دلائل الإيمان من دلائل الإيمان وعلاماته التي تدل على صدق المؤمن، سروره وفرحه بالطاعات والحسنات، وحزنه وغمه بالمعاصي والسيئات، فإذا فرحت أيها المؤمن بالحسنة التي تفعلها وسررت بها، وحزنت وتألمت بالسيئة والمعصية التي وقعت منك وندمت من فعلها فأنت مؤمن، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خطب الناس بالجابية فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، قام في مثل مقامي هذا فقال: « أحسنوا إلى أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم يحلف أحدهم على اليمين قبل أن يستحلف عليها، ويشهد على الشهادة قبل أن يستشهد، فمن أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ولا يخلو رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان، ومن كان منكم تسره حسنته وتسوؤه سيئته فهو مؤمن »[1].

وأخرجه البيهقي وغيره عن أمامة - رضي الله عنه - أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما الإيمان؟ قال: « إذا ساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فأنت مؤمن، قال: فما الإثم؟ قال: إذا حك في صدرك شيء فدعه ». [2]

فهذا مقياس يستطيع الإنسان أن يقيس به مستوى الإيمان في قلبه، إذا صليت الصبح في جماعة ففرحت بتوفيق الله لك بذلك وسررت بأداء الصلاة حاضرة مع جماعة المسلمين تلك الصلاة المشهودة التي يُحتفى بها في الملكوت الأعلى والتي لا يحرص عليها إلا المؤمنون، فذاك علامة الإيمان.

إذا أرشدت ضالاً ودللت حيراناً على الصراط المستقيم، وكنت سبباً في هدايته وإرشاده، ففرحت بذلك العمل وسررت به فأنت مؤمن، وقد قال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: « فوالله لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم »[3].

إذا هممت بريبة في خلوة، والنفس داعية إلى الطغيان فجاهدت نفسك واستعنت بربك واستعصمت بإيمانك، فأنقذك الله من رذيلة وعصمك من الوقوع في فاحشة وفرحت بذلك وسررت بالخلاص من الوقوع فيما يغضب الله فأنت مؤمن.

وإذا غلبتك نفسك، وقارفت ذنباً وليس من عادتك انتهاك حرمات الله، ثم استيقظ ضميرك وتذكرت عقاب الله وعظمة الله فتألمت وتبت واستغفرت وندمت على فعلتك وعقدت العزم على أن لا تعود مرة أخرى إليها وعلمت أن رحمة الله أوسع من ذنوبك إذا فعلت ذلك فأنت مؤمن.

أخرج البيهقي في الشعب بسند جيد عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه كان يقول: « اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤوا استغفروا »[4].

وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن مستبشراً بثواب الله، خائفاً من عقابه وهو يؤدي الطاعات ويعمل الحسنات، ويخشى حين تزل قدمه فيقع في المعاصي والآثام.

هكذا هي النفس البشرية تعيش بين استبشار وفرح وبين خوف وحزن وجزع، والمؤمنون المتقون مبشرون بكل خير من الدنيا والآخرة كما قال الله - تعالى -: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ [يونس].

فالله يبشر عباده وأولياءه بخيرات الدنيا والآخرة، ومن الخيرات العاجلة: الاطمئنان والسعادة النفسية، والنصر والفتح، والرزق والغنيمة، والتمكين والاستخلاف، وغير ذلك.

ومن البشرى العاجلة الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى، والثناء الحسن، والذكر الجميل، جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه، قال: « تلك عاجل بشرى المؤمن »[5].

قال العلماء في معنى الحديث؛ هذه البشرى المعجلة له بالخير هي دليل على رضاء الله - تعالى -عنه ومحبته له، فيحببه إلى الخلق ثم يوضع له القبول في الأرض.

إن المؤمن عليه أن يعيش مستبشراً برحمة الله ورضوانه حتى في أحلك الظروف وأصعب المواقف، ولقد كان هذا شأن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - مع أمته ليزيل عنها دواعي القلق على مستقبل الإسلام الذي يكيد له الأعداء، فقد قال - صلى الله عليه وآله وسلم - كما في مسند الإمام أحمد: « بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض »[6]، والمؤمن محتاج في حال البلاء إلى من يكشف همه، ويبشره بما يسره، إما بفرح عاجل، أو بأجر آجل، ولقد وجد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أم العلاء مريضة فقال لها: « أبشري يا أم العلاء، فإن مرض المسلم مذهب خطاياه كما تذهب النار خبث الحديد »[7].

ولقد بشر الله المؤمنين المبايعين على الإيمان والجهاد بما ادخر الله لهم من الأجر والثواب إن وفَّوا بالبيعة فقال: فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ [التوبة: 111].

والمؤمن المستقيم على أمر الله يمده الله بملائكته يثبتونه ويبشرونه برحمة الله ورضوانه في هذه الحياة، ويثبتونه ويطمئنونه عند دنو أجله وانتقاله من كبد هذه الحياة وخروجه منها منتقلاً إلى دار البرزخ وحياة الآخرة، كما قال الله - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصِّلت].

تشتد المؤامرات على الإسلام والمسلمين، ويزداد العداء ويكبر الكيد وتتوالى الضربات حتى ليخيل للناظر أن الإسلام قد انمحى من الواقع وأن الكافرين قد حققوا أهدافهم واستنفدوا أغراضهم، وإن نظرة لما يجري في فلسطين والعراق وأفغانستان من حرب إبادة وتدمير بمختلف الوسائل والأساليب تدعو إلى التشاؤم والهزيمة النفسية، غير أن منطق الإيمان وحقائق القرآن تنطق بغير ذلك، فهي تدعو المؤمنين إلى الصبر والثبات والسير على خُطَا الإيمان، وعدم الرضوخ للواقع أو الرضى بالذلة والهوان والاستسلام في آيات كثيرة، منها: قوله - سبحانه -: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 139]، وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [آل عمران: 186]، وقال - سبحانه -: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [محمد: 35]، وقال - تعالى -: وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ القَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء: 104].

ثم يبشرهم الله - تعالى - بما ستؤول إليه أمور الكفار، وكيف ستكون نهاياتها في آيات كثيرة، ويأمر رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - بأن يعلن للكفار هزيمتهم وخسارتهم المسبقة في نهاية المطاف، كما قال - تعالى -: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ [آل عمران: 12].

فهذا إخبار منه - سبحانه -، وإنذار للكافرين المغرورين بكثرتهم وقوتهم، وما لديهم من الأموال والمادة والعتاد أنهم سيغلبون في الدنيا، ويتجرعون خزي الهزيمة والذل وعار الإفلاس والخسران.

وقد حدث هذا، وحقق الله وعده على أيدي المؤمنين في بدر وخيبر والفتح وغيرها من الغزوات والانتصارات التي حققها الله على أيدي المؤمنين على امتداد التاريخ الإسلامي، وهذه سنة الله - تعالى - أن ينصر المؤمنين ويذل الكافرين، ولا يتخلف نصر الله عن المؤمنين إلا بضعف إيمانهم وسوء أعمالهم وفساد مقاصدهم.

أما حين يكونوا مستقيمين على أمر الله، مستمسكين بدينه، متبعين لرسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - فإن النصر حليفهم، ونتيجة المعركة محسومة لهم في النهاية، قد يبتليهم الله ويمحصهم ويختار منهم شهداء ويصيبهم القتل ويمسهم القرح والبلاء ثم تكون العافية الحسنة لهم.

كما قال - سبحانه - في التعقيب على غزوة أحد وما حصل فيها، داعياً عباده المؤمنين إلى الاستفادة من سنن التاريخ وإدراك حقائق الأمور التي يدبرها الله - تعالى -: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ [آل عمران].

ثم إن الكفار الذين كتب الله عليهم الخزي والهزيمة في الدنيا قد كتب لهم في الآخرة العذاب الأبدي والآلام والخسارة التي لا تنفك عنهم أبداً كما قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ * كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ [آل عمران].

أيها المؤمنون: اعلموا أن نصر الله آت لا ريب فيه، ولكنه نصر مشروط لا يتنزل إلا على المؤمنين الذين استكملوا شرائط الإيمان، وأخذوا في إعداد العدة والأخذ بالأسباب وأخلصوا دينهم لله وصدقوا في حمايته ونصرته، وبذلوا المهج والأموال لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فليبشروا عندئذ بنصر الله وتحقيق وعده في قوله الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد: 7]، وبقوله: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ [الرُّوم: 47]، وبقوله: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ [آل عمران: 160].

وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: 10].

فكونوا أنصار الله واصبروا وصابروا واتقوا الله.

____________

[1]- أخرجه أحمد في المسند 1/26، برقم: 177، وابن حبان في صحيحه 10/436، برقم: 4576، والطبراني في المعجم الأوسط 2/184، برقم: 1659، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1/792، برقم: 430.

[2] - أخرجه أحمد في المسند 5/251، برقم: 22213، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2/152، برقم: 1739.

[3]- أخرجه البخاري في صحيحه 3/1077، برقم: 2783، وأبو داود في السنن 2/346، برقم: 3661.

[4] - أخرجه ابن ماجة في السنن 2/1255، برقم: 3820، وأحمد في المسند 6/188، برقم: 25591، وعلق عليه شعيب الأرنؤوط بأنه ضعيف، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجة 1/308، برقم: 835.

[5] - أخرجه مسلم في صحيحه 4/2034، برقم: 2642، وأحمد في المسند 5/156، برقم: 21417، وابن حبان في صحيحه 2/88، برقم: 366.

[6] - أخرجه أحمد في المسند 5/134، برقم: 21258، ولم أجد من تعرض له بالتصحيح أو التضعيف.

[7] - أخرجه أبو داؤود في السنن 2/200، برقم: 3092، والطبراني في المعجم الكبير 25/141، برقم: 340، وصححه الألباني في صحيح أبي داوود 3/188، برقم: 3438، وفي السلسلة الصحيحة 2/331، برقم: 714.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة