حقيقة العبادة

خلق الله البشر لمهمة جليلة، وغاية نبيلة هي: عبادته وحده لا شريك له، قال - تعالى - : وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ، وهو - سبحانه - مستغن عنهم كلهم، ولا حاجة له لعـبـادتـهـم كما في الحديث القدسي: " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجـــل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً (رواه مسلم)، فنفع العبادة حاصل لمن قام بها، ولهذا قال العلماء: إن مـبـنـى الـشـريـعـــة على تحصيل مصالح العباد في الدنيا والآخرة.

فلا سبيل إلى سعادة البشرية إلا بعبادة ربها كما أمرها، فهي الزمام الذي يكـبـح جماح النفس من أن تلغ في شهواتها، وهي السبيل الذي يحجز البشرية عن الـتـمـــرد عـلـى شرع الله - تعالى -، فالخلل في أداء العبادة مؤذن بالخلل في الكون.

من أعظم مقاصد هذه العبادة حصول التقوى التي هي الحاجز عن وقوع الإنسان في المعاصي: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، وهي كذلك المحرك الفعال لهذه النفس حتى تنطلق من قيود الأرض، فترفرف في علياء السماء، وتنطلق في أفعال الخير بشتى صوره.

ولهذا أخبر الله - تعالى - عن المقصود من الصلاة فقال: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ...

وأخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الحكمة من الصوم فقال: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " (رواه البخاري).

فليس المقصود من العبادة مجرد الحركات الظاهرة التي تمارسها الجوارح دون أن تؤثر في الباطن، وإنما المقصود مع ذلك: عمل القلب، من الإخبات والتذلل والخضوع والخشوع بين يدي الله - عز وجل -، وذلك روح العبادة ولبها.

إن الذي يـؤدي العبادة ـ أي عبادة كانت ـ ولم يقم في قلبه أثناء ذلك مقام العبودية لله - عز وجل -، فكأنه ما أدى تلك العبادة حيث أدى صورتها لا حقيقتها.

وفي هذا يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها" (صحيح الجامع 1622).

ومع استمرار الغفلة، وشرود القلب في مواطن العبادة تصبح العبادة مجرد حركات ظاهرة، ليس لها أي أثر على قلب صاحبها، ومن ثم: ليس لها أي أثر على تصرفاته، فتصبح العبادة عادة.

وهذا ما يفسر لنا ما نراه من سلوك بعض الناس المخالف لشرع الله في المعاملة وفي الخُلُق مع أنهم من المصلين ومن رواد المساجد، بل ربما من قارئي القرآن ومن صائمي هواجر الأيام، لذلك يلاحظ الفرق الكبير بين من يصلي ثم ينصرف من صلاته كما دخل فيها، وبين من إذا وقف استشعر أنه واقف بين يدي الله، فاستحضر نية التقرب إلى الله - عز وجل - عند شروعه في الصلاة، وقام وفي قلبه مقام العبودية لله - عز وجل -، وشعر بالانكسار بين يدي العزيز الجبار، ثم إذا قرأ القرآن، أو تلاه، أو ذكر الأذكار واطأ قلبه لسانه، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، فهو قد سأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، وهكذا حتى ينصرف من صلاته، انظر إلى حال هذا الرجل وحال من دخل في صلاته وقلبه في مكان آخر، فالقرآن والأذكار تتردد على لسانه، دون أن تتجاوزه إلى عقله أو فكره، فهذا من أبعد الناس عن قوله - تعالى -: قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون.

وليس الأمر قاصراً على الصلاة، بل إنه عام في جميع العبادات، فذكر الله - سبحانه -، رتَّب الله عليه عظيم الجزاء والأجر، روى الحاكم عن أبي الدرداء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرِق ــ أي الفضة ــ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم... ".

هذه هي قيمة الذكر الصادق والجزاء الكبير من الله - تعالى- للذاكرين، وليس الذكر هو الدعاوى الفارغة التي يؤديها المتصوفة من المكاء والتصدية والرقص ويزعمون أنها ذكر، وليس مجرد كلمات سهلة على اللسان التي ليس لها أي أثر على القلب، ومن ثم على سلوك صاحبها، قال الله - تعالى -: إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلََى جُنُوبِهِمْ* وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ هؤلاء هم الذاكرون حقيقةً، يتوجهون إلى الله بالدعاء وهو من أعلى وأجل صور العبادة، وقد ملأ خوف الله قلوبهم فشعروا بحاجتهم إلى مغفرة خالقهم وعفوه، فقالوا: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

فالذكر يكون بالقلب قبل أن يكون مجرد نطق باللسان، وذكر القلب هذا يحدث في القلب والنفس والعقل من أسرار العبودية وأحوالها ما يجعل القلب مراقباً لله طيلة ذكره له، وتلك أعلى مراتب العبودية، إنها مرتبة الإحسان، أي: أن تعبد الله كأنك تراه، والمحسن هو المراقب لله في كل حين ووقت، في كل خاطرة وسانحة يبحث عن مرضاة الله في كل فعلة وقولة، بل في كل إرادة أو التفاتة تحدث من قلبه.

فحقيقة العبادة التي أُمرنا بها أن تتواطأ عبادة القلب مع عبادة الجوارح، فتتحقق عبودية القلب مع عبودية الجوارح، فنحسن العبادة باطناً كما نحسنها ظاهراً.

وثمة وسائل تقود إلى إحسان العبادة باطناً، وتبعث الروح فيها أهمها:

1- حضور القلب قبل أو عند البدء بالعبادة: والفقهاء يتحدثون عن النية قبل الشروع في العمل ويعنون بها النية التي تميز العمل نفسه، كصلاة الظهر عن صلاة العصر، وصوم النافلة عن صوم الفرض.. وما إلى ذلك، ويتحدث أرباب التوحيد وأهل السلوك عن النية التي تميز المعمول له، وهو المقصود بهذه العبادة.

2- تحديث القلب وتذكيره بالتعبد لله - عز وجل - سواء أكان ذلك خارج العبادة أو حتى في أثنائها إن أمكن، وهذا التحديث والتذكير نهر يمد القلب باللين والرقة والخشوع، فإذا شح ماؤه جف القلب ويبس ثم قسا، نعوذ بالله من ذلك.

3- التهيؤ للعبادة والاستعداد لها: والمثال الذي يوضح هذا وأثره: التبكير إلى المساجد لأداء الصلاة، وهذا التهيؤ المادي الجسدي يصاحبه ولا شك تهيؤ نفسي وروحي وقلبي على التبكير إلى المساجد، ومن هنا نفهم كثرة ما ورد عن السلف الصالح في هذا الشأن، كان إبراهيم بن يزيد الفقيه عابد الكوفة يقول: (إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه).

والتهيؤ يكون بحسب كل عبادة وما شرع فيها.

والمتأمل في ذلك يجد الفرق شاسعاً بين من يؤدي العبادة دون استعداد بدني يصحبه تهيؤ قلبي، ومن يأتي الصلاة مسرعاً حتى يدرك الركعة، فيدخل في الصلاة ولم يسكن جسده من ذلك السعي، ولهذا نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن السعي بعد الإقامة فقال: " إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وأنتم وعليكم السكينة ".

4- الابتعاد عما يشوش القلب أثناء الـعـبـادة: ففي الصلاة مثلاً: نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المصلي أن يصلي إلى ما يشغله أثـنـــاء الصلاة، " فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي "(صحيح الجامع 2500).

ولهذا جاء النهي عن أن يصلي الإنسان في حـضــرة طعام أو وهو يدافع الأخبثين، كل هذا من أجل أن ينخلع القلب من علائق الدنيا وينجـــذب إلى حقيقة العبادة ويجتمع في قـلب العبد وفكره ووجدانه الاتجاه إلى الله - تعالى -، ومـثــل هذه الأمور يمكن فعلها في عـبــادات أخرى؛ ليكون أدعى لانشغاله وتفرغه للعبادة، مما يؤدي لـتفـرغ قلب الإنسان للتوجــــــه وللعبودية لله - عز وجل - أثناء الصوم.

5- كثيرٌ من الناس يؤدي بعض العبادات بصورة تلقائية أقرب إلى الحركة الميكانيكية، فمثلا في الصلاة: ترى كثيراً منهم يدخل في صلاة النافلة فيقرأ دعاء الاستفتاح الذي يجري عـلــى لسـانــــه، ومن ثم سورة الفاتحة، ثم تجري على لسانه إحدى السور الصغار التي يحفظها على ظـهـــر الـقـلـب، وربما إذا سألته بعد صلاته ماذا قرأ، فإنه لا يذكر.

فلابد من استشعار حقيقة العبادة ولبها والمقصود منها وإحضار القلب عند أدائها والإخلاص فيها حتى تؤتي ثمارها راحةً وطمأنينة وسعادة في الدنيا وأمناً وفوزاً بجنات عرضها السماوات والأرض في الآخرة.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..

http://www.soutulhaq.com/ar/maqalat/Showarchiv.php?id=215

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.