فهو ـ مع علم العلل ـ أساس الحكم على الأحاديث.

وفي ثنايا هذه الأسطر تذكير بمنهج أسلافنا فـي التعامل مع أهل العلم وآرائهم ، وإنزالهم المنازل التي يستحقونها ، دون إفراط أو تفريـط ، فلا عصمة لعالم ، وليس أخو علم كمن هو جاهل ، عسى أن نعي منهجهم فنسير على دربهم.

وقد سلك العلماء في هذا الموضوع ثلاثة طرق:

1- الجمع بين الأقوال ما أمكن:

وذلك بتنزيل كل قول على أمر خاص ، وأوجه الجمع كثيرة يصعب حصرها ، منها ما يتعلق بأحوال الراوي في شبابه وكهولته ، سـفـــره وإقامته ، ضبط صدره وضبط كتابه ، بالنسبة لشيوخه وتلاميذه... وهكذا ، وقد ذكر الإمام الحافظ ابن رجب في آخر شرحه »لعلل الترمذي« فصولاً نافعة في هذا الباب.

2- الترجيـح:

وهو اعتماد أحد الأقوال ـ جرحاً أو تعديلاً ـ وطــرح ما عداه ، واعتماد أحد الأقوال لا يكون جزافاً أو هوى ، بل بناءً على أسس وقواعد ، منها:

(أ) التثبت من النقل عن الناقد ، والتأكد من عبارته:

قال الحافظ ابن حجر: ونقل ابن الجوزي من طريق الكديمي عن ابن المديني عن القطان أنه قال: لا أروي عنه ـ يعني أبان العطار ـ ، وهذا مردود؛ لأن الكديمي ضعيف.

وقال في ترجمة بشر بن شعيب الحمصي: قال ابن حبان: كان متقناً ثم غفل غفلة شديدة؛ فذكره في الضعفاء ، وروى عن البخاري أنه قال: تركناه.

وهذا خطأ من ابن حبان نشأ عن حذف؛ وذلك أن البخاري إنما قال في تاريخه: تركناه حياً سنة اثنتي عشرة ، فسقط من نسخة ابن حبان لفظ حياً ، فتغير المعنى.

(ب) النظر في حال الناقد:

مـــن وجوه: تشدداً وتساهلاً ، مرتبته في هذا العلم ، ومعرفته به ، معاصرته للمتكلم فيه زماناً أو مكاناً ، مصادره في هذا النقد ، مذهبه الاعتقادي ، اصطلاحاته النقدية..إلخ.

ومن الأمثلة: قول الحافظ في ترجمة أحمد بن شبيب الحبطي: ولا عبرة بقول الأزدي لأنه ضعيف ، فكيف يعتمد في تضعيف الثقات؟!.

وقال في ترجمة خثيم بن عراك: وغفل أبو محمد بن حزم فاتبع الأزدي وأفرط ، فقال: لا تجوز الرواية عنه ، ومادرى أن الأزدي ضعيف فكيف يقبل منه تضعيف الثقات؟!.

وقال في ترجمة محارب بن دثار: وقال ابن سعد لا يحتجون به ، قلت:...ولكن ابن سعد يقلد الواقدي ، والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل العراق.

ومما يتعلق باصطلاح الناقد: ما قاله الحافظ في ترجمة يزيد بن عبد الله الكندي ، قال: عن أحمد أنه قال: منكر الحديث ، قلت: هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه؛ عرف ذلك بالاستقراء من حاله.أ.هـ.

ومن ذلك اصطلاح البخاري في عبارة: منكر الحديث وفي إسناده نظر.

ومـمـــا يتعلق بمعرفة المتكلم بالراوي ما نقله الحافظ في تهذيبه عن أبي أحمد الحاكم أنه قال: وربـمـا يقع له الغلط ـ يعني البخاري ـ لا سيما في الشاميين ، ونقله مسلم من كتابه فتابعه على خطئه. [ترجمة أبي عمران الأنصاري].

(جـ) معرفة سبب الكلام ـ جرحاً أو تعديلاً ـ:

وهذا عنصر مـهـم فـي الترجـيح؛ فقد ردت أقوال أئمة كبار لما عرف سبب كلامهم ، فقد يكون السبب اختلاف المذهب ـ بين الناقد والمتكلّم فيه ـ وهذا باب واسع ينبغي تأمله ، أو ما يكون بين الأقران من المنافـسـة التي تؤدي إلى نوع من الميل على الآخر ، أو وقوفه على نص أو فعل للمتكلم فيه ولم يفهـمــه الناقد على وجهه الصحيح ، أو يكون كلامه نتيجة ظن مرجوح... إلى أسباب كثيرة.

وهاك جملة من الأمثلة ـ وهي من مقدمة الفتح أيضاً ـ:

حميد بن هلال العدوي ، قال يحيى القطان: كان ابن سيرين لايرضاه. قال الحافظ: بيّن أبو حاتم الرازي أن ذلك بسبب دخوله في شيء من عمل السلطان وقد احتج به الجماعة.

وهذا إسماعيل بن إبراهيم القطيعي ، وثقة ابن معين وأخرج له الشيخان ، قال الحافظ: وغمزه أحمد لأنه أجاب في المحنة.

وهذا إمام الصنعة شعبة بن الـحـجـــاج يترك المنهال بن عمرو الأسدي ، ومع ذلك يوثقه عدد من الأئمة ويخرج له البخاري ، ذلك لأن شعبة لما سُئل عن سبب تركه له قال: أتيت منزل المنهال فسمعت منه صوت طنبور فرجعت ولم أسأله ، قال وهب بن جرير: فهلا سألته عسى كان لا يعلم.

وهذا الإمام مالك بن أنس ـ وهو أشـهـر من عرف بانتقائه للرجال ، فإذا حدث عن رجل فهو ثقة ـ لم يقبل أهل العلم توثيقه لعـبــد الكريم ابن أبي المخارق. قال ابن عبد البر: لا يختلفون في ضعفه ، غرّ مالك سَمته ولم يكن من أهل بلده.

وقد أعتذر مالك عن روايته عنه،فقال:غرني بكثرة بكائه في المسجد [الميزان2/646،647].

أما رد كلام الناقد نتيجة لأنه لم يفهم فعل أو قول الراوي على وجهه الصحيح ، فالأمثلة كثيرة ، منها:

الحسن بن مدرك السدوسي،قال أبو داود: كان كذاباً يأخذ أحاديث فهد بن عوف فيقلبها على يحيى بن حماد.

قال الحافظ: إن كان مستند أبي داود في تكذيبه: هذا الفعل ، فهو لا يوجب كذباً ، لأن يحيى بن حماد وفهد بن عوف جميعاً من أصحاب أبي عوانه ، فإذا سأل الطالب شيخه عن حديث رفيقه ليعرف إن كان من جملة مسموعه ، فحدثه به أولاً ، فكيف يكون بذلك كذاباً ، وهذا الراوي خرّج له البخاري وحدّث عنه أبو زرعة وأبو حاتم ووثقه النسائي.

وهذا زيد بن وهب الجهني، وثـقـة الجـمـهــور، وقــال الحافظ: وشذ يعقوب ابن سفيان الفسوي، فقال:في حديثه خلل كثير ، ثم ساق من روايته قول عمر في حديثه: »يا حذيفة، بالله أنا من المنافقين؟!« ، قال الفسوي: وهذا محال. قلت [الحافظ]: هذا تعنت زائد ، وما بمثل هذا تُضعف الأثبات ، ولا ترد الأحاديث الصحيحة ، فهذا صدر من عمر عند غلبة الخوف وعدم أمن المكر ، فلا يلتفت إلى هذه الوساوس الفاسدة في تضعيف الثقات.

ومن ذلك: تكذيب هشام بن عروة لمحمد بن إسحاق ، ولما سئل عن السبب قال: حدث عن امرأتي فاطمة بنت المنذر وأدخلت علي وهي بنت تسع، وما رآها رجل حتى لقيَت الله(تعالى).

وقد رد هذا التضـعـيـف عدد من الأئمة منهم أحمد بن حنبل؛ قال: فلعله سمع منها في المسجد أو سمع منها وهو صبي ، أو دخل عليها فحدثته من وراء حجاب ، فأي شيء في هذا؟! [الميزان 3/470،471].

ولذلك ذهب المحقـقــون مـن أهـل الحديث إلى تقديم الجرح المفسّر ـ عند تعارض الجرح والتعديل في الراوي ـ ، وشرطه: كون التفسير يُعتدّ به ومعتبراً وخفي على المعدّل ، لأن مع الجارح في هذه الحالة زيادة علم ، والله أعلم.

3- التوقف حتى يأتي مرجح:

وقد ذهب إلى هذا المسلك عدد مـن الـنـقــاد ، منهم: الحافظ أبو حفص عمر بن شاهين في الجزء المطبوع من كتابه »ذكر من اختلف العلماء ونقاد الحديث فيه...« ، وهو مطبوع في آخر »تاريخ جرجان« للسهمي.

فهو يتوقف حينما يتكافأ النقاد عدداً أو مـكـانــة ، كما في ترجمة أبي الأشهب جعفر بن الحارث وترجمة حميد بن زياد وزكريا بن مـنظــور ، وقد توقف في خالد بن أبي مالك ، مع أنه ذكر عن أحمد بن حنبل وأحمد ابن صالح توثيقه، ونـقــل عــن يحـيـى بن معين تضعيفه.

وقال في الخليل بن مرة: وهذا الخلاف في الخليل بن مرة يوجب الوقف فيه ، لأن الخليل بن مرة روى أحاديث صحاحاً وروى أحاديث منكرة ، وهو عندي إلى الثقة أقرب.

وبـعــد هــذا الاستعراض الموجز ـ الذي لم أقصد به الاستقصاء والدراسة العلمية ـ أرجو أن يكون قد تحقق ما قصدته من التذكير بهذا الموضوع وإثارة الاهتمام به ، حتى يحظى ـ من الإخوة الباحثين ـ بمزيد عناية نظرية ، وممارسة عملية ، ليستفيدوا من هذا المنهج في نقد وتقويم واقعهم الدعوي ورموزه... والحمد لله رب العالمين.

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.