ننتقل بعد ذلك للتورق، ولابد أولا أن نعرف حقيقة بيع العينة والتورق الذي ذكره الفقهاء، ثم ننتقل للتورق الموجود في المصارف.
بيع العينة:
العينة: مشتقة من العين، والعين: هو النقد الحاضر. كما قال الأزهري وغيره من أهل اللغة، وسميت بذلك لأن أحد المتبايعين يقصد بالبيع العين، أي النقد لا السلعة.
وصورة بيع العينة أن يبيع السلعة بثمن مؤجل، ثم يشتريها بأقل منه نقدا، كأن يبيع سيارة بخمسين ألفا مؤجلة ثم يشتريها بأربعين ألفا حالة أو نقدا، ويبقى في ذمته عشرة آلاف.
هذا في الحقيقة حيلة على الربا؛ لأنه كأنه بيع دراهم بدراهم، كأنه باع خمسين ألفا مؤجلة بأربعين ألفا نقدا، لكن أدخل بينهما هذه السيارة حيلة على الربا. ولهذا فإن بيع العينة بيع محرم.
وقد رجح الإمام ابن القيم - رحمه الله - في تهذيبه لسنن أبي داود رجح أن المراد ببيعتين في بيعة أن المقصود به بيع العينة، وأن المقصود بالنهي عن شرطين في بيع، بيع العينة، نهى عن بيعتين في بيعه المقصود به بيع العينة، نهى عن شرطين في بيعه المقصود به بيع العينة.
فبيع العينة من البيوع المحرمة، ويدل لتحريمه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر الحديث المشهور: إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم أخرجه أبو داود وغيره بسند جيد.
ويدل أيضا لهذا الحديث قول عائشة - رضي الله عنها - لما قالت أم زيد بن أرقم: " يا أم المؤمنين إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطا ثم اشتريته بستمائة. قالت عائشة: بئسما بعت وبئسما اشتريت. أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. إلا أن يتوب " رواه أحمد.
قال الموفق ابن قدامة: والظاهر أن عائشة لا تقول مثل الغليظ ولا تقدم عليه إلا بتوقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم -. قدر ذلك نظرا لروايتها له
ولأن بيع العينة ذريعة للربا، الحقيقة، هو ذريعة لأن يدخل السلعة ويستبيح بيع المؤجل بالنقد الحاضر؛ ولهذا قال ابن عباس: " أرى مائة بخمسين بينهما حريرة ". يعني خرقة حرير، فإذا بيع العينة من البيوع المحرمة، وهو بمعنى البيعتين في بيعة، وبمعنى الصفقتين في صفقة، وبمعنى الشرطين في بيع، كل هذا بمعنى بيع العينة.
أما مسألة التورق فصورتها: أن يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها على طرف ثالث نقدًا، لاحظ هنا أن التورق أنه بين ثلاثة أطراف، يشتري سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها على طرف ثالث نقدًا، مثال ذلك: احتجت لنقد لسيولة، لأي غرض من الأغراض لزواج، أو لأي غرض فذهبت إلى مؤسسة تبيع بالتقسيط، أو معرض يبيع بالتقسيط أو شخص يبيع سيارات بالتقسيط، واشتريت منه سيارة بالتقسيط بمائة ألف ريال، ثم أخذت هذه السيارة وعرضتها في معرض السيارات، فشريت منك بثمانين ألف نقدًا مثلاً. هذه مسألة التورق.
لاحظ هنا أنها بين ثلاثة أطراف بين البائع الأول، الذي باعها بالتقسيط، ثم المشتري الذي اشتراها بالتقسيط، ثم المشتري الثاني الذي اشتراها نقدًا، فهي بين ثلاثة أطراف.
بينما العينة بين طرفين يبيع بثمن مؤجل ثم يشتري بأقل منه نقدًا. التورق بين ثلاثة أطراف يبيعها بثمن مؤجل ثم إن المشتري يبيعها على طرف آخر غير البائع الأول نقدا، وغرضهم هذا الحصول على النقد.
وقد اختلف العلماء في حكم مسألة التورق، والصحيح أنها جائزة ولا بأس بها، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، والذي يفتي به عامة مشايخنا، وعامة علماء هذه البلاد أنها لا بأس بها؛ لأن العقدين منفصلان، فأنت عندما تشتري سلعة بثمن مؤجل هذا عقد، عندما تبيعها على طرف ثالث نقدًا عقد آخر مستقل، هذا عقد مستقل، وذاك عقد مستقل ولا ترابط بينهما أو تلازم بينهما، والأصل في المعاملات الحل والإباحة.
إذا مسألة التورق نقول: إنها جائزة ولا بأس بها وفيها توسعة على الناس وإرفاق بهم، ولكن البنوك في الوقت الحاضر لما أخذت بالتورق، لو أنها أخذت بالتورق الذي ذكره الفقهاء لم يكن في ذلك بأس، هذا لا إشكال فيه، ولكن البنوك توسعت في التورق، وبالغت في هذا التوسع حتى أصبح يأتيهم العميل مجرد أنه يوقع على أوراق، يوقع على شراء سلعة منهم بالتقسيط، ثم يوقع توقيعًا آخر أن يوكلهم في بيعها على طرف ثالث، يثبت في ذمته مبلغ وبعد ساعة أو سويعات ينزل في رصيده ما أراد، يقولون فقط: هذه أوراق وقع عليها كم تريد؟ قال: أريد مائة ألف. وقع على هذه الأوراق تجدها بعد ساعة ينزل في رصيدك، مائة ألف، ويثبت في ذمتك مائة وثلاثون هذا هو التورق المصرفي.
صورة التورق في الأساس جائزة كما ذكرنا، لكن هذا التوسع يعني فيه إشكال، يقوم البنك بجميع العمليات هو البائع، هو الذي يبيع عليك السلعة بالتقسيط، ثم يتوكل في بيعها على طرف ثالث، هو الذي يقوم ببيعها على طرف ثالث، ويسلم لك النقد، يقوم بجميع العمليات، فأنت فقط تأتي وتوقع على الأوراق، وتجد ينزل في رصيدك ما أردت، كم تريد مائة ألف مئتي ألف ينزل في رصيدك بعد ساعة أو سويعات، ويثبت في ذمتك أكثر من هذا المبلغ.
وهذا التوسع في الحقيقة فيه إشكال؛ هم أخذوا كلام العلماء، لكن توسعوا فيه؛ ولهذا بحث مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي هذه المسألة، وهذا التوسع الحاصل من البنوك، بحثوا هذا العام الماضي في شهر شوال في مكة المكرمة، واستكتب باحثون، ودار النقاش، حول هذا التوسع الحاصل من البنوك، ثم صدر قرار بعدم جواز التورق المصرفي، الموجود في البنوك بهذا الوصف؛ وذلك لأن هذا التوسع جعله في الحقيقة شبيها بالعينة، وإن لم تنطبق عليه صورة العينة، إلا أنه شبيه بالعينة.
وهذا التوسع في التورق أكثر ما يكون في السلع الدولية، كالمعادن مثلا، فيأتي العميل للبنك ويقول: أنا والله أريد أن أحصل على مبلغ على سيولة يقول: عندنا معادن دولية، ونحن نبيعها عليك بالتقسيط وتوكلنا في بيعها على طرف ثالث، ومجرد أن يوقع على الأوراق ينزل في رصيده ما أراد، وهذه المعادن قد تباع لأكثر من شخص كما قيل، يعني لا ينضبط بيعها على الحقيقة، فيها إشكالات كثيرة، وربما لا يتحقق القبض المطلوب، وقد تباع على أكثر من شخص.
وأحد الإخوة يقول لي: ذهبت إلى أحد البنوك وقلت لهم: إني أريد أن أشتري منكم حديدًا، لكن بشرط إذا اشتريت منكم الحديد تسلمونه لي، يقول: رفضوا، قالوا: لا، طيب أنا أشتري منكم حديدا، إن كنتم صادقين...... بعتم علي الحديد أنا لا أريد أن أوكلكم، أنا أريد أن تسلموه لي. يقول: أنا أريد أن أختبرهم يعني، يقول: رفضوا، قالوا: أنت مجبر على التوكيل شئت أم أبيت، أنت مجبر، قال: كيف تجبروني على التوكيل؟ قالوا: هذا نظام البنك.
وبعض الناس يقولون ذهبوا للبنك، وأحيانًا يكون الموظف يعني عنده شيء من الذكاء، يقول: أبدا إذا أردت معادن نحن نسلمها لك، إذا رأى أنك غير جاد، لكن لو رأى أنك جاد في طلب المعادن سوف يكون له موقف آخر؛ لأنه يعرف أنك لن تطلب المعادن، ولا تكون جادا في هذا الطلب، فالمسألة أصبحت كأنها صورية في الحقيقة، لم أعرف يعني أن شخصًا اشترى منهم معادن، وأحضرت له هذه المعادن، إلى يومي هذا لم أجد رجلا اشترى منهم معادن وأحضرت له، جميع من يشتري منهم يوكلهم على بيعها على طرف ثالث، ولهذا كما ذكرت هذا فيه إشكال.
وصدر قرار من المجمع الفقهي هو مجمع الرابطة لكن هذا القرار الحقيقة لم يبرز إعلاميا، لذلك ربما أن كثيرا من الناس لم يسمعوا بهذا القرار، لم يبرز ولم ينشر في الصحف، ونشر في مجلة المجمع، وفي بعض المواقع على الإنترنت، لكنه الحقيقة لم يبرز مع أهميته، وأنقل لكم فيما يأتي نص هذا القرار: بعد الحمد لله وحده والصلاة، والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي برابطة العالم الإسلامي في دورته السابعة عشرة المنعقدة في مكة، من التاسع عشر إلى الثالث والعشرين من شهر شوال، نظر في موضوع التورق كما تجريه المصارف، وبعد الاستماع إلى الأبحاث المقدمة والمناقشات التي دارت حوله، تبين للمجلس أن التورق الذي تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر: هو قيام المصرف بعمل نمطي، يتم فيه ترتيب بيع سلع، ليست من الذهب أو الفضة، من أسواق السلع العالمية أو غيرها، الغالب أنها حديد أو معادن على المستورق بثمن آجل على أن يلتزم المصرف إما بشرط في العقد أو بحكم العرف والعادة بأن ينوب عنه في بيعها على بثمن حاضر وتسليم ثمنها للمستورق، وبعد النظر والدراسة قرر مجلس المجمع ما يلي:
أولاً: عدم جواز التورق الذي سبق توصيفه في التمهيد للأمور الآتية:
1- أن التزام البائع في عقد التورق بالوكالة في بيع السلعة لمشتر آخر، أو ترتيب من يشتريها يجعلها شبيهة بالعينة الممنوعة شرعًا. شبيهة بالعينة، وإن كانت صورة العينة لا تنطبق عليها لكنها شبيهة بالعينة، سواء كان الالتزام مشروطا صراحة، أو بحكم العرف والعادة المتبعة، يعني حتى لو لم يكن منصوصا عليها صراحة أنك توكل البنك، لو كان هذا متعارفا عليه فالمعروف عرفا كالمشروط شرطا.
2- أن هذه المعاملة تؤدي في كثير من الحالات إلى الإخلال بشروط القبض الشرعي اللازم لصحة هذه المعاملة. أيضا لا يتحقق معها القبض.
3- أن واقع هذه المعاملة يقوم على منح تمويل نقدي بزيادة لما سمى المستورق فيها من المصرف في معاملة البيع والشراء التي تجري منه، والتي هي صورية في معظم أحوالها، يعني كل هذا التعامل صوري في الحقيقة، مجرد أنك تأتى وتوقع على الأوراق، وينزل لك في رصيدك ما أردت، وهذه العملية البيع والشراء والتوكيل في الحقيقة هي صورية.
4- ولذلك كما قلت لكم: لا أعرف أن رجلا حتى الآن اشترى منهم معادن وسلمت له تلك المعادن، هدف البنك من إجرائها أن تعود عليه زيادة على ما قدم من تمويل، وهذه المعاملة غير التورق الحقيقي المعروف عند الفقهاء، والذي سبق للمجمع أن قال بجوازه، وذلك لما بينهما من فروق عديدة فُصلت القول فيها في البحوث المقدمة، فالتورق الحقيقي: يقوم على شراء حقيقي لسلعة بثمن آجل، يدخل في ملك المشتري، ويقبضها قبضًا حقيقيًّا، وتقع في ضمانه، ثم يقوم ببيعها هو بثمن حال لحاجته إليه، قد يتمكن من الحصول عليه وقد لا يتمكن، والفرق بين الثمنين الآجل والحال لا يدخل في ملك المصرف، الذي طرأ على المعاملة لغرض تسويغ الحصول على زيادة إلى آخره.
وثانيا: يوصي المجمع جميع المصارف تجنب المعاملات المحرمة امتثالا لأمر الله - تعالى -.
كما ذكرت هذا القرار يا إخوان قرار مهم في هذا الباب، وقد تراجعت بعض الهيئات الشرعية بعد صدور القرار، تراجعوا عن التعاملات السابقة، ولا زالت بعض البنوك تبرز للعملاء فتاواهم القديمة السابقة، فينبغي التنبه لهذا، أحد المشايخ البارزين الذي كان يفتي بهذا التورق بعد صدور القرار تراجع، وبعض البنوك حولت وغيرت من صيغتها للتورق وقصرته على السلع المحلية، فكان في شيء من المراجعات من بعض البنوك للعمليات التي كانت يعني موجودة عندها؛ لكن التورق بالتوصيف الذي ذكر لا شك أنه لا يجوز، وأنه في الحقيقة هذا التعامل صوري فقط، والغرض منه الحصول على السيولة، فكأنه بيع نقد بنقد مع التفاضل.
كأنه بدل من أن يقول بع لي مائة ألف بمائة وثلاثين ألف مؤجلة، أتى بهذا التعامل الصوري، ولهذا ينبغي التنبه والتنبيه على هذا، ينبغي التنبه والتنبيه على مثل هذه المسائل.
وكما ذكرت لكم، يعني قرارات المجمع هي في الحقيقة مهمة في هذا؛ لأن هذه المجامع تمثل علماء العالم الإسلامي، ليس فقط علماء المملكة، وإنما علماء العالم الإسلامي.