أسس طلب العلم
الكاتب : صلاح الصاوي
عدد القراءات : 2399

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فهذه رسالة في أدب طلب العلم نقدمها لأحبابنا في الله في هذه القارة، ثم إلى كل من تصل إليه من المسلمين كافة، لم نأت فيها بجديد، ولكننا جمعنا فيها جملاً مفيدة مما كتبه سلفنا الصالح في هذا المقام، وقمنا بتهذيبها وترتيب مادتها، رجاء أن يعم النفع بها، وأن تسهم في تجلية صفحة مشرقة من صحائف حضارتنا الإسلامية، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

اغد عالماً أو متعلماً:

لا يخفى أن العلم الشرعي هو ميراث النبوة، وعلى قدر حظ الناس منهم يكون حظهم من وراثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن هنا فإن طلب العلم أغلى ما أنفقت فيه أعمار البشر وأموالهم، وإن لحظة ينفقها الإنسان في عمره لا يستفيد فيها علما، ولا يقصد فيها إلى طاعة، لجدير بأن تطول عليها حسرته!.

ولقد بدأ الله بالعلم قبل العمل في أعلى مطلب إلهي فقال - تعالى -: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)[محمد: 19]، وقد قرن الله - عز وجل - اسم العلماء باسمه واسم ملائكته في الشهادة على أعظم مشهود به وهو توحيد الله - عز وجل -، فقال - تعالى -: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم) [آل عمران: 18]، يقول القرطبي - رحمه الله -: "وفي هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء" الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 4 / 41.

وقد جعل الله - تعالى - أهل العلم هم أهل خشيته من بين سائر عباده، فقال - تعالى -: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر: 28]، فكل مسلم يخشى الله لكن الخشية متفاوتة، وأكمل الناس خشية لله هم العلماء بالله والعلماء بدينه، فكل من كان بالله أعلم كان أكثر له خشية، وأوجبت له الخشية الله الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه!.

وقد أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يسأله المزيد من العلم فقال - تعالى -: (وقل رب زدني علما) [طه: 114]، ولو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله نبيه أن يسأله المزيد منه كما أمره أن يستزيده من العلم.

وفي بيان أهمية طلب العلم وعلو رتبة أهله يقول المعصوم - صلى الله عليه وسلم -: ((من سلك طريقاً يطلب فيه علما سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)).

ولقد بين المعصوم - صلى الله عليه وسلم - أن من علامة إرادة الخير بالعبد أن يرزق الفقه في الدين، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))، وعندما دعا لابن عمه عبد الله بن عباس قال: ((اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل))، وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ((اغد عالماً أو متعلماً ولا تغد إمعة بين ذلك))، والإمعة كما يقول ابن الأثير: الذي لا رأي له، فهو يتابع كل أحد على رأيه، ولقد أخذ علي - رضي الله عنه - بيد كميل بن زياد النخعي وقال له: "الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق".

وقارن بين طلب العلم وطلب المال فقال:

-  العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال.

-  العلم يزكوا على العمل، والمال تنقصه النفقة.

-  العلم حاكم، والمال محكوم عليه.

-  وصنيعة المال تزول بزوالها، ومحبة العالم دين يدان بها، يكسبه الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته.

-  مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم في القلوب موجودة!

ويقول سفيان بن سعيد الثوري: ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم.

ونختم بما نسب إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في هذا المقام:

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم *** على الهدي لمن استهدى أدلاء

فاظفر بعلم ولا تبغي به بدلاً ***  فالناس موتى وأهل العلم أحياء

العلم الشرعي هو المقصود بالنصوص:

يقول ابن حجر - رحمه الله - في أول شرحه لكتاب العلم من صحيح البخاري: "والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يحب على المكلف من أمر دينه في عبادته ومعاملاته والعلم بالله وصفاته، وما يجب له من القيام بأمره وتنزيهه عن النقائص" فتح الباري 1 / 141.

إنما الأعمال بالنيات:

أول ما ينبغي أن يعنى به طالب العلم النية الصالحة فلا يبتغي بطلبه للعلم مالاً ولا جاهاً، ولا يبيع حظه من الآخرة بلعاعة من الدنيا تذهب لذتها وتبقى حسرتها! فإن من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله - لا يتعلمه إلا ليصيب عرضا من الدنيا - لم يجد عرف الجنة يوم القيامة، وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أن في طليعة من من تسعر بهم النار يوم القيامة رجلاً تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتي به، فعرفه نعمه فعرفها، فقال له: فما عملت فيها؟ قال تعلمت العلم، وعلمته، وقرأت فيك القرآن، فيقال له: كذبت! ولكن تعلمت العلم ليقال عالم وقد قيل! ثم يؤمر به، فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار.

وقد توعد المعصوم - صلى الله عليه وسلم - بالنار من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو ليصرف به وجوه الناس إليه!.

قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا لتماروا به السفهاء ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك، فالنار النار)).

ومن هنا يبدو الفارق بين علوم الآخرة التي يجب تجريد القصد فيها لله - جل وعلا -، وبين سائر العلوم التي إن أحسن النية فيها أثيب، وإن ذهل عن ذلك فإنه لا يؤجر ولا يؤزر!

وقد أخرج الدارمي عن عبد الله بن مسعود قوله: "كيف بكم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، ويربوا فيها الصغير ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة! قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: إذا كثر قراؤكم وقلت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة".

ويقول الخطيب البغدادي في نصيحته لطلبة العلم: "وليحذر أن يجعله سبيلا إلى نيل الأعراض، وطريقاً إلى أخذ الأعواض، فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه".

وقد جاء في مقدمة التمهيد للحافظ بن عبد البر: قيل للإمام مالك - رحمه الله - بعد أن كتب كتابه الموطأ: شغلت نفسك بهذا الكتاب، وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله؟! فقال: "لتعلمن إنه لا يرتفع من هذا إلا ما أريد به وجه الله"، قال الراوي: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار، وما سمع لشيء منها بعد ذلك بذكر.

الأدب قبل الطلب:

والأدب ملكة تعصم من قامت به عما يشينه، فهو استعمال ما يحمد قولاً وفعلاً، وقد عرفه ابن المبارك - رحمه الله - بقوله: إنه معرفة النفس ورعوناتها، وتجنب تلك الرعونات، ومن فضيلته أنه ممدوح بكل لسان، ومتزين به في كل مكان، وباق ذكره على أيام الزمان، ومن شرفه أن أهله متبوعون والناس تحت راياتهم، فيعطف ربك - تعالى -عليهم قلوباً لا تعطفها الأرحام! وتجتمع بهم كلمة لا تأتلف بالغلبة، وتبذل دونهم مهج النفوس، وقد اهتم سلفنا الصالح بالأدب اهتماماً خاصاً، وحثوا على تعلمه وسلوك طريقه، وكانوا يقولون من قعد به حسبه نهض به أدبه، والعقل بلا أدب كالشجر العاقر، ومع الأدب كالشجر المثمر، بل اعتبروه خيرا من كثير من العمل، يقول القرافي - رحمه الله تعالى -في الفروق: "واعلم أن قليل الأدب خير من كثير من العلم، ولذلك قال رويم لابنه: يابني: اجعل عملك ملحا، وأدبك دقيقا، - أي استكثر من الأدب حتى تكون نسبته إلى عملك كنسبة الدقيق إلى الملح في العجين - وكثير من الأدب مع قليل من العمل الصالح خير من العمل مع قلة الأدب"، وقد قيل للشافعي - رحمه الله - كيف شهوتك للأدب؟ فقال: أسمع بالحرف منه، مما لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعا فتنعم به! وقيل: فكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره!

وقد اشتهر لدى سلفنا الصالح رضوان الله عليهم إرسال أبنائهم في باكورة حياتهم إلى مؤدبين لحفظ القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة من ناحية، ولتعليمهم السمت والهدي والخلق الحسن من ناحية أخرى، فإذا بلغوا سن التكليف أحضروهم مجالس بعض العلماء ليقتدوا بهم في الهدي والسمت والعبادة، وذلك قبل أن يخرجوهم إلى حلق العلم، فإن من أدب صغيراً قرت عينه كبيرا، ومن أدب ابنه أرغم أنف عدوه! ولله در القائل:

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت *** ولا يلين إذا قومته الخشب

يذكر الحافظ الذهبي - رحمه الله - أن المأمون كان قد عهد إلى الفراء بتربية ولديه يلقنهما النحو، فأراد القيام، فابتدرا إلى نعله، فقدم كل واحد منهما فردة، فبلغ ذلك المأمون، فقال: لن يكبر الرجل عن تواضعه لسلطانه وأبيه ومعلمه!

وقال عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده: "علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، واحملهم على الأخلاق الجميلة، وروهم الشعر يشجعوا وينجدوا، وجالس بهم أشراف الناس وأهل العلم منهم، فإنهم أحسن الناس رعة، وأحسنهم أدباً، وجنبهم السفلة والخدم، فإنهم أسوأ الناس رعة وأسوأهم أدباً، ومرهم فليستاكوا عرضاً، وليمصوا الماء مصاً، ولا يعبوه عباً، ووقرهم في العلانية، وذللهم في السر، واضربهم على الكذب، إذ الكذب يدعو إلى الفجور، والفجور يدعو إلى النار، وجنبهم شتم أعراض الرجال، فإن الحر لا يجد من عرضه عوضاً، وإذا ولوا أمرا فامنعهم من ضرب الأبشار، فإنه عار باق، ووتر مطلوب! واحملهم على صلة الأرحام، واعلم أن الأدب أولى بالغلام من النسب".

ويقول الإمام مالك - رحمه الله -: كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه، ويقول عبد الله بن المبارك: (كانوا يطلبون الأدب ثم العلم) ويقول أيضاً: (كاد الأدب يكون ثلثي العلم)، ويقول أبو زكريا العنبري: (علم بلا أدب كنار بلا حطب، وأدب بلا علم كجسد بلا روح)، ويقول سفيان بن سعيد الثوري: (ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، وكان الرجل لا يطلب العلم حتى يتأدب ويتعبد قبل ذلك عشرين سنة).

ولا شك أن الحرمان من الأدب آية شقاوة وخذلان، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، وما استجلب حرمانها بمثل قلة الأدب، لقد كان أدب مع الوالدين في قصة الثلاثة الذين أطبقت عليهم الصخرة طوق نجاة، وكان أدب الصديق مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، وإحجامه عن أن يتقدم بين يديه قائلاً: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سببا في إرثه لمقامه والإمامة بعده، فكان ذلك التأخر منه إلى الوراء ليتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبباً في جعله في طليعة الأمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقفزاً به إلى الأمام بعيداً بعيداً إلى غايات تنقطع دونها أعناق المطي! وكان الإخلال به في قصة جريج على الرغم من التأويل سببا في بلائه بهدم صومعته وضرب الناس له ورميه بالفاحشة!

يقول الجلاجلي البصري: التوحيد موجب يوجب الإيمان، فمن لا إيمان له فلا توحيد له، والإيمان موجب يوجب الشريعة، فمن لا شريعة له فلا إيمان له ولا توحيد له، والشريعة موجب يوجب الأدب، فمن لا أدب له لا شريعة له، ولا إيمان له، ولا توحيد له!.

ويقول عبد الله بن المبارك: "من تهاون بالأدب عوقب بحرمان السن، ومن تهاون بالسنن عوقب بحرمان الفرائض، ومن تهاون بالفرائض عوقب بحرمان المعرفة" مدارج السالكين: 2 / 381.

وقد أشرف الليث بن سعد على بعض أصحاب الحديث فرأى منهم شيئاً كرهه فقال: ما هذا؟! أنتم إلى يسير من الأدب، أحوج منكم إلى كثير من العلم.

ورحم الله الخطيب البغدادي الذي آلمه ما يقع من بعض طلاب الحديث في زمانه فأرسل هذه الزفرات: (وقد رأيت خلقاً من أهل هذا الزمان ينتسبون إلى الحديث، ويعدون أنفسهم من أهله، المختصين بسماعه ونقله، وهم أبعد الناس مما يدعون، وأقلهم معرفة بما إليه ينتسبون، يرى الواحد منهم إذا كتب عددا قليلاً من الأجزاء، واشتغل بالسماع برهة يسيرة من الدهر، أنه صاحب حديث على الإطلاق، ولما يجهد نفسه ويتعبها في طلابه، ولا لحقته مشقة الحفظ لصنوفه وأبوابه...... إلى أن قال: (وهم مع قلة كتبهم لهم وعدم معرفتهم به أعظم الناس كبراً، وأشد الخلق تيهاً وعجباً، لا يراعون لشيخ حرمة، ولا يوجبون لطالب ذمة، يخرقون بالراوين، ويعنفون على المتعلمين، خلاف ما يقتضيه العلم الذي سمعوه، وضد الواجب مما يلزمهم أن يفعلوه).

ثمرة العلم العمل:

فالعلم بلا عمل جنون! والعمل بغير علم لا يكون، قال - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) [الصف: 3-2]، ولا شك أن المقت الذي يكبر عند الله هو أكبر المقت وأشد البغض لا سيما في ضمير المؤمن الذي ينادى بإيمانه ويناديه ربه الذي آمن به! روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: (كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله - عز وجل - دلنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إليه إيمان به لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقروا به، فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم أمره، فقال - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون).

وقد ضرب الله مثلاً لمن يحمل كتابه ثم لا يعمل بما فيه بالحمار الذي يحمل على ظهره أسفاراً لا يدري ما فيها فلا حظ له منها إلا حملها على ظهره! قال - تعالى -: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين) [الجمعة: 5].

فحظ هذا العالم الذي لم ينفعه علمه فلم يتدبره ولم يعمل بموجبه كحظ هذا الحمار من الكتب التي يحملها على ظهره، وهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن أو العلم فترك العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه حق رعايته، كما يقول ابن القيم - رحمه الله - (أعلام الموقعين 1 / 197 ).

وقال - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه الترمذي وغيره: ((لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما ذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه))، وقال - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أسامة بن زيد: ((يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى! فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: يافلان، مالك؟! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهى عن المنكر؟! فيقول بلى! قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه).

فلو قرأ رجل العلم مائة سنة وجمع ألف كتاب فإنه لا يكون أهلا لرحمة الله إلا بالعمل، قال - تعالى -: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)، ومثاله لو كان على رجل في فلاة من الأرض عشرة أسياف ماضية مع جملة من أسلحة أخرى، ثم هاجمه أسد عظيم، فهل تدفع عنه هذه الأسلحة التي يتقلدها على عاتقه غائلة الأسد إلا باستعمالها والضرب بها؟! فكذا لو قرأ رجل مائة ألف مسألة علمية وفقهها ولم يعمل بها فإنها تكون حجة عليه وزيادة في نكاله ولا تغني عنه من الله من شيء إلا بالعمل!.

وقد استعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من العلم الذي لا ينفع، وهو الذي ينفصل عن العمل، فلا يورث صاحبه سمتا ولا هديا، ولا يزيده عبادة ولا تقى، ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها))، وأمر أصحابه - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال: فيما يرويه ابن ماجة بسنده عن جابر - رضي الله عنه – ((سلوا الله علماً نافعاً، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع))، وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: مثل علم لا يعمل به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله - عز وجل -، ويقول الحسن البصري - رحمه الله -: "العلم علمان: علم اللسان، ! فذلك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب فذلك العلم النافع! ثم قال: فالعلم النافع هو ما باشر القلب فأوقر فيه معرفة الله - تعالى -، وعظمته، وخشيته، وإجلاله، وتعظيمه، ومحبته، ومتى سكنت هذه الأشياء في القلب خشع فخشعت الجوارح تبعا له".

ولقد فقه سلفنا الصالح هذا الأمر وقدروه حق قدره وأوصوا به تلاميذهم وخلصاءهم، فلم يكن همهم من العلم مجرد الرواية بل الرعاية والعناية، فبورك لهم في علمهم وكتب الله لهم به لسان صدق في العالمين. يقول الحسن البصري - رحمه الله -: "همة العلماء الرعاية، وهمة السفهاء الرواية"، ويقول الخطيب البغدادي في نصيحته لطالب العلم: "وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية، فإن رواة العلم كثير، ورعاته قليل، ورب حاضر كالغائب، وعالم كالجاهل، وحامل للحديث ليس معه منه شيء، إذ كان في اطراحه لحكمه بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه".

وكانوا يستعينون على حفظ الحديث بالعمل به، ويستعينون على طلبه بالصوم، يقول الشعبي - رحمه الله -: "كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به، وكنا نستعين على طلبه بالصوم"، ويقول وكيع بن الجراح: "إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به"، وقد روي مثله عن ابن الصلاح - رحمه الله -، وقد اشتهر عن الإمام أحمد بن حنبل قوله: "ما بلغني حديث إلا عملت به، وما عملت به إلا حفظته"، وقد سئل سفيان الثوري - رحمه الله -: طلب العلم أحب إليك أم العمل؟ فقال: "إنما يراد العلم للعمل، فلا تدع طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل لطلب العلم"، وروي عنه - رحمه الله - قوله: "يهتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل"، وقد روي هذا الأثر عن علي بن أبي طالب وعن جماعة من السلف منهم ابن المنكدر وغيره، وكانوا يرون بركة العلم أن تظهر آثاره على سمت طلابه وفي إصلاحهم مظهراً ومخبراً، يقول الحسن البصري - رحمه الله -: "كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يرى أثر ذلك في تخشعه وهديه ولسانه ويده"، وكانوا يوصون بذلك تلاميذهم وخلصاءهم، فعن أبي قلابة - رحمه الله - أنه قال: يا أيوب: "إذا أحدث الله لك علما فأحدث له عبادة، ولا يكن همك أن تحدث به".

التدرج في طلب العلم:

فالتدرج سنة عامة في التعلم وفي غيره، وإن من طلب العلم جملة فاته جملة، كما قال الزهري - رحمه الله -، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان، ولعل هذا بعض الحكمة في نزول القرآن الكريم منجماً على مدي سني البعثة، وأمر الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقرأه على الناس على مكث، قال - تعالى -: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً) [الإسراء]، وقد قال سفيان الثوري - رحمه الله -: كنت آتي الأعمش ومنصورا فأسمع أربعة أحاديث ثم أنصرف كراهة أن تكثر وتفلت، وجاء إليه - رحمه الله - شيخ، فسأله عن حديث فأجابه، ثم عن آخر فأجابه، ثم عن ثالث فأجابه، ثم سأله عن الرابعة فقال: إنما كنت أقرأ على الشيخ الحديثين والثلاثة لا أزيد حتى أعرف العلم والعمل بها، فألح عليه الشيخ فلم يجبه، فجلس يبكي، فقال له سفيان: يا هذا، تريد! ما أخذته في أربعين سنة تأخذه أنت في يوم واحد؟! وقال ابن شهاب ليونس بن زيد: "يا يونس، لا تكابر العلم! فإن العلم أودية، بأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة، ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي".

أدب الطلب:

لطلب العلم آداب، منها ما يتعلق بأدب الطالب في نفسه، ومنها ما بتعلق بأدبه مع شيخه، ومنها ما يتعلق بأدبه مع أقرانه، ومنها ما يتعلق بأدبه مع درسه وطلبه للعلم.

أدب طالب العلم في نفسه:

-  التخلية قبل التحلية، ينبغي لطالب العلم أن يتهيأ لطلب العلم بتطهير قلبه من الغش، والغل، والحسد، وفساد المعتقد، وسوء الخلق، ليصبح أهلاً لطلب العلم وقبوله، فإن القلوب تطيب للعلم كما تطيب الأرض للزراعة.

-  إحسان القصد وإصلاح النية، وذلك بأن يبتغي بطلبه للعلم وجه الله - تعالى -، فإن طلب العلم عبادة، والعبادة لا تصلح إلا لله - تعالى -وحده، فمن طلب به دنيا يصيبها، أو شرفا يناله، فقد أفسد دينه، ويوشك أن يفسد دنياه! قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)).

-  الزهادة في فضول العيش، وعدم التشوف إلى لعاعة الدنيا التي يتعلق بها كثير من المخدوعين، بحيث يقنع بما تيسر من الغذاء والكساء، ويجمع قلبه على طلب العلم، ويتخذه سبيلا إلى الآخرة، يقول الشافعي - رحمه الله -: لا ينال أحد هذا العلم بالمال وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح.

-  الإقلال من المنام ومن الطعام، فما وصف أحد من أهل الفضل بكثرة أكله أو بكثرة منامه، وقد عنون المحدثون في كتبهم فقالوا: باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل، وحسبنا في هذا الباب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ما لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)) [أخرجه أحمد والترمذي]، ولله در الأندلسي القحطاني إذ يقول!

لا تحش بطنك بالطعام تسمنا *** فجسوم أهل العلم غير سمان

أقلل طعامك ما استطعت فإنه *** نفع الجسوم وصحة الأبدان

واملك هواك بضبط بطنك إنما *** شر الرجال العاجز البطنان

-  تحري الورع في أموره كلها طعاماً وشراباً ولباساً ومسكناً، وبهذا يستنير قلبه، ويصبح أهلاً لقبول العلم والانتفاع به، فلا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال، ولا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام جنة من الحلال، وكان ابن عمر يقول: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها، ورحم الله عبد الله بن المبارك إذ يقول:

يا طالب العلم بادر الورعا *** وهاجر النوم واهجر الشبعا

-  حسن اختيار الرفقة الذين إذا نسي ذكروه، وإذا ذكر أعانوه، وإن احتاج واسوه، وإن ضجر صبروه، وإن من نعمة الله على الشاب إذا تنسك أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها، وقد جاء في الحلية لأبي نعيم: قيل لسفيان: من نجالس؟ قال: من تذكركم بالله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله، ويزد في علمكم منطقه، وفي الإبانة للحافظ ابن بطة: عن قتادة قال: إنا والله ما رأينا الرجل يصاحب من الناس إلا مثله وشكله، فصاحبوا الصالحين من عباد الله لعلكم أن تكونوا معهم أو مثلهم، ثم قال ابن بطة - رحمه الله -: "فانظروا رحمكم الله من تصحبون وإلى من تجلسون، واعرفوا كل إنسان بخدنه، وكل أحد بصاحبه، أعاذنا الله وإياكم من صحبة المفتونين ولا جعلنا وإياكم من إخوان العابثين، ولا من أقران الشياطين، واستوهب الله لي وإياكم عصمة من الضلال، وعافية من قبح الأفعال"، ويقول الزرنزجي في تعليم المتعلم: "وأما اختيار الشريك فينبغي أن يختار المجد الورع وصاحب الطبع المستقيم، ويفر من الكسلان والمعطل والمكثار والمفسد والفتان"!

-  التوقر، والإقلال من اللغو والمزاح وكثرة الضحك، ونحوه، يقول الخطيب البغدادي - رحمه الله -: "يجب على طالب الحديث أن يتجنب اللعب، والتبذل في المجالس بالسخف والضحك والقهقهة وكثرة التنادر وإدمان المزاح والإكثار منه، وإنما يستجاز من المزاح يسيره ونادره، وطريفه الذي لا يخرج عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه وما أوغر منه الصدور وجلب الشر فإنه مذموم، وكثرة المزاح والضحك يضع من القدر ويزيل المروءة" (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/156) ومما نسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه في هذا المقام:

فلا تكثرن القول في غير وقته *** وأدمن على الصمت المزين للعقل

يموت الفتى من عثرة بلسانه *** وليس يموت الفتى من عثرة الرجل!

ويقول أيضا:

إن القليل من الكلام بأهله *** حسن وإن كثيره ممقوت

ما زل ذو صمت وما من مكثر *** إلا يزل وما يعاب صموت

إن كان ينطق ناطق من فضة *** فالصمت در زانه ياقوت

-  تجنب التسويف وطول الأمل، والمبادرة إلى طلب العلم في مستهل شبابه وإقبال حياته، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)) (صحيح الجامع الصغير حديث رقم: 1088).

-  تجنب الغرور، والنظر إلى نفسه بعين الكمال والاستغناء عن المشايخ، فإن ذلك عين الجهل، وقلة التوفيق، إذ الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى الناس بها، وقد يستفيد الرجل ممن هو دونه، كما يستفيد من أقرانه وممن هو فوقه، ولا يزال الرجل عالما ما تعلم، فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى فهو أجهل ما يكون، كما يقول سعيد بن جبير - رحمه الله -.

-  تجنب الاشتغال بالخلافيات، سواء في السمعيات أو في العقليات، فإنه مما يحير ذهن المبتدئ ويدهش عقله، وخير له أن يجمع همته على كتاب يتقنه في كل فن، أو متنا يحفظه في كل علم، بدلا من الدخول في شعاب الجدل والمناظرات، التي قل من اشتغل بها في أول أمره فرجع منها سالما، وإن من حفظ المتون حاز الفنون.

-  تجنب التنقل بين الكتب أو الشيوخ من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الفلاح، إلا إذا كان ذلك في إطار برامج مرتبة وخطط معروفة سلفاً كما هو الحال في الجامعات ومعاهد العلم الإسلامية المعاصرة فلا حرج.

آداب طالب العلم مع شيخه:

-  تخير أصحاب الديانة والصيانة من الشيوخ، فإن من سبر أحوال السلف والخلف أدرك أن النفع لا يحصل غالبا إلا إذا كان للشيخ نصيب وافر من التقوى وحسن الصلة بالله - عز وجل -، فقد روي عن ابن سيرين وغيره: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم"، وقال الخطيب البغدادي: "ينبغي للمتعلم أن يقصد من الفقهاء من اشتهر بالديانة وعرف بالستر والصيانة".

-  إجلال الشيوخ وتقديرهم وعدم التقدم بين أيديهم.

-  ملازمة الشيوخ للاستفادة من هديهم وسمتهم فإن من فقه الرجل ممشاه ومدخله ومخرجه مع أهل العلم.

-  التأدب في الجلوس بين يدي شيخه، وحسن الإصغاء إليه، وأن لا يتشاغل عن ذلك بشيء.

-  الصبر على ما قد يصدر عن شيخه من جفوة وشدة في بعض الأحيان والتماس العذر له.

-  التلطف في السؤال عما أشكل عليه، فإنما شفاء العي السؤال، وأدب السائل من أنجع الوسائل، فإن سكت شيخه عن الجواب لم يلحف عليه في المسألة، وإن أخطأ تلطف في المراجعة.

-  حسن الإصغاء حتى فيما سبق له به علم، فإن هذا من أحسن الأدب لطالب العلم، يقول عطاء بن أبي رباح: (إني لأسمع الشاب ليتحدث بالحديث فأسمع له كأني لا أحسن منه شيئاً)، ويقول أيضاً: (وإني لأسمع الشاب ليتحدث بالحديث فأسمع له كأني لم أسمع به، ولقد سمعته قبل أن يولد).

آداب طالب العلم في درسه:

-  التبكير بسماع العلم والمسارعة إليه والملازمة لشيوخه.

-  ترغيب بقية الطلبة في التحصيل، وإعانتهم عليه، وإرشادهم إلى مظانه، ومذاكرتهم بما حصله من الفوائد، وأن لا يدل عليهم بما أوتي من قوة حافظة أو حضور بديهة فإن ذلك من النعم التي تقيد بالشكر.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
noura el kastali
le maroc
2012/01/03
merci pour ce programe