Share |
نفحة من بستان الوحي
تم قراءة المقال : 125

قام فيها الصَّباحُ بعد المساءِ **** فبنى فوقها حصون الضياءِ

 وأدار السِّياج حول رُباها **** فحماها من سَطْوةِ الدُّخلاءِ

 ودعا نحوها السَّحاب فأعطى **** ماءه صافياً بدون غثاءِ

 وَحَبا الأمن للعصافير حتى **** أمتعتْ روضَها بشدو الصفاءِ

 لم يدعْها في غَيْهب الليل، لكنْ **** سكب النورَ فوقَها من حراءِ

 ودعاها إلى الشموخ فسارتْ **** تتسامى بخاتم الأنبياءِ

 لم يكنْ صوتُه سوى صوتِ حقّ **** أسمع الغافلينَ أحلى نداءِ

 حينَها ازدانتِ الجبالُ وأحيا **** صوتُه العَذْبُ بَهْجَةَ الصحراءِ

 حينَها صارت العقيدةُ أُماً **** وأباً للعبيد والضعفاءِ

 دارت الأرضُ دورةً أيقظتْها **** من سُباتِ الجهالةِ الجَهْلاءِ

 واستدار التاريخُ لما رآنا **** ننقش النور في يدِ الجوزاءِ

 وانتشى المجدُ حين أصغى إلينا **** نتحاكى بقصَّةِ الإسراءِ

 كبرياءُ الطُّغاةِ ماتت لأنا **** قد سجدنا لصاحب الكبرياءِ

 ولأنَّ القرآن نَبعُ يقينٍ **** ترتوي منه أنفسُ الأتقياءِ

 حين تُتلى آياتُه يَتجلَّى **** كلُّ معنىً من التُّقى والنَّقاءِ

 تلتقي الأرضُ بالسماءِ لقاءً **** لم تَر الأرضُ مثلَه من لقاءِ

 رفع الناس من عبادةِ صخرِ **** وترابٍ إلى مقام السَّماءِ

 خرجوا من براثنِ الكفر لمَّا **** بَدَأ المصطفى بكشف الغطاءِ

 نشر الحبَّ فوقهم فاستظلُّوا **** واستراحوا من قَسْوة الرَّمضاءِ

 واستلذُّوا البلاءَ فيه احتساباً **** إنَّ في الحقِّ لذَّةً للبلاءِ

 مََنْ أبو جهلَ، مَنْ أميَّةُ إلاَّ **** أنفسٌ غُذِّيت بشرِّ غذاءِ

 صنعوا تمرَهم إلهاً أراقوا **** عند رجليه دمعةَ استجداءِ

 ثمَّ جاعوا فحوَّلوه طعاماً **** فتأمَّل عبادةَ الأهواءِ

 إنَّه الكفرُ يجعل الحرَّ عبداً **** ويُريه الأَمام مثلَ الوراءِ

 يا رياضَ القرآنِ فيكِ احتمينا **** من لظى القيظ أو صقيع الشتاءِ

 ووجدنا الأمانَ من كلَّ خوفٍ **** ولقينا الشِّفاءَ من كلِّ داءِ

 يا رياضَ القرآن، نهرُكِ يجري **** صافياً في مشاعر الأَتقياءِ

 لم يزلْ يمنح النُّفوسَ ارتقاءً **** عن مَهاوي الرَّدَى وأيَّ ارتقاءِ

 لم يزلْ يمنح الصدور انشراحاً **** ويُريح القلوبَ بعد العَناءِ

 يا أبا خالدٍ أرى النور يَهمي **** صافياً، من تلاوة القرَّاءِ

 إنَّه الوحي سرُّ كلِّ نجاحٍ **** وفلاحٍ، ومُؤْنسُ الغرباءِ

 حينما يلتقي كتابٌ كريمٌ **** بسيوفٍ للحقِّ ذاتِ مَضاءِ

 يصبح العدلُ منهجاً للبرايا **** وغصوناً ممدودةَ الأَفياءِ

 إنَّه الوحي، يصرف الشرَّ عنَّا **** ويَقينا تسلُّط الأَعداءِ

 يا أبا خالدٍ، أرى القدسَ تبكي **** لها الحقُّ في شديد البكاءِ

 كبَّلَ المعتدي يديها ونادى **** كلَّ لص، وقال: هذا فنائي

 فخذوا كلَّ ما أردتم وذوقوا **** مُتْعة الشُرْب من دموع النساء

 واستلذُّوا بقتل طفلٍ بريءٍ **** وبما تشربونه من دماءِ

 أشعلوا بالرَّصاص ثوب فتاةٍ **** سجنتْ فيه موجةَ الإغراءِ

 وانثروا بالرَّصَاص جَبْهةَ شيخٍ **** واستلذُّوا بمنظر الأَشلاءِ

 إنَّه الغدر من سجايا يهودِ **** منذ تاهوا في لجَّة الصحراءِ

 حاجةُ القدس أنْ ترى جيشَ حقٍ **** حافظاً للكتابِ صَلْبَ البناءِ

 حين يتلو الأنفالَ يفتح منها **** أَلْفَ بابٍ إلى طريق الفداءِ

 يرفع الحقَّ في سراديب عصرٍ **** لم يزلْ يستبيح كلَّ الْتواءِ

 يا أبا خالدٍ، هنا البذلُ بَذْلٌ **** وهنا يرتقي مقامُ العطاءِ

 وهنا يصبح السَّخاءُ سخاءً **** تتسامى به معاني السَّخاءِ

 أنتَ أََجْرَيْتَ ها هنا نهرَ خيرٍ **** وجزاء الرحمن خيرُ الجَزاءِ

 إنَّ أقوى جيشٍ على الأرض جيشٌ **** غُذِّيَتْ روحُه بوحي السَّماءِ

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.