الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فإن قضايا الإيمان من القضايا المهمة التي ينبغي على الشاب المسلم أن يكون على دراية بها، وإن يفهمها كما فهمها سلف هذه الأمة، فعقيدة المرجئة لا تزال مؤثرة على بعض العلماء وطلبه العلم، فضلاً عن العامة، بل إن بعضهم يجمع في عقيدته بين المتناقضات فربما كان في قضيه خارجياً وفي أخرى شيعياً وثالثة جهمياً وهكذا..
ومن القضايا الهامة التي أثارها بعضهم في هذه الأيام مسألة الحكم بغير ما أنزل الله وتبديل الشريعة فهنالك من يعتقد أن ذلك معصية كالربا والزنا وليست كفرا.. بل يقولون بأن من قال بكفر من حكم بغير ما أنزل الله فأنه من الخوارج.
والحقيقة أنهم خلطوا في هذه القضية خلطاً شديداً، فلم يفرقوا بين كبائر الذنوب والأعمال المكفرة حتى قال بعضهم: إن من سبب الله ورسوله ورمى المصحف في القمامة أو لطخه بالقذر لا يكفر، وهذه في الحقيقة عقيدة المرجئة، بل ويستدلون بكلام علماء الشاعرة المرجئة مع قولهم بأن عقيدة المرجئة مخالفه لعقيدة أهل السنة والجماعة.
وغاية ما يستدلون به في مسألة (الحكم) قول ابن عباس وينسبون إليه أنه قال فيها: (كفر دون كفر) وعند التحقيق في هذا الأمر نجد أنه لا يثبت عنه - رضي الله عنه - بل هو شاذ منكر.
والثابت عنه فقط قوله: (هو به كفر) لذلك لزم علينا أن نبين الحق في هذه القضية قطعاً للجدل الذي ليس من ورائه طائل وإلجاماً لكل متعالم جاهل سالكين في ذلك طريق العلماء الأوائل السالكين سبيل الصحابة الأفاضل -رضوان الله عليهم أجمعين -، والآن أوان الشروع في تخريج وتحقيق أثر أبن عباس ثم ذكر كلام العلماء -نسأل الله أن ينفع بهذا البحث المتواضع المختصر-.
الإسناد الأول:
قال الأمام عبد الرزاق الصنعاني في (تفسيره) كما في تفسير ابن كثير(2/97): أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال سئل ابن عباس عن قوله: (ومن لم يحكم... ) قال هي((به كفر) قلت: هذا إسناد صحيح ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره(6/256) وابن نصر في (تعظيم قدر الصلاة) رقم(570)كلاهما من طريق عبد الرزاق به وزادا: قال ابن طاووس: (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله).
هذا وقد جاءت هذه الزيادة من كلام ابن عباس - رضي الله عنهما -.
أخرجها الإمام الطبري في (تفسيره)(6/256): من طريق سفيان وهو الثوري عن معمر.
قلت: هذا الرواية شاذة عن ابن عباس والصحيح أنها من قول ابن طاووس كما مر وقلنا بشذوذها لأن سفيان خالف عبد الرزاق فعبد الرزاق جعلها من كلام عبد الله بن طاووس وسفيان جعلها من كلام ابن عباس ولاشك أن عبد الرزاق مقدم في رواية معمر كما قال الأمام أحمد بن حنبل: إذا اختلف أصحاب معمر فالحديث لعبد الرزاق وقال يعقوب بن شيبة: عبد الرزاق متثبت في معمر جيد الإتقان انظر (شرح علل الترمذي لابن رجب(ص 288) وذكر ابن رجب أيضا(ص329) في باب (من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض) قال: فمنهم معمر بن راشد حديثه بالبصرة فيه اضطراب كثير وحديثه باليمن جيد، وقال أحمد في رواية الأثرم حديث عبد الرزاق عن معمر أحب إلى من حديث هؤلاء البصريين كان يتعاهد كتبه وينظر - يعني باليمن - وكان يحدثهم بخطاء بالبصرة وقال يعقوب بن شيبه: سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطراب لأن كتبه لم تكن معه.
قلت: ورواية سفيان الثوري من هذا القبيل.
والخلاصة: أن هذا الزيادة صحيحة من كلام عبد الله بن طاو س وأما عن عبد الله بن عباس فشاذة والشاذ من قسم الضعيف بل الضعيف جداً الذي لا يصلح في الشواهد والمتبعات والعلة في ذلك من معمر - رحمه الله - قال العراقي في ألفيته:
وإن يكن لكذب أو شذا *** أو قوى الضعف فلم يجبر ذا
وعلى فرض صحتها فيكون معناها أن الكفر مراتب بعضها أشد من بعض وكله ناقل عن الملة.
إسناد آخر
قال الحافظ ابن نصر في (تعظيم قدر الصلاة) رقم (573): حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرزاق عن سفيان عن رجل عن طاو س عن ابن عباس قال (كفر لا ينقل عن الملة).
محمد بن يحيى هو القطيعي: صدوق وبقيه رجال السند ثقات غير أنه فيه إبهام الرجل الذي هو شيخ سفيان: فالحديث ضعيف لأجله وهو صالح في الشواهد والمتابعات غير أن الرواية السابقة لا يصلح أن يستشهد بها لكونها شاذة والشاذ كما تقدم من قبل الضعيف جداً الذي لا يصلح للاستشهاد به بل الصحيح أن هذه الرواية عن ابن عباس منكرة بدليل الرواية الأخرى الصحيحة التي رواها ابن نصر نفسه برقم (574) والطبري (6/ 256) من طريق وكيع عن سفيان عن سعيد المكي عن طاو س من كلامه قال: (ليس بكفر ينقل عن الملة) فسعيد وهو ابن حسان المخزومي(ثقة) يرويها من كلام طاو س والرجل (المبهم) جعلها من كلام ابن عباس.
إذاً فالصحيح أن الرواية من كلام طاو س و ليست من كلام ابن عباس بل جعلها عن ابن عباس منكرة إذا المنكر كما يعرفه العلماء بأنه (مخالفة الضعيف للثقة)أو(مخالفة مردود الرواية لمقبول الرواية).
طريق أخرى:
ذكر الأمام ابن كثير أن الأمام ابن أبي حاتم روى في تفسيره عن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاو س عن ابن عباس في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون). قال: ليس با الكفر الذي يذهبون إليه.
ورواه ا بن نصر في (تعظيم قدر الصلاة) رقم (569) وابن عبد البر في(التمهيد). (4/237) والحاكم في المستدرك (2/313) وعند البيهقي في (السنن الكبرى) (8/20) كلهم من الطريق سفيان به.
وهذا السند ضعيف لضعف هشام بن حجير فان الأئمة النقاد من أهل العلم ضعفوا روايته ولم يوثقه إلا المتساهلون الذين لا يؤخذ بتوثيقهم وإليك سرد أقوالهم بذلك.
قال فيه ابن شبرمة: ليس بمكة مثله.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ليس بالقوي: قلت: هو ضعيف قال: ليس هو بذاك قال. فسألت يحيى بن معين عنه فضعفه جدا وقال ابن منصور عن ابن معين: صالح: وقال ابن المديني عن يحي ابن سعيد ثنا عن ابن جريج وخليق أن أدعه قلت: أضرب على حديثه قال: نعم وقال الآجري عن أبي داود: ضرب الحد بمكة قلت فيماذا؟ قال: فيما يضرب فيه أهل مكة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه وقال العـقيلي: قال ابن عيينة: لم نأخذ منه إلا مالا نجد عند غيره وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث. وقال الساجي: (صدوق) وقال العجلي: (ثقة صاحب سنة) وذكره ابن حبان في الثقات. انتهى من تهذيب التهذيب.
وقال الحافظ ابن حجر تلخيصاً لما ذكر في تقريب التهذيب: (7288): (صدوق له أوهام)، قلت: فأنت ترى أنه ضعيف ويصلح في الشواهد والمتابعات ولذلك أخرج له البخاري ومسلم في المتابعات والشواهد ولم يخرجا له استقلالا وروايته هاهنا كذلك تصلح في الشواهد والمتابعات ولكن لا توجد رواية تشهد لها.
بل الروايات إما شاذة وإما منكر ثم هي من قول طاووس أو ابنه عبد الله بمعنى أنها مدرجه وليست من كلام ابن عباس فدون تقوية رواية هشام بن حجير خرط القتاد والله الموفق.
طريق أخرى:
رواها ابن جرير في تفسير (6/257) قال حدثني المثنى قال حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح عن على بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر ومن أقربه ولم يحكم فهو ظالم فاسق0 ورواه كذلك ابن أبي حاتم وابن المنذر كما قاله السيوطي في (الدر المنثور)(3/87) قلت: وهذه الرواية ضعيفة وفيها عدة علل:
الأولى: جهالة المثنى وهو الآملي شيخ ابن جرير.
الثانية: ضعف عبد الله بن صالح كاتب الليث فهو كما قال الحافظ ابن حجر: (صدوق كثير الغلظ).
الثالثة: معاوية ابن صالح (صدوق له أوهام).
الرابعة: الانقطاع بين على بن أبي طلحة وابن عباس ومع هذا فهذه الرواية منكرة أيضاً وذلك لمخالفاتها لرواية طاووس عن ابن عباس فانه قال (هي به كفر).
طريق أخرى:
رواها ابن المنذر كما في(الدر المنثور) (3/88) عن ابن عباس قال: (نعم القوم أنتم إن كان ما كان من حلو فهو لكم وما كان من مر فهو لأهل الكتاب كأنه يرى أن ذلك ليس في المسلمين) (ومن لم يحكم بما أنزل اله فألئك هم الكافرون).
ومع عدم وقوفنا على إسناد هذه الطريق إلا إنها تخالف ما ثبت عن ابن عباس كما تقدم فهي على أقل تقدير منكرة بل هي مخالفة لظاهر القرآن والقول بأنها خاصة في أهل الكتاب قول ضعيف جداً فالعبرة بعموم اللفظ بل قول بعض الرواة: كأنه يرى أن ذلك ليس في المسلمين فهم غير صحيح منه ومخالف لظاهر وعموم القرآن بدليل أن من تمعن كلام ابن عباس فانه يفهم منه التوبيخ وليس المدح فكلامه معناه (أنكم نعم القوم لو كان كل حلو لكم وكل مر لأهل الكتاب ولكن إذ وقعتم فيما وقعوا فيه فيتنزل عليهم الحكم الذي يتنزل فيهم).
يدل على هذا ما رواه ابن جرير الطبري (6/253): قال حدثنا الحسن بن يحي قال: اخبرنا عبد الرزاق قال أخبرني الثوري عن حبيب ابن أبي ثابت عن أبي البختري قال: سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات: (ومن لم يحكم بما انزل الله... ) قال: فقيل ذلك في بني إسرائيل قال: (نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كانت لهم كل مرة ولكم كل حلوة كلا والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك).
وهذه الرواية وإن كانت مرسلة لأن أبا البختري واسمه سعيد بن فيروز ثقة لكنه يرسل وقد أرسل عن ابن مسعود إلا إنه يشهد لها مافي المستدرك (2/312) من طريق إسحاق ابن إبراهيم عن جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن همام قال كنا عند حذيفة فذكروا (ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون) فقال رجل من القوم: إن هذا في بني إسرائيل فقال حذيفة: نعم الأخوة بنو إسرائيل إن كان لكم الحلو ولهم المر كلا والذي نفسي بيده حتى تأخذوا السنة با لسنة حذو القذة بالقذة).
ورواه كذلك ابن جرير (6/253) من طريق سفيان عن ابن وكيع عن أبيه عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت.
ومن طريق هناد بن السري عن وكيع عن سفيان عن حبيب به.
طريق أخرى:
رواها سعيد بن منصور وأبو الشيخ وابن مر دويه كذا في (الدر المنثور) (3/83)
أن ابن عباس قال: إنما أنزل الله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون (والظالمون)(والفاسقون) في اليهود خاصة قلت: وهذا الإسناد يقال منه ما يقال في سابقه فهو يخالف ظاهر القرآن بل جميع الروايات المتكلم فيها سابقاً تخالف ظاهر القرآن وكذلك تخالف ما صح عن ابن عباس وتخالف قوله - عليه الصلاة والسلام - فيما رواه عنه مسلم في صحيحه (1700) عن البراء بن عازب قال: (هي في الكفار كلها) والخلاصة من هذا البحث أنه لم يثبت عن ا بن عباس في تفسير هذه الآية إلا قوله (هو به كفر) هكذا بإطلاق والمقصود به الكفر الناقل عن الملة.
ومن الأدلة على أن كفر من ترك الحكم بما أنزل الله كفر أكبر مخرج من الملة).
1- إجماع الصحابة. فلا مخالف لهم ولا اعتبار لمخالفة بعض التابعين لأن خلافهم بعد انعقاد الإجماع.
2- دلالة اللغة وذلك لأن الكفر جاء معرفاً بالألف واللام والأسلوب في هذه الآية قد أكده الله بأقوى أساليب اللغة في إفادة المعنى:
أ- مجي الكفر بلفظ الاسم الدال على ثبوت الكفر ولزومه دون الفعل الدال على التجدد والحدوث.
ب - تصدير الاسم بالألف واللام لحصول كمال المسمى (الكافرون).
جـ - إتيانه - سبحانه وتعالى - بجملة جواب الشرط في صورة مبتدأ وخبر معرفتين(أولئك ــــ الكافرون) وذلك من علامات انحصار الخبر (الكفر) في المبتدأ (أولئك) وهو اسم إشارة يعود على (من لم يحكم بما أنزل الله) وانحصار الخبر المعرف بالألف واللام في المبتدأ فيه مبالغة في حصول كمال معناه في المحكوم عليه وهو (المبتدأ) أي مبالغة في حصول كمال الكفر أولئك الذين لم يحكموا بما أنزل الله.
د - مجي المبتدأ في جملة جواب الشرط في صيغة اسم الإشارة (أولئك) زيادة في الدلالة على المقصود من اختصاص المذكورين قبله من لم يحكم باستحقاق الكفر.
هـ- تقديم المبتدأ على الخبر في جمله جواب الشرط وإن كان هو الأصل في اللغة إلا أنه يفيد في أن كون المبتدأ (أولئك) متصفاً بالخبر (الكافرون) هو المطلوب بيانه كما أن هذا التقديم يفيد زيادة تخصيص.
وــ إدخال حيز الفصل (هم) بين المبتدأ والخبر (ألئك هم الكافرون) يفيد اختصاص المبتدأ بالخبر أي اختصاص (أولئك)((الذين لم يحكموا بما أنزل الله)) بالكفر.
والخلاصة: أن أسلوب هذه الآية من جهة بنية ألفاظها وتركيبها بلغ الغاية في إفادة المعنى وهو أن أولئك الذين لم يحكموا بما أنزل الله قد بلغو الغاية في الكفر.
3ـ دلالة عرف الشارع في استخدام لفظ (الكفر) معرف بالألف و اللام في المخرج من الملة قال ابن حجر: (عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد وقد تكرر هذا الفظ في الكتاب والأحاديث حيث لا يراد به إلى ذلك) (الفتح1 / 65).
4ـ دلالة الشرع، فقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)(المائدة: من الآية44) وإن ترتب الحكم في على مجرد ترك الحكم إلا إن هذا لابد أن يلازمه الحكم بغير ما أنزل الله كما يدل عليه سبب النزول فاليهود تركوا الحكم بما أنزل الله (الرجم) وحكموا بغير ما أنزل الله (الجلد والتحميم) فالحديث بين مناط الحكم وهو(الترك للحكم ما أنزل الله والحكم بغيره).
فالحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر بلا ريب يدل على ذلك ما ورد في تفسير قول الله - عز وجل - (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه)(الشورى: من الآية21) وقوله - تعالى -(اتخذوا أحباهم ورهبا نهم أرباباً من دون الله).
وقوله - تعالى -: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لمشركون)(الأنعام: من الآية121). وقوله - تعالى -(ثم الذين كفرو بربهم يعدلون).
والخلاصة:
أنه قد دلت أقوال الصحابة بلا مخالف واللغة العربية ولغة القرآن (عرف الشارع) والنصوص الأخرى في نفس المسألة على أن الكفر الوارد في آية المائدة هو الكفر الأكبر، ولم يقع خلاف بين الصحابة في هذا، وما نسب إلى ابن عباس لا يثبت عنه ولو صح عنه ذلك لما كان في قوله ولا قول غيره من الصحابة حجة بسبب اختلا فها ولوجب الترجيح بين أقوالهم وقد تبين في الترجيح بدلالة اللغة ودلالة عرف الشارع أن ظاهر النص يراد به الكفر الأكبر وقد تأيد هذا بدلالة النصوص الأخرى في نفس المسألة وهذا يرجح قول من قال من الصحابة بأن الكفر في الآية هو الأكبر.
وأضيف هنا: أنه لو أن صح عن ابن عباس قوله (كفر دون كفر) ولم يكن له مخالف من الصحابة لما كان هذا القول حجة لأنه لا حجة في قول الصحابي إذا خالف نص الكتاب والسنة وقد تبين بدلالة اللغة العربية ودلالة عرف الشارع أن نص الآية (المائدة) يدل على أن الكفر فيها هو الأكبر فلا حجة في قول الصحابي إذا خالف في ذلك فكيف إذا كان لا يثبت عن ابن عباس قول (كفر دون كفر) وكيف وقد خالفه غيره من الصحابة أما التابعيون فهم الذين ثبت عنهم الخلاف في هذه المسألة فقال الحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والسدي إنه الكفر الأكبر وقال طاووس وعطاء إنه الأصغر وقد قال الإمام ابن تيمية في أقوال التابعين في التفسير: (فان اختلفوا فلا يكونون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم ويرجع ذلك إلى لغة القرآن والسنة أو عموم لغة العرب وأقوال الصحابة في ذلك) (مجموع الفتاوى 13/ 370).
شبـهـة.. والرد عليها
هنالك من يقول أن مناط الحكم بالكفر إنما هو جحد حكم الله واستحلال الحكم بخلافه وللرد على ذلك نقول: يطلق الجحد على إنكار الواجب الشرعي وذلك كفر لأنه تكذيب بالنص الموجب للواجب، قال - تعالى -: (وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون) والاستحلال معناه جعل ما حرمه الله حلالاً وسواء كان الباعث على ذلك التكذيب بالنص المحرم للحرام أو معاندة النص مع الإقرار به فإن الاستحلال كفر بالنص وبالإجماع.
وعلى القول بأن الكفر في آية المائدة هو الأكبر فهل هذا في حق من تعمد ترك حكم الله والحكم بغيره أما هو في حق من جحد حكم الله أو استحل الحكم بغير ما أنزل الله؟
اختلفت أقوال الصحابة والتابعين في ذلك فاشترط الجحد للحكم بالكفر ابن عباس فيما نسبه إليه الطبري في تفسير ونقله ابن كثير واشترطه عكرمة كما نقله عنه أبو حيان الأندلسي في تفسير ولم يشترط الجحد بقية الصحابة والتابعين وقالوا بأن تعمد ترك حكم الله فقد كفر كما نقل ذلك القاسمي في تفسيره.
هذا وقد قال القرطبي: (وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار (أي معتقداً ذلك ومستحلاً له) (تفسير القرطبــــــــي 6/110) فيتنبه إلى أن جملة (معتقدا ذلك ومستحلا له) إنما هي من كلام القرطبي وليست من كلام ابن مسعود والحسن - رضي الله عنهما -.
فهذه أقوال من اشترط الجحد ومن لم يشترط للحكم بالكفر الأكبر الوارد في الآية على من لم يحكم بما أنزل الله، وإذ قد أختلف الأقوال فلا حجة في أي منها، ووجب الترجيح بينهما، وبالترجيح نجد أن قول من لم يشرط الجحد والاستحلال للحكم بالكفر الوارد في الآية هو الصواب، هذا إذ سلمنا بصحة نسبه القول إلى ابن عباس، فكيف وهو لم يثبت كما قد مر معك أن أثر ابن عباس فيه أربع علل، ثم هو منكر ومع ذلك فقول: الدليل الأول أن اشتراط الجحد لا دليل عليه، فهو رأي بل هو قول مخالف لنص الآية، فلا حجة فيه، وما نقله القرطبي عن ابن عباس مخالف لنص القرآن والسنة، ثم في الأثر أربع علل بل هو منكر كما تقدم فالله - سبحانه وتعالى - علق الكفر على ترك الحكـــم بمــــا أنزل الله (من لم يحكم) وابن عباس علقه على جحد ما أنزل الله فأثبت مناطاً للحكم غير المناط الوارد في الآية والحديث والوارد في سبب النزول اثبت أن اليهود وأقروا بثبوت حد الرحم في التوراة كما في صحيح البخاري (صدق محمد فيها أية الرحم) ويؤيده قولــــــه - تعالى -: (وعند هم التوراة فيها حكم الله) فاليهود أقروا بحكم الله ولم يحكموا به فأكفرهم الله، وابن عباس قال: من أقر بحكم الله ولم يحكم به فهو ظالم فاسق وبهذا تعلم أن هذا القول المنسوب إلى ابن عباس مصادم لنص الآية ولهذا فلا حجه فيه.
وقد رد العلماء كثيراً من اجتهادات الصحابة المصادمة للنصوص ومن أمثلتها:
1- قول ابن عباس أنه لا توبة لقاتل العمد.
2- نهي بعض الصحابة كعمر وعثمان وأبي ذر عن التمتع بالعمرة إلى الحج.
3- مخالفة عمر وابن مسعود في تيمم الجنب.
4- إباحة ابن عباس للمتعة.
5- إباحة ابن عباس للحوم الحمر الأهلية.
(أنظر أعلام الموفقين 2/ 251ـ 253) وجامع بيان العلم (2/ 87 ـ 92) والأحكام لا بن حزم (2/ 127 ـ 129) (6/ 83 ـــ 90) ومجموع الفتاوى(20/234).
ولأجل مخالفة شرط الجحد لمناط التكفير الوارد في الآية قال ابن القيم - رحمه الله - ومنهم من أول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحداً له وهو قول عكرمة وهو تأويل مرجوح فإن نفس جحوده كفر سواء حكم أولم يحكم مدارج السالكين (1/ 356) (طبعة دار الكتب العلمية الطبعة الأولى).
ومما يؤكد أن مناط التكفير في الآية إنما هو مجرد الترك للحكم بما أنزل الله أي الامتناع عن الحكم به لا جحد حكم الله هو قوله - تعالى -: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) ـ إلى قوله - تعالى -: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).
فوصفهم الله في الآية الأولى بالتولي عن حكم الله ونفي عنهم الإيمان لذلك: (وما ألئك بالمؤمنين) ووصفهم بالآية الثانية بترك الحكم بما أنزل الله وحكم عليهم بالكفر لذلك فاتحد السبب والحكم في الآيتين في المعينين الذين نزل فيهم النص ومعنى التولي في الشرع ضد الطاعة فهو الانصراف عن الطاعة بما يعني الترك والإقتناع.
والجحد: هو التكذيب الظاهر باللسان فالفرق بينهما واضح..