منهج الاعتدال
عدد القراءات : 4950

قدّم أحد الحاضرين مقدمة قصيرة للمحاضرة، وبدأ بالحمد لله والثناء عليه والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونوّه المقدّم إلى أنّ جامعة أم القرى ممثلة في المركز الصيفي ترحب بالسادة الحاضرين وخاصة بالشيخ/ عوض القرني الداعية الإسلامي المعروف، والذي جاء لإلقاء هذه المحاضرة بدعوة كريمة من المركز الصيفي، وقد نوّه المقدم للشيخ بأن الشيخ هو أحد البارزين الذين وقفوا في وجه بعض التيارات المغرضة للإسلام وقد أبان وجه الحق، ووقف مواقف مشهودة، وأماط اللثام عن وجوه كالحة تخفت في ثياب التحديث حيث أنه ألّف وجاهد في منافحة ومواجهة هذه التيارات، التي عادت من جديد تبحث عن وجوه مستعارة جديدة، وقد عرفناه بمحاضراته المستنيرة وهو يعمل محاضراً في فرع جامعة الإمام في أبها وحديثه الليلة عن الاعتدال.

بدأ الشيخ حديثه بالحمد والشكر لله، والصلاة والسلام على رسول الله، والدعاء للمسلمين بالتوفيق والسداد في الدنيا والآخرة، وبدأ الشيخ بالتنويه عن معنى الاعتدال في المنهج والذي أصبح مطلبا في زمن عزّ فيه الاعتدال وتكاثر الناس ما بين غالٍٍ وجافي فيه، وخلا وسط الطريق.

وقال الشيخ: بأن ذلك الموضوع كان مطلب الأخوة الحاضرين، وقد وقف الشيخ موقف الحيرة عن أي جانب سيتحدث، هل سيتحدث عن الاعتدال في أمور الدنيا والعبادة لله - سبحانه وتعالى - أم سيتحدث عن الاعتدال في أمور الحياة حتى يتحقق للإنسان ما يصبوا إليه منطلقاً من عقيدته التي اقتنع بها، أم سيتحدث عن الاعتدال بمعنى التوسط، أم سيتحدث عن العدل وهو أحد لوازم الاعتدال، أم سيتحدث عن الاعتدال في القول أو الحوار أو المعتقد أو العبادة أو الأخلاق أو السلوك أو التربية، فوجد أننا في حاجة إلى الاعتدال في كل جوانب حياتنا، وقد توكل الشيخ على الله في التحدث عن موضوع الاعتدال في نقاط أساسية وهي: -

1) بيان منهج الاعتدال في المناهج المغايرة.

2) الإشارة السريعة الموجزة إلى حديث القرآن عن الاعتدال.

3) نظرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً وموقفاً إلى الاعتدال.

4) الاعتدال صفة للأمة المسلمة في جميع جوانبها بين الأمم المختلفة.

5) الاعتدال شعار أهل السنة والجماعة وبالأخص بين الفرق الأخرى.

6) بعض التطبيقات العصرية في الدعوة إلى الله، والتي نحن في حاجة إليها.

7) الختام بالتنبيه على بعض صور الانحراف عن منهج الاعتدال.

وقد نوّه الشيخ أن كل نقطة من النقاط السابقة قد تستغرق وقتاً طويلاً لشرحها ولكن بالنظر لهذه النقاط مجملة وبصورة عامة سيسهل علينا فهم موضوع الاعتدال من جميع جوانبه وقال الشيخ بأنه سيكون هناك بعض الفقرات المقتبسة كاملة من كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية وسوف يقوم الشيخ بذكر نموذج تطبيقي من مناهج الاعتدال في فتاوى الشيخ عليه رحمة الله.

1- بالنسبة للفقرة الأولى وهي أقسام المناهج: -

نجد أن المناهج من حيث النظرة المتأنية والمتمحصة لكتاب الله وسنة نبيه - عليه الصلاة والسلام - تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

أ) منهج التفريط: -

وهو منهج أهل الشهوات فكل تديَن عندهم تطرف وكل إيمان تزمت، وكل التزام رجعية وكل محاربة للفجور والعصيان أصولية وإذا تأملنا في الصحافة الإعلامية العالمية نجد أن هذه المصطلحات لا تغيب عنا فنحن نعرفها حتى أصبحنا نشك في أنفسنا من كثرة ترديد هذه المصطلحات وأصبح كل من دعا إلى الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر أصولياً ومتزمتاً ورجعياً حيث ذكر الشيخ بأنه قرأ في إحدى الصحف بعض الأخبار عن المتطرفين في الجزائر ومصر وأفغانستان وتونس وتأمل الكاتب لهذه الأخبار فوجد أنهم ممن توضأت أيديهم وشهدوا بالله رباً وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً ورسولا، وبالإسلام ديناً وذكر منهم (أي هؤلاء الكتّاب) جابر عصفور، غالي شكري، فؤاد ذكريا، ومن يتأمل في كتابات هؤلاء الكتاب يجد هذا المنهج واضح السمات.

وقد ذكر الشيخ أيضاً مقابلة اطلع عليها في إحدى الصحف مع (راقصة) ممثلة، تقول هذه الراقصة مهاجمة الإسلام وشبابه بأن شباب الإسلام متخلف ورجعي وأصولي وأنها تعمل بالرقص والتمثيل لأن العمل عبادة وقالت بأنها تخشى أن تكون متطرفة في فهمها للدين.

وذكر الشيخ بعض كتابات هؤلاء ومنهم جابر عصفور الذي هاجم الشيخ / عبد العزيز بن باز وقال بأنه أحد رموز التخلف في العالم العربي وكان ذلك في مجلة الإبداع وقد أشرت إليه في كتاب الإسلام والحداثة وقد شاع هذا المنهج في الإعلام بوجه عام.

ب) منهج الإفراط: -

وهو منهج أهل الشبهات والذين إذا خُيّروا بين أمرين اختاروا أعسرهما وبوجود أهل الشهوات والفتن ومرضى القلوب الذين يحاربون الله ورسوله ويحاربون الهدى والتقى خرجت مجموعات من الشباب ينظرون للحياة بمنظار أسود ويقول بأنه لا يوجد أحد على وجه الأرض يسير في طريق الهدى إلا هم فيكفرٌون الجميع بالجملة.

وذكر الشيخ الاختلاف القائم بين أسلافنا الذين كانوا يكفرٌون أفراداً فقط بإدخال البدعة في الدين والابتداع فيه، وكانوا يعملون دائماً لإرضاء الله ورسوله والمحافظة على الدين من الابتداع والتحريف أما هؤلاء الشباب والجماعات الحديثة أصحاب منهج الإفراط في أمور الدين فهم يكفرٌون شعوباً بأكملها.

وقد ذكر الشيخ حادثة وقعت له ذات يوم عندما جاءه أربعة شباب من إحدى البلاد العربية فسلموا عليه بغلظة وشدة حيث ذكر الشيخ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كلامه مع أحد الأشخاص وكان عابس الوجه قاتم الجبين، وجاء في الحديث: (يا محمد اعدل هذه قسمة ما أريد بها وجه الله) وجاء ذلك على لسان ذو الحويصره حيث نوه الشيخ بأنه لم يتسرع في الحكم على هؤلاء الشبان رغم غلظتهم وشدتهم، بل ابتسم لهم وقد قالوا له بأنهم جاءوا لدعوته للدخول في دين الله، فقال لهم الشيخ هل رأوه على غير دين الله، فقالوا له بأنهم يعتقدون بأن جميع الناس خرجوا عن دين الله، ولم يبق على وجه الأرض غيرهم على دين الله، فقال لهم الشيخ: وماذا عن العلماء قالوا هم أضل الناس، وسألهم عن المجاهدين، قالوا: قد كفروا وخرجوا من الدين.

وقد قال الشيخ بأنه لا يزعم بأن أصحاب منهج الإفراط كلهم بهذه الكيفية ولكن الجميع يتفقون في الغلو والإفراط وتجاوز الاعتدال والتشدد مع اختلاف مقدار ذلك ونسبتهم وطرح عليهم الشيخ الأسئلة حيث انقسموا إلى طائفتين، وكل طائفة مكونة من اثنين، وكل طائفة تكفر الأخرى حيث تذكر حادثة الخوارج وقصصهم عند رؤيته لذلك وسيذكر ذلك بعد قليل.

ج) منهج الاعتدال: -

الذي تحرر أهله من الشهوات واستضاءوا بنور الوحي وحكموا بالعدل والإنصاف والذين اتبعوا محمدا وعرفوا الحق ورحموا الخلق، يقول شيخ الإسلام بن تيمية -رحمة الله عليه-: (دين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والله ما أمر عباده بأمر إلا اعترض فيه الشيطان بأمرين أمر الإفراط أو أمر التفريط فيه).

إذاً الحق وسط في الأمور فعندما يلتزم إنسان فيقولوا هذا متشدد ومتزمت حيث وصف النبي - صلى الله عليه وسلم -، الخوارج بأنهم يمرقون من الإسلام ويأتي دور الشيطان في وصف من يتجه إلى الله ورسوله بالإفراط في دين الله والتزمت والتشدد ومن ينغرس في الشهوات بالتفريط في دين الله وأوامره ويكون كلا الطرفين مع الشيطان وحزبه.

2- حديث القرآن الكريم عن منهج الاعتدال: -

حيث جاء في آيات كثيرة ومنها وصف الله - سبحانه وتعالى - أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بأنها أمة وسطا في قوله - تعالى -: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) صدق الله العظيم، وقال الشيخ بأن هذه الأمة ما نالت القيادة والريادة على البشرية إلا لأنها أمة وسط، ويتحدث قائلاً بأن أمة الإسلام الآن لا تتأهل لأداء الشهادة غداً بين يدي الله عندما يستشهد بها الأنبياء والمرسلون، ويمكن تحقق ذلك عندما تكون أمة وسط وعدل لا تقصر ولا تغلوا.

وقد بين - سبحانه وتعالى - أن طائفة من أهل موسى أهل حق وعدل فقال: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)، وفي هذا مدح لهم وثناء وكأن الآية الكريمة تقول لنا أنه لا يتأهل للدعوة لدين الله ودين محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا من كانت صفة العدل من أخص صفاته، وحين يفقد العدل ويميل يميناً أو يساراً يصبح هذا الشخص غير مؤهل لحمل الرسالة ولا يهدي إلى الحق.

وفي آية أخرى: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) وتشرح لنا هذه الآية الكريمة بأن الذين يهدون للحق هم أصحاب العدل الذين لا يميلون عنه، ارضاءً للرغبات الشخصية بل يقفون بعدل وتوسط لنشر دين الله.

وقد أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده المؤمنين بأن يعدلوا مع أعدائهم فقال - سبحانه وتعالى -: (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) ويأمر الله - سبحانه وتعالى - المؤمنين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي أي زمن أن إذا حكموا مع أعدائهم في أي قضية بأن يحكموا بالعدل وألا يتجاوزوا الحد بل يتحروا العدل وهذا مع أعدائهم وقد ذكر الشيخ حادثة للمؤمنين المخلصين الذين تحروا العدل في حكمهم وكان ذلك سببا لتمكينهم في الأرض: -

يذكر أهل السير أن قتيبة بن مسلم الباهلي الفاتح الشهير حين فتح أرض سمرقند في آسيا الوسطى، لم يتبع تعاليم النبي في الدعوة للإسلام أو إلى الجزية وحين علم أهل سمرقند في زمن عمر بن عبد العزيز أن هذا حكم شرع الله، ورأوا التزام المسلمين بشرع الله - سبحانه وتعالى -؛ أرسلوا مبعوثا إلى عمر بن عبد العزيز، وقال هذا المبعوث بعد إسلامه، ويحكي أنه مشى على قدميه قرابة سبعة أشهر إلى دمشق، عند وصوله إلى أرض دمشق أراد أن يسأل عن السلطان، وقال فخشيت أن أذكر اسمه أن تقطع رأسي - فبقى أيام على ذلك - حيث نظر إلى أكبر مبنى في المدينة فإذا هو مسجد فولج إليه فوجد الناس حلقات فيه، فقال لأحدهم هل هذا دار السلطان، فأجابه المسلم بسؤاله: هل أنت مسلم؟ فقال له المبعوث: (لا)، فبدأ المسلم يحكي للسمرقندي عن الإسلام ثم أخذه المسلم إلى دار أمير المؤمنين، وكانت داره من طين، ولكن لم يصدق السمرقندي، ذلك فوجد أمير المؤمنين يعمل مع زوجته فاطمة بن عبد الملك بن عبد العزيز- والذي كان والدها خليفة وإخوانها خلفاء وزوجها خليفة ورغم ذلك كانت تتصف بالتواضع بين الناس بفضل الإيمان بالله - في منزلهم الذي هو من الطين وعندما آتاه المبعوث نزل إليه عمر ولكن شغله شيء أخر، عندما جاء ولد صغير مشجوج الرأس حيث غسل أمير المؤمنين يديه ومسح على رأس الصبي وأعطاه حبة فاكهة وأتت أم الصبي، وقالت بأن الصبي يتيم، فسألها: هل له في بيت المال رزق؟ قالت: لا فطلب منها عمر بأن تأتي غداً ليفرض له رزقاً من بيت المال، وكانت هذه الواقعة أمام السمرقندي حيث أخذ أمير المؤمنين الرسالة من المبعوث وكتب على ظهرها: (من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى محمد بن يافع أحكم بين المسلمين، وأهل سمرقند ووضع عليها الختم) فلم يصدق المبعوث أن هذه الورقة سوف توقف الجيوش الجرارة في سمرقند، وأخذ يحدث نفسه عن غرابة هذا الرجل الذي يعيش في بيت من الطين وهو أمير للمسلمين، وكيف أن هذه الرسالة مهمة، وعزم على التخلص منها مرات عديدة ظناً منه بعدم أهميتها، فلما وصل واجتمع أهل سمرقند وعباد الأصنام، وقرءوا الرسالة فلم تغن عنهم شيئا فطلب منهم المبعوث البحث عن محمد بن يافع فوجدوه رجلاً كبيراً يجلس في المسجد فطلب منهم القدوم غداً هم وقائد الجيوش المسلمة حيث حكم الرجل بين أهل سمرقند، وهم كفار على غير دين الله وبين قائد الجيوش المسلمة واستمع إلى كل منهم فوجد الحق لأهل سمرقند فحكم بالعدل وطلب من قائد جيوش المسلمين الخروج من سمرقند؛ لأنه أغلظ معهم ولم يتبع تعاليم الرسول له بالدعوة للإسلام بالرفق والموعظة الحسنة، فخرج قتيبة من أرض سمرقند، ثم دعاهم إلى الإسلام بالحسنى؛ فدخلوا جميعاً في الإسلام.

وكان ذلك بسبب العدل والاعتدال في المعاملة مع غير المسلمين؛ لأن دين الإسلام دين عدل وسماحة، وليس دين إرهاب وتشدد، ورسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - بُعث هادياً ولم يُبعث جابياً.

وخلص الشيخ القرني في محاضرته إلى أهمية العدل القائم على المساواة والذي يصل بصاحبه إلى النجاح والتوفيق حيث دخل جميع أهل سمرقند في دين الله بالحسنى والاقتناع وليس جبراً.

ونوه الشيخ إلى حالنا اليوم وحال إعلامنا الذي يشير دائماً إلى أخبار الأمم الأوربية ونسي أن واجبه التعبير عن أخبار المسلمين حيث استشهد الشيخ بآيتين من آيات الله التي تآمرنا بالاسترشاد في النفقة في قوله - تعالى -: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا)، وكان ذلك اعتدالاً في النفقة بين الشح والبخل من جهة والبسط والإسراف من جهة أخرى ويقول - سبحانه وتعالى -: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) صدق الله العظيم، وتؤكد هذه الآية الكريمة بأن الاعتدال منهج قرآني أصيل.

3- نظرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً وموقفاً للاعتدال: -

حيث ذكر الشيخ الموقف النبوي الشريف من منهج الاعتدال في كل جوانب الحياة؛ لأن الإسلام دين وسطية، وكان ذلك في أقواله وأفعاله ومواقفه العظيمة وفي حديثه الشريف كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((يحمل هذا الدين من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغاليين وانتحال المبطلين)) حيث قسّم النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى ثلاثة أقسام: -

المبطلين الذين ينتحلون من الانتحالات الفارغة وهم من يبطلون دين الله - سبحانه وتعالى -، والغاليين الذين يحرفون هذا الدين ويحملونه من المعاني ما لم يرده الله ولا رسوله، والعدول هم الذين يتوسطون في أمر الله ودينهم ولا يميلون إلى التفريط ولا الإفراط ويقول - صلى الله عليه وسلم -: ((إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحداً إلا غلبه فأوغلوا فيه برفق)).

ويقول رسول الله أيضاً في حديث أخر ((إن المنبت لا أرض قطع و لا ظهراً أبقى)) وهو الشخص الذي يبذل جهداً كبيراً لقطع مسافة طويلة في وقت قصير، فيعبر الرسول الكريم عن فشله وإخفاقه، فلا يقطع أرضاً ولا يبقي دابته وهكذا هو حال أهل الغلو والإفراط في أمور دينهم يكونون في البداية مندفعين، وبعد ذلك يعقبهم الفتور لعدم قدرتهم على الاستمرار في ذلك الغلو.

ويقول - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر ((ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه)) وقال أيضاً ((إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على سواه))، ويقول أيضاً ((عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا)) صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

حيث جعل الله هذا الدين موافقا لفطرة الإنسان، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها فعلى الإنسان ألا يكلف نفسه ما لا يطيق حيث يقول - صلى الله عليه وسلم - ((ليصلي أحدكم نشاطه فإذا تعب فلينم))

وفي قول رسول - صلى الله عليه وسلم - عدل وإنصاف ووسطية في موقفه في موقعة بدر عندما عاد وخطب الناس وقام أحد الصحابة يتشفى في الكفار ويقلل من شأنهم حينما قال بأن المسلمين لم يقاتلوا إلا عجائز صنعت لإبل معقلة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يا ابن أخي أولئك الملأ من الناس (يقصد بذلك المشركين) ما كانوا إلا أسياد الناس وقومنا)).

فنرى هنا الموعظة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشير إلى الذين تخلفوا عن الحرب ضد المشركين بالسوء رغم أنهم كفار ومشركون، إلا أنهم رؤوس الناس وكبارهم فكان في مواقفه عدل ووسطية.

وموقفه أيضاً مع حاطب بن أبي بلتعة الذي كان يتجسس لحساب المشركين فأراد عمر أن يقتله فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ((إنه من أهل بدر وما يدريك يا عمر بأن الله قد اطلع على أهل بدر وقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) وموقفه - صلى الله عليه وسلم - من شارب الخمر الذي كان يقام عليه الحد وتشفى فيه رجل من الصحابة، فقال عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، بأن هذا الرجل يحب الله ورسوله لأنه أخطأ وندم وتاب ورجع إلى الله؛ فقبل الله توبته فنجد العدل والسماحة في أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعدم التشفي في الأعداء ولا المذنبين.

وموقف آخر للرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديثه عن ملك الحبشة قبل الهجرة في مكة عندما قال لأصحابه: (( عليكم بأرض الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد)).

وتحدث الشيخ إلى أهمية العدل والأنصاف بالنسبة للدعوة حيث مكن الله لها في الأرض ودليل ذلك موقفه - صلى الله عليه وسلم - في تقسيم الغنائم بين أصحابه، كان فيه عدل وإنصاف وعدم محاباة أحد على أحد وذكر الشيخ مواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه وعامة المسلمين وكانت هذه المواقف قائمة على العدل والإنصاف.

وموقفه - صلى الله عليه وسلم - مع وفد من قبيلة حارث بن كعب والذي أرسلهم خالد بن الوليد للنبي - صلى الله عليه وسلم - وعندما جاءوا إلى الرسول ألقى - عليهم السلام - وكان يعرف عنهم بأنهم كانوا يغلبون الناس ولكن الرسول حدّثهم بموقف قوة لا ضعف؛ لأنهم كانوا عتاة وسألهم كيف كانوا يغلبون الناس، فردوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنهم كانوا لا يبدءون أحداً بظلم، وكانوا لا يتفرقون على أنفسهم بل كانوا متحدين.

وأشار الشيخ بأن صفة العدل والوحدة كانت موجودة في الناس في الجاهلية قبل الإسلام وتحقيق القوة يتم بالعدل والوحدة دائماً.

4- الاعتدال صفة الأمة المسلمة في شرائعها ومبادئها وأخلاقها وسلوكياتها: -

حيث ذكر الشيخ بعض كتابات الشيخ ابن تيمية في المجلد الثالث في صـ370 من الفتاوى يقول رحمة الله عليه: (كما أن ملة الإسلام وسط بين الملل الأخرى فالمسلمون وسط فيما يعتقدونه في أنبياء الله وعباده الصالحين لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى فاتخذوا أحبارهم رهباناً من دون الله والمسيح بن مريم وما أُمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو - سبحانه - عما يشركون).

ولا جفا المسلمون على أنبياء الله كما جفت اليهود على أنبيائهم وكانوا يقتلونهم بغير حق فالمؤمنون وسط بين اليهود والنصارى وآمنوا برسل الله ولم يكذبوهم ومن ذلك إيمان المؤمنين بالسيد المسيح ولم يقولوا أنه ابن الله كما فعلت النصارى، ولم يقولوا على مريم بهتاناً عظيما بل قال المسلمون على المسيح أنه نبي الله وعبد من عباد الله وكلمة ألقاها الله إلى مريم وروح منه، وكذلك المسلمون وسط في شرائع الله، فلم يحرموا على الله أن ينسخ ما يشاء ويمحو ما يشاء مثل اليهود الذين تجبروا على الله وتعدوا وخلاصة القول بأن الأمة المسلمة هي الأمة الوسط بين الأمم لم تفرط في أمر دينها).

وذكر الشيخ قصص اليهود مع الله وتجرئهم على الله فشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ولعنهم في الدنيا والآخرة وحكم عليهم بالشتات في الأرض وحرم عليهم طيبات أُحلت لهم وكذلك النصارى استحلوا الخبائث والنجاسات رغم نزول المسيح إليهم من عند الله ليحل لهم بعض الذي حُرم عليهم أما المؤمنين فقد نعتهم الله في قوله - تعالى -: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأميّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوارة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزره ونصروه، واتبعوا النور الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون) وكان ذلك وسطية الأمة المسلمة في أهل الكتاب وكذلك وسطيتها في العصر الحديث ما بين المذاهب الكافرة والعلمانية والشيوعية والروحانية المنحرفة والأمة المسلمة أمة وسط في النواحي الاجتماعية، وتحافظ على الفرد والمجتمع على حد سواء، ولا تفرق بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع.

5- الاعتدال شعار أهل السنة والجماعة: -

حيث ذكر الشيخ ذلك من خلال توضيحه بأن الاعتدال صفة مميزة، وشعار لأهل السنة والجماعة وخاصة بين أهل الفرق داخل الأمة شعارها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومعاملتها وعلاقتها وسلوكها وفتاواها.

وذكر الشيخ موقف الإمام بن تيمية -رحمة الله عليه- في ذلك الموضوع وهو الاعتدال صفة من صفات الفرق المسلمة داخل الأمة.

وتعرض الشيخ أيضاً لوسطية الأمة المسلمة بين الفرق المختلفة في جميع أوجه الحياة وأمور الدين وخاصة في الروح والقدر والمادة واللذة وجميع أمور الدين فكان هناك الغلو والإفراط والتفريط ما بين الفرق المختلفة، أما الأمة المسلمة فكانت نظرتها وسط واعتدال إلى كل أمور الدين منطلقاً من قول الله: (ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) صدق الله العظيم.

وذكر أيضاً الشيخ وسطية الأمة المسلمة في باب الوعد والوعيد وذكر الاختلاف بين طائفتين وهما الخوارج والمرجئة في هذه القضية فكانت الأمة المسلمة وسط في مبدأ الوعيدية.

وقد نوه الشيخ أيضاً إلى وسطية الأمة المسلمة في العبادات، فلا يفرطون في العبادات، ولا يغلون فيها ويأخذون منها ما تطيق لها أنفسهم، ويضعون قول الله أمام أعينهم (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).

وذكر الشيخ أيضاً وسطية أهل السنة في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق وعدم الشدة؛ لأن دين الله دين يسر ورفق، وليس فيه تشدد كما قال رسول الله من قبل.

وذكر الشيخ وسطية أهل السنة في السلوك والأفعال والمعاملات، ومنها صفة الشجاعة وسط بين الجبن والتهور، وصفة الكرم وسط بين البخل والتبذير، وصفة التواضع وسط بين الذلة والتجبر على عباد الله.

6- التطبيقات العصرية لبعض صور الاعتدال: -

1- الجمع بين الأصالة والمعاصرة وذلك بالمحافظة على الثوابت والأصالة، واستيعاب المتغيرات الحديثة.

2- الطموح إلى العالمية مع مراعاة الخصائص المحلية، وذلك بوضع مبدأ الرسول الكريم أمام أعيننا:

((إنما بُعثت للناس كافة)) ولم يقتصر هذا الدين على قوم بعينهم ولا فئة بعينها بل أرسل الله رسوله للناس كافة هادياً ونذيراً فيجب التطلع إلى عالمية الرسالة وانتشارها مع المحافظة على ثوابتها ومبادئها، ومراعاة أيضاً الخصائص المحلية لكل فئة وكل منطقة ينتشر فيها دين الله، ويتحقق ذلك بمبدأ الاعتدال دون إفراط أو تفريط.

3- ابتغاء الدار الآخرة، وعدم نسيان النصيب من الدنيا، وذلك بأن يكون هدفنا الأول هو إرضاء الله ورسوله، وابتغاء الدار الآخرة؛ لأن الدنيا فانية ونضع قول الله - عز وجل - نصب أعيننا (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) كما يجب أيضاً أن لا ننسى نصيبنا من الدنيا ونعمل فيها بما يرضي الله ورسوله ونجعلها وسيلة للوصول إلى الغاية المنشودة وهي الآخرة.

4- تصحيح الأخطاء وإنكار المنكر فيجب علينا إنكار المنكر وتوضيحه وذكره ومحاولة تصحيحه بأسلوب حسن وبالموعظة الحسنة لا بالتشدد والغلو والإفراط على أصحابه حتى يتحقق مبدأ الاعتدال والتوسط في النظر للآخرين.

5- إتباع النفس وعدم تعطيل العقل ويتم ذلك بمحاولة المواءمة بين النفس والعقل وتحقيق مبدأ الاعتدال بينهم.

7- بعض صور الانحراف عن منهج الاعتدال: -

1- المرجئة في ثوبها القديم والحديث وهم الذين يقولون بأن الإنسان مؤمن إيماناً كاملاً وإن وقع في المعاصي والفجور، وكأنهم من العشرة المبشرين بالجنة، وأنّ معاصيهم وكبائرهم ليست عارضاً في إيمانهم بالله ورسوله وهذا يعتبر تناقض وتنافر وتلاعب بالدين.

2- الغلو وذلك من خلال طائفة الخوارج التي ظهرت في صورتها الجديدة من أهل الإسراف والغلو والإفراط في دين الله، وذلك من خلال تصيد أخطاء أهل العلم، وشن الحروب والانتفاضات عليهم، وكأنهم معصومين من الأخطاء، وكما هو معروف بأن العصمة للرسول الكريم فقط.

3- طائفة الجمع بين الإرجاء والخوارج وظهرت في صورتها الجديدة وجمعت بين الطائفتين السابقتين.

4- نسيان الحسنات عند ثوران العداوات وهذه الصورة منتشرة جداً، في عصرنا الحديث، وخاصة اتجاه العلماء والجماعات الإسلامية، وعدم التماس الأعذار وعدم ذكر الحسنات عند وقوع العداوة والمشاكل.

5- الإفراط في العقلانية والتفريط في إتباع النص.

6- الإفراط في مدافعة الباطل وأهله والتفريط في تزكية النفس.

هذا وبعد أن انتهت المحاضرة للشيخ عوض القرني عن منهج الاعتدال، استقبل فضيلته بعض الأسئلة والاستفسارات من الحضور للشيخ عن بعض مؤلفاته وكتاباته وغير ذلك.

ــــــــــــــــــــــــ

* أُلقيت هذه المحاضرة مساء يوم الأربعاء السابع من شهر صفر لعام 1413هـ في مركز أم القرى بالطائف.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
لؤي عساف
الاردن
2011/09/13
مشكور عالموضوع الجميل
najat
casablanca
2014/10/09
mrc bzaf 3ala lma3lomat al moufida