Share |
إن الحكم إلا لله 2-2
تم قراءة المقال : 1155

إن الحكم إلا لله 2

في بيان الفرق بين التولي والتكذيب وأنهما أمران مختلفان.

قال شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله -: (والتولي هو التولي عن الطاعة كما قال - تعالى -: (ستدعون إلى قوم أولو بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسنا وإن توليتم كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً)، وقال - تعالى -: (فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى)، وقد قال - تعالى -: (لا يصلها إلى الأشقى * الذي كذب وتولى) فعلم أن التولي ليس هو التكذيب، بل هو التولي عن الطاعة، فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر، ويطيعوا فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة والتولي. [انظر مجموع الفتاوى (7/ 142)].

ويظهر من كلام شيخ الإسلام أن الإيمان عند أهل السنة (وهو ما دل عليه الكتاب والسنة) لابد فيه من التصديق بالقلب واللسان مع الطاعة بأداء أعمال الإيمان وهو معنى قول أهل السنة (الإيمان قول وعمل).

وأن الإيمان ينتفي بما يضاد التصديق وهو التكذيب والجحد كما ينتفي بما يضاد الطاعة وهو التولي بترك المأمور به أو فعل المنهي عنه، والمقصود هنا ما يخل منها بأصل الإيمان، فمن حصر الكفر بالجحد فقد حصر الإيمان في التصديق، وهذا قول المرجئة وهو قول باطل.

قال الشيخ الإسلام: والكفر لا يختص بالتكذيب بل لو قال: أنا اعلم أنك صادق لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط علم أن الإيمان ليس هو الصديق فقط بل إذا كان الكفر يكون تكذيباً ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعا بلا تكذيب فلا بد أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة وموالاة وانقياد لا يكفي مجرد التصديق) (مجموع الفتاوى (7/ 292).

* والخلاصة: أن أهل السنة القائلين: بأن الإيمان قول وعمل يكفرون بالأعمال من الأفعال والأقوال والتروك التي نص الشارع على كفر فاعلها أما المرجئة القائلون بأن الإيمان هو التصديق وليس العمل منه فلا يكفرون بشي من الأعمال بل ليس الكفر عندهم إلا التكذيب والجحد أي ما يضاد التصديق ولكن الفقهاء والمتكلمين من المرجئة قالوا مع ذلك إن العمل (قول أو فعل أو ترك) الذي نص الشارع على كفر فاعله فإنه علامة أنه مكذب بقلبه ويكفرونه بذلك العمل وجعلوا الجحد لازماً لاينفك عن التكفير بمثل هذا العمل بخلا ف غلاة المرجئة الذين جعلوا الجحد شرطاً مستقلاً للتكفير في هذا الموضع (انتهى باختصار من كتاب الجامع في طلب العلم الشريف).

* الدليل الثاني: وهو أن الذنوب التي نص الشارع على كفر فاعلها فإنه يحكم عليه بالكفر بمجرد فعلها دون تقييد ذلك لا بجحد أو استحلال بخلاف الذنوب التي لم يثبت عن الشارع كفر فاعلها فلا يكفر إلا إذا جحدها (إن كانت من الواجبات) أو استحلالها (إن كانت من المحرمات).

تنبــيـهـات:

أولاً: من سن قانوناً يخالف شريعة الله وألزم الناس بالعمل به فهو كافر مرتد عن دين الله..

قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - في كتابه (فتاوى العقيدة 211): من لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً به أو احتقاراً له أو اعتقاداً أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة ومن هؤلاء من يصنعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهجاً يسير الناس عليه فأنهم لم يصنعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه ونقص ما عدل عنه.

وسئل: هل هناك فرق بين المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي بغير ما أنزل الله وبين المسائل التي تعتبر تشريعياً عاماً؟

فقال: نعم هنالك فرق فأن المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً لا يأتي فيها التقسيم السابق وإنما هي من القسم الأول فقط لأن هذا المشرع تشريعاً يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاد أنه أصلح من الإسلام وانفع للعباد كما سبقت الإشارة إليه.

وقال الشيخ ابن باز - رحمه الله - في رسالته (وجوب تحكيم شرع الله): (والإيمان لمن أعتقد أن أحكام الناس وآراءهم خير من حكم الله ورسوله أو تماثلها وتشابهها أو تركها وأحل محلها الأحكام الوضعية والأنظمة البشرية وإن كان معتقد أن أحكام الله خير وأكمل وأعدل) ا. هـ.

ثانياً: من بدل شريعة الله ونحاها عن الحكم وحكم بغيرها فهو كافر مرتد عن دين الله.

قال الشيخ ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين (3/ 311): إن الذين يحكمون القوانين الآن ويتركون وراءهم كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ما هم بمؤمنين. ليسو بمؤمنين لقول الله - تعالى -: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم) ولقوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وهؤلاء المحكمون للقوانين لا يحكمونها في قضية معينة خالفوا فيها الكتاب والسنة لهوى أو ظلم ولكنهم أستبد لوا الدين بهذه القوانين جعلوا هذا القانون يحل محل شريعة الله وهذا كفر حتى لو صلوا وصاموا وتصدقوا وحجوا فهم كفار ماداموا عدلوا عن حكم الله ـ(وهم يعلمون حكم الله) ـ إلى هذه القوانين المخالفة له (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليماً) فلا تستغرب إذا قلنا أن من استبدل شريعة الله بغيرها من القوانين فٍانه يكفر ولو صام وصلى لأن الكفر ببعض الكتاب كفر بالكتاب كله فالشرع لا يتبعض إما أن تؤمن به جميعاً وإما أن تكفر به جميعا وإذا آمنت ببعض وكفرت ببعض فأنت كافر بالجميع لأن حالك تقول أنك لا تؤمن بما يخالف هواك وأما ما خالف هواك فلا تؤمن به هذا هوا الكفر فأنت بذلك اتبعت الهوى واتخذت هواك إلها من دون الله.

فالحاصل: أن المسألة خطيرة جداً من أخطر ما يكون بالنسبة لحكم المسلمين اليوم فأنهم قد وضعوا قوانين تخالف الشريعة ولكن وضعوها والعياذ بالله تبعاً لأعداء الله من الكفرة الذين سنوا هذا القوانين ومشى الناس عليها والعجب أنه لقصور علم هؤلاء وضعف دينهم أنهم يعلمون أن واضع القانون هو فلان من الكفار في عصر قد اختلفت العصور عنه من مئات السنين ثم هو في مكان يختلف عن مكان الأمة الإسلامية ثم هو في شعب يختلف عن الأمة الإسلامية ومع ذلك يفرضون هذه القوانين على الأمة الإسلامية ولا يرجعون إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فأين الإسلام؟ وأين الإيمان؟ وأين التصديق برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه رسول للناس كافة؟ وأين التصديق بعموم رسالته وأنها عامة في كل شي.

ثالثاً: من كان أصل التحاكم عنده إلى شريعة الله لكن لهوى في نفسه أو رشوة أو قرابة لكنه حكم في بعض المسائل بغير شريعة الله ولم يعمم هذا الحكم على عامة الناس ولم يجعله قانوناً سارياً فهذا يكون فاسقاً ظالماً وهو مقر بأنه مذنب وعاص وحكمه مخالف لشرع.

ولمزيد الإطلاع على أقوال أهل العلم القائلين بكفر من لم يحكم بما أنزل الله نسوق إليك أسماء أهل العلم وكتبهم ورقم الجزء والصفحة:

_________

1- الإمام ابن حزام الأندلسي (أحكام الأحكام (1/73)، (2/144ـ 145)، (5/173)، (6/31، 110)، (2/ 9)، (6/ 77 ـ 78، 109، 117).

2- شيخ الإسلام ابن تيمية: مجموع الفتاوى: (28 / 501 /502، 503، 509، 510ـ 511، 519، 524)، (35 / 365، 200) (11/ 262)، (8 / 106)، (3 / 267)، (35/ 373).

3- العلامة ابن القيم (أحكام أهل الذمة (1/ 259).

4- الحافظ ابن كثير في تفسير قوله - تعالى -: (أفحكم الجاهلية يبغون) وفي البداية والنهاية (13/ 119).

5- الإمام الشوكاني: في كتاب (الدواء العاجل في دفع العدو الصائل (ص 33- 35) ضمن الرسائل السلفية).

6- الشيخ عبد الطيف بن عبد الرحمن بن حسن: في (الدرر السنية في الأجوبة النجدية.

7- الشيخ حمد بن عتيق النجدي في رسالته: (بيان النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك) انظر (مجموعة التوحيد ص 412).

8- الشيخ عبد الله بن حميد (أهميه الجهاد لعلي بن نفيع العليا ن(ص619).

9- الشيخ محمد بن إبراهيم أل الشيخ (تحكيم القوانين).

10- الإمام الشنقيطي: في تفسيره لقول الله - تعالى -: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) الإسراء آية 9ـ وفي تفسير قوله - تعالى -: (ولا يشرك في حكمه أحدا) سورة الكهف آية 26 (أضواء البيان 3 / 439ـ 441)، (4/82-85) وفي تفسير قوله - تعالى -: (وما اختلفتم فيه من شي فحكمه إلى الله) أضواء البيان (7/ 162ـ 173) وفي تفسير قوله - تعالى -: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم) (أضواء البيان)(7/587ـ 590). وانظر (1/ 395ـ 396)، (7/ 614).

11ـ الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير قول الله - تعالى -: (فلا وربك لا يؤمنون) عمدة التفسير مختصر تفسير ابن كثير عند قوله - تعالى -: (أفحكم الجاهلية يبغون) (4/ 173ــ 174ـ) وفي تعليقه على تفسير قول الله تعالى(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفرو يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين) (3/ 51) وفي تعلــــيقه على تفسير: (يا أيها الذين اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا..)(2/ 197) وانظر (ج 1/ 175، 204، 227 ـ 228) و(ج 2/19)، (ج3/ 38، 102ـ 109، 125، 135) و(ج4/ 146ـ 147).

وفي تعليقه على المسند: (ج6/ 303، 305) وفي تعليقه على الرسالة للشــافعي(ص505).

12ـ الشيخ محمود شاكر: انظر عمده التفسير: (4/ 157).

13ـ الشيخ محمد حامد الفقي في تعليقه على فتح المجيد في بيان معنى الطاغــوت(ص 278، 406).

14ـ الأستاذ عبد القادر عودة انظر: (التشريع الجنائي(2/ 232).

15ـ سيد قطب: (الظلال ص 1216).

16ـ الشيخ حمود التويجري: (الإيضاح والتبيين(ص 28ـ 29).

17ـ د/ محمد نعيم يا سين: (كتاب الإيمان (ص 102ـ 104)

18ـ د/ سفر الحوالي (العلمانية ص 681ـ 693).

_______

وسئل الشيخ ابن عثيمين كما في كتابه [أسئلة في العقيدة (ص 208- 215)] عن حكم من حكم بغير ما أنزل الله فقال - رحمه الله تعالى -: إن الحكم بما أنزل الله - تعالى - من توحيد الربوبية لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته وكمال ملكه وتصرفه، لهذا سمى الله - تعالى -المتبوعين في غير ما أنزل الله - تعالى -أرباباً لمتبعيهم فقال - سبحانه - (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة: فسمى الله - تعالى - المتبوعين أرباباً حيث جُعلوا مشرّعين مع الله - تعالى -، وسمّى المتبعين عبادا حيث إنهم ذَلّوا لهم وأطاعوهم في مخالفة حكم الله - سبحانه وتعالى -.

وقد قال عَدِيُّ بن حاتم - رضي الله عنه - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنهم لم يَعْبُدُوهُمْ فقال النبي: (بَلَى إنَّهم حَرَّموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتَّبَعُوهم، فذلك عبادتهم إياهم). إذا فهمت ذلك فاعلم أن من لَم يحكم بما أنزل الله وأراد أن يكون التحاكم إلى غير الله ورسوله وردت فيه آيات بنفي الإيمان عنه وآيات بكفره وظلمه وفسقه.

أما القسم الأول: فمثل قوله - تعالى -: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (النساء: 61- 65).

فوصف الله - تعالى -هؤلاء المُدَّعين للإيمان وهم منافقون بصفات:

الأولى: أنهم يريدون أن يكون التحاكم إلى الطاغوت وهو كل ما خالف حكمَ اللهِ - تعالى -ورسوله، لأن ما خالف حكم الله ورسوله فهو طغيان واعتداء على حُكْم من له الحكم وإليه يرجع الأمر كله، وهو الله، قال الله - تعالى - أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(لأعراف: من الآية54).

الثانية: أنهم إذا دُعُوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول صَدُّوا وأعرضوا.

الثالثة: أنهم إذا أُصيبوا بمصيبة بما قدمت أيديهم، ومنها أن يعثر على صنيعهم جاءوا يحلفون أنهم ما أرادوا إلا الإحسان والتوفيق كحال من يرفض اليوم أحكام الإسلام ويحكم بالقوانين المخالفة لها زعماً منه أن ذلك هو الإحسان الموافق لأحوال العصر. ثم حَذَّر - سبحانه - هؤلاء المدَّعين للإيمان المتصفين بتلك الصفات بأنه - سبحانه - يعلم ما في قلوبهم وما يكنونه من أمور تخالف ما يقولون، وأمر نبيه أن يعظهم ويقول لهم في أنفسهم قولاً بليغا. ثم بين أن الحكمة من إرسال الرسول أن يكون هو المطاع المتبوع لا غيره من الناس مهما قويت أفكارهم واتسعت مداركهم.

ثم أقسم - تعالى -بربوبيته لرسوله التي هي أخص أنواع الربوبية والتي تتضمن الإشارة إلى صحة رسالته أقسم بها قسماً مؤكداً أنه لا يصلح الإيمان إلا بثلاثة أمور:

الأول: أن يكون التحاكم في كل نزاع إلى رسول الله.

الثاني: أن تنشرح الصدور بحكمه ولا يكون في النفوس حرج وضيق منه.

الثالث: أن يحصل التسليم التام بقبول ما حكم به وتنفيذه بدون توان أو انحراف.

وأما القسم الثاني: فمثل قوله - تعالى -: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة: من الآية44).

وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (المائدة: من الآية45). وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (المائدة: من الآية47). وهل هذه الأوصاف الثلاثة تتنزل على موصوف واحد؟ بمعنى أن كل من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق لأن الله - تعالى -وصف الكافرين بالظلم والفسق فقال - تعالى -: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (البقرة: من الآية254). وقال - تعالى – إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (التوبة: من الآية84). فكل كافر ظالم فاسق، أو هذه الأوصاف تتنزل على موصوفين بحسب الحامل لهم على عدم الحكم بما أنزل الله؟ هذا هو الأقرب عندي والله أعلم.

فنقول: من لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً به أو احتقاراً له أو اعتقاداً أن غيره أصلح منه وأنفع للخَلق فهو كافر كُفْراً مخرجاً عن الملة، ومِنْ هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهاجاً يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة الإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجِبِلَّة الفِطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يُخالفه إلا وهو يعتقد فَضْلَ ما عَدَلَ إليه ونَقْصَ ما عَدَلَ عنه.

ومن لم يحكم بما أنزل الله وهو لم يستخف به ولم يحتقره ولم يعتقد أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق وإنما حكم بغيره تسلطاً على المحكوم انتقاماً منه لنفسه أو نحو ذلك، فهذا ظالم وليس بكافر، وتختلف مراتب ظلمه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم. ومن لم يحكم بما أنزل الله لا استخفافاً بحكم الله ولا احتقاراً ولا اعتقاداً أن غيره أصلح وأنفع للخلق وإنما حكم بغيره محاباة للمحكوم له أو مراعاة لرشوة أو غيرها من عَرَض الدنيا فهذا فاسق وليس بكافر وتختلف مراتب فسقه بحسب المحكوم به ووسائل الحكم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - فيمن اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله أنهم على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدّلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، ويعتقدون تحليل ما حرّم وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع عِلمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شِرْكا.

الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحرام وتحريم الحلال كذا العبارة المنقولة عنه ثابتاً لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.

وسئل أيضاً: هل هناك فَرق بين المسألة المعينة التي يحكم فيها القاضي بغير ما أنزل الله وبين المسائل التي تُعتبر تشريعاً عاما؟

فأجاب - رحمه الله تعالى -: نعم هناك فرق فإن المسائل التي تعتبر تشريعاً عاماً لا يتأتى فيها التقسيم السابق وإنما هي من القسم الأول فقط، لأن هذا المشرع تشريعاً يخالف الإسلام إنما شرعه لاعتقاده أنه أصلح من الإسلام وأنفع للعباد كما سبقت الإشارة إليه.

والحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: أن يستبدل هذا الحكم بحكم الله - تعالى -بحيث يكون عالماً بحكم الله ولكنه يرى أن الحكم المخالف له أولى وأنفع للعباد من حكم الله، أو أنه مساو لحكم الله، أو أن العدول عن حكم الله إليه جائز، فيجعله القانون الذي يجب التحاكم إليه، فمثل هذا كافر كفراً مخرجاً عن الملة، لأن فاعله لم يرض بالله رباً ولا بمحمد رسولاً ولا بالإسلام ديناً وعليه ينطبق قوله - تعالى -: أفحكم الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة: 50) وقوله - تعالى -: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة: من الآية44).

وقوله - تعالى -: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (محمد: 26- 28). ولا ينفعه صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج، لأنه الكافر ببعض كافر به كله قال الله - تعالى -: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة: من الآية85)، وقال - سبحانه -: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (النساء: 150- 151).

الثاني: أن يستبدل بحكم الله - تعالى -حكماً مخالفاً له في قضية معينة دون أن يجعل ذلك قانوناً يجب التحاكم إليه فله ثلاث حالات:

الأولى: أن يفعل ذلك عالماً بحكم الله - تعالى -معتقداً أن ما خالفه أولى منه وأنفع للعباد، أو أنه مساوٍ له، أو أن العدول عن حكم الله إليه جائز فهذا كافر كفراً مخرجاً عن الملة لما سبق في القسم الأول.

الثانية: أن يفعل ذلك عالماً بحكم الله معتقداً أنه أولى وأنفع لكن خالفه بقصد الإضرار بالمحكوم عليه أو نفع المحكوم له، فهذا ظالم وليس بكافر، وعليه يتنزل قول الله - تعالى -: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (المائدة: من الآية45).

الثالثة: أن يكون كذلك لكن خالفه لهوى في نفسه، أو مصلحة تعود إليه فهذا فاسق وليس بكافر وعليه يتنزل قول الله - تعالى -: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (المائدة: من الآية47).

وهذه المسألة أعني مسألة الحكم بغير ما أنزل الله من المسائل الكبرى التي أبتلي بها حُكَّام هذا الزمان، فعلى المرء أن لا يتسرع في الحكم عليهم بما لا يستحقونه حتى يتبين له الحق لأن المسألة خطيرة. نسأل الله - تعالى -أن يُصلح للمسلمين ولاة أمورهم وبطانتهم. كما أن على المرء الذي آتاه الله العلم أن يبينه لهؤلاء الحكام لتقوم الحجة عليهم وتبين المحجة: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، ولا يحقرن نفسه عن بيانه، ولا يهابنَ أحداً فيه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. والله ولي التوفيق.

الخلاصــــة:

والذي يخرج به القاري مما سبق ذكره حول هذه القضية أن كفر من لم يحكم بما أنزل الله وحكم القوانين الوضعية هو محل اتفاق بين جمهور أهل العلم وهو الراجح إن شاء الله - وقد تعاضدت النصوص وأقوال أهل العلم وفهمهم لتلك النصوص على ما ذكرنا ولم يخالف في هذه المسألة إلا القليل من أهل العلم الذين صححوا أثر ابن عباس ورأوا أنه حجة لمذهبهم وقد سبق أن بينا ضعفه وكذلك أخطئوا في تحقيق مناط الحكم في نظرنا فهم يرون أن مناط الحكم هو الاستحلال واشترطوا له نطق الحاكم أو ما يقوم مقام النطق ونحن نوافقهم في قضية الاستحلال ونخالفهم في اشتراط النطق ونرى أن مجرد التقنين وإلزام الناس بالتحاكم لتلك القوانين دليل على الاستحلال ونرى والله أعلم أن الخلاف في هذه المسألة ضعيف مع احترامنا وإجلالنا للمخالف ولا نبدعه ولا نضلله ولا نحتقره بل نرى أنه مجتهد مأجور وهكذا القول فيمن قلده وأخذ بمذهبه والله - تعالى -أعلى واعلم.

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.