Share |
من حقوق القرابة الوقف ، والإنفاق عليهم ، والوصية لهم
تم قراءة المقال : 1068

بدراسة ما شرع الله - تعالى - لعبادة من الأمور الدينية والدنيوية زيادة يقين بعظمة هذا الدين، فيقف العبد قائلاً بتذلل وخضوع من أعماق قلبه: الحمد لله رب العالمين، الرحمن بخلقه أجمعين، الرحيم بعباده المؤمنين، ما شرع أمراً إلا لحكمة فصار بعد شرعه رحمة ونعمة تحتاج إلى شكر وتذكير، وغوصٍ في أسرار التشريع للبحث عن حِكَم تتجدد بتجدد الوقت وتطور الحياة. ومن ذلك الوقف فإنه رافد اقتصادي خيري دائم يدوم النفع به ما دام الوقف مستمراً مع الاهتمام به. وقد زاد من اهتمام المسلمين بالوقف أثره الدائم، وأجره المتواصل، فقد قال زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: "لم نر خيراً للميت ولا للحي من هذه الحُبُس الموقوفة أما الميت فيجري أجرها عليه وأما الحي فتحتبس عليه ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها"(1).

ولذا أوقف الصحابة - رضي الله عنهم - امتثالاً لأمر الله - تعالى - العام بالصدقة، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحثه على الوقف كما سيأتي. قال جابر - رضي الله عنه -: "لم يكن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذو مقدرة إلا وقف"(2).

وانتشرت الأوقاف بين المسلمين سواء في ذلك الغني منهم ومتوسط الدخل كل بحسبه؛ فمنهم من أوقف عقاراً، ومنهم من أوقف مصحفاً أو كتاباً، بل منهم من أوقف قدراً للطبخ وصدق الله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (7) الزلزلة: 7.

ومما يسترعي الانتباه أن الشريعة الإسلامية حثت على نوع هو من أفضل الأوقاف، وكان كثير من المسلمين مهتمين به إلى فترة قريبة ألا وهو الوقف على الأقربين. ولكننا نجده قلَّ في هذه الأزمنة، وهذا يدل على حاجة الناس إلى تذكيرهم بأهمية الوقف على الأقربين وفوائده العاجلة والآجلة، وفي كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وعمل الصحابة - رضي الله عنهم - خير دافع إلى عودة هذا الوقف المهجور إلا من قلة من أصحاب الأموال الذين فقههم الله - تعالى - وهداهم إلى ذلك الوقف الذي جاءت النصوص بالأمر به، والحث عليه.

 

فمما ورد في فضل الإحسان إلى الأقارب، والوصية لهم، والنفقة على المحتاج منهم ما يلي:

1 قوله - تعالى -: يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم 215 البقرة: 215، فقدم الله - تعالى - الوالدين والأقربين.

 

2 وقال - تعالى -: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين 180 البقرة: 180.

3 وذكر - تعالى - أنه من أسباب اقتحام العقبة وهي مشقة الآخرة فقال - سبحانه -: أو إطعام في يوم ذي مسغبة 14 يتيما ذا مقربة 15 البلد: 14، 15. فاجتمع في الإطعام ثلاثة أمور هي: أن الإطعام في يوم شديد الجوع، وأنه ليتيم فقد الأب المنفق المشفق، وأنه لقريب في النسب.

4 بل إن الله - تعالى - أمر من يتولى قسمة المواريث أن يعطى من حضر من الأقارب غير الوارثين، أن يعطوا شيئاً من الميراث جبراً لخواطرهم فقال - تعالى -: وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا 8 النساء: 8.

قال البغوي - رحمه الله -: اختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم: هي منسوخة، وقال سعيد بن المسيب والضحاك: كانت هذه قبل آية الميراث فلما نزلت آية الميراث جعلت المواريث لأهلها، ونسخت هذه الآية. وقال الآخرون: هي محكمة وهو قول ابن عباس والشعبي والنخعي والزهري، وقال مجاهد: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم، ثم قال البغوي: وقال بعضهم وهو أولى الأقوال: إن هذا على الندب والاستحباب، لا على الحتم والإيجاب(3).

5 كما أوصى - تعالى - بالإحسان إلى القرابة فقال - تعالى - في محكم التنزيل: وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى 83 البقرة: 83 وفي آية أخرى: وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى 36 النساء: 36.

6 كما أن الله - تعالى - أمر بإيتاء ذي القربى حقهم فقال - تعالى -: فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله 38 الروم: 38.

وفي آية أخرى: وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا 26 الإسراء: 26.

7 وقد أمر الله - تعالى - بالإحسان إلى الأقارب وذوي الأرحام فقال - تعالى -: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى 90 النحل: 90، وقال - تعالى -: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله 75 الأنفال: 75، ولذا فإن إيتاء ذي القربى من أعظم البر كما قال - تعالى -: ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين177 البقرة: 177، بل إن أبا بكر - رضي الله عنه - لما بلغه أن مسطح بن أثاثة - رضي الله عنه - وقع في الإفك من اتهام عائشة - رضي الله عنها - حلف ألا ينفق عليه، وكان قريباً لأبي بكر فنزل قوله - تعالى -: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم 22 النور: 22، فبين - تعالى - في هذه الآية أن النفقة والإحسان إلى الأقارب سبب للمغفرة.

8 كما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يوصي أصحابه ببر الأقارب؛ ففي حديث بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده أن أحد الصحابة سأله فقال: "يا رسول الله: من أبرّ؟ قال: أمك ثم أمك ثم أمك ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب "(4).

9 وفي حديث أبي رمثة - رضي الله عنه - قال: انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمعته يقول: "بر أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك"(5). وهذا تعليم منه - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه فقه الأولويات، فمن غير المقبول شرعاً ولا عقلاً أن يعمد غني إلى بناء مساجد، وإلى أعمال بر مختلفة يريد بها الأجر من الله - تعالى - وفي أقاربه من هو محتاج. وقد حدث في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصة عجيبة تؤكد أهمية هذا الأمر، فقد روى مسلم وغيره عن جابر - رضي الله عنه - قال: "أعتق رجل من بني عذرة عبداً له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ألك مال غيره؟ فقال له: لا، فقال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله العدوي بثمان مائة درهم، فجاء بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدفعها إليه ثم قال: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا. يقول: فبين يديك، وعن يمينك وعن شمالك"(6).

ولا يمنع كون القريب المحتاج قاطعاً معادياً أن يحسن إليه؛ بل إن الإحسان إليه من أفضل الصدقات؛ لأنها تصفي القلوب، فعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الصدقات أيها أفضل؟ قال: على ذي الرحم الكاشح"(7) والكاشح: الذي يضمر عداوته في كشحه وهو خصره، وتقدم قوله - تعالى -: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى 22 النور: 22 فامتثل أبو بكر لهذه الآية فأحسن إلى مسطح - رضي الله عنهما - مع أنه اتهم ابنته عائشة - رضي الله عنها - كما تقدم.

وأما سبب الفضل العظيم للإحسان إلى القريب المحتاج فقد أخبر عنه - صلى الله عليه وسلم - في حديث سلمان بن عامر - رضي الله عنه - مرفوعاً: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذوي الرحم ثنتان، صدقة وصلة"(8)، وهذا ما حدا طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - على توزيع مال عظيم على أقاربه. فقد دخلت زوجته سعدى عليه فرأت منه ثقلاً قالت له: "مالك لعله رابك منا شيء فنعتبك قال: لا، ولنعم حليلة المرء المسلم أنت، ولكن اجتمع عندي مال ولا أدري كيف أصنع به؟ قالت: وما يغمك منه؟ ادع قومك فاقسمه بينهم. فقال: يا غلام، علي قومي. فسألت الخازن كم قسم؟ قال: أربع مائة ألف"(9).

أهداف الوقف على ذوي القربى:

للوقف أهداف عظيمة، ومقاصد حكيمة، وحيث إن من أفضل الأوقاف ما كان مصرفه إلى الأقارب؛ فسيكون الحديث منصباً على أهداف الوقف على الأقارب وحكمه ومقاصده. فمنها:

أولاً: أن في الوقف على ذوي القربى زيادة تكافل الأسرة، ووضع توازن للفرق بين الغني والفقير من الأقارب؛ كما قال - تعالى - عن المال كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب 7 الحشر: 7 أي: حتى لا يستأثر الأغنياء بتداول المال بينهم.

ثانياً: أن ثواب الوقف مستمر ما دام الوقف قائماً. فقد روى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"(10) فالوقف صدقة جارية بالأجر والمثوبة.

ثالثاً: أن نفعه متجدد للموقوف عليه من الأقارب وغيرهم أزمنة متطاولة، قال الدهلوي - رحمه الله -: "شُرِع الوقف لمصالح لا توجد في سائر الصدقات؛ فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالاً كثيراً ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبساً للفقراء وابن السبيل يصرف عليهم منافعه ويبقى أصله"(11).

رابعاً: أنه يحقق أهدافاً سامية نافعة للمجتمع من تكوّن أسر مسلمة من أثر هذا الوقف؛ أو تعليم طلاب علم وتفريغهم على حساب هذا الوقف، مما يؤدي إلى نفع المسلمين.

خامساً: أن فيه امتثالاً للنصوص الشرعية الآمرة بالصدقة والإحسان إلى الأقارب، وما أعجب قصة أبي طلحة - رضي الله عنه - عندما سمع قوله - تعالى -: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون 92 آل عمران: 92 فقد روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بَيْرُحاء، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون 92 آل عمران: 92 قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: إن الله - تبارك وتعالى - يقول: لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون 92 آل عمران: 92 وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله؛ فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بخ بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه"(12).

سادساً: تأمين مستقبل أقارب المُوقِف بإيجاد دخل ثابت لهم، وفيه صون البيوتات العريقة من الاندثار، وحفظ أفراد الأسرة الكريمة من الضياع والفاقة.

نماذج من أوقاف الصحابة على أقاربهم:

كان الصحابة - رضي الله عنهم - إذا سمعوا الوحي من كتاب الله - تعالى -، أو سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنهم يسارعون لتنفيذه، ومن ذلك الوقف على الأقارب، فقد وقف عمر - رضي الله عنه - نخلاً له يقال له ثمغ على الفقراء والأقارب والضيف وابن السبيل(13).

كما أن الزبير - رضي الله عنه - جعل دوره صدقة، وفي نص الوقف يقول: "وللمردودة من بناتي أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فلا شيء لها"(14) بل إن جابراً - رضي الله عنه - يقول: "لم يكن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ذو مقدرة إلا وقف"(15).

وقال محمد بن سعد بن زرارة: "ما أعلم أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل بدر من المهاجرين والأنصار إلا وقد وقف من ماله حبساً لا يشترى ولا يورث ولا يوهب حتى يرث الله الأرض ومن عليها"(16) وقد تقرر فضل الصدقة على الأقارب، فلا شك أنهم أوقفوا على أقاربهم فهم أولى من غيرهم.

ووقف أبو طلحة - رضي الله عنه - حائطه بيرحاء على أقاربه بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم، وروى ابن سعد في طبقاته أن ابن عمر - رضي الله عنهما - جعل نصيبه من دار عمر لسكنى ذوي الحاجات من آل عبد الله بن عمر..وتصدق بداره محبوسة لا تباع ولا توهب(17).

وحبس أبو بكر داراً له بمكة على بنيه، وحبس عمر داراً بالمدينة، وكذلك حبس سعد بن أبي وقاص داراً بالمدينة وبمصر على ولده(18) - رضي الله عنهم - أجمعين.

الوقف على ذوي القربى الأغنياء:

في وقف عمر - رضي الله عنه - نجد أنه جعله "في الفقراء وذوي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله والضيف وابن السبيل" (19) قال الشيخ محمد أبو زهرة: "وذو القربى المراد بهم قرابته سواء أكانوا فقراء أم أغنياء، وسواء أكانوا وارثين أم غير وارثين فاللفظ على عمومه.. "(20) ومثله وقف الزبير - رضي الله عنه - لدوره على بنيه لا تباع ولا تهب ولا تورث، وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها.. "، وهو على إطلاقه سواء الغني من أبنائه أو غير الغني.

فإذا أطلق الواقف بأن الوقف على الأقارب فإنه يدخل فيه الغني والفقير، وله أجر على ذلك لعمومات الأوامر بالإحسان إلى الأقارب، لكن الأولى أن ينص الموقف على أن يعطى المحتاج فقط من الأقارب، حتى يكون له أجر الصدقة وأجر الإحسان إلى القريب، كما في حديث: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة"(21).

الوصية للأقربين غير الوارثين:

شرع الله الوصية للأقربين غير الوارثين في قوله - تعالى -: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين 180 البقرة: 180، وقد اتفق العلماء على تحريم الوصية للأقارب الذين يرثون؛ لحديث أبي أمامة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله قد أعطى لكل ذي حقٍ حقه فلا وصية للوارث"(22) وأما الأقارب الذين لا يرثون كالإخوة عند وجود الأبناء مثلاً، فاختلف العلماء فمنهم من يرى أن يوصَى لهم بشيء إن ترك الميت خيراً وهو المال الكثير، ومنهم من يرى أن الآية منسوخة، وعلى كل حال فالأقارب أولى من غيرهم إذا أراد الغني أن يوصي، وعلى هذا فتاوى السلف والعلماء المحققين.

فمن ذلك ما ورد عن مسروق بسندٍ صحيح أنه حضر رجلاً فأوصى بأشياء لا تنبغي، فقال له مسروق: "إن الله قد قسم بينكم فأحسن القسم، وإنه من يرغب برأيه عن رأي الله يضله، أوصِ لذي قرابتك ممن لا يرثك، ثم دع المال على ما قسمه الله"، يعني من قسمة الميراث(26).

وروى الطبري بإسناد صحيح عن ابن سيرين قال: قال عبد الله بن معمر في الوصية: "من سمّى جعلناها حيث سمّى، ومن قال حيث أمر الله جعلناها في قرابته"(24).

وأخرج الطبري بإسناد صحيح عن عمر ابن حدير قال: قلت لأبي مجلز: الوصية على كل مسلم واجبة؟ قال: على من ترك خيراً وفي رواية: هي حق على من ترك خيراً(25). والقول ببقاء الآية محكمة رجحه شيخ الإسلام خلافاً للجماهير.

وأما من كان له قرابة محتاجون وأوصى لغيرهم فقد ورد فيه عدة آثار عن السلف، فقد أفتى جابر بن زيد أنه يُرَدُّ ثلثا الثلث عليهم وثلث الثلث لمن أوصى له به(26).

وجاء أيضاً بإسناد صحيح عن الحسن أنه كان يقول: "إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثلث الثلث، وثلثا الثلث لقرابته"(27).

بل ذهب طاووس إلى أكثر من ذلك فقال: "من أوصى لقوم وسماهم وترك ذوي قرابته محتاجين انتزعت منهم وردت إلى ذوي قرابته"(28)، وعن الزهري قال: "إذا أوصى لمساكين، بدئ بمساكين ذوي قرابته"(29).

وما تقدم من الآثار يدل على أن الأقارب غير الوارثين أولى من غيرهم في الوصية خصوصاً إذا كانوا محتاجين.

حكمة مشروعية الوصية للأقارب:

الوصية كسائر التبرعات شرعت ليحصّل المتبرع حسن الذكر في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة(30) وأما الوصية للأقارب فلها حِكَم خاصة منها:

1 أنه يمكن للموصي تدارك ما فاته، وتحصيل ما قد عساه قصر فيه من مساعدة أقاربه غير الوارثين.

2 أنه يقطع مداخل الشيطان للتفريق بين الأقارب بالحسد والشحناء.

3 أنه يزيد ترابط الأسرة و تلاحم الأقارب.

4 أنه بذلك يمكن الموصي أن يكافئ من أسدى إليه معروفاً.

5 أنه بالوصية يمكنه سد حاجة المحتاج إلى العون من أقاربه غير الوارثين(31).

حكم الوصية للأقربين غير الوارثين:

اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال(32):

القول الأول: قول ابن حزم - رحمه الله - وهو أن الوصية فرض على كل من ترك مالاً، فيلزمه أن يوصي أولاً لوالديه وأقاربه الذين لا يرثون ثم يوصي بما شاء بعد ذلك، فإن لم يوصِ وجب فرضها في ماله بعد موته، تبعاً لما يراه الورثة أو الوصي(33).

القول الثاني: أن الوصية واجبة للأقربين الذين لا يرثون، فإذا أوصى لهم فقد أدّى ما وجب عليه، وإذا لم يوصِ لهم كان آثماً، ولا يجب على الورثة أو غيرهم إخراج شيء من ماله بعد موته. وذهب إلى ذلك داود الظاهري، ومن الحنابلة: أبو بكر عبد العزيز، واختاره من السلف جمع، منهم مسروق وطاووس وإسحاق وإياس وقتادة وابن جرير وغيرهم.

القول الثالث: وهو ما ذهب إليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء أن الوصية للأقارب غير الوارثين مستحبة وليست واجبة وأجوبتهم على أدلة الموجبين ما يلي:

1 أن قوله - تعالى -: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين 180 البقرة: 180 قد نسخ بآيات المواريث.

2 أن أكثر الصحابة لم يوصوا، فلو كان وجوبها معروفاً لديهم لتواتر النقل عنهم بذلك.

3 أنها عطية لا تجب في الحياة فلم تجب بعد الموت.

4 أن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين عنده شيء يوصي به إلا ووصيته مكتوبة عنده"(34) فعلق الأمر بكونه عنده شيء يوصي به فلو كانت الوصية للأقارب واجبة لذكرت في هذا الحديث.

قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: " أما غير الوارثين فينبغي الوصية لهم، فإن لم يوص لهم وحضروا قسمة الميراث فينبغي أن يعطوا شيئاً"(35). وقال: "والوصية لهم أي الأقارب غير الوارثين أفضل من الوصية بالعتق، فإن أوصى لأجنبي ولم يوص لهم، فهل ترد الوصية عليهم دون الموصى له، أو يعطى الموصى له مثلها ويعطى الأقارب مثليها؟ روايتان عن الإمام أحمد، والمشهور عند أكثر أصحاب الإمام أحمد القول بنفوذ الوصية"(36)، وقال - رحمه الله -: وإن عيّن الجهة الموصى عليها بالوصف وفيهم قرابته، قدم القرابة على غيرهم في استحقاق الوصية، كما إذا أوصى بثلثه للمحاويج وفي أقاربه محاويج لم يوص لهم، فهم أحق بالوصية من غيرهم(37).

وقال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "الوصية للوالدين والأقربين كانت واجبة على من حضره الموت ثم نسخ الله ذلك بآية المواريث، وبقيت مشروعة في حق الأقارب الذين لا يرثون. وهل ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ فيه قولان للسلف والخلف وهما في مذهب أحمد، وعلى القول بالوجوب فهل لهم أن يطلبوا وصية الأجانب ويختصوا هم بالوصية، كما للورثة أن يطلبوا وصية الوارث. أو يطلبوا ما زاد على ثلث الثلث ويختصوا هم بثلثيه، كما للورثة أن يطلبوا ما زاد على ثلث المال من الوصية، ويكون الثلث في حقهم بمنزلة المال كله في حق الورثة، على وجهين، وهذا الثاني أقيس وأفقه، وسرّه أن الثلث لما صار مستحقاً لهم كانت بمنزلة جميع المال في حق الورثة وهم لا يكونون أقوى من الورثة؛ فكما لا سبيل للورثة إلى إبطال الوصية بالثلث للأجانب، فلا سبيل لهؤلاء إلى إبطال الوصية بثلث الثلث للأجانب(38).

الوصية للقريب الغني:

يستحب للغني أن يرد الوصية إن لم يكن محتاجا، فقد جاء في السنن الكبرى للبيهقي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور فقالوا: توفي وأوصى بثلثه لك، قال: قد رددت ثلثه على ولده"(39) وقال عبد الله بن عون: "إنما الوصية بمنزلة الصدقة، فأحب إلي إذا كان الموصى له غنياً أن يدعها"(40).

النفقة على الأقارب المحاويج:

اتفق الفقهاء على أن أسباب النفقة ثلاثة: النكاح والملك والقرابة.

واختلفوا في تحديد القرابة التي تجب النفقة عليها على أقوال:

الأول: قول مالك وهو قصر النفقة الواجبة على الأقارب على الوالدين والأبناء دون الأحفاد والأجداد، وأنها تجب على الابن حتى يبلغ وعلى البنت حتى تتزوج(41).

الثاني: قول الشافعي وهو أنها تجب في عمودي النسب في الوالدين والأجداد وإن علوا والأبناء وإن نزلوا (42).

الثالث: قول أبي حنيفة وهو أن النفقة تجب بالقرابة النسبية وقرابة الرحم حسب القاعدة الخاصة باستحقاق الميراث(43).

الرابع: قول الحنابلة أنها تجب للوالدين وإن علوا والأولاد وإن نزلوا ومن يرثه بفرض أو تعصيب، وأنها لا تجب إلا بشروط ثلاثة هي: فقر من تجب النفقة عليه، وأن يكون للمنفق مالٌ فاضلٌ عن نفقته ونفقة زوجته، وأن يكون المنفَق عليه وارثاً. وأما ذوو الأرحام فلا تجب النفقة عليهم رواية واحدة؛ إذ قرابتهم ضعيفة، وإنما يأخذون المال عند عدم الوارث فهم كسائر المسلمين(44).

ورجح ابن القيم قول الحنابلة؛ لأن النفقة تجب شرعاً بأمرين(45):

بالميراث بكتاب الله - تعالى - وبالرحم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد حبس عمر - رضي الله عنه - عصبة صبي لم ينفقوا عليه وكانوا بني عمه. وقال زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: "إذا كان عم وأم فعلى العم بقدر ميراثه وعلى الأم بقدر ميراثها". ولم يخالفهما أحد من الصحابة. وهو قول جمهور السلف ويدل عليه عموم قوله - تعالى -: "وعلى الوارث مثل ذلك. ومن أدلته قوله - تعالى -: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى 36 النساء: 36، ومن السنة حديث طارق المحاربي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " يد المعطي العليا، وأبدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك "(46). وما ورد عن جابر - رضي الله عنه - أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، وإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا"(47). وما ورد عن كليب بن منفعة عن جده أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يارسول الله، من أبدأ؟ قال: أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك، حق واجب ورحم موصلة"(48).

والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

_____________________

الهوامش:

1 ذكره صاحب الإسعاف في أحكام الأوقاف (ص 2) عن مجلة البحوث 36 180.

2 ذكره صاحب المغني (5 597).

3 تفسير البغوي (2 170).

4 أخرجه البخاري في الأدب المفرد (3) وأبو داود (39 15) والترمذي (1 346) وحسنه.

5 أخرجه الحاكم وأحمد (2 226) وسنده صحيح كما في الإرواء. (3 322).

6 رواه مسلم (3 7879) وغيره

7 رواه أحمد (3 402) وحسنه المنذري والألباني.

8 رواه النسائي (5 92) والترمذي (658) وإسناده صحيح.

9 رواه الطبراني بسند حسن كما قال المنذري في الترغيب (1 701)، وقال الهيثمي في المجمع (9 148): رجاله ثقات.

10 رواه مسلم.

11حجة الله البالغة (2 116) مع اختصار عبارته رحمه الله.

12 متفق عليه كما في الفتح (5396)، وذكر الحافظ رواية للحديث فيها: " اجعله لفقراء أقاربك"..

13 رواه البخاري كما في الفتح (5354).

14 أخرجه البخاري تعليقاً في الوصايا، والدارمي في سننه (2 427).

15 كما في المغني (5 597) وتقدم.

16 أحكام الأوقاف للخصاف 15.

17 فتح الباري (5407).

18 السنن الكبرى للبيهقي (6661) وأحكام الأوقاف 15.

19 رواه البخاري كما في الفتح (5354).

20 محاضرات في الوقف 211.

21 رواه النسائي (592) والترمذي(658) وإسناده صحيح.

22 رواه أبو داود (2870) والترمذي (2120) بسند حسن.

23 رواه الطبري في تفسيره (2629).

24 تفسير الطبري (2633).

25 رواه الطبري في تفسيره (2634).

26 رواه الطبري (2636) في تفسيره.

27 رواه الطبري في تفسيره (2638).

28 رواه الطبري في تفسيره بسند صحيح في الموضع السابق.وعبدالرزاق في مصنفه (981).

29 رواه عبدالرزاق في المصنف (982).

30 الوصية والوقف في الإسلام لمحمد كمال الدين إمام.

31 الوصية للشيخ صالح الأطرم 19، وشرح قانون الوصية لمحمد أبو زهرة 134.

32 المقنع والشرح (17 193 194).

33 المحلى (1 421) وما بعدها.

34 رواه مسلم (1627).

35 مجموع الفتاوى (31 363).

36 مجموع الفتاوى (29 177).

37 مجموع الفتاوى (31 316).

38 مفتاح دار السعادة (2 388).

39 السنن الكبرى (6276).

40 رواه عبدالرزاق في مصنفه (957).

41 كما في حاشية الدسوقي (2 58) وما بعدها ومختصر خليل ص (166) وما بعدها.42 كما في مغني المحتاج (3 425).

43 الاختيار (4 3، 12) أي أنها تجب إذا كانت القرابة بينهما تحرم على الرجل الزواج بالآخر لو فرض أنه أنثى.

44 العدة 518.

45 زاد المعاد (4 319) وما بعدها، الولايات الخاصة ونفقة الأولاد والأقارب 98 وما بعدها، الطلاق وحقوق الأولاد والأقارب 176.

46 رواه النسائي (5 61).

47 رواه مسلم (782).

48 رواه أبو داود (514).

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.