Share |
المجتمع الأمريكي والنفوذ اليهودي
تم قراءة المقال : 1320

المجتمع الأمريكي والنفوذ اليهودي

استطاع اليهود فهمَ النظام السياسي الأمريكي بأنه سلاح ذو حدين؛ لذا استوعبوا الإطار العام للحركة السياسية في المجتمع الأمريكي، وسخّروه لتحقيق أغراضهم الدينية والسياسية والاقتصادية، فكان لهم عوناً وسنداً.

وقبل أن نتـعرض لواقـع المسلمين في الولايات المتحدة وما كان يمكن أن يصنعوه لحقن دماء المسلمين في العالم، والدفاع عن أعراض المسلمات ومقدسات الإسلام وقيمه، فلنتطرقْ - أولاً - لتجربة اليهود في الولايات المتحدة وكيف استطاعوا أن يحوِّلوا اضطهاد السامية وعداءها، إلى هذا الذي نتعجب له من دعـم غير محدود ودلال غير مسبوق في تاريخ العلاقات الدولية.

* الوظيفة السياسية لليهود في أمريكا:

إن الجماعة اليهودية، وإن كانت من أقل الجماعات الدينية في الولايات المتحدة حجماً، فإنّها أكثرها مشاركة في الحياة السياسية وتأثيراً فيها. والواقع أنّ هذا الدور الخطير الذي تلعبه الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة ليس تقليدياً، ولكنّه مرتبط بصورة عامة بظهور الصهيونية العالمية، وبصفة خاصة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وإيجاد الدولة الصهيونية وحرب 1967م. أما قبل ذلك؛ فقد كانت الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة جماعة غير سياسية (non-political group) تعيش في عزلة وتعاني من الاضطهاد، وتوصف بأحطّ الصفات وأبشعها، وتتحمّل وِزر (دعوى قتل السيد المسيح).

وعندما ظهرت الحركة الصهيونية وأعلنت هدفها بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين؛ بدأ تحوّل اليهود إلى جماعة تهتم بهدف سياسي مشترك وتسعى إلى تحقيقه، وبدأت تنظر إلى ذاتها جزءاً لا يتجزأ من الشعب اليهودي الواحد الذي يجب أن يسعى كل المنتمين إليه لضمان إقامة دولته القومية ودعمها باستمرار.

وقد نجح يهود أمريكا - مثلما نجح يهود أوروبا - في الضغط على الحكومات الغربية لتحقيق حلم اليهود في إقامة دولة خاصة بهم في فلسطين، وما إن تحقّق ذلك حتى بدأت سلسلة من المواجهات والحروب بين الدولة العبريّة الوليدة وجيرانها الذين هبّوا للدفاع عن أرضهم ومقدساتهم، وبدا لليهود أنّه من دون الدعم الغربي (السياسي والاقتصادي والعسكري) الكامل لدولتهم؛ فإنّ الاستئصال والفناء هو النتيجة المحتومة لأي مواجهة مع العالم العربي والإسلامي، وأنّ توقّف هذا الدعم يوماً واحداً معناه «دقُّ مسمار» في نعش الدولة العبــرية؛ حينــئذٍ تحــوّلت الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى أكثــر الجماعات الدينية ممارسة للسياسة وتأثيراً فيها.

وإذا كان هذا هو الهدف من المشاركة السياسية للجماعة اليهودية؛ فما الاستراتيجية التي لجأ إليها اليهود، التي جعلت منهم أكبر جماعة ضغط دينية في الولايات المتحدة وأكثرها تأثيراً في الحياة السياسية؟

* استغلال اليهود لطبيعة المجتمع الأمريكي وخصائصه:

إنّ النظرة الممحَّصة والتأمل الدقيق في استراتيجية التعامل اليهودي مع المجتمع الأمريكي؛ يؤكدان أنّ القوم قد أدركوا منذ البداية طبيعةَ المجتمع الأمريكي وخصائصه، الذي سيمارسون فيه نشاطهم السياسي، فبدا لهم أنهم لن يستطيعوا ممارسة التأثير المطلوب اعتماداً على نفوذهم العددي، وقد فشلت الأقليّة الزنجية Negro، التي يزيد عددها عن ستة أمثال عدد الأقلية اليهودية، في الحصول على كل حقوقها المدنية حتى الآن، وهي التي لن تكلّف الأمريكيين شيئاً.

ثم بدا لليهود أنّ الخبرة الأمريكية تدعو الأمريكيين إلى التعاطف مع الأقليات الدينية المضطهدة، بالنظر إلى أن المهاجرين الأوائل كانوا من (البيوريتان) المضطهدين في أوروبا.

ثم من جانب ثالث؛ فقد بدا لليهود أنه إذا كانت الحرية الدينية والسياسية مطلَباً للمهاجرين الذين استقروا في الشرق الأمريكي؛ فإن البحث عن الثراء والمنصب كان هو المحرك الأساسي للمهاجرين إلى الغرب الأمريكي.

* استراتيجية اليهود مع متغيرات الواقع الأمريكي:

نستطيع أن نحدد أهم عناصر هذه الاستراتيجية في الآتي:

أ - استغلال العاطفة الدينية لدى الشعب الأمريكي، وفـي الوقـت نفسه الحـيـلولــة دون ربــط الديـن بالـدولـة أو سيطرة المبادئ الأصولية.

ب - استغلال التركيب المميز للمجتمع الأمريكي القائم على تجمُّع عدد من الأقليات.

ج - استغلال الروح الرأسمالية التي تشجع على الوصول إلى مراكز التأثير.

استغلال العاطفة الدينية:

وهو العنصر الأول؛ فقد سعى اليهود لتأكيد التراث الديني المشترك بين اليهود والنصارى، ولاسيما البروتستانت الذين كانوا أكثر تأثُّراً بروح التوراة القتالية ودعوتها الكفاحية «لتحقيق حلم الرب» ونبوءة عودة اليهود إلى «أورشليم»، التي تعني في الوقت ذاته عودة المسيح الثانية التي ينتظرها النصارى.

وقد هدف اليهود من وراء ذلك إلى استعطاف النصارى في الولايات المتحدة، وإيجاد القوى الدينية المساندة والمؤيدة لإقامة ودعم وطن قومي لليهود.

ركز اليهود على تأكيد وحدة الثقافة النصرانية اليهودية، ودور التقاليد المشتركة بينهم في بناء الحضارة الغربية، ودعوى الخطر الذي يمثله الشرق الإسلامي على هذه الحضارة.

وقد ظهر هذا العنصر من عناصر الاستراتيجية اليهودية واضحاً في مراحل الحروب التي خاضها الصهاينة مع الدول العربية؛ بوصفه أداةً لزرع القناعة العقائدية لدى الرأي العام الأمريكي بضرورة مساندة اليهود، ولإيجاد قوة ضاغطة مؤثرة في عملية صنع القرار السياسي لصالح الدولة العبرية.

فخلال مدة حرب 1967م؛ ركزت الدعاية الصهيونية في وسائل الإعلام الأمريكية على عداء العرب للسامية واضـطهادهم لليـهود «الأبرياء» الذين يتجمعون للصلاة حول «حائط المبكى».

كما أعادت إلى أذهان النصارى أوضاع «أهل الذمة» في التقاليد الإسلامية في العصور الوسطى.

أما خلال حرب 1973م؛ فقد ركزت الدعاية الصهيونية على مبدأ الجهاد الإسلامي والحروب الصليبية، والتعصب الديني عند المسلمين، ودعوى وحشيتهم وكراهيتهم لليهود والنصارى على السواء، وتصوير حرب أكتوبر 1973م على أنها استمرار للحروب المقدسة التي تهدف إلى غزو المسلمين للعالم النصراني وتدميره.

وهكذا ركزت وسائل الدعاية الصهيونية على مخاطبة المواطن الأمريكي باعتباره عضواً في جماعة دينية؛ بهدف إثارة عاطفته الدينية وتحريضه للمشاركة في ممارسة التأثير في الحكومة الأمريكية لكي تزيد من دعمها للدولة اليهودية التي تقف وحدها في مواجهة (المسلمين البرابرة)!.

وفي الواقع، فقد تأثر بعض الرؤساء الأمريكيين بهذه الدعاية الصهيونية وتحولوا إلى مجرد أبواق ترددها؛ فالرئيس الحالي بوش (الابن) أعلن أن كلمات الله قد وصلت إليه لكي يأتي بالأمن، وهو لا يفتأ يرى نفسه المنفّذ للوعد الإلهي الذي جاء في (سِفْر الرؤية) من خلال تلك الحروب التي يشنها في الشرق الأوسط؛ لكي يحصل اليهود على كامل الأراضي المقدسة ويطرُدوا منها المسلمين كلهم. وعلى الرغم من كل الضجيج عن دعم الولايات المتحدة لخيار الديمقراطية؛ أعلـن (بــوش) رفـض بلاده التعاون مع حكومة حماس؛ لأنها «لا تعترف بحق الدولة الصهيونية في الوجود» وهو أمر له الأولوية على كل شيء آخر.

ومن أجل ذلك أيضاً راح (بوش) في خطاب حالة الاتحاد في 31 من يناير 2006م، يردد مقولات اليهود نفسها، حين أعلن عن أهداف السياسة الأمريكية الخارجية قائلاً: «نسعى لإزالة الطغيان والاستبداد في عالمنا، وسنحارب بعض الأيديولوجيات الخاطئة». كما أكد أن بلاده لن تسمح للراديكالية الإسلامية بتحقيق أهدافها.

وهـكــذا نجح اليهود في إيجــاد القــناعة لــدى الأمريكيين - حكاماً ومحكومين - بأن تأييدهم للصهاينة ليـس موقـفاً ســياسياً، ولكـنه موقـف عَقَدي بالدرجة الأولى.

ومن جانب آخر، فإن الجماعة اليهودية لم تكن تسمح للأغلبية النصرانية بإثارة مسألة الدين ولو من قبيل الدعاية الانتخابية، وتعلن دائماً أنها تتمسك بالطبيعة القومية للدولة وبمبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة، وترى في كل دعوة لإقحام الـديـن فـي الحيـاة السيـاسية أو لفـرض المبـادئ الأصـولية على المجتمع الأمريكي؛ تهديداً لوجودها، وعودة إلى تقاليد العصور الوسطى وما يرتبط بها من عزل لليهود واضطهادهم، وأنها لـذلك لم تصـوِّت لصــالح (ريجــان) بســبب نزعته الدينية وسياسته المحافظة، وتحالفه مع القس الإنجيلي (جيري فالويل) زعيم منظمة الأكثرية الأخلاقية، الذي كان يخشاه اليهود أكثر من خشيتهم للقس الأسود (جيسي جاكسون)؛ بسبب دعوته إلى العودة إلى التقاليد الدينية، ورفضه العلمانية، وحثه الأصوليين البروتستانت على ضرورة المشاركة في الحياة السياسية وممارسة السلوك الانتخابي بوصفها واجباً مقدساً وأداة لتحقيق أهدافهم وتطبيق مبادئهم الأصولية.

* استغلال تركيبة المجتمع الأمريكي:

استغلت الدعاية الصهيونية التركيب المميز للمجتمع الأمريكي والقبول العام لمنطق الأقليات؛ لكي تؤكد أمرين:

الأول: أن النزاع بين إسرائيل وجيرانها العرب هو نزاع بين أقلية دينية مستضعَفة ترغب في الحياة في سلام، وأغلبية دينية معادية ومضطهدة لليهود.

والأمر الثاني: هو حـــق اليهود في الولايات المتحدة - مثل غيرهم من الأقليات - في الاهتمام بقضايا مجتمعهم القومي، والمشاركة في كل ما من شأنه دعم موقف اليهود، وربط مستقبل الأقلية اليهودية في أمريكا بمستقبل العلاقات الأمريكية معهم؛ باعتبار هذه الأخيرة تمثِّل موضوعاً محورياً بالنسبة إلى اليهود الأمريكيين.

وباستغلال هذا التعاطف الأمريكي مع الأقليات المضـطهدة بسبب الدين؛ تمكّنت الأقلية اليهودية من استعطاف الأمريكيين إلى حد تطوُّع الآلاف منهم لخدمة الجيش الصهيوني، فضلاً عن إيجاد رأي أمريكي عام متعاطف مع اليهود ومؤيد لحقهم في الحصول على الدعم اللازم لمواجهة «اللا سامية العربية» المدعـمة بالسلاح - قبل سقوط الاتحاد السوفييتي - «الملحد»، والحيلـولة دون تحطيم دولة اليهود وتشتيتهم واضطهادهم من جديد.

وقد انعكس ذلك كله على السياسات الأمريكـية المؤيدة لحق اليهود الأمريكيين في دعم «إخوانهم» الصهاينة، وفي ممارسة الضغوط من أجل الدفاع عن قضاياهم. بل وصل الأمر إلى حد تقبُّل الأمريكيين لهذا الولاء المزدوج ليهود أمريكا، وإعفائهم من دفع الضرائب على الأموال التي يتبرعون بها، والسماح لهم بدفع ملايين الدولارات لتمويل مرشحي الانتخابات الصهيونية، بل السماح لمواطن أمريكي أصبح عضواً في برلمان أو حكومة دولة أجنبية (الدولة الصهيونية) بالاحتفاظ بجنسيته الأمريكية.

* استغلال الروح الرأسمالية للوصول لأهدافهم:

يتمثّل ذلك في استغلالهم الروحَ الرأسمالية السائدة للوصول إلى مراكز المال والتأثير في المجتمع؛ لتعويض ضعف نفوذهم العددي.

وقد نجح اليهود بالفعل في أن يصبحوا الطبقة البرجوازية التي تتحكّم في النشاط الاقتصادي وتحتل المرتبة الأولى في الصدارة الاجتماعية، وهو الأمر الذي يهيـــئ لها التأثيــرَ في الحياة السياسية؛ إذ يعتمد حجم هذا التأثــير في الولايات المتحدة أساساً على مدى ما تمارسه الأقلية من نفــوذ اقتصادي واجتماعي.

ومن المعروف أن 40 % من اليـهود الأمريكيـين يقيـمون في نيويــورك، ويكوِّنون حوالي 15 % من مجموع سكانها. كما يتركّز باقي اليهود في الولايات الصناعية الكبرى ويسيطرون على النشاط الاقتصادي فيها، مثل: ولاية إلينوي، وكاليفورنيا، وميتشجان، ومريلاند، وهي في الوقت نفسه ولايات لها ثقل انتخابي كبير بما تملكه من عدد كبير من الأصوات الانتخابية.

ويسيطر اليهود على عدد من الوظائف العليا ذات النفوذ في مجالات الحكم والإعلام والتعليم وغيرها؛ فمنهم حكّام الولايات، وعمداء المدن، وضباط القوات المسلّحة، والأطباء، وكبار رجال الإعلام. كما أنّ 9 % من أعضاء هيئات التدريس الحالية في الولايات المتحدة من اليهود، وهو عمل يحتل المرتبة الأولى في الصدارة الاجتماعية، طبقاً لنتائج استفتاء أُجري مؤخراً في كاليفورنيا.

وبصفة عامة: يكوِّن اليهود حوالي 21.8 % من الطبقة العليا ذات النفوذ والتأثير السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإعلامي في الولايات المتحدة، وهي نسبة مرتفعة للغاية بالنظر إلى نسبتهم العددية التي لا تتجاوز 2 % من مجموع الشعب الأمريكي.

* أدوات الاستراتيجية اليهودية:

(أ) رجال الدين اليهود: الذين يتولون عملية الإقناع العقائدي، والذين يُنظر إليهم سفراء لدولتهم في المجتمع الأمريكي.

ويلعب رجال الدين دورهم من خلال اللقاءات والندوات مع رجال الدين النصراني، ومن خلال الدراسات والمقالات التي ينشرونها في صحافة البروتستانت والكاثوليك، والمراكز التي يشغلونها في المدارس والمعاهد الدينية، وغير ذلك.

ويكفي أن نشير إلى أنه يوجد في الولايات المتحدة أكثر من ألف تجمُّع أو تنظيم للحاخامات اليهود اشتركت في تقديم المساندة السياسية والمالية والعقائدية للدولة العبرية.

وعلى سبيل المثال: الحاخام «صلفر» هو الذي صمّم في عام 1944م برنامجَ العلاقات العامة الذي استطاع إيجاد اتجاه أمريكي عام مؤيد ليهود فلسطين.

وبينما كان الاتجاه العام الذي غلب على الندوة التي عقدتها مجلة «برزنت تنس» - الناطقة باسم الجماعات اليهودية في أمريكا - في عام 1988م؛ هو انتقاد السياسات الصهيونية بسبب أعمال العنف التي تمارسها ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية؛ انبرى الحاخام «إيسمار شورش» - عميد الجامعة اليهودية الدينية بنـيويورك - للدفاع عن الدولة الصهيونية وتخفيف حدة الانتقادات الموجهة إليها، معلِناً: «أن توجيه الانتقادات لسياسة الحكومة الصهيونية بسبب موقفها من الضفة الغربية وقطاع غزة؛ لا يؤثر على مساندة اليهود الأمريكيين لدولة الصهاينة، وعلى اليهود الأمريكيين أن يساعدوها على حل المشكلة الفلسطينية».

(ب) وسائل الإعلام المختلفة: التي يسيطر عليها اليهود ويوجهــونــها لتحقيق أغراضــهم.

وقـد لعبـت هـذه الأداة الــدور الرئيس فـي عملية «تجميل» الطابــع القومي اليهودي و«تشويه» الطابع القومي العربي، وإيجاد اتجاه عام متحيز لليهود وضد العرب.

وتكفي مطالعة الصحف والمجلات الأمريكية في مراحل الحروب بين العرب والصهاينة للوقوف على حقيقة هذا التحيز الواضح لهم ولكل ما له صلة بمصالح اليهود، ولاسيما في علاقتهم بالعرب. هذه حقيقة أثبتتها كثير من الدراسات التحليلية لوسائل الإعلام الأمريكية.

(ج) المنظمات اليهودية: وهي منظمات نشطة وفعالة وقادرة على التأثير في المجتمع الأمريكي والوصول إلى كل فرد فيه.

واليهود أصحابُ عدد كبير من التنظيمات الجماعية في الولايات المتحدة التي ترتبط نشاطاتها بجميع أنواع الوجود الاجتماعي ومظاهره.

وتتكتل جميع هذه المنظمات لدعم مصالح الدولة العبرية، بل إن بعضها ارتبطت نشأته بهذا الهدف، مثل: لجنة الشؤون العامة اليهودية الأمريكية (أيباك)، التي تُعدُّ أقوى المنظمات اليهودية في أمريكا وأكثرها جميعاً تأييداً للدولة العبرية؛ فقد أنشئت هذه اللجنة عام 1954م لحشد التأييد المستمر للدولة اليهودية داخل الكونجرس الأمريكي، وللضغط على رجال الكونجرس من أجل استمرار إرسال المعونة العسكرية والمادية إلى دولة الصهاينة.

ومن المنظمات اليهودية الأخرى التي تمارس نشاطاً في الحياة السياسية الأمريكية لصالح الصهاينة: (رابطة الدفاع اليهودية)، التي شنت حملة في أواخر عام 1975م لتتبع ومضايقة أعضاء الوفود الدبلوماسية لـ 72 دولة صوتت لصالح قرار الأمم المتحدة باعتبار الصهيونية حركة عنصرية.

وكذلك (المؤتمر اليهودي الأمريكي) الذي رفع قضية أمام محاكم واشنطن في أواخر عام 1975م لاستصدار حكم بوقف تنفيذ الاتفاق الاقتصادي الموقع في عام 1974م بين الولايات المتحدة والسعودية.

إضافة إلى (اللجنة اليهودية للمتابعة) التي أعلنت في مارس 1978م أنها بدأت حملة منظمة لملاحقة الدبلوماسيين المصريين في الولايات المتحدة من أجل تحطيم علاقة التعاون القائمة بين القاهرة وواشنطن، وغيرها.

(د) الدعم المالي: لكل مسؤول أو مرشح لمنصب مهم يعلن عن استعداده لتلبية طلبات اللوبي اليهودي والدفاع عن مصالح الدولة العبرية. وسوف نرى فيما بعدُ كيف استخدم اليهود سلاحَ الدعم في الحملات الانتخابية، سواء لمنصب الرئاسة أو لمقاعد الكونجرس.

(هـ) الملاحقة والتشهير: بكل مسؤول يجرؤ على الوقوف في طريق الدعم الأمريكي للعدو، أو ينافس النفوذ اليهودي في الحياة السياسية الأمريكية. مثاله ما تعرض له السيناتور (تشارلز بيرسي) - الذي كان يشغل منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونجـرس - من حملـة صهيونية عالمية عام 1984م؛ بسبب تأييده لحقوق الشعب الفلسطيني. وكان جيمس فورستال - وزير الدفاع الأمريكي الأقدم - قد انتحر عقب إصابته بانهيار عصبي، بسبب ما تعرض له من حملات تشهير مزرية من اليهود، بعد أن أعلن عن الأضرار اللاحقة ببلاده من جراء النفوذ الصهيوني في الحكم الأمريكي.

وكان من الطبيعي أن يتعرّض كل من القس الأسود (جيسي جاكسون) وزعيم المسلمين السود (لويس فرقان)؛ لحملة إرهاب واسعة النطاق بسبب انتقاداتهما للصهاينة وجماعات الضغط اليهودية الموالية لها، ومنافستهما للنفوذ اليهودي في الحياة السياسية الأمريكية. كما كان من الطبيعي أن يتلقى الدكتور (ماهر حتحور) - المتحدث باسم المركز الإسلامي في لوس إنجلوس - تهديداً بالاغتيال، عندما أخذ المركز بدءاً من عام 1988م يخطط لانتخاب عضو مسلم في الكونجرس الأمريكي، وبسبب دعوته المسلمين الأمريكيين لتسجيل أسمائهم في الكشوف الانتخابية وممارسة حقهم الانتخابي، والمشاركة في الحياة السياسية لتأكيد دورهم عنصراً فاعلاً على المسرح السياسي الأمريكي.

ولم يسلم رؤساء الولايات المتحدة أنفسهم من هذه الضغوط التي يمارسها اليهود ضد كل من يتباطأ في إجابة مطالبهم؛ ويكفي أن نتذكر تلك الحملة التي خضع لها الرئيس الأمريكي (نيكسون) في أثناء حرب 1973م وتهديد اللوبي اليهودي له بأنهم يستطيعون تأليب الرأي العام ضده؛ لأنه «يتجاهل الأخطار التي تحيط بالصهاينة»، وهي الحملة التي قادت إلى تفويض كيسنجر لتلقّي تعليمات تل أبيب وتوجيهاتها وتنفيذها فوراً، ومنحهـم مبــلغ 500 مليــون دولار معونــة عاجـلة، ثم مبلغ 2.3 مليون دولار أخرى، وكذا مبلغ 128 مليون دولار قيمة أسهم «النداء اليهودي» التي اشترتها الولايات المتحدة، فضلاً عن تزويد الدولة الصهيونية بالمساعدات العسكرية التي تطلبها، والسماح بمشاركة أفراد أمريكيين في المعارك.

* معاداة السامية:

تعد دعوى معاداة السامية أمضى سلاح تشهره الجماعة اليهودية في أمريكا ضد كل من يتناول تصرفاتها بالنقد وكل من يشترك في نشاطات معادية لليهود.

وقد أشهَر اليهود هذا السلاح ضد كلٍّ من: القس جاكسون، ولويس فرقان، كما أشـهروه ضـد «فـريـدريك مـالك» - أحد مساعدي جورج بوش الأب في الحملة الانتخابية عام 1988م، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس اللجنة القومية للحزب الجمهوري - لمجرد أنه أعد قائمة في عام 1971م - بناء على تعليمات الرئيس نيكسون - بأسماء كبار موظفي وزارة العمل الأمريكية من اليهود، وكذلك أشهروه ضد خمسة آخرين من أعضاء اللجنة الاستشارية في الحملة الانتخابية لجورج بوش، الذين اتهمتهم صحيفة «جويش وييك» بالعمل مع إحدى المنظمات المعادية لليهود. وعلى الرغم من أن هذا الاتهام في حد ذاته يتعارض مع حرية الأفراد في الانتماء إلى التنظيمات السياسية المختلفة، وعلى الرغم من رفض مستشاري بوش لهذا الاتهام وإنكارهم الاشتراك في أي نشاطات معادية للسامية، وعلى الرغم من تأكيد المتحدثة باسم الحملة الانتخابية لجورج بوش أن هذه الاتهامات «نتيجة لدوافع سياسية، وأنها خُطِّطت لتحويل الانتباه عن القضايا الحقيقية»، وعلى الرغم من اعتراف الرئيس بوش ذاته بأن فردريك مالك «رجل شريف لا يحمل أي أثر ولو ضئيل من آثار التعصب»؛ فإن جميع المتهمين بمعاداة السامية قد أُجبروا على تقديم استقالاتهم، ولـم يملك المرشح الجمهوري - الذي أصبح بعد ذلك رئيساً للدولة - القدرةَ على الدفاع عنهم في مواجهة اللوبي اليهودي وسلاح معاداة السامية.

* الدين في عملية تخطيط الحركة السياسية اليهودية:

دأب اليهود الأمريكيون على معارضة كل نشاط يمكن أن يمارَس في الحياة السياسية الأمريكية ضد مصالح اليهود بصفة عامة ودولتهم على وجه خاص، واستئصال كل مسؤول يجرؤ على تحدي اللوبي الصهيوني أو لا يذعن لمطالبه.

والغريب أنه في الوقت الذي يمارس فيه اليهود نشاطهم السياسي، ويؤسسون فيه دعوتهم الصهيونية على الدين؛ فإنهم يناضلون بشراسة ضد كل توظيف للدين من جانب الأطراف الأخرى حتى لو كان الرئيس الأمريكي نفسه، وحتى لو كان من قبيل الدعاية الانتخابية؛ فتوظيف الدين من جانبهم يجلب لهم الدعم ويضمن البقاء للدولة العبرية.

أما توظيف الدين من جانب غيرهم؛ فيجلب عليهم العزلة والاضطهاد، ويهدد وجودهم بالفناء. لذا؛ فإن اليهود - الذين يعتمدون على الدين بوصفه أحد مقومات عملية تخطيط الحركة السياسية في أمريكا - يعارضون بإصرار أي اتجاه ديني في السياسة الأمريكية؛ إذ إن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى تحديد قوتهم والحدِّ من تأثيرهم. ولذا؛ فإنهم لم يمنحوا تأييدهم الكامل لكارتر «الورع» في انتخابات عام 1976م، كما أنهم لم يعطوا صوتهـم لريجان في انتخابات1980م و1984م بسبب شعاراته الدينية.

* المعارضة اليهودية اليهودية في أمريكا:

على الرغم من كل ما تقدم؛ فإنه يجب أن نقِرَّ أيضاً أن هناك من الأمريكيين، اليهود وغير اليهود، من لا يؤمن ببعض عناصر هذه الاستراتيجية ومقوماتها التي رسمها اللوبي الصهيوني وحدد لها تلك الأدوات والمسالك العنيفة.

ومن أشهر المراجع في هذا الباب ما يلي:

1 - سفر بلا حدود: للرئيس ريتشارد نكسون.

2 - استطلاع جالوب (أكتوبر 73) على عيّنة من الأمريكين: هل هم مع (الدولة العبرية) أم مع العرب؟ فأجاب: 54% منهم مع الصهاينة و8% مع العرب.

3 - الدعاية الصهيونية، د. حامد ربيع.

4 - دراسة تحليلية للدعاية الصهيونية. خالد محمود الكرمي.

5 - الوظيفة الدبلوماسية والدعاية الخارجية، (ماجستير) جامعة القاهرة - كلية الاقتصاد، 1976م.

6 - بعض المواد من مجلة السياسة الدولية، إبريل 1976م، ويناير 1986م، ويولية 1992م، وأكتوبر 1976م.

7 - غسيل الدماغ، تأليف: فخري الدباغ.

8 - محاربون ضد (إسرائيل)، دونالديف.

9 - الفكر الأمريكي المحافظ والصراع العربي الصهيوني، السياسة الدولية، يناير 1989م.

10 - الاتجاهات التعصبية، سلسلة (عالم المعرفة)، مايو 1989م.

11 - قيمنا التي في خطر، للرئيس الأمريكي (كارتر).

12 - دور الدين في الحياة السياسية في الدولة القومية، (رسالة دكتوراه)، للكاتب (جامعة القاهرة) 1990م.

http://www.albayan-magazine.com/bayan-251/bayan-13.htm

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.