Share |
قواعد حديثيه، القاعدة الخامسة
الكـاتب :
تم قراءة المقال : 401

 

قاعدة ما انفرد به ابن حبان بالتوثيق في كتاب الثقات:

قال ابن حبان في كتاب الثقات 1/11: فكل مَنْ أذكره في هذا الكتاب الأول فهو صدوق يجوز الإحتجاج بخبره إذا تعرى خبره عن خصال خمس.

فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا، فإن ذلك الخبر لا ينفك من إحدى خمس خصال، إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يحتج بخبره، أو يكون دونه رجل واه لا يجوز الاحتجاج بروايته، أو الخبر يكون مرسلاً لا يلزمنا به الحجة أو يكون منقطعاً لا يقوم بمثله الحجة، أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه فإن المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لا يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف الخبر به.

فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة: سمعت أو حدثني فلا يجوز الاحتجاج بخبره، فذكرت هذه المسألة بكمالها بالعلل والشواهد والحكايات في كتاب شرائط الأخبار فأغنى.

وإنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ، وقد ضعفه بعض أئمتنا ووثقه بعضهم فمن صح عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتها في كتاب الفصل بين النقلة أدخلته في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز الاحتجاج بخبره.

ومن صح عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب الفصل بين النقلة لم أذكره في هذا الكتاب لكني أدخلته في كتاب الضعفاء بالعلل؛ لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره.

فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره؛ لأن العدل من لم يعرف منه الجرح ضد التعديل فمن لم يعلم بجرح فهو عدل إذا لم يبين ضده إذ لم يُكلف الناس من الناس معرفة ما غاب عنهم.

وإنما كلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم جعلنا الله ممن أسبل عليه جلاليب الستر في الدنيا واتصل ذلك بالعفو عن جناياته أ.هـ

قلت: ويمكن تلخيص كلامه - رحمه الله - فيما نحن بصدده في التالي:

أولاً: أنه يحتج بكل راو ذكره في كتابه هذا.

ثانياً: أنه وقف على اختلاف أئمة الجرح والتعديل في الراوي فيحكم بما يراه مناسباً على الراوي من خلال السبر والتقسيم، فمن رأى قبول خبره وضعه في هذا الكتاب.

وقد قال: وإنما أذكر في هذا الكتاب الشيخ بعد الشيخ وقد ضعفه بعض أئمتنا ووثقه بعضهم فمن صح عندي منهم أنه ثقة بالدلائل النيرة التي بينتها في كتاب الفصل بين النقلة أدخلته في هذا الكتاب؛ لأنه يجوز الاحتجاج بخبره، ومن صح عندي منهم أنه ضعيف بالبراهين الواضحة التي ذكرتها في كتاب الفصل بين النقلة لم أذكره في هذا الكتاب لكني أدخلته في كتاب الضعفاء بالعلل؛ لأنه لا يجوز الاحتجاج بخبره.

ثالثاً: كل راوٍ لم يقف فيه على كلام أحد من الأئمة المتقدمين جرحاً حكم عليه بالعدالة وقبول خبره بناء على الأصل المطرد في عدالة المسلم حتى يقوم فارض التجريح.

رابعاً: أن كلامه يوحي بأنه وقف على مرويات من رجح قبول روايته والتي فيها النكارة والانقطاع والإرسال ونحوها، وأنه لا يلزم من ذلك تضعيف الراوي متى ما كانت النكارة أو الإرسال أو الانقطاع ونحو ذلك من غيره.

فلا يستلزم من ذلك تضعيف الراوي الذي في السند المعل.

ولذا قال: فإن ذلك الخبر لا ينفك من إحدى خمس خصال إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يحتج بخبره أو يكون دونه رجل واه لا يجوز الاحتجاج بروايته أو الخبر يكون مرسلاً لا يلزمنا به الحجة أو يكون منقطعاً لا يقوم بمثله الحجة.. إلى آخر ما ذكر.

خامساً: من باب تمام الفائدة أن التدليس عنده انقطاع ما لم يتم تصريح المدلس بالتحديث حيث قال: أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه فإن المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر؛ لأنه لا يدري لعله سمعه من إنسان ضعيف يبطل الخبر بذكره إذا وقف عليه وعرف الخبر به فما لم يقل المدلس في خبره وإن كان ثقة سمعت أو حدثني فلا يجوز الاحتجاج بخبره.

إلا أنه يزاد على ما ذكر أن التدليس وإن كان ظاهره الانقطاع إلا أنه محتمل ولذا جاز اعتضاده بآخر مما خف ضعفه.

ومع كل هذا التفصيل الذي ذكره - يرحمه الله -إلا أنه اتُّهِم بالتساهل في توثيق المجاهيل كما ذكر ذلك جماعة منهم ابن حجر والصنعاني وغيرهما من الأئمة.

فربما أن الرجل يكون مجهولاً فيذكره في كتابه هذا على سبيل الاحتجاج به بناء على قاعدته (الأصل في المسلم العدالة) حتى يقوم فارض التجريح، الأمر الذي أَدَّى ببعضهم إلى رد كل مَنْ وثقه حسب قاعدته المذكورة آنفاً في الرواة ما لم يكن الراوي قد وثقه غيره من أئمة الجرح والتعديل.

وفي اعتقادي أن هذا الرد لا يسلم له مطلقاً وذلك لأن ابن حبان من المتشددين في التجريح كما هو ظاهر في عامة كتبه وخصوصاً كتاب المجروحين ولهذا لزم التفصيل فيقال:

أولاً: كل راو وَثَّقه أو ذكره في كتاب الثقات وقد وثقه غيره وليس فيه ما يسقطه عن رتبة القبول فهو حجة مقبول وهذا لا خلاف فيه بين أهل الحديث، فإنه يقول في الثقات متقن ثبت، حافظ، ضابط وقد يقول مستقيم الحديث ونحوها من ألفاظ التوثيق.

ثانياً: كل راو وَثَّقه في كتابه وصرح غيره بأنه مجهول فلا يقبل توثيقه لاحتمال السهو، أو أنه لم يقف على كلام غيره في ذلك المجهول.

ثالثاً: كل راو انفرد في توثيقه أو وافقه بعض مَنْ عُرِفَ بالتساهل كالعجلي والحاكم وغيرهما، وصرح غيره من الأئمة الكبار كأبي زرعة وأحمد وابن معين بضعفه فهو ضعيف، ما لم يكن من شيوخه فهو أخبر بهم وأدرى فإن صاحب البيت أدرى بالذي فيه.

ولذا قال المعلمي في التنكيل: والتحقيق أن توثيقه –أي ابن حبان – على درجات:

الأولى: أن يصرح به كأن يقول كان متقناً أو مستقيم الحديث أو نحو ذلك.

الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم.

الثالثة: أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث يعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة.

الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذلك الرجل معرفة جيدة.

الخامسة: ما دون ذلك.

ثم قال: فالأُوْلَى لا تَقِل عن توثيق غيره من الأئمة بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم، والثانية قريب منها، والثالثة مقبولة، والرابعة صالحة، والخامسة: لا يؤمن فيها الخلل، والله أعلم.أ.هـ

رابعاً: كل راو وثقه في كتابه ولم يُسْبَق إليه وليس لأحد من أهل الجرح من جرَّحه فهو عنده حجة وبه قال الحاكم وذلك لأن الأصل في المسلم العدالة حتى يقوم مانع ينقله عن الأصل إلى غيره.

والظاهر أن هذا عنده فيما إذا كان الراوى المجهول ممن لم يرو منكراً، وروى عن ثقة أو روى عنه ثقة، إلا أن الحق خلافه فإن الراوي الذي لم يجرحه ولم يوثقه أحد لا يكفي توثيقه، أو قبول مروياته بمجرد العدالة العامة حتى يعرف بالضبط، وإلا فلا يلتفت إليه البته لأن من شروط قبول الراوي عند المحدثين أن يكون تام الضبط أو خفيفة فمن جُهِلَ ضبطه فأقل ما يقال في ذلك أن يتوقف في حاله أما حديثه فمردود.

فكل راو لم يعرف بجرح أولم يعدله أحد فهو مجهول، وروايته تعضد بغيرها من غير تفريق بين العين والحال.

إلا أن بعض المتأخرين كابن حجر وابن القيم وغيرهما يقبلون حديث مجهول الحال إن روى عنه ثقتان فأكثر وبه يقول الشيخ الألباني في مواضع من السلسلة الصحيحة بل وفي عامة كتبه.

قال في تمام المنة ص 20: نعم يمكن أن تقبل روايته إذا روى عنه جمع(1) من الثقات، ولم يتبين في حديثه ما ينكر عليه وعلى هذا عمل المتأخرين من الحفاظ كابن كثير والعراقي والعسقلاني وغيرهم أ.هـ

قلت: ولذا غلط بعضهم وشنع على الألباني تحسينه بعض الأحاديث والآثار دون أن يقف على قاعدته في ذلك فإنه قد وافق المتأخرين في قبول رواية مجهول الحال بما سبق شرطه، بل وصرح بذلك كما في تمام المنة ص 25 حيث قال: من وثقه ابن حبان وروى عنه جمع من الثقات، ولم يأت بما ينكر عليه فهو صدوق يحتج به. أ.هـ

قلت: وقصد بالصدوق ما قصده ابن حجر في تقريبه كما هو ظاهر من تحقيقاته - يرحمه الله - حتى جَهِلَ عليه جماعة فاتهمه بالتساهل، وليس كذلك بل كلام الألباني في هذه المسألة مقبولٌ قوي يدل على تمرسه وغزارة فهمه لدقيق القواعد، فإن العدالة قائمة في مثل هذا المقام ولو كان من غير أهل الضبط أو دونهم بقليل لبينوا جرحه أو لترك الجمع من الثقات حديثه،أو لبين أحدهم ذلك الغلط أو أنكره وما رضي بروايته ونحو ذلك من الأمور طالما وهو من الثقات الأثبات العدول دون غيرهم ممن عُرِف بالرواية عن الضعفاء بأعيانهم وليس بلازم ولكن أئمتنا رحمهم الله لا يسكتون عن بيان حال الراوي متى علموا ضعفه.

أما مجهول الحال الذي روى عنه الثقة الفرد مع الضعيف الشديد الضعف فأكثر فلا يُحَسَّنْ حديثه ولكن يصلح في الشواهد والمتابعات لأن رواية الثقة الواحد عنه في حاجة مَنْ يعضدها، ويحسن مع خفيف الضعف لغيره، والله أعلم.

ـــــــــــــــــــــ

(1) تصريحه بالجمع لا ينافي ما قلناه في قبوله الاثنين فأكثر لأن هذه طريقته - يرحمه الله -وطريقة غيره ممن التزموا هذه القاعدة، وأمثلة ذلك كثير منها ما ذكره في السلسلة الصحيحة 5/437 حيث ذكر رواية للضياء في الأحاديث المختارة فقال: بسنده الصحيح عن ثور بن زيد عن إسحاق بن جابر العدني عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً.

رغم أن في السند إسحاق العدني وهو مجهول حال وقد روى عنه ثقتان عبد الله بن نافع الصائغ وثور بن زيد ومع ذلك صحح الألباني سند الحديث.

ثم قال - رحمه الله -: فلعله لذلك قال الحافظ: لا بأس بإسناده.

قلت: وهذا دليل على أن المتأخرين كابن حجر وغيره لا يقصدون بالجمع في هذا الباب الثلاثة فأكثر بل ويثبت بالثقتين أيضاً.

وأما قول الشيخ الألباني بسنده الصحيح فهذه طريقته في بعض المواضع ولا يقصد بذلك لذاته وإنما على الاصطلاح القديم في كونه ثبت رفعه ليس غير، وقد بلغني عنه أنه كان يقول: لو فرقت لكان أحسن – يرحمه الله.والله أعلم.

 

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.