Share |
حق الأجيال في التعرف على اليهود
الكـاتب : محمد حسان
تم قراءة المقال : 1165

حق الأجيال في التعرف على اليهود

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله - تعالى - من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فاللهم أجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن أمته ورسولاً عن دعوته ورسالته، وصل اللهم وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وصحبة وأحبابه وأتباعه وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد:

فحياكم الله جميعاً وطبتم جميعاً وطاب ممشاكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأسأل الله العظيم الحليم الكريم - جل وعلا - الذي جمعنا في هذا البيت المبارك الطيب على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى في جنته ودار كرامته، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

أحبتي في الله... (حقوق يجب أن تعرف) سلسلة منهجية تحدد الدواء من القرآن والسنة لهذا الداء العضال الذي استشرى في جسد الأمة ألا وهو داء الانفصام النكد بين منهجيا المنير وواقعها المؤلم المرير، فأنا لا أعرف زماناً قد انحرفت فيه الأمة عن منهج ربها ونبيها كهذا الزمان، فأردت أن أذكر نفسي وأمتي لعلها أن تسمع من جديد عن الله - عز وجل -، ولعلها أن تسمع من جديد عن رسول الله لعلها أن تحول هذا المنهج المنير في حياتها إلى منهج حياة وتردد مع الصادقين السابقين الأولين قولتهم الخالدة: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) سورة البقرة.

ونحن اليوم بحول الله ومدده على موعد مع اللقاء السابع عشر من لقاءات هذه السلسلة الكريمة وعلى موعد مع حق كبير جليل أراه الآن من حقوق الساعة وربما أشعر بالخيانة إذا لم أوضحه الآن في هذا الظرف الحرج الذي تمر به الأمة أي وهو حق الأجيال في التعرف على اليهود.

فأعيروني القلوب والأسماع فإن هذا الموضوع موضوع الساعة بلا نزاع، وكما تعودت حتى لا ينسحب بساط الوقت من تحت أقدامنا فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع المهم في العناصر الآتية:

أولاً: حقيقة اليهود.

ثانياً: لماذا انتصر اليهود؟

ثالثاً: وسيهزم اليهود.

فأعيروني القلوب والأسماع فإن هذا الموضوع موضوع الساعة بلا نزاع.

أولاً: حقيقة اليهود:

اليهود منذ البداية أيها المسلمون هم نسل الأسباط الأثنى عشر ليوسف وإخوته على نبينا وعليه الصلاة والسلام، نزحوا إلى مصرنا هذه إلى بلدنا مصر بدعوة من نبي الله يوسف واستقر بها بنو إسرائيل- وإسرائيل هو نبي الله يعقوب- واستقر بمصر بنو إسرائيل، وتواصى الأسباط فيما بينهم: ألا يندمجوا مع الشعب المصري حتى يبقى لكل سبط نسله المتميز المعروف، فنبذ المصريون بني إسرائيل منذ اللحظات الأولى لما شعر به المصريون من كبر واستعلاء من قبلهم، وازدادت العداوة يوما بعد يوم بين المصريين وبين بني إسرائيل ونسلهم المتكاثر المتميز حتى سام بني إسرائيل فرعون مصر سوء العذاب إلى أن بعث الله - عز وجل - نبيه موسى إلى فرعون في مصر هذه بقوله - تعالى -: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) سورة النازعات وسورة طه: (24) فوجد بنو إسرائيل في موسى حبل النجاة فآمنوا به - عليه الصلاة والسلام -، لعل الله أن ينجيهم من فرعون وملئه، فنجاهم الله من فرعون الذي سامهم سوء العذاب، فاستحيا نساءهم وذبح صغارهم بل وشق الله لبنى إسرائيل طريقا في البحر يبسا ونجاهم جميعا وأهلك فرعون وملأه.

قال - تعالى -في سياق الامتنان بهذه النعمة العظيمة على بني إسرائيل قال - تعالى -: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (49، 50) سورة البقرة وكان من الواجب على نسل بني إسرائيل أن يعبدوا الله - عز وجل - وأن يزدادوا طاعة له ولنبيه موسى، ولكنهم عاندوا بعد أن أنزل الله عليهم المن والسلوى وأكرمهم غاية الإكرام ذهب نبي الله موسى لمناجاة ومناداة ربه جل جلاله، فأخذ بنو إسرائيل عجلا ذهبيا فعبدوه من دون الرب العلى، فقال لهم نبي الله هارون: وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (90، 91) سورة طـه فلما رجع نبي الله موسى قالوا: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55) سورة البقرة.

ومع ذلك بعثهم الله - جل وعلا - من بعد موتهم مرة أخرى لعلهم يذكرون الله ويتوبون إليه، ولكنهم ازدادوا كفرا وعناداً وطغيانا فلما سألهم نبي الله موسى أن يدخلوا معه الأرض المقدسة وقال: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) سورة المائدة فأبى بنو إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة، وزعموا أن فيها قوماً جبارين لا يقدرون على قتالهم ثم قالوا لنبي الله موسى: قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) سورة المائدة.

ثم تاب الله - عز وجل - عليهم بعد ما عاقبهم بالتيه في الأرض أربعين سنة ودخلوا الأرض المقدسة مرة أخرى، ولكنهم ازدادوا عناداً وطغياناً وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، وسأل نبي الله موسى ربه أن يقبضه إلى جوار الأرض المقدسة بعد ما تعب من معالجة بني إسرائيل، فاستجاب الله لنبيه موسى فقبضه الله - عز وجل - إلى جوار الأرض المقدسة بمقدار رمية حجرين والحديث في الصحيحين من حديث أبى هريرة، وفيه يقول نبينا المصطفى

: " فلو كنت ثم أي: لو كنت هنالك- لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر" ([1]) ثم توالت عليهم الأنبياء والمرسلون فكذبوا فريقا من الأنبياء وقتلوا فريقا آخر: قال - تعالى -: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ * وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ (87، 88) سورة البقرة أي: غلفت في أغلفة الكفر بعد أغلفة الكبر والعناد: وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ (88) سورة البقرة.

ثم أرسل الله إليهم نبيه عيسى على نبينا و- عليه الصلاة والسلام -، وكان من المنتظر أن يصحح اليهود خطأهم وأن يوحدوا ربهم وأن يطيعوا رسولهم الذي أرسله الله - جل وعلا -، ولكنهم ازدادوا عناداً فاتهموا عيسى ابن مريم منذ اللحظات الأولى بأنه ولد زنا بل وخططوا لقتل نبي الله عيسى بل أعلنوا ذلك بكل الوقاحة والسفاهة قال - تعالى -حكاية عنهم: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) سورة النساء.

بل سجلوا افتراءاتهم الخبيثة الحقيرة على نبي الله عيسى سجلوها في كتابهم الفاجر الجنسي الفاضح المسى بالتلمود، وأكتفي بذكر فقرة واحدة من فقرات هذا التلمود الخبيث تقول بالحرف الواحد: يسوع النصارى- يعنى عيسى يسوع النصارى- موجود في لجات الجحيم، بل بين الزفت والقطران والنار وإن أمة مريم قد أتت به من الزنا.

وهكذا سلط الله عليهم من يمزقهم شر ممزق، فسلط عليهم الرومان فمزقهم الرومانيون وشتتوهم في الأرض شراذم متبعثرة كتبعثر الفئران، وكانت مدينة الحبيب المصطفى ممن ابتليت بشرذمة من هذه الشراذم، فسكن اليهود مدينة المصطفى، بل وراحوا يفخرون على الأوس والخزرج بأنهم ينتظرون نبي آخر الزمان ذلك النبي الذي بشرت به التوراة يعرفون صفته ويعرفون أرض مبعثه ويعرفون أرض هجرته، وراحوا يمتنون على الأوس والخزرج، فإنهم سيؤمنون بهذا النبي ليعيد لهم مجد داود وملكه، فلما بعث الله نبينا محمد من العرب وليس من اليهود، ناصب اليهود رسول الله العداء من اللحظة الأولى فمن أول لحظة هاجر فيها الرسول من مكة إلى المدينة، وانطلق إليه عبد الله بن سلام حبر من أحبار اليهود الأعظم أي: عالم اليهود الكبير يقول عبد الله بن سلام: فلما نظرت إلى جهة النبي عرفت أنه ليس بوجه كذاب، فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقلت: إني سائلك عن شيء لا يعرفه إلا نبي فقال المصطفى: سل".

فقال عبد الله بن سلام: ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وأسألك عن أول علامات الساعة؟ وأسألك متى ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال النبي: " أخبرني بهن جبريل آنفا نزل على الآن، وأما أول أشراط الساعة فنار تخرج من المشرق تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول ما يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه إلا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر بإذن الله وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثى بإذن الله".

وفى لفظ: "إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل أنثا بإذن الله " فقال عبد الله بن سلام: أشهد انك رسول الله.

وقال للرسول: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت أهل ظلم ينكرون الحقائق، فاكتم عنهم خبر إسلامي وسلهم عنى، فجمع النبي بطون اليهود وقال لهم: "ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ " قالوا: سيدنا وأبن سيدنا وحبرنا وابن حبرنا.

فقام عبد الله بن سلام إلى جوار رسول الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

فرد اليهود الكلاب المجرمون على لسان وقلب رجل واحد في حق عبد الله ابن سلام قالوا: سفيهنا وابن سفيهنا وجاهلنا وابن جاهلنا ([2]).

هذه طبيعة اليهود منذ اللحظات الأولى لم يتغيروا ولن تتغير فهذه جبلة اليهود التي لم تفارقهم ولن تفارقهم إلا إذا تخلت الأفاعي عن سمومها وتخلت الحمير عن نهيقها، وتخلت الثعالب عن مكرها حينئذ قد يتخلى اليهود عن نقض العهود، وهذا محال فجبلتهم نقض العهود، وعلى الكذب والتضليل والتزييف والإفساد في الأرض عالجهم الأنبياء والرسل أشد المعالجة، ولكنهم في كل مرة يزدادون عنادا وكبرا وكفرا وطغيانا، فاستحقوا اللعنة من الله - عز وجل -، وقال - سبحانه -: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) سورة المائدة..

أي: لا تزال اليهود على خيانة بعد خيانة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ففي هذه اللحظة ناصب اليهود العداء لرسول الله والإسلام، ولكن النبي قد نصره الله- تبارك وتعالى -على المشركين في غزوة بدر الكبرى نصراً مؤزرا فانطلق إلى اليهود فجمعهم في سوق بني قينقاع، وقال لهم حينما أثاروا فتنة حقيرة للتقليل من شأن النصر الإسلامي، وراحوا يؤلبون المشركين في مكة للثأر من محمد وأصحابه، انطلق إليهم رسول الله، وقال لهم: يا معشر اليهود أسلموا فأنتم تعلمون أنى النبي الذي قد بشرت به التوراة". والحديث رواه أبو داود بسند حسنه الحافظ ابن حجر: " يا معشر اليهود أسلموا فأنتم تعلمون أنى النبي الذي قد بشرت به التوراة قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشا". فرد اليهود بكبر وعنجهية واستعلاء وقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قاتلت أقواما أغماراً لا يعرفون القتال، فإنك لو قاتلتنا لعرفت إننا نحن القوم وإنك لم تلق مثلنا([3]) فتركهم رسول الله ثم حاصرهم في شوال في السنة الثانية من الهجرة خمس عشرة ليلة حتى أخزاهم الله وأجلاهم رسول الله وغنم المسلمون أموالهم ثم طردوهم خارج الجزيرة إلى أذرعات الشام.

وفى السنة الرابعة من الهجرة تآمر يهود بني النضير على البشير النذير يوم أن ذهب إليهم رسول الله ليسألهم أن يساهموا معه في دية وكان بينه وبينهم عهد وميثاق فقالوا: نعم نحن نساهم معك في ذلك يا محمد ثم جلسوا أو أجلسوا النبي إلى جوار جدار بيت لرجل منهم ثم خلا بعضهم ببعض، وقالوا: لن تجدوا الرجل في مثل هذه الحالة، فمن يقوم منكم لسطح هذه الدار ليلقى بصخرة على رأسه ليريحنا فانبعث أشقاهم: عمرو بن جحاش وصعد إلى السطح ليلقى بصخرة على رأس المصطفى ولكن هيهات، فلقد وعده ربه بقوله: وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (67) سورة المائدة.

فأخبر الله نبيه المصطفى بهذه المؤامرة الحقيرى الدنيئة فقام المصطفى مسرعاً وأخبر أصحابه بهذا المخطط الغادر الآثم فانطلق الصحابة مع رسول الله وحاصروا يهود بني النضير حصاراً طويلاً حتى أخزاهم الله - عز وجل - وغنم المسلمون أموالهم وأجلاهم رسول الله وأصحابه وفيهم نزلت سورة الحشر بأسرها وفيها يقول ربنا - جل وعلا -: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ * وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ الحشر: 2 4).

وفى السنة الخامسة. انظروا إلى المؤامرات لعب يهود بنى قريظة دوراً من أخطر الأدوار وأحقر الأدوار، فلقد حاصر المشركون من الأحزاب المدينة من كل ناحية، وابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، يوم سمع المصطفى وأصحابه أن يهود بنى قريظة داخل المدينة قد نقضوا العهد مع رسول الله، تصور معي المشركون يحاصرون المدينة من كل ناحية وترك النبي اليهود داخل المدينة وترك معهم النساء والأطفال فبينه وبين اليهود عهد وميثاق، ولكن اليهود في الوقت الحرج بعدما ألبوا قبائل المشركين للانتقام من محمد وأصحابه وعدوهم بأن يساعدوهم وأن يقفوا معهم في أصعب الأوقات، وبالفعل نقض اليهود العهود مع المصطفى وشكلوا تحدياً خطيراً داخل المدينة لاسيما وقد خرج رسول الله مع كل أصحابه لصد هذا الحصار الرهيب من المشركين حول المدينة وتركوا الأطفال والأموال بداخلها وهنا قال المنافقون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديداً حتى قام المصطفى يتضرع إلى الله: " اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم".

والحديث في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبى أوفى([4]) فاستجاب الله دعاء نبيه فأرسل الله جنداً من عنده: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ (31) سورة المدثر..

فأرسل الله الريح، فاقتلعت الريح خيام المشركين وكفأت الريح قدورهم، وقذف الله الرعب في قلوبهم، فانطلقوا وتبعثروا في أرض الجزيرة كتبعثر الفئران، ونصر الله عبده، وأعز الله جنده، وهزم الله الأحزاب وحده، هزم الأحزاب وحده جل جلاله بالريح فقط: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.

متى ستعرف الأمة ربها؟

متى ستعرف الأمة أن الأمريكان والروس والأوروبيين لا يعجزون رب العالمين: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) سورة يــس..

ولكن الأمة لا تستحق الآن أن تتدخل لها هذه الأسباب والسنن الربانية لنصرتها، لأنها تخلت عن منهج رب البرية ومنهج سيد البشرية.

وإن الله سنناً ربانية في الكون لا تتبدل ولا تتغير ولا تحابى هذه السنن أحداً من الخلق بحال مهما أدعى لنفسه من مقومات المحاباة.

استجاب الله دعاء نبيه وهزم الأحزاب وحده، وبمجرد أن دخل النبي بيته بعدها طرد الله الأحزاب وتبعثروا كما ذكرت وإذ بالمصطفى يرى جبريل - عليه السلام - ينزل إليه وهو يلبس لباس الحرب، ويقول جبريل للمصطفى: أو قد وضعت سلاحك فإن الملائكة لم تضع أسلحتها، فقم انهض بمن معك إلى يهود بنى قريظة- أي: الذين نقضوا العهد داخل المدينة- فإني سائر أمامك،

يقول جبريل للمصطفى: فإني سائر أمامك لأقذف الرعب في قلوبهم ولأزلزل حصونهم. والحديث في الصحيحين. ([5]).

فأرسل المصطفى من ينادى من كان طائعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بنى قريظة فانطلق الأطهار مع نبينا المختار وحاصر المصطفى يهود بنى قريظة حصاراً طويلاً لمناعة حصونهم وقوتها، ولكن المصطفى في يوم من الأيام نزل يهود بنى قريظة على حكم سعد بن معاذ - رضي الله عنه وأرضاه-، فبدأ حكم سعد بن معاذ الذي جيء به- وهو سيد الأنصار الذي سأل ربه أن يحييه حتى يشهد نهاية بنى قريظة فاستجاب الله - عز وجل - له- وجيء به فقالوا: رضينا بحكم سعد بن معاذ فحكم سعد بن معاذ بقتل الرجال وسبى الذرية وتقسيم الأموال فقال له سيد الرجال: والذي نفسي بيده لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات"، وأجلى الله يهود بنى قريظة.

وفى السنة السابعة لعب يهود خيبر دورا في منتهى القذارة والحقارة، فخرج إليهم رسول الله مع أصحابة وحاصروهم حصاراً طويلاً جداً، فكانت حصون خيبر أمنع الحصون في المدينة كلها وطال الحصار، وفى يوم من الأيام قال النبي المختار: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه" أي يفتح الله على يديه حصون خيبر.

من هذا البطل الذي يحب الله ورسوله؟ وهذه مسألة عادية، ولكن انظر: " ويحبه الله ورسوله" حتى تطلع كل الصحابة للإمارة والقيادة في هذا اليوم قال عمر ابن الخطاب رضوان الله عليه وأرضاه قال: والله ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، والله ما تطلعت إلى الأمارة إلا يومها رجاء أن أعطاها.

رجا عمر أن يعطيه رسول الله الراية في هذا اليوم، وفى اليوم التالي وقفت الجيوش ونادى رسول الله على القائد الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، والذي سيفتح الله على يديه حصون خيبر المنيعة، فسأل المصطفى وقال: "أين على بن أبى طالب؟ "-يا لها من كرامة ومنقبة لعلى، أراها أعظم كراماته- فقالوا: لم يأت اليوم لم يحضر اليوم للقتال قال: " ولم؟ أرسلوا إليه". قالوا: يا رسول الله إنه يشكو وجعاً في عينيه. فقال رسول الله: " أرسلوا إليه". فأرسلوا إليه، فمسح النبي فدعا له فبرئ، وكأن لم يكن بهما وجع. الحديث في الصحيحين.

ثم أعطاه الراية فقال: علام أقاتلهم يا رسول الله قال: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فو الذي نفس محمد بيده لأن يهدى الله بك رجلا واحداً خير لك من حمر النعم" ([6]). فانطلق

على وسرعان ما فتح عليه الرب العلى ويومها هتف الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم- : "الله اكبر خرجت خيبر، الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين".

أسأل الله أن يعجل بهذا اليوم الذي يهتف فيه الموحدون، الله أكبر خربت دولة يهود، وما ذلك على الله بعزيز.

ولم ينته اليهود المجرمون عند هذا الحد بل دسوا السم في شاة للمصطفى في خيبر، ليقتلوا رسول الله بالسم، ولكن الله نجاه، ولم ينتبه العنكبوت اليهودي من نسج خيوطه وحبك مؤامرته الحقيرة التي بلغت أوجها في العصر الحديث في إفراز هذه الغدة السرطانية الخبيثة في قلب العالم الإسلامي فوق الثرى الطاهر فوق مسرى الحبيب محمد في الأرض المقدسة المباركة التي باركها الله وقدسها وأدخلها رسول الله في مقدسات المسلمين ليلة الإسراء، قال - سبحانه -: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ (1) سورة الإسراء، وقال - تعالى -: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) سورة الأنبياء، وقال - تعالى -: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ (21) سورة المائدة.

وضع المجرمون اليهود هذا المولود اللقيط على هذه الأرض الطاهرة، فوق هذه الأرض المباركة، وذلك بعد نجاحهم في إسقاط الخلافة، وأرجو من شبابنا وأجيالنا أن يتعرفوا على هذا التاريخ وحقائقه، لأن التاريخ الذي يدرس لأبنائنا وبناتنا في الجامعات مزور ومحرف في كثير من جزئياته، لأكون منصفا عادلاً، زور التاريخ في معظم مراحله ونقل التاريخ المزور هذا لأبنائنا وبناتنا، وما زال يدرس لهم في الجامعات والمرحلة الثانوية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

نجح اليهود في إسقاط الخلافة بعد القضاء على السلطان البطل السلطان العثماني عبد الحميد -طيب الله ثراه- هذا البطل الذي شوه تاريخه وزور، لأنه أبى أن يسلم لليهود شبراً واحدا في أرض فلسطين، ذهب إليه اليهودي الماسوني (قره سو) وقال

له: إنني مندوب إلى جلالتكم عن الجمعية الماسونية لأرجو جلالتكم أن تقبلوا خمسة ملايين ليرة ذهيبة لخزينتكم الخاصة- انتبه إلى أسلوب اليهود في كل زمان ومكان الذي لا يتغير.

إنني مندوب إلى جلالتكم عن الجمعية الماسونية لأرجو جلالتكم أن تقبلوا خمسة ملايين ليرة ذهبية لخزينتكم الخاصة، ومائة مليون ليرة ذهبية لخزينة الدولة على أن تمنحوا لنا بعض الامتيازات في دولة فلسطين.

فالتفت السلطان إلى الجلساء في مجلسه وقال: أو ما كنتم تعرفون ما يريده هذا الخنزيز؟ أو ما كنتم تعرفون ما يريده هذا الخنزيز؟ ثم التفت إليه وقال: أخرج أيها السافل فخرج، ولكن اليهود لا يعرفون اليأس، فعاد السلطان في المرة الثانية مؤسس الصهيونية الأول (تيودور هرتزل) بصحبة الحاخام اليهودي الكبير (موسى ليفى) فلما دخلا على السلطان وعرضا عليه أن يبيع لهم أرض فلسطين بأي ثمن فقال السلطان كلاما عجيباً.

قال لمؤسس الصهيونية الأول تيودر هرتزل قال: إن الأرض قد امتلكها شعبي ورواها بدمه وهى لا تباع إلا بنفس الثمن، فخرج (تيودور هرتزل) فقال السلطان: انصحوا الدكتور (هرتزل) ألا يتخذ خطوات جديدة في هذا السبيل، فإن الأرض ليست ملكي، وإنما هي ملك شعبي، وقد رواها بدمه، ثم قال: فإن مزقت إمبراطوريتى يوماً، فإن اليهود يستطيعون أن يأخذوا فلسطين بلا أي ثمن، ثم قال: إنني لا أوافق أن تبتر فلسطين من إمبراطوريتى، إنني لا أوافق، إن عمل المبضع في بدني أهون على من أرى

فلسطين تبتر في إمبراطوريتى ثم قال أيضاً: أنا لا أوافق على أن تشرح أجسادنا

ونحن على قيد الحياة.

ولكن اليهود لم ييأسوا فأرادوا أن يزيحوا هذه الصخرة من طريقهم، واستطاعوا عن طريق إثارة النعرات القومية، وهذا مكمن خطير لابد من الالتفات إليه، فالنعرات القومية هي التي شتت الأمة في العصر الحديث، فإن الأمة الآن أصبحت غثاء من النفايات البشرية تعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية كدول أو كدويلات متناثرة متصارعة تفصل بينها حدود جغرافية مصطنعة ونعرات قومية جاهلية، وترفرف على سمائها رايات القومية الوطنية، وتحكم الأمة قوانين الغرب العلمانية، وتدور بالأمة الدوامات السياسة، فلا تملك الأمة نفسها عن الدوران بل ولا تختار لنفسها حتى المكان الذي ستدور فيه ذلت بعد عزة وجهلت بعد علم، وضعفت قوة لما شتت العدو شمل الأمة بإثارة هذه النعرات.

أنظر إلى واقع الدول الإسلامية، الآن انظر إلى مسمار الحدود القذر العفن بين كل دولتين تراه صراعاً رهيباً بين كل دولتين على الحدود، ثم انظر إلى النعرات التي مزقت شمل أفغانستان، فاستطاع اليهود من خلال هذا السلوك أن ينفذوا إلى جمعية الاتحاد والترقي بتلك الجمعية الماسونية اليهودية بعدما لمعوا (كمال أتاتورك) الذي مثل رأس الأفعى اليهودية للقضاء على الخلافة الإسلامية فعزل السلطان عبد الحميد، وتولى (كمال أتاتورك) المجرم الخائن الذي سقطت الخلافة في عهده، وراح ليلغى أي أثر للإسلام حتى أنه ألغى الأذان باللغة العربية، وألزم العلماء أن يخلعوا العمائم من على رؤوسهم وأن يلبسوا القبعة اليهودية إلى هذا الحد، وزال ظل الخلافة وظهر الوعد المشؤوم (وعد بلفور) عام 1917 بإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، وفى عام 48 حركة خيانية مفضوحة بمساعدة الشرق الملحد والغرب الكافر والأنظمة العربية الضالعة في الخيانة، استطاع اليهود أن يستولوا على ما يزيد على 78% من هذه الأراضي المقدسة المباركة ولا حول ولا قوة إلا بالله، والسؤال المرير الآن حتى لا أطيل لماذا انتصر اليهود؟. وهذا هو عنصرنا الثاني.

لماذا انتصر اليهود؟

والجواب في كلمات قليلة حتى لا ينسى شبابنا وطلابنا وأبناؤنا هذا الجواب. الجواب في كلمات قليلة كما قال الله - تعالى -: إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ (11) سورة الرعد.

وقال - تعالى -: ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) سورة الأنفال..

والأمة غيرت وبدلت انحرفت عن منهج ربها وعن سنة نبيها، فاستسلمت لهذه المؤامرة الحقيرة الخطيرة التي حبكت.

_________________

(1) رواه البخاري في الجنائز (1339)، ومسلم في الفضائل (2372 / 157).

(1) رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3329)، وفى مناقب الأنصار (3938)، وفى التفسير (4480).

(1) رواه أبو داود في الإمارة (3001)، وسنده حسن.

(1) رواه البخاري في الجهاد (2933، 2965، 2966) وفى المغازي (4115) وفى الدعوات (6392) وفى التوحيد (7489) ومسلم في الجهاد (1742).

(2) رواه البخاري في الجهاد (2813)، وفى المغازى (4118، 4122)، ومسلم في الجهاد..

(1769 / 65).

(1) رواه البخاري في الجهاد والسير (2942)، ومسلم في فضائل الصحابة (2405، 2406).

http://www.mohamedhassan.org/alkhotab%20wa%20aldoros/written/khotabmaktobahDt.aspx?hRateID=5&hAudVidID=1526

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.