تسوية الصفوف في الصلاة ووقوف المأموم
عدد القراءات : 5970

تسوية الصفوف في الصلاة ووقوف المأموم

الخطبة الأولى:

أما بعد: فإنه مما ينبغي أن يعلمه المسلم ويعمل به في أمور الصلاة تسوية الصفوف وإتمامها والمحافظة على ذلك، ومما يؤسف له في الآونة الأخيرة وفي واقع المسلمين هو التهاون في هذا الأمر، ومن الواجب في النصيحة للمسلمين عامة إبراء الذمة بإبلاغ الحجة وقيامها على من أراد العمل ومن لم يرد.

ومن إتمام الصلاة وإقامتها تسويةُ الصفوف والتَّرَاصُّ فيها وإتمامُ الصفوف الأول وسدُّ الفرج، وبذلك وردت أحاديث عن رسولنا محمد، منها ما يلي:

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)) رواه البخاري ومسلم - رحمهما الله - تعالى -، أي: لو يعلمون ما في ذلك من الأجر العظيم لكان ذلك قرعة بينهم؛ لأن الأذان مرة واحدة لكل صلاة، والصف الأول لا يتسع لكل من في المسجد، فلو يعلمون حقيقة ما فيهما من الأجر والثواب لجرت بينهم القرعة والمداولة لينال كل منهم نصيبه وحظه الأوفر، ولكن الجهل بما فيهما من الأجر جعل أكثر الرجال من المسلمين يزهدون فيها ويتأخرون عن الحضور إلى المساجد في وقت مبكر ليحجز أحدهم مكانه ويجلس فيه ينتظر أداء الصلاة مع الجماعة ويؤدي السُّنَّةَ سواء كانت تحيةً للمسجد أو سنةً مؤكدةً أو مستحبةً قبل الصلاة ويقرأ القرآن الكريم فله بكل حرف عشر حسنات أو يذكر الله - عز وجل - ويستغفره ويتوب إليه بما يعرف ويعلم مما ورد في الأحاديث الصحيحة.

وفي الحديث الصحيح الآخر يقول رسول الله: ((خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة - رحمهم الله - جميعًا.

وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله يقول: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول))، أو: ((الصفوف الأُوَل)) رواه أحمد - رحمه الله -.

وعن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول))، قالوا: يا رسول الله، وعلى الثاني؟ قال: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول))، قالوا: يا رسول الله، وعلى الثاني؟ قال: ((وعلى الثاني)) رواه أحمد والطبراني وغيرهما.

ونجد بعض المسلمين ـ هداهم الله ـ يأتون في اللحظات الأخيرة وحين إقامة الصلاة، ويدفع أحدهم هذا ويؤذي ذاك ويتخطى رقاب الناس خاصة في صلاة الجمعة ليصل إلى الصف الأول بعد أن يؤذي عباد الله؛ إما بتخطي الرقاب المنهي عنه أو بمزاحمة من يقف بجانبه في الصف خاصة إن كان المكان لا يتسع له، ويعتقد أنه يحصل على الأجر مثل الذي قد حضر من ساعات ينتظر الصلاة، والحقُّ أنهما لا يستويان، وفضل الله يؤتيه من يشاء، فمن كان متأخرًا فعليه أن يسعى لسدّ خلل أي صف من الصفوف وأي فرجة يراها ليحصل على الأجر في ذلك إن شاء الله إذا كانت هناك فرجة تكفيه دون مزاحمة، أما إن كان يريد أجر الصف الأول فعليه المبادرة في وقت مبكر إن كان لصلاة الجمعة أو للفروض الأخرى. وعلى العكس من ذلك نجد بعض المصلين يحضرون في وقت مبكر ويوجد الفراغ في الصف الأول والثاني ويجلس في مؤخرة المسجد؛ إما ليكون أول الخارجين من المسجد أو لجهله بفضل الصف الأَوَّلِ والصفوف الأُوَلِ عمومًا أو لعدم رغبته في الأجر، وهذا حرمان والعياذ بالله، وقد يكون ذلك من طلبة العلم حيث يتركون الصفوف الأول وخلف الإمام للأطفال وصغار السن أو للعامة من الناس الذين لا يُفيدون الإمام شيئًا فيما لو أراد استنابة أحدهم لأمرٍ ما، أو للردّ عليه والفتح في القراءة أو السهو في الصلاة، بل قد يُشَوِّشُون عليه ويَتَسَرَّعُون في الرَّدِّ والفتح وغير ذلك مما هو معلوم.

وحالةٌ بين الإفراط والتفريط ولم أَرَ القصدَ فيها إلى الآن في واقع المصلين وهي تسوية الصفوف وكيفية الوقوف في الصف وتطبيق المسلمين وفهمهم لذلك وتفريقهم بين صلاة وأخرى أو مجتمع الرجال والنساء، فنجد أنهم يقفون زمرًا أو مجموعات منفردة في صلاة العيدين، وكل مجموعة يكوِّنُون لأنفسهم صفًا متقدمًا أو متأخرًا عمَّن يجاورهم، وقد يكونون هم على اختلاف، وقد ينحرف بعضهم عن اتجاه القبلة ولا يبالون أو يصفون بمحاذاة الإمام من جهة اليسار أو متقدمين عنه من الناحيتين، وبلغ بهم الأمر إلى أن يُصَلُّوا على الرصيف الأمامي قبل الإمام أو تَصُفَّ النساء قبل الرجال ويصلي الرجال خلفهن في مصليات العيد وحتى في المسجد الحرام وفي نمرة يوم عرفة وفي مسجد الخَيْفِ في منى وغيرها من أماكن التجمعات الكبيرة، وهذا العمل منهم في غاية التهاون في دين الله خاصة في مصليات العيد في المدن، وقد يكون لبعضهم العذر في الحرم في الحج وأواخر رمضان، مع أن المشروع هو التمسك بالسنة، ونرى أيضًا عدم المبالاة من بعض الناس في تسوية الصفوف عندما يحضرون صلاة الجمعة والجماعة، فنجد أحدهم ينظر إلى السقف أو الجدار الأمامي وما فيه وعليه أو ينظر خلفه ولا يعلم عن تقدمه أو تأخره هو في الصف، ولا يلين في يد أخيه عندما يجرّه إليه ويرشده إلى تسوية الصف، وكذلك الحال في صفوف النساء عندما يحضرن المساجد، ومن المصلين من يجعل المسافة بين رجليه قدر متر أو أكثر أو ما يساوي عرض كتفيه مرتين أو ثلاثًا لئلا يقرب أحد منه وليترك فرجة للشيطان يريد السعة له والبحبوحة في المكان، وهذا خلاف السنة، ومنهم من يضمّ رجليه وقدميه ولا يلزقهما بمن يجاوره، ومنهم من يلاحقك برجله لسد الفرجة إن أبعدتها عنه لأمرٍ ما، فلا هو يعقل صلاته ولا المجاور له أيضًا حتى يذهب الخشوع عن الجميع بهذا الصنيع، ومنهم من يُفَرِّجُ بين ركبتيه في الجلسة بين السجدتين أو للتشهد مرتين أو ثلاثًا عن عرض كتفيه ومنكبيه ومكانه الواقف فيه، ويؤذي من يجاوره في اليمين والشمال، ومن يقع بين اثنين من هذا الصنف إن كان في الجلوس أو الوقوف لا يكاد يصدق بانقضاء الصلاة وهو سَالِمٌ من أمور يعرفها هو وغيره وخاصة إن كان مريضًا أو يتأذى من ذلك ويحتاج هو إلى توسعة في مكانه.

وفي الركوع أيضًا لا يعرف بعض المسلمين أن عليه أن يحاذي بين رأسه وظهره بحيث يكونان في مستوى واحد، فنجد أحدهم يخفض رأسه مما يضطره إلى جعل المرفقين في صدر من يجاوره يمينًا وشِمَالاً، وكذلك الحال في السجود يجافي عَضُدَيْهِ عن جسده بحيث يؤذي المجاوريْن له، أو يتورَّك أي: يُخرج قدمه اليسرى من تحت ساقه اليمنى جهة ظهر القدم الأيمن ويجلس على فخذه الأيسر في التشهد الأخير، وإن كان ذلك من السنة في الركعة الأخيرة من الرباعية أو الثلاثية للإمام والمنفرد ومن كان في طرف الصف من المأمومين وله سعة، أما المأموم الذي يتأذى به من يجاوره فلا يُشْرع فعلُه هذا، وقد يتكئ ويضغط على من يجاوره من الناحية اليسرى ويؤذيه خاصة إذا لم يكن في الصف سعة أو كان هو سمينًا وبدينًا، فهذه الأمور التي ذكرت وغيرها مما ينبغي للمسلم مراعاتها في الصلاة سواء فيما يتعلق بإتمام الصلاة وإقامتها أو ما كان ضررًا ومضارة للآخرين وهي في الحقيقة مُذْهِبةٌ لإتمام الصلاة وإقامتها حيث يذهب معها الخشوع في الصلاة، ويوسوس الشيطان للمجاور طوال الصلاة ماذا يفعل مع هذا الشخص؟ وأقلّ ما فيه أنه يفكّر كيف ينصحه في ذلك العمل إن لم يصل الأمر بعد الصلاة إلى المُشَادَّاة الكلامية كما سمعنا مرات ومرات.

ومن أحاديث رسول الله المتعلقة بتسوية الصفوف وسد الفرج وغيرها ما ورد في الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله: ((سوّوا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية للبخاري: ((فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة)). وإقامة الصلاة تشتمل على أمور عدة منها تسوية الصفوف؛ لأن الله - عز وجل - لم يقل: صَلُّوا، أو: يُصلُّون، بل جاء في القرآن إقامتها كما قال - تعالى -: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة: 43]، وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [التوبة: 71]، وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [الرعد: 22]، وقال: ((سوّوا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم، ولينوا في أيدي إخوانكم، وسدّوا الخلل، فإن الشيطان يدخل فيما بينكم بمنزلة الحذف)) رواه أحمد والطبراني وغيرهما، والحذف أولاد الضأن الصغار. وعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله يأتي ناحية الصف ويسوّي بين صدور القوم ومناكبهم ويقول: ((لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول)) رواه ابن خزيمة في صحيحه، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله قال: ((أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات الشيطان، ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة. الفرجات: جمع فُرْجَة، وهي المكان الخالي بين الاثنين، وليس هو قدر الأصبع أو أقل كما يعتقده المتنطعون، ويُعَادُون ويَكرهون من يخالفهم أو يناقشهم في ذلك. وعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: خرج علينا رسول الله فقال: ((ألا تَصُفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟)) فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: ((يُتِمُّون الصفوفَ الأُوَلَ، ويَتَرَاصُّون في الصف)) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((أحسنوا إقامة الصفوف في الصلاة)) رواه أحمد.

وكما جاء الترغيب في تسوية الصفوف وإتمامها فقد جاء الترهيب أيضًا في عدم التسوية، ومنها عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله يقول: ((لَتُسَوُّنَّ صفوفَكم أو ليُخَالِفَنَّ اللهُ بين وجوهكم)) رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وفي رواية لأبي داود وابن حبان في صحيحه قال: أقبل رسول الله على الناس بوجهه فقال: ((أقيموا صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم))، وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله: ((خياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وما من خطوة أعظم أجرًا من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فَسَدَّها)) رواه البزار بإسناد حسن وابن حبان في صحيحه كلاهما بالشطر الأول، ورواه الطبراني في الأوسط.

وليتنبه لهذا الحديث أولئك الذين يغرزون مناكبهم عند مفصل المرفقين كأنها الرماح في جنوب من يجاورهم في الصلاة وقوفًا وركوعًا وسجودًا، وسدُّ الفُرَجِ والخَلَلِ ووصْلُ الصفوف لا يعني مضايقة الآخرين وأذيتهم والتسبب في عدم الخشوع لدى الجميع خاصة ممن يجاورهم بمناكبهم ومرافقهم أو بملاحقتهم بأقدامهم لإلصاقها بأقدام المجاورين وتحسّسها كل لحظة كما يفهمه من قلَّ فِقْهُهُ في الدين وأشغل نفسه في صلاته وأشغل غيره، وقد أشرتُ إلى هذا في صفة الصلاة وهيئتها، وأورد هذا الحديث التالي لكي يتعلّم منه ومن غيره من الأحاديث قليلو الفقه في الدين ليعلموا الحكمة من وراء كل حديث ويجمعوا بين الأحاديث ويعلموا المقصود منها ويطبقوها بحكمة ورويّة وفقهٍ مصحوبٍ بحسن النية عند تطبيق السنة مع الإخلاص لله رب العالمين وطلب القبول من الله جل جلاله: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله: ((من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذِيَ أحدًا أضعف الله له أجر الصف الأول)) رواه الطبراني في الأوسط. فهل يفهم أحد من هذا الحديث أو من الحديث السابق: ((خياركم ألينكم مناكب في الصلاة))، هل يفهم منهما أو من أحاديث أخرى بأنها الشدة والغلظة والمضايقة وأذية الآخرين وإذهاب الخشوع عنهم وإشغالهم بهذه المفاهيم الخاطئة التي لا تدل على أي فقه في دين الله؟! وهل ورد نص صريح واضح فيما يُقدمون عليه أم أنها تفسيرات خاطئة لنصوص واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار وبلغة عربية فصحى لا تحتاج إلى هذه التفسيرات والتأويلات البعيدة كل البعد عن المقصود منها؟! ولم أجد حديثًا صريحًا صحيحًا عن رسول الله يؤيد ما ذهبتْ إليه تلك الأفهامُ أو تلك الاجتهاداتُ التي ألزمت الناس بإلزاق الأقدام من المقدمة والمؤخرة والأكعب ومعها الركب والمناكب في وقت واحد حال الوقوف في الصلاة، فهذا مفهوم خاطئ لمن أوّل بعض ألفاظ الأحاديث حتى قالوا: يلزق الرجل منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبته، وكعبه بكعبه، فإذا كان إلزاق القدم بالقدم ممكنًا مع ما فيه من التكلّف لأنه لا يمكن أن يلزق قدميه بقدمي المجاوريْن له إلا مع اعوجاج للقدمين لأنَّ مؤخرةَ القدم ليست كمقدّمته، فلا يمكن مطابقتهما وتساويهما في وقت واحد، فأقول: إذا كان ذلك الإلزاقُ ممكنًا فإنه لا يمكن أن يحصلَ إِلْزَاقُ الكعبين في نفس الوقت إلا مع رفع بعض باطن القدمين عن الأرض، هذا إذا كان قَدَمَا المُجَاوِرَيْنِ بنفس الطول، فكيف إذا كان هذا الشخص الذي في الوسط كبيرًا وعريضًا في جسمه والذي عن يساره في العاشرة من عمره، والذي في اليمين قصير القامة وإن كان مثله في العمر، فهل يمكن أن تنطبق قدماه مع من في يمينه وشِمَالِهِ من أولها إلى آخرها؟! وهل يمكن إلزاق كعبيه بكعبي المجاوِرَيْن له؟! إنه لا يمكن أن يلزق الكعبين مع كعبي من يجاوره بأيّ حال من الأحوال؛ لأن الكعبين الواردين في الآية هما العظمان الناشزان فوق القدمين وليسا أسفل القدمين مما يلي الأرض.

فليحذر المسلم من الإفراط أو التفريط، وعليه بالاعتدال والوسطية في الأمور كلها دون تكلف لفهم المعاني التي تبعدها عن مقاصدها، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

الخطبة الثانية:

الحمد لله والشكر له - عز وجل - على آلائه ونعمائه الظاهرة والباطنة، أحمده - سبحانه - وأشكره حمدًا وشكرًا يليقان بجلاله وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أنه قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه فسمعته يقول: ((ربّ قني عذابك يوم تبعث عبادك)) رواه مسلم، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله: ((إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)) رواه أبو داود وابن ماجة بإسناد حسن، وعن عائشة - رضي الله عنها - عن رسول الله قال: ((إن الله وملائكته يُصَلُّونَ على الذين يَصِلُونَ الصفوف)) رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم وقال: "صحيح على شرط مسلم"، وزاد ابن ماجة: ((ومن سدّ فرجة رفعه الله بها درجة))، وقد تقدم الحديث الذي فيه قوله: ((من وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، وعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله يقول: ((إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون الصفوف الأول، وما من خطوة أحب إلى الله من خطوة يمشيها العبد يصل بها صفًا)) رواه أبو داود وابن خزيمة، وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عن النبي قال: ((خطوتان إحداهما أحبُّ الخطى إلى الله، والأخرى أبغض الخطى إلى الله، فأما التي يحبها الله - عز وجل - فرجل نظر إلى خلل في الصف فسدّه، وأما التي يبغضها الله فإذا أراد الرجل أن يقوم مدّ رجله اليمنى ووضع يده عليها وأثبت اليسرى ثم قام)) رواه الحاكم وقال: "صحيح على شرط مسلم".

ومن الأمور التي ينبغي ملاحظتها والفقه فيها الصلاة في مَيْسَرَةِ الصفوف حيث زَهِدَ ورَغِبَ بعض المسلمين عن ذلك ويصلون في اليمين دائمًا، ومما لا شك فيه أن الصلاة في اليمين أفضل وخاصة لمن يبادر بالحضور المبكر ليحوز على الأجر العظيم، وميسرة الصف الأول خير من يمين الصف الثاني لورود ما يدل على ذلك من حديث رسول الله، ولو كانت ميامن الصفوف حتى وإن كانت متأخرة خيرًا من الميسرة وإن كانت متقدمة لما وردت الأحاديث بالترغيب في الصفوف الأول للرجال والترهيب من التأخر في الصفوف، ولكانت المساجد مبنية ومصمّمة على أن يكون الصف عن يمين الإمام وهو في آخر الصف من اليسار، ولما كان هناك معنى من أحاديث الرسول والتي سبق ذكر بعضها، وكذلك قوله: ((وَسِّطُوا الإمام))، والحديث الذي رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله: ((مَنْ عَمَّرَ جانب المسجد الأيسر لقلة أهله فله أجران)) رواه الطبراني في الكبير.

وعن الذين يكونون في الصفوف الأولى وخاصة وراء الإمام والترهيب من تأخر الرجال في الصفوف وردت أحاديث، منها حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: ((اسْتَوُوا ولا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم، لِيَلِينِي منكم أُولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)) رواه مسلم وغيره. فمما ينبغي مراعاته لمن يُحْضِر أبناءَه الصغار إلى المسجد وخاصة مَنْ كان دون سِنِّ التمييز أن يعلمهم آداب الصلاة والحضور إلى المساجد وأين يقفون في الصفوف، فعلى الأبناء أن يتأخروا خلف صفوف الرجال لما سبق ذكره في الحديث السابق، وإن كان لا بُدَّ لأحدهم أن يوقف ابنه بجانبه فعليه أن يكون هو في طرف الصف من جهة اليمين أو اليسار ويوقف ابنه بجانبه جهة الجدار لئلا يُشْغِلَ المأمومين بجانبه يمينًا وشمالاً ويُذْهِبَ عنهم الخشوع في صلاتهم لما يحدثه من حركات وغيرها، وليكون الاشتغال به من جانب الأب فقط، وليلاحظ ما يحصل منه من أجل توجيهه وإرشاده.

عن أبي سعيد - رضي الله عنه - أن رسول الله رأى في أصحابه تَأَخُّرًا فقال لهم: ((تقدَّمُوا فَأْتَمُّوا بي، ولْيأتَمَّ بكم مَنْ بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ)). ولْيَفْهَم هذا الحديث من يصلي في مؤخرة المسجد في الجمعة ويكون متقدمًا حتى يخرج مبكرًا قبل غيره ويرغب عن الأجر في الصفوف الأول، ولننظر إلى صفوف الجنود والعسكريين في أي قطاع عندما يقفون صفوفًا أو يمشون وهم يقفون أمام البشر وحسب تنظيماتهم وإن كان قد وردت تسوية صفوف الجنود المجاهدين عن رسول الله، فأقول: إن اهتمامهم بتسوية الصفوف وعدم خروج أي شخص عن الصف وهم يقفون ويمشون ويتدرّبون أو يؤدّون عروضًا عسكرية أمام البشر، إن ذلك الاهتمام وأكثر منه يجب أن يكون من المسلم عندما يقف بين يدي ربه - عز وجل - في الصلاة كما أمر به رسول الله، والسبب الحقيقي وراء هذه الاختلافات والمفاهيم هو أنه لم توجد أي جهة فيما أعلم من مجتمعات المسلمين مدرسة أو مسجد أو وسيلة إعلامية تطبق ذلك عمليًا أمام أعين الناس وترشدهم وتوجههم حتى في الفصول الدراسية في المدارس الحكومية أو الأهلية الخاصة أو الخيرية، فلا زال الأمر من القديم إلى الحديث نظريًا على كل المستويات، ويتوارثه الأفراد عن الآباء والأجداد من الناحية العملية، هذا إن قاموا به أمام أولادهم الذكور والإناث، أما العملي في المساجد فلا يتعدى أن يقول الإمام وهو في المحراب: استووا، اعتدلوا، وقليل من يقول: أتِمُّوا الصفوف وسُدُّوا الخَلَلَ، وكثير من الأئمة يقول أحدهم هذه العبارات وهو مستقبل القبلة ولا يلتفت بل يتكلم عبر لاقط الصوت ثم يكبر تكبيرة الإحرام، وقليل من يلتفت إلى المأمومين ويرشدهم ويوجههم، وقد يتذمّر بعض المصلين من هذا الصنف من الأئمة، فعلى الجهات المسؤولة عن توجيه الناس وإرشادهم في كل بلد إسلامي في المدارس والمعاهد والجامعات ووسائل الإعلام، عليها أن تولي الصلاة جُلَّ عنايتها واهتمامها من ناحية التطبيق العملي صفةً وهيئةً وقوفًا وركوعًا وجلوسًا وقراءةً وخشوعًا للمنفرد وللإمام والمأموم، وخاصة كيفية الوقوف في الصفوف وتسويتها وإتمامها وسدّ الخلل فيها مع عدم أذية الآخرين الواقفين ضمن تلك الصفوف في أي هيئة وكيفية وصفة للصلاة، وإني لآمل وأنتظر من الفضائيات في بلاد المسلمين أنْ تهتمَّ بهذا الجانب المُهِمِّ في حياة المسلمين كما أنهم تفضلوا بنقل شعائر صلاة التراويح من الحرمين الشريفين أو تلك الفضائيات التي تنقل الصلاة الجهرية يوميًا منهما والجمعة خطبة وصلاة، أو تلك التي تقوم بتعليم الناس القرآن الكريم عن بُعْدٍ تطبيقًا عمليًا، وهذا أمر محمود وخطوة مباركة كما ينقلون هذا للعالم بأسره ولهم من الله الأجر والمثوبة، إني لأتطلع لليوم الذي تنقل فيه الفضائيات تطبيق الصلاة العملي والوضوء مع الدليل الصحيح لكل فعل وقول، وكما أدّت وسائل الإعلام بعضًا من دورها الإسلامي في الجوانب السابقة وقامت بذلك فإن الأمل معقود على شبابها ودعاتها المخلصين أن يقوموا بدورهم في هذا، وأَخُصُّ القنوات الإسلامية، وكذلك في الحج والعمرة؛ حتى يتمَّ البَثُّ عَبْرَ الفضائيات للتطبيق العملي لكي يستفيد الناس قبل أن يأتوا إلى المشاعر المقدسة، وحتى تسهل عليهم أعمال الحج والعمرة؛ لأنهم بذلك قد أخذوا فكرة واضحة متكررة أمام أعينهم في جميع بقاع الأرض، ثم يأتون وقد تيسّر عليهم التطبيق العملي بإذن الله - عز وجل -.

وخلاصة القول: فعلينا معرفة وتطبيق آداب الصلاة عند دخول المسجد واختيار الصّفّ ومرورًا بالقيام في الصلاة تسويةً للصفوف وقوفًا وركوعًا وسجودًا وجلوسًا حتى انتهاء الصلاة والخروج من المسجد والمرور بين يدي المصلي وغيره والذي يأتي في حينه إن شاء الله - تعالى -.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد وآله.

22/1/1415هـ

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
معاذ ابلحسن
المغرب
2011/01/03
الحمد لله والشكر له - عز وجل - على آلائه ونعمائه الظاهرة والباطنة، أحمده - سبحانه - وأشكره حمدًا وشكرًا يليقان بجلاله وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه خطبة هائلة نحتاجها كثيرا هنا بالمغرب
معز
تونس
2012/09/06
جزاكم الله خيرا
med
tunisia
2012/11/09
جزاكم الله خيرا
العربي
الجزائر
2012/12/20
جزاكم الله خيرا
عبدالحكيم ال سنبل
العراق
2013/08/13
مسألة صف القدمين في الصلاة احيلكم ال ماجاء في (موقع الاسلام سؤال وجواب )باشراف الشيخ محمد صالح المنجد : الكثير من الناس لا يعرفون بأنه من السنة أن نحاذي بين المناكب والأقدام ويتركون فُرجات بينهم فإلى أي حد يمكن أن نفرّج بين القدمين لنملئ الفراغ ونسد الفرجة ؟ إذا أردنا أن نسوي الصف فهل ينظر أحدنا إلى يمينه ويبدأ بالتسوية أم إلى الشمال ؟ الحمد لله يجب على المسلمين أن يرصوا صفوفهم و أن يسدوا الفرج بينهم وذلك يكون بمحاذاة المنكب مع المنكب والقدم مع القدم . عن أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري " . رواه البخاري ( 686 ) ومسلم ( 425 ) . وعن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم ، ولا تذروا فرجات للشيطان ومن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله . . ." قال أبو داود : ومعنى ولينوا بأيدي إخوانكم أي : يكون الرجل ليناً منقاداً لأخيه إذا قدمه أو أخره ليستوي الصف . ( عون المعبود ) أبو داود ( 666 ) والنسائي (819 ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ( 620 ) عن النعمان بن بشير يقول : " أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه فقال : أقيموا صفوفكم ثلاثا والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم قال : فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه " . رواه أبو داود ( 662 ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ( 616 ) . وهل ينظر الرجل عن يمينه أو يساره حتى يساوي الصف ؟ السنة أن يتوسط الإمام الصف ، فيقف مقابلاً منتصف الصف ، فتبدأ الصفوف من خلف الإمام لا من يمين المسجد ولا من يساره كما يفعل البعض ، بل من خلف الإمام ، ثم يكمل الصف على اليمين واليسار معاً محافظة على السنة في توسط الإمام . وعلى هذا فمن كان على يمين الصف فإنه ينظر إلى يساره ويحاذي من على يساره ، ومن كان على يسار الصف فإنه ينظر إلى يمينه ويحاذي من على يمنيه . أما الفرجة بين القدمين فإن المصلي يقف وقوفاً معتدلاً ، فلا يضم قدميه ولا يزيد في المباعدة بينهما لأنه كلما زاد تباعد إلصاق المنكب بالمنكب ، والتراص في الصف يكون في إلصاق القدم بالقدم والكتف بالكتف . قال الشيخ بكر أبو زيد : ومن الهيئات المضافة مجدَّداً إلى المصافة بلا مستند : ما نراه من بعض المصلين من ملاحقته مَن على يمينه إن كان في يمين الصف ، ومَن على يساره إن كان في ميسرة الصف ، وليِّ العقبين ليُلصق كعبيه بكعبي جاره . وهذه هيئة زائدة على الوارد ، فيها إيغال في تطبيق السنة ، وهي هيئة منقوضة بأمرين : الأول : أن المصافَّة هي مما يلي الإمام ، فمن كان على يمين الصف : فليصافَّ على يساره مما يلي الإمام ، وهكذا يتراصُّون ذات اليسار واحداً بعد واحد على سمت واحد في تقويم الصف ، وسد الفُرَج ، والتراص والمحاذاة بالعنق ، والمنكب، والكعب ، وإتمام الصف الأول فالأول . أما أن يلاحق بقدمه اليمنى – وهو في يمين الصف – مَن على يمينه ، ويلف قدمه حتى يتم الإلزاق : فهذا غلط بيِّن ، وتكلف ظاهر ، وفهم مستحدث فيه غلو في تطبيق السنة ، وتضييق ومضايقة ، واشتغال بما لم يشرع ، وتوسيع للفُرَج بين المتصافين . يظهر هذا إذا هوى المأموم للسجود ، وتشاغل بعد القيام لمَلْأ الفراغ ، وليِّ العقب للإلزاق ، وتفويت لتوجيه رؤوس القدمين إلى القبلة . وفيه ملاحقة المصلي للمصلي بمكانه الذي سبق إليه ، واقتطاع لمحل قدم غيره بغير حق . وكل هذا تسنُّن بما لم يشرع " لا جديد في أحكام الصلاة " ( 12 ، 13 ) . الإسلام سؤال وجواب *** وللاطلاع بشكل اكبر عليك بهذا الرابط فيوجد بحث مهم حول الموضوع http://www.aslein.net/archive/index.php/t-4389.html ... مَوضع القدمين من المصلي في الصلاة .د. أحمد محمد نور سيف مدير عام دار البحوث، ورئيس مجلس الأوقاف والشؤون الإ سلامية –دبي قد ثر النقاش في صفة وقوف ...