إلى الأخَوَين الأديبين الكريمين الصابرين المحتَسبَين أبي أسامة الأستاذ عبد الله الطنطاوي، وأبي محمود الأستاذ محمد الحسناوي -حفظهما الله -. وإلى جميع هذه الأقمار المتلألئة في سماء الأدب الإسلامي، وهي تنشر أنوار القيم الإسلامية في جنبات هذه الأرض، وإلى كل الصابرين المحتسبين الذين يعيشون لدين ربهم بقلوبهم وأفكارهم، ومَن عاش لله فإنه قويٌّ، قويٌّ جدا، وحياتُه برهان على صدق ولائه لله، بطاقاته ومشاعره ووعيه، وإنَّ أداءَه هو هويتُه التي يتميز بها، وحضوره الذي يتخطى به الشبهات والنفاق والارتزاق، فكيف وقد ألزمَ هؤلاء القوم هممَهم وأقلامَهم لنصرة الذين أُخرجُوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله.
فـي سـمـاءِ الهدى لنا قمرانِ * * * وعـن الـخـيرِ ليسَ يفترقانِ
بـوركا مطلعا يفيضُ به الأُنسُ * * * بـدنـيـا تـمـوجُ بـالبطلانِ
لـم يـغيبا أو ينأيا عن مطافِ* * * حـفـظـتْـهُ عـنايةُ الرحمنِ
بـالـنجاوى وبالحديثِ المُصَفَّى* * * وبـبيضِ الرؤى وعذبِ الأماني
فـتأمَّلْ مسعاهُما: المجدُ يروي * * * صـفـحـاتِ الفخارِ والإيمانِ
لـم يـنوءا بحملها فعلى الدربِ* * * اسـتـعـادا عـزائـمَ الفرسانِ
ومـشـاهـا (أبو أُسامة) شهمًا* * * رغـمَ عصفِ الإيذاءِ والطغيانِ
(وأبـو مـحمود) المغرِّدُ ماضٍ* * * وجـنـاحـاهُ رفـرفا بالتَّفاني
حـمـلا دعـوةَ الرسولِ فلانتْ* * * لـهـمـا أحرُفُ الولاءِ الباني
الأديـبـانِ بـين أيديهما الحِبْرُ* * * تـراءى بـطيبِ أغلى المعاني
فـتـثنَّتْ مرموقةَ الفكرِ تحكي* * * مـا بـنـفـسيهما من التحنانِ
وازدهتْ بالبرهانِ تدحضُ تلفيقَ* * * حـداثـيٍّ تـاهَ بـالـشـنـآنِ
لـهـمـا صهوةُ الجِلادِ أثارتْ* * * لـمـحـبِّـيـهما جُذى الفرقانِ
فـيدُ (الطنطاوي) تردُّ اختيالا* * * لأُولـي الزيفِ والهوى العريانِ
ويدُ (الحسناوي) تصوغُ عقودًا* * * فـوقَ جـيـدِ الأصالةِ المزدانِ
بـانطلاقاتِ إرثِنا شقَّتِ الظُّلمةَ* * * أنـوارُ عـزِّنـا الـضـحيانِ
دانـيـات قـطـوفُـها كلَّ آنٍ* * * ما أُحيلى الأثمارَ في البستانِ !!
مـالـه مـن تَـصَحُّرٍ أو بوارٍ* * * أو خـوى في تشرين أو نيسانِ
كـلُّ أيـامِـه ابـتـسامُ ربيعٍ* * * فـي افترارِ الأزهارِ والريحانِ
قـد سـقـتْه السماءُ ماءَ خلودٍ * * * فـتـبـدَّى النَّدى بعينِ الرَّاني
لـكما الفضلُ، بعدَ فضلِ إلهي* * * فـاحـفـظـاهُ يا أيُّها الأخَوَانِ
هـو صـوتُ الـمجاهدين بِكَلْمٍ* * * والـمُـلَـبِّـيـن دعوةَ القرآنِ
وصـدىً لـم يزلْ بوادي جُناةٍ* * * مـاوعـوا رفـعةَ الكريمِ البيانِ
إنَّ مَـنْ صاغَ حليةَ الأُمَّةِ اليومَ * * * بـمـيـثـاقِ ربِّـهـا الـدَّيانِ
لـيـس مثلَ الذي أتاها بزيفٍ * * * مـن وراءِ الـبـحارِ والخلجانِ
أدبٌ يـحـمـلُ الـولاءَ لدينٍ * * * يـتـحـدَّى ضـراوةَ الفيضانِ
لـم يـصـفِّـقْ لظالمٍ أو عميلٍ * * * أو يُـمـجِّـدْ حضارةَ الشيطانِ
أو يُسوِّقْ ضلالَ أهلِ المعاصي * * * أو يـجـنِّـدْ أهـلـيه للخذلانِ
أو رمـى زهوَ حقِّه تحتَ سوطٍ * * * بـأيـادي الـجـلادِ والسَّجَّانِ
حـسـبُـه اللهُ في مسيرةِ عسرٍ * * * بـيـن وهْـجِ الأحقادِ والنيرانِ
حاصرتْه الأرزاءُ من كلِّ صوبٍ * * * فـتـعـافى، والحقُّ ليس بوانِ
بوركتْ بالقبولِ (رابطةٌ) تسمو * * * بـأمـجـادِ نـهـجِـها الرَّيَّانِ
أ دبـاء الـشآمِ: طوبى لركبٍ* * * بـالأهـازيـجِ عـذبة الألحانِ
فـي ثـنايا اتئادِها يمرحُ الشَّدوُ * * * بـأبـهـى وفـائـه الـهـتَّانِ
حـيـثُ يسقي من سلسلِ الشَّامِ * * * آمـادَ اغترابِ الأحبةِ الشجعانِ
حـين طالَ الفراقُ حنَّتْ قلوبٌ * * * لِّـلـيالي القمراءِ، والأُنسُ دانِ
أُمسياتٌ لم يَجْفُ روعتَها النُّورُ * * * ولا غـابَ عـن مدى الأجفانِ
بـالـلقاءاتِ والمساجدُ ضجَّتْ * * * بـجـلـيـلِ التهليلِ أو بالأذانِ
بـالجناحِ الجوَّابِ فوقَ اعتسافٍ * * * وبـقـلـبٍ ما لانَ في الميدانِ
ويـقـيـنٍ باللهِ لـم يـتزعزعْ * * * رغـم أعـتـى شراسةِ العدوانِ
وبـحـرفٍ مـا ثـارَ إلا لربٍّ * * * فـشـظـايـاهُ فـوقَ كلِّ لسانِ
أحـرقـوا حُـلـوَه بنارِ مرارٍ * * * فـتـلـوَّى كالمهلِ في الفورانِ
لـم يـهـمْ حـرفُنا الأبيُّ بوادٍ * * * ذي غـوايـاتِ خـسَّةٍ وهوانِ
أو بـدا فـارغًـا كقُبحِ كتاباتِ * * * فـنـونِ الإغـواءِ فـي إعلانِ
كـيـف لا تـخسرُ البلادُ رُقيًّا * * * وتـعـاني من وطأةِ الهذيانِ !!
ومـعـدُّو آدابِـهـا سـفـهاءٌ * * * مـالهم في سُموِّها من مكانِ !!
سـوَّقـوا التَّافهَ الرخيصَ لسوقٍ * * * لـيـس تشفي تضوُّرَ الجَوعانِ
وحـمـاهم أُولو المناصبِ جهلا * * * أو رجـاءَ امـتـداحـهِم بلسانِ
فأُصيبتْ تلك التجارةُ بالخسرانِ * * * إذ خـابـتْ رغـبـةُ الـعُبدانِ
وإذا لـم يـكـنْ لمجدِك أصلٌ * * * فـتـرقَّـبْ تـداعـيَ الأركانِ
كم تهاوتْ عبرَ العصورِ صروحٌ * * * خـالـفـتْ ما يكونُ في البنيانِ
* * *
قـمـرانـا الـمؤمِلانِ امتدادا * * * لـمـزايـا نـشـيدِنا الرباني
أبـشـرا فـالـصباحُ لابدَّ آتٍ * * * والـظـلامُ الغشومُ جيشُ دخانِ
سـيـولِّـي عن الربوعِ وتأتي * * * عـزمـاتُ الشبابِ في الريعانِ
ويـوالـي الصَّدَّاحُ شدوَ أغانيه * * * شـغـوفًـا بـالقفزِ والطيرانِ
ليس يرضى ترنيمةَ الفُحشِ يوما * * * أو تـراخـى لـدعوةِ الأخدانِ
أنـتـما و الآدابُ: غيبةُ مجدٍ * * * والـجـديـدان بـعدُ ينتظرانِ