مدخل:
أُدخلتْ المستشفى.. عليها البقاء فيها لبضعة أيام لتلقي العلاج اللازم) تقرير روتيني، لا تهمنا تفاصيله، ولا حتى المرض الذي أصابها، ولكن لنذهب إلى تفاصيل أخرى، ولنشترك معًا في تأملها.
كانت مستلقية على ظهرها في حالة تعب شديد، الممرضة تقيس درجة الحرارة، النبض، الضغط. تلتفت إليها صاحبتنا مبتسمة وبلغة إنجليزية بسيطة تحاول التماسك قالت لها: (أأنت مسلمة؟) قطبت الممرضة حاجبيها وقالت منهية الموضوع بغضب:(لا..أنا مسيحية) ولملمت أغراضها إلى مريضة أخرى، وتركتها خلفها تفكر في الخطوة التالية من حوارها المبتور.
لم تكن الممرضة الوحيدة التي تلقت مثل هذا السؤال، أو الوحيدة التي أجابت بتلك الإجابة، وليست المحاولة الأولى والأخيرة التي تقوم فيها صاحبتنا بدعوتهن إلى الإسلام برغم ما تعانيه من صعوبة التكلم بالإنجليزية.تحدثت معهن. أعطتهن الكتب، تعاملت بأفضل ما يمكن أن يظهرها مثالاً للمرأة المسلمة أمامهن. لم تجد استجابة واضحة، لم يعنِ ذلك يأسها من ردة فعل إيجابية ولو بعد حين، فالأمر بيد الله سبحانه.
لكن في نفسها -كما في نفس أي مؤمن يشفق على البشرية- رغبة جارفة كي تكون سبب الهداية، لا بد من ترك أثر في حياتهن قبل خروجها من المستشفى، فكرتْ، استشارتْ، ثم كتبتْ لهن رسالة وضعتها في برواز على طاولتهن وذهبت:
(ابحثي عن الحقيقة بنفسك، لماذا نعيش؟ وما مصيرنا بعد الموت؟ ابحثي بصدق وستجدين الإجابة..دعواتي معك).
هنا انتهت قصة صاحبتنا، تخيلوا اللوحة، وتأملوا الكلمات، لنبحر في ذلك الزمن الحميم قبل عدة قرون، ننظر إلى ذلك الهارب من دين المجوسية في بلاد فارس، مكابدًا التعذيب والآلام، خاسرًا مكانته بين أهله، انتقل إلى الشام فاعتنق النصرانية، بحثًا عن الدين الصحيح، فأصبح عبدًا مملوكًا في المدينة، هناك يلتقي بسيد البشر، وخير من وطأت رجله الثرى، حبيبنا محمد - صلى الله عليه وسلم -.
من الذي ألهم سلمان الفارسي؟ من الذي جعله يحطم القيود الحديدية ويهرب؟ ومن الذي وفقه ليواصل مسيرة البحث حتى وصل؟ إنه الله - سبحانه و- تعالى - الذي أعانه إذ بحث عن الهداية.وهو الله جل شأنه من يسر لأبي ذر الغفاري الطريق إلى الإسلام أيضا. وعلى امتداد السنين، وتقلب الأحوال، يظهر لنا في كل زمن شخص ما يبحث عن الحقيقة فيجدها.
نعم..هناك من قد بحث عن العالم الجديد، عن مناجم الذهب، وآبار البترول.هناك من لم يصل وهناك من قد وصل على أكتاف علم من لم يصل.
إلا أن القضية هنا أسمى وأغلى وأهم، لأنها تعني النجاة من النار، والعيش في سعادة أبدية وخلود لذيذ.
أيتها الداعية: فلتكوني أنت النور في طريق هؤلاء التائهين. سليهم من تدعون؛ فإن قالوا: الله، فقولي لهم أن يسألوه الطريق القويم، ولا أحد يشك في ربوبيته – سبحانه -، فليكن ذلك مدخلك إلى قلوبهم، احكي لهم قصص هؤلاء الأبطال (رضي الله عنهم)، ابحثي عن قصص أخرى، وإن كنت مخلصة في ذلك، فقد تجدين الدموع منحدرة من عيني من يسمعك، وقد لا تلبث أن تقول (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله) وليس هم فحسب؛ بل حتى الغافلين من المسلمين، لنوقظ فيهم الهمم، ولنشعرهم بأن لهم ربًّا رحيمًا يأخذ بيد التائهين، ويوصلهم إلى بر الأمان.