المخرج الشرعي لمبادلة الربوي بجنسه
عدد القراءات : 1983

المخرج الشرعي لمبادلة الربوي بجنسه

الحمد لله رب العالمين.

فإن من المسائل المهمة التي يجب أن تدرس بعناية حكم مبادلة الربوي بجنسه، وهي من المسائل التي لم تحظ ببحث كاف، وقد أبنت في هذه الدراسة المخرج الشرعي لمبادلة الربوي بجنسه، ويمكن أن يؤخذ الحكم من خلال الأحاديث الآتية:

الحديث الأول: ما صح عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلاً على خيبر فجاءهم بتمر جنيب فقال: "أكل تمر خيبر هكذا. فقال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة. فقال: لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً وقال في الميزان مثل ذلك". (1) وفي رواية: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب..." ففيه التصريح بالرجل(2).

وفي رواية عن أبي سعيد قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتمر فقال: " ما هذا التمر من تمرنا. فقال الرجل: يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا"(3).

الحديث الثاني: ما صح من طريق عقبة بن عبد الغافر قال: سمعت أبا سعيد يقول: جاء بلال بتمر برني فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال رسول الله عند ذلك: أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به"(4).

الحديث الثالث: ما صح عن أبي نضرة قال: " سألت بن عباس عن الصرف فقال: أيداً بيد قلت: نعم. قال: فلا بأس به. فأخبرت أبا سعيد فقلت: إني سألت ابن عباس عن الصرف، فقال: أيداً بيد. قلت: نعم، قال: فلا بأس به، قال: أو قال ذلك؟ إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه. قال: فوالله لقد جاء بعض فتيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتمر فأنكره فقال: كأن هذا ليس من تمر أرضنا؟ قال: كان في تمر أرضنا أو في تمرنا العام بعض الشيء فأخذت هذا وزدت بعض الزيادة، فقال: أضعفت أربيت لا تقربن هذا إذا رابك من تمرك شيء فبعه ثم اشتر الذي تريد من التمر"(5).

ويمكن أن نستخلص من الأحاديث السابقة عدة مسائل، هي:

المسألة الأولى: هل يبطل بيع الربوي بجنسه متفاضلاً.

المسألة الثانية: هل يكفي رد الزيادة، أم يرد المبيع كله.

المسألة الثالثة: هل يشترط القبض في هذه العملية.

المسألة الرابعة: هل يجوز أن يشتري التمر الجيد ممن اشترى منه التمر الرديء.

المسألة الخامسة: هل فيها دليل على جواز الحيل الشرعية (أو المخارج الشرعية).

المسألة السادسة: هل يستدل بالحديث على جواز توسيط سلعة عند الرغبة في مبادلة الربويات بجنسها.

المسألة السابعة: هل من يمكن تطبيق المخرج الشرعي في حال الترفق بالنفس بالبحث عن الوسائل الشرعية للطعام الطيب.

ويأتي تفصيلها في ما يأتي.

المسألة الأولى: هل يبطل بيع الربوي بجنسه متفاضلاً.

قال ابن عبدالبر: والبيع إذا وقع محرماً أو على ما لا يجوز فمفسوخ مردود وإن جهله فاعله. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من عمل عملاً على غير أمرنا فهو رد" أي مردود، فإن أدرك المبيع بعينه رد وإن فات رد مثله في المكيل والموزون، ويفسخ البيع بين المتبايعين فيه، وإن لم يكن مكيلاً ولا موزوناً فالقيمة فيه عند مالك أعدل وعند الشافعي وأبي حنيفة المثل أيضاً في كل شيء إلا أن يعدم فينصرف فيه إلى القيمة(5).

وقد يرد إشكال بأنه لم يرد في حديث أبي هريرة وأبي سعيد - رضي الله عنهما - الأمر برد التمر، وإبطال البيع. ويجاب عن هذا الإيراد بأنه رد التمر ورد في الحديث الذي رواه مسلم وفيه: " هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا". وقد ذكر ابن حجر في الفتح عن ابن عبدالبر أنه قال: وأما سكوت من سكت من الرواة عن فسخ البيع المذكور فلا يدل على عدم الوقوع إما ذهولاً وإما اكتفاء بأن ذلك معلوم وقد ورد الفسخ من طريق أخرى كأنه يشير إلى ما أخرجه مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد نحو هذه القصة وفيه فقال: هذا الربا فردوه. قال: ويحتمل تعدد القصة وأن القصة التي لم يقع فيها الرد كانت قبل تحريم ربا الفضل والله أعلم(2).

المسألة الثانية: هل يكفي رد الزيادة الربوية، أم يرد المبيع كله حكماً ببطلانه.

قال ابن حجر في فقه الأحاديث المتقدمة: وفيه حجة على من قال: إن بيع الربا جائز بأصله من حيث أنه بيع ممنوع بوصفه من حيث إنه ربا، فعلى هذا يسقط الربا ويصح البيع، قاله القرطبي، قال: ووجه الرد أنه لو كان كذلك لما رد النبي - صلى الله عليه وسلم-  هذه الصفقة ولأمره برد الزيادة على الصاع(3).

المسألة الثالثة: هل يشترط القبض في هذه العملية التي أرشد إليها النبي ? مخرجاً من الوقوع في ربا الفضل.

يشترط لصحة هذه المعاملة أن يقبض البائع الثمن، لما روى سعيد بن منصور من طريق بن سيرين أن عمر خطب فقال: إن الدرهم بالدرهم سواء بسواء يداً بيد. فقال له ابن عوف: فنعطي الجنيب ونأخذ غيره؟ قال: لا، ولكن ابتع بهذا عرضاً، فإذا قبضته وكان له فيه نية، فاهضم ما شئت وخذ أي نقد شئت(4).

المسألة الرابعة: هل يجوز أن يشتري التمر الجيد ممن اشترى منه التمر الرديء أم لا بد من يشتريه من طرف ثالث.

قال الزرقاني في شرحه للموطأ في فقه الحديث: واحتج بالحديث من أجاز بيع الطعام من رجل بنقد، ويبتاع منه بذلك النقد طعاماً قبل الافتراق وبعده؛ لأنه لم يخص فيه بائع الطعام ولا مبتاعه من غيره. وبه قال الحنفية والشافعية ومنعه المالكية، وأجابوا: بأن الحديث مطلق لا يشمل ما ذكر، فإذا عمل به في صورة سقط الاحتجاج به فيما عداها بإجماع الأصوليين، وبأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: وابتع ممن اشترى الجمع، بل خرج الكلام غير متعرض لعين البائع من هو فلا يدل على المدعي.

وقال ابن عبد البر: بيع التمر الجمع بالدراهم وشراء الجنيب بها من رجل واحد في وقت واحد يدخله ما يدخل الصرف في بيع الذهب بدراهم ويشتري بها ذهباً من رجل واحد في وقت (واحد)، والمراعى في ذلك كلمة واحدة، فمالك يكره ذلك على أصله وكل من قال بالذرائع كذلك وغيره يراعي السلامة في ذلك لا يفسخ بيعاً قد انعقد إلا بيقين وقصد. أ هـ(5).

المسألة الخامسة: هل في الأحاديث السابقة دليل على جواز الحيل الشرعية (أو المخارج الشرعية).

قال الزرقاني: وذكر بعضهم أن الشافعية استدلوا به على جواز الحيلة في بيع الربوي بجنسه متفاضلاً بأن يبيعه من صاحبه بدراهم أو عرض ويشتري منه بالدراهم، أو يقرض كل منهما صاحبه ويبريه، أو يتواهبا، أو يهب الفاضل مالكه لصاحبه بعد شرائه منه ما عداه بما يساويه، فكل هذا جائز إذا لم يشترط في بيعه وإقراضه وهبته ما يفعله الآخر. نعم هي مكروهة إذا نويا ذلك، لأن كل شرط أفسد التصريح به العقد يكره إذا نواه كما لو تزوج بشرط أن يطلق لم ينعقد، فإن قصد ذلك كره. ثم هذه الطرق ليست حيلاً في بيع الربوي بجنسه متفاضلاً؛ لأنه حرام بل حيل في تمليكه لتحصيل ذلك ففي التعبير بذلك تسامح. ا. هـ(6).

وقال ابن قدامة: فصل وإذا باع مُدَّيْ تمر رديء بدرهم، ثم اشترى بالدرهم تمراً جنيباً، أو اشترى من رجل ديناراً صحيحاً بدراهم، وتقابضاها، ثم اشترى منه بالدراهم قراضة(7) من غير مواطأة ولا حيلة فلا بأس به، وقال ابن أبي موسى: لا يجوز إلا أن يمضي إلى غيره ليبتاع منه فلا يستقيم له فيجوز أن يرجع إلى البائع فيبتاع منه، وقال أحمد في رواية الأثرم: يبيعها من غيره أحب إلي، قلت له: قال: لم يعلمه أنه يريد أن يبيعها منه؟ فقال: يبيعها من غيره فهو أطيب لنفسه وأحرى أن يستوفي الذهب منه، فإنه إذا ردها إليه لعله أن لا يوفيه الذهب ولا يحكم الوزن ولا يتقصى، يقول: هي ترجع إليه.

قيل لأبي عبد الله: فذهب ليشتري الدراهم الذهب التي أخذها منه من غيره فلم يجدها فرجع إليه؟ فقال: إذا كان لا يبالي اشترى منه ومن غيره فنعم.

فظاهر أن هذا على وجه الاستحباب لا الإيجاب، ولعل أحمد إنما أراد اجتناب المواطأة على هذا، ولهذا قال: إذا كان لا يبالي اشترى منه أو من غيره فنعم.

وقال مالك: إن فعل ذلك مرة جاز وإن فعله أكثر من مرة لم يجز لأنه يضارع الربا.

ولنا:

1ـ ما روى أبو سعيد قال جاء بلال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر برني فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: من أين هذا. قال بلال: كان عندنا تمر رديء فبعت صاعين بصاع ليطعم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتر به " وروى أيضاً أبو سعيد وأبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلاً على خيبر فجاءه بتمر جنيب فقال: " أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله! إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تفعل، بع التمر بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباً". متفق عليهما، ولم يأمره أن يبيعه من غير من يشتري منه ولو كان ذلك محرماً لبينه له وعرفه إياه،

1ـ ولأنه باع الجنس بغيره من غير شرط ولا مواطأة فجاز كما لو باعه من غيره،

2ـ ولأن ما جاز من البياعات مرة جاز على الإطلاق كسائر البياعات(8).

المسألة السادسة: هل يستدل بالأحاديث السابقة على جواز توسيط سلعة عند الرغبة في مبادلة الربويات بجنسها.

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: قول المالكية والحنابلة بعدم جواز ذلك، قال الإمام ابن قدامة في المغني: فأما إن تواطأ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، وبه قال مالك. وذكر ابن قدامة دليل المنع بأنه إذا كان عن مواطأة كان حيلة والحيل محرمة.

القول الثاني: قول أبي حنيفة والشافعي بأن ذلك يجوز ما لم يكن مشروطاً في العقد(9).

والراجح والله أعلم المنع، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، والمواطأة هي أن يعلم كلا المتبايعين برغبة كل منهما في مبادلة الربوي بجنسه، وذلك للمدلول اللغوي لكلمة التواطؤ، فإن صيغة تفاعل في العربية تدل على حصول الفعل من طرفين، كما هو معلوم. وأما إن كان أحدهما لا يعلم بتلك الحيلة، فمقتضى الحديث السابق الجواز، والله أعلم.

قال ابن السبكي في فتاويه: وقول النبي - صلى الله عليه وسلم- : (بع الجمع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيباً) فقلت: هذا الذي في الحديث حيلة في الخلاص من الربا فلا يحرم، ولا يكره، والفرق بينه، وبين غيره من الحيل أن المقصود في الحديث التوصل إلى شراء الجنيب الطيب بعينه بالجمع، وهو رديء لعينه، ولا يمكن شراؤه بالمساواة لعدم رضا صاحب الجنيب لكونه أفضل، ولا بالتفاضل لأجل الربا فأرشدهم الشارع إلى طريق يحصل المقصود، وهي تحصيل أحد النوعين بالآخر، ولم تكن الزيادة مقصودة؛ ولهذا قال: بع الجمع بالدراهم، واشتر بالدراهم جنيباً، ولم يقل: بع الناقص، واشتر الزائد، فالزيادة ليست مقصودة لهما، وهي المحظورة في الشرع بخلاف ما نحن فيه، فإن قصد ولي اليتيم(10) إنما هو الزيادة فههنا التوصل إلى ما قصد الشارع عدمه، وحرمه، وهناك التوصل إلى ما لم يقصد الشارع عدمه فإن بيع الجمع بالجنيب من حيث ذاتهما لا يحرم، وإنما يحرم التفاضل فافهم هذا فإنه نفيس، ويصلح أن يكون قاعدة وهي: إن كل موضع قصد فيه التوصل إلى أصلي من حيث ذاته لا من حيث كونه حراماً فهو جائز، وهو خلاص عن الحرام لا حرام فزيادة أحد البدلين على الآخر في الربا حرام فقصدها بالطريق الحرام حرام، وبالطريق الحلال مكروه؛ لأنه يشبه مراغمة الشارع، ومن هذا الباب التعدي في السبت؛ لأن مقصود الشارع منعهم من الاستيلاء على الصيد يوم السبت، وما فعلوه طريق إلى هذا المقصود، والتوصل إلى استباحة بضع المرأة بعقد النكاح ليس بحرام؛ لأن وطأها من حيث هو ليس بحرام، وإنما المحرم الزنا وأما الوطء بالطريق الشرعي فهو حلال. فليس ما قاله ابن حزم صحيحاً من أن كل عقد حيلة إلى محرم - (فهو محرم)(11) - فقد خفي على ابن حزم هذا المعنى الذي قلناه، وهو أن الشيء قد يكون أعم، وتحته صورة خاصة محرمة، وصورة خاصة مباحة فلا يوصف الأعم بالتحريم، ولا المتوصل إليه بالطريق الشرعي متحيلاً على الحرام، والزيادة في عقود الربا محرمة من حيث هي زيادة فمتى قصدها بأي طريق كان فقد تحيل عليها، فإن فعلها بالطريق المحرمة كان حراماً بلا إشكال، وإن فعلها بغيره كره لقصده، ولم يحرم؛ لأنه بغير الطريق المحرم، والله أعلم(12).

المسألة السابعة: هل من يمكن تطبيق المخرج الشرعي في حال الترفق بالنفس بالبحث عن الوسائل الشرعية للطعام الطيب.

قال ابن حجر في الفتح: وفيه جواز الرفق بالنفس، وترك الحمل على النفس؛ لاختيار أكل الطيب على الرديء خلافاً لمن منع ذلك من المتزهدين(13).

وهذا يدل على أنه ليس من شرط الأخذ بالحيلة الشرعية (أو المخرج الشرعي) أن يكون في الضروريات أو الحاجيات، بل يجوز ذلك في حال طلب ما تشتهيه النفس من أنواع التمر الجيد.

والله - تعالى -أعلم.

الهوامش:

1- رواه البخاري في صحيحه برقم 2180.

2- رواه مسلم في صحيحه برقم 1593.

3- رواه مسلم في صحيحه برقم 1594. ج 2 ص 1216(طبعة محمد فؤاد عبدالباقي).

4- رواه مسلم في صحيحه برقم 1594 ج 2 ص 1216(طبعة محمد فؤاد عبدالباقي).

5- رواه مسلم في صحيحه برقم 1594 ج 2 ص 1216(طبعة محمد فؤاد عبدالباقي).

6- التمهيد 5/129-130.

7- فتح الباري 4/400.

8- فتح الباري 4/401.

9- فتح الباري 4/401.

10- شرح الزرقاني 3/344.

11- شرح الزرقاني 3/344.

12- القراضة قطعة من الذهب.

13- المغني 4/55-56.

14- المغني 4/55-56.

15- يقصد ما ورد في الاستفتاء المقدم إليه.

16- زيادة اقتضاها السياق.

17- فتاوى السبكي 1/328 (طبعة دار المعرفة).

18- فتح الباري 4/400.

http://jmuslim.naseej.com/Detail.asp?InNewsItemID=251970

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة