طريق الغنى

 

يسَّر الله - تعالى - لي الالتقاء بالعديد من دُعاة كثير من الدول؛ فشاهدت خَلة كثير منهم وشدة احتياجهم؛ فقلت لشيخٍ جليل - شاهد ما شاهدت -: كاد الفقر أن يكون كفراً؛ لذا رأينا كثيراً من البلدان يرحل علماؤها ودُعاتها عنها بسبب الفقر وقلة ذات اليد؛ إذ الغلاء والتضخُّم ومتطلبات الحياة في صعود، والدَّخل في ثبات وركود، ولا تجلس مع أحد من علماء تلك الدول ودُعاتها - في الغالب - إلا اشتكى لك من صعوبة الوضع، وأرجع في حديث له طويل سببَ تلك الحال إلى الجشع والفساد وضعف الكفاءات وسوء التخطيط!.

فـقال ذلك الشـيخ المبارك: لست أنكر شيوع الجشع وانتشار الفساد وضـعف الكفاءات وسوء التخطيط في أوساط كثــير من الأفـراد والدول والمجتمعات؛ فذاك أمر يكاد أن يلمسه كل أحد، لكني أتعجب بشدة من اقتصار كثير من الناس - فكيف بالدُّعاة! - على مجرد التشكِّي، وعدم أخذهم بأسباب الغنى وتركهم مفاتيح الفقر الواردة بجلاء في نصوص الكتاب والسنة!

فقلت له: هَلَّا زدت الأمر جلاءً يا شيخ؟!

فقال: أفعل. جاءت نصوص الوحي مليئة بالدلالة على الأسباب المؤدية إلى بسط الرزق ويُسْر العيش في هذه الحياة، ولعلِّي أوجز لك أهمها من خلال ما يلي:

قوة الإيمان والتقوى:

فمن أحب الله - تعالى - وعظَّمه وهابه ورجاه؛ فجلَّ إخلاصه، وعظمت مراقبته، وزادت طاعته، وقلَّت مخالفته؛ تعرَّض بذلك لنفـحات مـولاه - عز وجل - ونــيل رضاه، وامتلك مفــتاحاً جليــلاً وسبـباً عظيماً لاستدرار الرزق وإتيـان الدنيا - بنعــيمها وخيــراتها - إليه وهــي راغمة، كما قال - تعالى -: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2 - 3]، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: 4]، وقال - تقدَّست أسماؤه -: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف: 69]، وقال - سبحانه -: وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا [الجن: 61]، وقال - عز وجل -: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [المائدة: 56 - 66].

يقول الشوكاني عند قوله - عز وجل -: لأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ما نصه: (ذكر فوق وتحت للمبالغة في تيسُّر أسباب الرزق لهم وكثرتها وتعدُّد أنواعها)[1]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله - تعالى - يقول: يا ابن آدم! تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسدَّ فقرك، وإلا تفعل ملأت يديك شغلاً، ولم أسدَّ فقرك»[2].

فتقوى الله - تعالى - وحده لا شريك له، والتذلُّل له بالطاعة، والتمسُّك بكتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ ملاك الأمر، وبها نيطت أعظم أسباب الرزق ومفاتيح الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، وفي المقابل؛ فمن ضَعُفَ إيمانه بالله - تعالى -، وقلَّت خشيته، وعظمت غفلته، وزادت معاصيه، وفحشت مخالفته؛ شحَّت أرزاقه، وحُرِمَ بركة أمواله وإن زادت، وعاش في هذه الدنيا معيـشة فاسدة ضنكة؛ فرداً كان أو جماعة، مؤسسة كانت أو دولة، كما قال - تعالى -: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 321 - 421]، وقال - سبحانه -: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 14].

وقد أوضح النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ما عند الله - تعالى - لا يُنال بمعصيته، فقال: «إن روح القُدُس نفث في رُوعي: أنَّ نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن الله - تعالى - لا يُنال ما عنده إلا بطاعته»[3].

ودلَّت النـصوص بأن فشوَ المعـاصي سبـب لفساد المعاش فـي الأرض وقـلة الأرزاق؛ فـقال - تعالى -: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْـجُوعِ وَالْـخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النـحـل: 211]، وقـــال - سبحانه -: لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إلاَّ الْكَفُورَ [سبأ: 51 - 71]، وقال - تقدَّست أسماؤه -: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 14]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا معشر المهاجرين! خَمْسٌ إذا ابتُليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القَطْر من السماء؛ ولولا البهائم لم يُمطَروا..»[4].

حسن التوكل:

فمتى عظمت ثقة العبد بخالقه؛ فأظهر عجزه، وأيقن قلبه بأن الله - تعالى - كـافـل رزقـه، وبأنه لا يعـطي ولا يمنـع ولا يضر ولا ينفع سواه - سبحانه - ففوَّض أمره إليه، وصدق في الاعتماد عليه في استجلاب كل منفعة ودفع كل مضرة.. فقد استجـمع الإيمان وتحـصَّل على مفـاتيح الرزق كلها، قال - تعالى -: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق: 3]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير، ألا ترون أنها تغدو خماصاً وتروح بطاناً»[5]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل»[6].

فعلى العاقل أن يجعل الله منتهاه في أموره كلها؛ إذ الرزق كله دِقّه وجُلّه بيده - سبحانه - كما قال - تعالى -: قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [يونس: 13]، وقال - سبحانه -: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود: 6]، وقال - عز وجل -: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات: 22].

ولا تناقض بين التوكل والأخذ بالأسباب، بل (من أنكر الأسباب لم يستقم منه التوكل، ولكن من تمام التوكل: عدم الركون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها؛ فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بها)[7].

ولذا كان الفاروق - رضي الله عنه - يقول: «لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني؛ فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة»[8]، وأنكر الإمام أحمد على المتواكلين إنكاراً شديداً، وقال: (ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله - عز وجل -، ولكن يعودون أنفسهم بالكسب، فمن قال بخلاف هذا القول فهذا قول إنـسان أحمق)، وسُئـل عـن قـوم لا يعملون، ويقولون: نحن متوكلون؛ فقال: (هؤلاء مبتدعة.. هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا)[9].

فلا بدَّ لراجي الرزق من التعلُّق التام بالله - تعالى - والاعتماد عليه والثقة الكاملة به - سبحانه -؛ إذ الله - تعالى - قاسم الأرزاق، وما ينال المرء من نعمة فمنه - عز وجل -، والله هو الرزاق ذو القوة المتين، فمن توكل عليه كفاه، ومن ركن إلى غيره وكله - سبحانه - إليه.

شكر الله:

فمن رزقه الله - تعالى - الاحتفاء بالنِّعم والتحدث بها ونسبتها لخالـقها العظـيم - سبحانه - مع تيقُّنه بعجزه عن شكرها، واجتهاده في القيام بصرفها في وجوه البر وضروب الإحسان، وامتنع عن التجديف والتوصل بها إلى شيء من معاصيه - سبحانه - لم يحرمه - عز وجل - بركتها والزيادة منها، كما قال - تعالى -: وَإذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7].

فأهل شكر الله - تعالى - أهل زيادته، يقول علي - رضي الله عنه -: (إن النعمة موصلة بالشكر، والشكر معلق بالمزيد، وهما مقرونان في قَرَن، فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد)[10]، وقال الحسن: (إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يُشكر عليها قلبها عليهم عذاباً، ولهذا كانوا يسمون الشكر الحافظ؛ لأنه يحفظ النعم الموجودة، والجالب؛ لأنه يجلب النعم المفقودة)[11]، وقال الفضيل: (من عرف نعمة الله بقلبه، وحمده بلسانه لم يستتم ذلك حتى يرى الزيادة، وإن من شكر النعمة أن يحدث بها)[12].

فالنِّعم وحشية، وقيدها ومفتاح دوامها الشكر (بالقلب واللسان والجوارح، أما بالقلب فهو أن يقصد الخير ويضمره للخَلْق كافة. وأما باللسان فهو إظهار الشكر لله بالتحميد، وإظهار الرضى عن الله - تعالى -، وأما بالجوارح فهو استعمال نِعَم الله في طاعته، والتوقي عن الاستعانة بها على معصيته)[13].

ومــن أُعطـي الشــكر لم يُمنَع المزيد؛ فعلى من أراد استدرار الخيـر، والبســطة في الرزق أن يُعـنى بتعظـيم المنـعـم - عز وجل - واستعظام نعمه - سبحانه -، وأن يجتهد في حسن استثمارها، ويحذر من صرف شيء منها فيما يوجب سخطه - عز وجل -.

وما أجمل مقولة الغزالي: (لم يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلا الجهل والغفلة، فإنهم منعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النِّعَم، ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها، ثم إنهم إن عرفوا نعمة الله ظنوا أن الشكر عليها أن يقول بلسانه: الحمد لله، الشكر لله، ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريد بها، وهي طاعة الله - عز وجل - فلا يمنع من الشكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلا غلبة الشهوة واستيلاء الشيطان)[14].

الدعاء:

فدعاء الله - تعالى - والتضرع له والانطراح بين يديه من أعظم أسباب الرزق؛ حيث يقول - تعالى - مرغباً في سؤاله وإكثار المرء من طلبه والاستعانة به في شأنه كله: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 06]، وقال - عز وجل -: وَإذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ [البقرة: 681]، وقال - سبحانه -: فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت: 71].

ولعِظَم منزلة الدعاء في استمداد المعونة واستجلاب الرحمة وابتغاء الرزق وتحصيل المقصود في هذا الباب شُرِعت صلاة الاستسقاء، وكان من دعائه - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى»[15]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة»[16]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - مناجياً ربه: «أعوذ بك من الفقر والكفر والشرك والنفاق»[17].

وعند الترمذي عن علي - رضي الله عنه -: (أن مكاتَباً جاءه، فقال: إني قد عجزت عن كتابتي فأعنِّي. قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لو كان عليك مثل جبل ثبير دَيْناً أدَّاه الله عنك؟ قال: قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك)[18].

ولا بدَّ للدعاء حتى يكون مؤثراً من استجماع شروطه وانتفاء موانعه، أما دعاء المرء بدون أخذه بأسباب الإجابة الباطنة والظاهرة؛ كما هي حال كثير من الخلق؛ فمدعاة للرد وعدم القبول[19]، نسأل الله - تعالى - عفوه وإحسانه.

الاستغفار:

إذ قال - تعالى - مُطْمِعاً عباده بالرزق الوفير الميسور: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 01 - 12]، وقال - سبحانه -: وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ [هود: 25]. كما أبـان - سبحانه - أن الاستغفار بوابة طيب العيـش والظفر بمنافع الدنيا من غير كدر، فقال - عز وجل -: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإن تَوَلَّوْا فَإنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود: 3]، فمـن لـزم الاستـغفار جـعـل الله لـه مـن كــل همٍّ فـرجاً، ومـن كل ضـيق مـخـرجاً، ورزقـه مـن حيث لا يحتسب.

ومـا أجـمـل مـا روى الربـيـع بن صبيح أن رجلاً أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة، فقال له الحسن: استغفرِ اللهَ! وأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: استغفرِ اللهَ! وأتاه آخر فقال: ادعُ الله أن يرزقني ابناً، فقال له: استغفرِ اللهَ! وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه، فقال له: استغفرِ اللهَ! فقلنا: أتاك رجال يشكون أبواباً ويسألون أنواعاً فأمرتهم كلهم بالاستغفار. فقال: ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيئاً، إنّما اعتبرت فيه قول الله - سبحانه - حكاية عن نبيّه نوح - عليه السلام - أنّه قال لقومه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 01 - 12][20].

فإن قال قائل: كثيراً ما رأيت أناساً يلهجون بالاستغفار واستمر رزقهم شحيحاً دونما تحسُّن!

قلنـا لـه: إن استـغفار أولـئك يحتـاج نفسـه إلى استغفار؛ لأنـه منبثـق مـن اللسان وحده دون أن يشركه القلب، ومن شـروط فـاعليـة الاستغفار وتحقُّق ثماره أن يَوْجَل القلب، ويـفارق المرء الذنـب، ويعـزم على عـدم معـاودتـه مرة أخرى، أمَّا أن يقتصر العبد على ترديد الاستغفار باللسان وهو مخيم على الذنب مصرٌّ عليه؛ فإن ذلك مردود؛ لأن الاستغفار مع الإصرار ضدان لا يجتمعان، يقول المناوي في هذا السياق: (ولا بد من قرن التوبة بالاستغفار؛ لأنه إذا استغفر بلسانه وهو مصرٌّ عليه فاستغفاره ذنب يحتاج للاستغفار، ويسمى توبة الكذابين)[21].

التصدق وكثرة الإنفاق:

يتبارك المال بالصدقة وكثرة النفقة في وجوه البر، ويكون ذلك سبباً في إخلاف الله على صاحبه بما هو أنفع له وأكثر وأطيب، كما دلَّ على ذلك قوله - تعالى -: قُلْ إنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِـمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: 93]، قال السعدي: (فلا تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق، بل وعد بالخلف للمنفق الذي يبسط الرزق ويقدر)[22]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً»[23]. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «بينا رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتاً في سحابة: اسقِ حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة؛ فإذا شرجة قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحوِّل الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان - للاسم الذي سمع في السحابة -، فقال له: يا عبد الله! لِمَ تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسقِ حديقة فلان لاسمك فماذا تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلتَ هذا؛ فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه، وآكل أنا وعيالي ثلثه، وأردُّ فيها ثلثه» وفي رواية: «وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل»[24]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما فتح رجل باب عطية بصدقة أو صلة إلا زاده الله بها كثرة»[25].

وفي المقابل جاءت نصوص عديدة تحذر من الشحِّ واعتقاد أن كثرة الإنفاق والصدقة مجلبة للفقر، ومن ذلك: قولـه - صلى الله عليه وسلم -: «ما نقصت صدقة من مال»[26]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث أُقْسِمُ عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن: فإنه ما نقص مال عبد من صدقة... »[27].

وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - حين قالت له: ما لِيَ مالٌ إلا ما أدخل عليَّ الزبير. فقال لها: «أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك»[28]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟ »[29].

والتجربة المحسوسة تثبت أن المعونة تأتي من الله على قدر المؤونـة، وأن رزق العــبد يأتيــه بقدر عطــيته ونفقته ورحمته لمن حوله من الضعفاء والمعوزين؛ إذ الراحمون يرحمهم الرحمن، فمن أَكثر أُكثر له، ومن أقلَّ أُقِلَّ له، ومن أمسك أُمسِك عليه. ومن شواهد ذلك قصة عائشة - رضي الله عنها -: «أن مسكيناً سألها وهي صائمة وليس في بيتها إلا رغيف فقالت لمولاتها: أعطيه إياه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه! فقالت: أعطيه إياه، قالت: ففعلتُ. قالت: فلما أمسينا أهـدى لنا أهـل بيـت أو إنســان - ما كان يهدي لنا - شاة وكفَّنها[30]، فدعتني فقالت: كلي من هذا، هذا خير من قرصك»[31].

والقضية برُمَّتها مرتبطة بالإيمان ومتعلقة باليقين، والأمر كما قال الحسن البصري: (من أيقن بالخَلَف جاد بالعطية)[32].

صلة الرحم:

إذ جاءت النصوص دالة على أن برَّ الأقارب، وصلة من بين المرء وبينهم نَسَبٌ من جهة أحد الأبوين، وقيامه بتفقُّد أحوالهم والإحسان إليهم ورعايتهم معنوياً ومادياً بحسب القدرة والحاجة؛ مثراة للمال، ومن أعظم أبواب الخير ومفاتيح الرزق، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من سرَّه أن يُمَدَّ له في عمره، ويُوسع له في رزقه، ويُدفع عنه ميتة السوء فليتقِ الله وليصل رحمه»[33]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه»[34]، وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: «من اتقى ربه، ووصل رحمه؛ ثُرِي ماله، وأنسئ له في أجله، وأحبه أهله»[35].

وفي المـقـابـل أشارت الأحاديث إلى شر قطيعة الرحم وأن من قطـعها قطـعه الله - تعالى -، وأنها أحق الذنوب بتعجيل العقوبة، ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «قال الله -- تبارك وتعالى --: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي؛ فمن وصلها وصلته، ومن قطـعها قطـعته»[36]، وقولـه - صلى الله عليه وسلم -: «ما من ذنب أجدر أن يعــجل الله - تعالى - لصاحبه العــقوبـة في الدنـيـا - مع ما يدخر له فـي الآخــرة - مثــل البغي وقطيعة الرحم»[37]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة فتنمو أموالهم، ويكثر عددهم إذا تواصلوا، وما من أهل بيت يتواصلون فيحتاجون»[38]، فما أجدر بالطامع بالأجر الراغب بسعة الرزق من أن يصل رحمه ويحذر من قطيعتها.

المتابعة بين الحج والعمرة:

فتكرار الحج والعمرة، وإظهار الاهتمام بأدائهما، والمقاربة بينهما من غير طول فصلٍ؛ مزيل للفقر وجالب للرزق كما يدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة»[39]، وفي رواية: «أديموا الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد»[40]. وإن المرء ليعجب من غفلة بعض من قدر عليه رزقه من الأخيار عن هذا الباب العظيم من أبواب الرزق، نسأل الله - تعالى - هدايته وتوفيقه.

الزواج:

إذ جاءت النصوص والآثار دالة على أن الزواج طريق للغنى ومفتاح للرزق، ومن ذلك: قوله - تعالى -: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِـحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإمَائِكُمْ إن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور: 23]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف»[41].

وكان الصدِّيق - رضي الله عنه - يقول: «أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح؛ ينجز لكم ما وعدكم من الغنى»[42]، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: «عجبت لمن ابتغى الغنى بغير النكاح، والله - عز وجل - يقول: إن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ»[43]، وقال - رضي الله عنه -: «ابتغوا الغنى في الباءة»[44]، وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: «التمسوا الغنى في النكاح»[45].

فهلَّا شمَّر فقراء الشباب ومحتاجو الأمة إلى الزواج؛ ليظفروا بهذا الباب العظيم من أبواب الرزق.

تلك أبرز الأسباب الشرعية التي دلَّت النصوص الثابتة بجلاء على كونها أسباباً جالبة للغنى ومحصلة للبركة، فأين من يعاني الفقر وقلة ذات اليد من تحصيلها والعمل بها.

عندها شكرت الشيخ الجليل على حديثه الضافي، وحمدت الله - تعالى - حمداً كثيراً على أنه ما زال في أمتنا كثير من الربَّانيين الذين يدلّونها على الخير وينيرون لها السبيل.

اللهم ألهمنا رشدك، ووفقنا لطاعتك، وأغننا بحلالك عن حرامك، ولا تجعل لأحد منا حاجة إلى غيرك، إنك عظيم الجود واسع الإحسان، وصلى الله وسلم على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] فتح القدير، للشوكاني: 2/ 85.

[2] ابن ماجه (2466)، وهو حديث صحيح، ومعنى «تفرغ لعبادتي»: أي: أفرغ قلبك في كل شأنك من كل ما سوى الله - عز وجل -، واحذر من أن تتشعب بك الهموم في أوحال الدنيا وملذاتها، كما في حديث أنس - رضي الله عنه - عند الترمذي (2465) بسند صحيح: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له»، والله أعلم.

[3] شرح السنة، للبغوي: 7/ 244، وهو حديث صحيح.

[4] ابن ماجه (4019)، وهو حديث حسن.

[5] أحمد: 373، وهو حديث صحيح.

[6] الترمذي (2326)، وهو حديث صحيح.

[7] مدارج السالكين، لابن القيم: 120/2.

[8] المستطرف، للأبشيهي: 126/2.

[9] الآداب الشرعية، لابن مفلح: 431/3.

[10] الشكر، لابن أبي الدنيا: 18.

[11] الشكر، لابن أبي الدنيا: 17. وعدة الصابرين، لابن القيم: 122.

[12] إحياء علوم الدين، للغزالي: 4/ 127.

[13] مختصر منهاج القاصدين، للمقدسي: 277.

[14] إحياء علوم الدين، للغزالي: 4/ 23.

[15] مسلم: 7079.

[16] أبو داود: 1546، وهو حديث صحيح.

[17] ابن حبان: 1023، وهو حديث صحيح.

[18] الترمذي (3563)، وهو حديث حسن.

[19] انظر في شروط الدعاء وموانعه: تصحيح الدعاء، لبكر أبو زيد: 31 - 36.

[20] الكشف والبيان، للثعلبي: 10/44.

[21] فيض القدير، للمناوي: 3/230.

[22] تفسير الكريم الرحمن: 681.

[23] البخاري: 1442.

[24] مسلم 2288.

[25] شعب الإيمان للبيهقي: 2413، وهو حديث صحيح.

[26] مسلم: 2588.

[27] الترمذي: 2325، وهو حديث صحيح.

[28] البخاري: 2591.

[29] شرح السنة، للبغوي: 214/7، وهو حديث صحيح.

[30] قولـه: كفَّــنها، أي: غطـاها بأقراص ورغف، انظر: النهاية، لابن الأثير: 193/4.

[31] موطأ مالك: 997/2.

[32] روضة العقلاء، لابن حبان: 198.

[33] أحمد: 1212، وهو حديث صحيح.

[34] البخاري: 5640.

[35] البر والصلة، للمروزي: 198، وإسناده حسن.

[36] المستدرك، للحاكم: 7269، وهو حديث صحيح.

[37] أبو داود: 4904، وهو حديث صحيح.

[38] ابن حبان: 440، وهو حديث صحيح.

[39] أحمد: 3669، وهو حديث صحيح.

[40] المعجم الأوسط، للطبراني (3814)، وهو حديث صحيح.

[41] الترمذي: 1655، وهو حديث حسن.

[42] تفسير ابن أبي حاتم: 14449.

[43] تفسير البغوي: 6/40.

[44] المصنف، لابن أبي شيبة: 4/ 127.

[45] جامع البيان، للطبري: 19/ 166

http://www.albayan-magazine.com/bayan-254/bayan-05.htm

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
فايز
عمان
2011/12/06
السلام عليكم ورحمة الله وبركة شكرا