Share |
أندلسية
الكـاتب : أحمد شوقي
تم قراءة المقال : 305

يــا نـائح (الطلْحِ)، أَشـباهٌ عَوَادِينـا *** نَشْـجى لِـوَادِيكَ، أَم نَأْسَـى لوادينـا?

 مــاذا تقُـصُّ علينـا غـيرَ أَنّ يـدًا *** قصَّـتْ جنـاحك جـالت في حواشينا?

 رمـى بنـا البيـنُ أَيْكًـا غـيرَ سامِرنا *** - أَخـا الغـريب - وظِـلاًّ غيرَ نادينا

 كـلٌّ رَمَتْـه النَّـوى: رِيشَ الفِـراق لنا *** سَـهْمًا، وسُـلّ عليـكَ البيـنُ سِـكِّينا

 إِذا دعـا الشـوقُ لـم نَـبرحْ بمُنْصَدِع **مــن الجنــاحين عــيٍّ لا يُلَبِّينــا

 فـإِن يَـكُ الجـنسُ يا ابنَ الطَّلْحِ فرّقنا *** إِنّ المصــائبَ يجــمعْنَ المُصابينـا

 لــم تـأْلُ مـاءك تَحْنانًـا، ولا ظمـأً **ولا ادِّكـــارًا، ولا شــجْوا أَفانينــا

 تَجُــرُّ مـن فنَـنٍ سـاقًا إِلـى فَنَـنٍ **وتســحبُ الــذيلَ ترتـادُ المؤاسـينا

 أُسـاةُ جسـمِكَ شـتَّى حـين تطلبهـم **فمَــنْ لروحـك بـالنُّطْس المُدَاوينـا?

 آهــا لنــا نـازِحَيْ أَيْـكٍ بـأَندَلُسٍ *** وإِن حَلَلْنَــا رفيفًــا مـن رَوَابينـا!

 رسْـمٌ وقفنـا عـلى رَسْـمِ الوفـاء له *** نَجــيش بـالدَّمع، والإِجـلالُ يَثنينـا

 لِفِتْيَــةٍ لا تنــال الأرضُ أَدمُعَهــم **ولا مَفـــــارقَهم إِلاَّ مُصَلِّينــــا

 لـو لـم يسـودوا بـدينٍ فيـه مَنْبَهـةٌ **للنــاسِ; كـانت لهـم أَخـلاقُهم دينـا

 لـم نَسْـرِ مـن حـرَمٍ إِلاَّ إِلـى حَـرَم **كـالخمر مـن (بابلٍ) سـارت (لدارينا)

 لمـا نَبـا الخـلدُ نـابت عنـه نُسْـختهُ **تَمــاثُلَ الــورْدِ (خِيريًّا) و(نسْـرينا)

 نسْــقِي ثـراهُمْ ثَنَـاءً، كلَّمـا نُـثِرتْ **دُموعُنــا نُظِمــتْ منهــا مراثينـا

 كــادت عيــونُ قوافينــا تُحَرّكُـه *** وكِـدْنَ يـوقِظْنَ فـي التُّرْبِ السلاطينا

 لكـنّ مصـرَ وإِن أَغضـتْ عـلى مِقَةٍ *** عَيْـنٌ مـن الخُـلْدِ بالكـافور تَسـقينا

 عــلى جوانبِهــا رَفَّــتْ تَمَائِمُنَـا *** وحــولَ حافاتِهــا قـامتْ رَواقينـا

 ملاعِــبٌ مَرِحَــتْ فيهــا مَآرِبُنـا *** وأَربُــعٌ أَنِسَــتْ فيهــا أَمانينــا

 ومَطْلَــعٌ لِسُــعودٍ مــن أَوَاخِرنـا **ومَغْــرِبٌ لجُــدُودٍ مــن أَوَالينــا

 بِنَّـا، فلـم نَخْـلُ مـن رَوْحٍ يُراوِحُنـا *** مـن بَـرِّ مصـرَ، وَرَيْحَـانٍ يُغادِينـا

 كـأُمِّ موسَـى، عـلى اسـمِ اللـه تكْفُلُنا **وباســمهِ ذهبــتْ فـي اليَـمِّ تُلقِينـا

 ومصـرُ كـالكَرْمِ ذي الإِحسـان: فاكهةٌ **لحـــاضِرينَ، وأَكــوابٌ لبَادينــا

 يـا سـاريَ الـبرقِ يَرمِي عن جوانِحنا *** بعـدَ الهـدوءِ، ويهمِـي عـن مآقينـا

 لمـا تَرقـرق فـي دمـع السـماءِ دمًا **هـاج البكـا، فخَضبْنَـا الأَرضَ باكينـا

 الليــلُ يشــهد لـم نهتِـك دَيَاجِيَـهُ **عــلى نيــامٍ، ولـم نهتِـف بسـالينا

 والنَّجــمُ لــم يَرَنـا إِلاّ عـلى قـدمٍ ** قيــامَ ليـل الهـوى، للعهـد راعِينـا

 كزفْــرَةٍ فـي سـماءِ الليـل حـائرةٍ *** ممَّــا نُــرَدِّدُ فيـه حـين يُضْوِينـا

 باللـهِ إِن جُـبتَ ظلمـاءَ العُبـابِ على **نجــائبِ النُّــورِ مَحْــدُوًّا (بجرينا)

 تَــرُدُّ عنــك يــداه كـلَّ عاديـةٍ *** إِنْسًــا يَعِثْــنَ فسـادًا، أَو شـياطينا

 حـتى حَـوَتْكَ سـماءُ النيـلِ عاليـة *** عــلى الغيـوث، وإِن كـانت مَيامينـا

 وأَحـرزتكَ شُـفوفُ الَّـلازوَرْدِ عـلى **وَشْـيِ الزَّبَرْجَـدِ مـن أَفْـوَافِ وادينـا

 وحــازكَ الـريفُ أَرجـاءً مُؤَرَّجَـةً **رَبَــتْ خمــائلَ، واهـتزَّت بسـاتينا

 فقِـف إِلـى النيـل، واهتف في خمائِله **وانـزل كمـا نـزل الطـلُّ الرَّياحينـا

 وآسٍ مـا بَـاتَ يَـذْوِي مـن منازلنـا **بالحادثــات، وَيضـوَى مـن مغانينـا

 ويـا مُعطِّـرَةَ الـوادي سـرَتْ سَـحَرًا **فطــابَ كـلُّ طـرُوحٍ مـن مرامينـا

 ذَكِيَّــة الــذَّيل، لـو خِلْنَـا غِلالتهـا **قميـصَ يوسـفَ لـم نُحسَـبْ مُغالينـا

 جَشـمتِ شَـوْكَ السُّـرَى حتى *** أَتيْتِ لنا بــالوَرْدِ كُتْبًــا، وبالرَّيَّـا عناوينـا

 فلــو جزينــاكِ بــالأَرواح غاليـةً **عـن طيـب مَسْراك لم تنهضْ جَوازينا

 هــل مـن ذيـولكِ مسْـكِيٌّ نُحَمِّلُـه *** غـرائبَ الشـوق وَشْـيًا مـن أَمالينا?

 إِلــى الــذين وجدنــا وُدَّ غـيرِهمُ **دُنْيَـا، وودَّهمـو الصـافي هـو الدينـا

 يـا مـن نَغـارُ عليهـم مـن ضمائرِنا ** ومـن مَصـون هـواهم فـي تناجِينـا

 نـاب الحَـنِينُ إِليكـم فـي خوَاطِرنـا **عــن الــدّلال عليكـم فـي أَمانينـا

 جئنـا إِلـى الصـبر ندعـوه كعادتنـا *** فــي النائبـاتِ، فلـم يـأْخذ بأَيدِينـا

 ومــا غُلِبْنـا عـلى دمـعٍ، ولا جَـلَدٍ *** حـتى أَتتنـا نَـواكُمْ مـن صَياصِينـا

 ونــابِغيٍّ كــأَنّ الحشــرَ آخــرُه **تُميتُنــا فيــه ذكــراكم وتُحيِينــا

 نَطـوي دُجَـاه بجُـرحٍ مـن فراقِكمـو **يكــاد فـي غلَس الأَسـحار يَطوِينـا

 إِذا رَسـا النجـمُ لـم ترْقـأْ مَحاجِرُنـا **حــتى يـزولَ، ولـم تهـدأْ تراقِينـا

بتنـا نقاسِـي الـدواهي مـن كواكِبـه *** حــتى قعدنـا بهـا حَسْـرَى تُقاسِـينا

 يبــدو النهــارُ فيخفيــه تجلُّدُنــا *** للشـــامتين، ويَأْسُـــوه تأَسِّــينا

 سَــقْيًا لعهـدٍ كأَكنـافِ الـرُّبَى رِفـةً **أَنَّـى ذهبنـا، وأَعطـافِ الصَّبـا لِينـا

 إِذِ الزمــانُ بنــا غَيْنــاءُ زاهِيـةٌ *** تَــرِفُّ أَوقاتُنــا فيهــا رَيَاحينــا

 الــوصلُ صافِيَــةٌ، والعيشُ ناغِيَـةٌ ** والســعدُ حاشـيةٌ، والدهـرُ ماشـينا

 والشـمسُ تَختـال فـي العِقْيان، تَحْسبها ** (بِلقيسَ) تَـرْفُلُ فـي وَشْـيِ اليمانِينـا

 والنيــلُ يُقبِــل كالدنيـا إِذا احـتفلتْ ** لــو كـان فيهـا وفـاءٌ للمُصافِينـا

 والسـعدِ لـوْ دامَ، والنعمَـى لوِ اطَّردتْ **والسـيلِ لَـو عَـفَّ، والمقـدارِ لَوْ دِينا

 أَلقـى على الأَرض - حتى ردَّها ذَهبًا ** مـاءً لمَسـنا بـه الإِكْسِـيرَ، أَو طِينـا

 أَعـداه مـن يُمْنِه (التابوتُ)، وارتسَمَتْ **عــلى جوانبـه الأَنـوارُ مـن سِـينا

 لـه مَبـالغُ مـا فـي الخُـلْقِ من كرَمٍ **عهــدُ الكــرامِ، وميثــاقُ الوفيِّينـا

 لـم يَجـرِ للدهـرِ إِعـذارٌ ولا عُـرُسٌ **إِلاَّ بأَيّامِنـــا، أَو فـــي ليالينـــا

 ولا حـوى السـعدُ أَطْغَـى فـي أَعِنَّتِه *** منّــا جِيَــادًا، ولا أَرْحَـى ميادِينـا

 نحـن اليـواقيتُ، خـاض النارَ جَوهَرُنا *** ولــم يهُــنْ بيَـدِ التَّشْـتيتِ غالِينـا

 ولا يَحُــول لنــا صِبْـغٌ، ولا خُـلُقٌ **إِذا تلـــوّن كالحِرْبـــاءِ شــانِينا

 لـم تـنزل الشمسُ ميزانًا، ولا صعدَتْ **فـي مُلْكِهـا الضخْـمِ عرشًا مثلَ وادينا

 أَلــم تُؤَلَّــهْ عـلى حافاتِـه، ورأَتْ *** عليــه أَبناءَهــا الغُـرَّ الميامينـا?

 إِن غـازلتْ شـاطئيه في الضحى لبِسا **خمــائلَ السُّــنْدُسِ المَوشِـيَّةِ الغِينـا

 وبـات كـلُّ مُجـاج الـوادِ مـن شجَرٍ ** لــوافِظَ القــزِّ بالخيطــان ترمِينـا

 وهـذه الأَرضُ مـن سَـهْلٍ ومـن جبلٍ ** قبــل القيــاصر دِنَّاهــا فراعينـا

 ولـم يَضَـعْ حجَـرًا بـانٍ عـلى حجرٍ **فــي الأرضِ إِلاَّ عـلى آثـار بانِينـا

 كـأَن أَهـرامَ مصـرٍ حـائطٌ نهضـت **بــه يَــدُ الدهـرِ، لا بنيـانُ فانِينـا

 إِيوانُــه الفخـمُ مـن عُليـا مقـاصِرِه **يُفْنِــي الملـوك، ولا يُبقـي الأَواوينـا

 كأَنهــا ورمــالا حولهـا التَطمـتْ *** ســـفينةٌ غَـــرِقتْ إِلاَّ أَســاطينا

 كأَنهــا تحـت لأَلاءِ الضُّحَـى ذَهبًـا *** كنــوزُ فِرْعـوْن غَطَّيْـنَ الموازينـا

 أَرضُ الأُبُـــوةِ والميــلادِ طيَّبهــا *** مَـرُّ الصِّبـا فـي ذيـول من تصابِينا

 كــانت مُحَجَّلــةً فيهــا مواقِفُنــا **غُــرًّا مُسَلْسَــلَةَ المَجْـرى قوافينـا

 فــآبَ مِــنْ كُــرَةِ الأَيـامِ لاعِبُنـا **وثــابَ مِـنْ سِـنَةِ الأَحـلامِ لاهِينـا

 ولــم نَـدَعْ لليـالي صافيًـا، فـدَعتْ **بــأَن نَغـصَّ، فقـال الدهـرُ: آمينـا

 لـو اسـتطعنا لخُضْنَـا الجـوَّ صاعِقةً **والـبرَّ نـارَ وَغًـى، والبحـرَ غِسْـلينا

 سَـعْيًا إِلـى مصـرَ نقضِي حقَّ ذاكرنا ** فيهــا إِذا نَسِــيَ الـوافي، وباكِينـا

 كَــنْزٌ (بحُلوان) عنــدَ اللـهِ نطلبُـهُ **خــيرَ الـودائِع مـن خـير المؤدِّينـا

 لـو غـاب كـلُّ عزيـزٍ عنـه غَيْبَتَنا *** لــم يَأْتِـه الشـوقُ إِلاَّ مـن نواحينـا

 إِذا حمَلْنــا لمصــرٍ أَو لـه شَـجَنا *** لـم نـدْرِ: أَيُّ هـوى الأُمَّيْن شاجِينا?

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.