البيان بالسكوت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم
الكاتب : سعيد جمعة
عدد القراءات : 4227

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

أما بعد:

فلا توجد أمة في حاجة إلى السكوت الآن مثل أمتنا العربية، بعد أن أمسى الكلام حرفة من لا حرفة له، والخوض في كل شيء صنعة من لا صنعة له، وصار أغلب الناس يجيد الكلام، ولا يجيد العمل، ويبرع في الجدال ولا يبرع فيما سواه، وبخاصة بعد أن فتحت أبواب السماء بالقنوات الفضائية، وأوغل العرب فيها بغير رفق، في الوقت الذي يرى أعداؤنا هذا التهارش بالألفاظ ويهزون أكتافهم عجباً لهذه الأمة التي لا تجيد إلا الكلام.

وكنت أنظر إلى بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرى سكوته أكثر من كلامه، وصمته أطول من نطقه، مع أن مهمته في الدنيا هي البيان للناس، كما جاء في قوله - تعالى -: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) [النحل 44]، مما يعني أن السكوت في بعض الأوقات وبعض السياقات بيان؛ لأنه يحمل من الدلالات - في بعض الأحيان - ما لا يحمله اللفظ، وقد لا يعبر اللفظ عن مكنونات القلب وقد تغلق الآذان أمام الكلمات، أو يحاط البليغ بأناس: (جعلوا أصابعهم في آذانهم)، وتواصوا بأن لا يسمعوا، وتعاهدوا على اللغو والتشويش، في هذا الوقت تصير الكلمات عديمة القيمة، ويبرز السكوت ليحمل من الدلالات، ما لا تحمله الكلمات.

وهذا البحث البلاغي يحاول أن يقف على هذه الدلالات ويبين نسبها من البلاغة العربية، ويفتح الباب لبلاغة أخرى غير بلاغة اللفظ، ودلالات أخرى غير دلالات الكلام، وعالم البيان لا يمكن أن يقتصر على اللفظ، ويترك عوالم أخرى تحمل من الدلالات والمعاني الكثير وقد امتلأ بها القرآن الكريم والسنة المشرفة والتراث الإنساني عامة، وسوف أتبع في هذا البحث المنهج التحليلي لكلام المعصوم - صلى الله عليه وسلم -، وهو منهج يقف أمام السياق والمقام ثم ينفذ من خلالهما إلى أقرب المقاصد الدلالية خلف هذا السكوت.

أما خطة هذا البحث:

فتشمل مقدمة، وثلاثة مباحث وخاتمة ثم الفهارس.

في المقدمة: أوضح موضوع البحث والداعي إلية ومنهجه وخطته.

وفي المبحث الأول:

أتناول الفروق اللطيفة بين السكوت وما في معناه، مثل (الصمت الإمساك الإعراض الإنصات....إلخ).

وفي المبحث الثاني:

أتناول السكوت ومنزلته في عالم البيان.

وفي المبحث الثالث:

أحلل مواضع السكوت في بيان المعصوم كاشفاً ما أراه من دلالات، ووجه البلاغة في إيثار السكوت فيها على الكلام.

ثم تكون الخاتمة تلخيصاً لما يتبين من خلال التحليل، وبياناً لبعض التوصيات للسائرين على الدرب للكشف عن وجوه البلاغة في البيان النبوي.

المبحث الأول فروق في الدلالات مدخل:

لكل كلمة في لغة العرب أسرة دلالية تتصل بها من قريب أو من بعيد، وتكوّن معها معجماً خاصاً، بحيث إذا ذكرت استدعى الذهن هذه العائلة التي تنتمي إلى خيط واحد، ونسب واحد،، وشجرة واحدة، وهذا الخيط قد يظهر جلياً حيناً، وقد يخفي أحياناً أخرى، وكل ما يدور حول جذر لغوي واحد ينتمي - غالباً - إلى عائلة واحدة، وهذا ما فطن إليه العلامة ابن فارس في معجمه النفيس " مقاييس اللغة "حيث أداره على مفهوم أن الجذر الواحد يدور حول معنى واحد أو أصل واحد، وقليل من الكلمات ما يدور حول أكثر من معنى، وهذا المعنى الأصلي هو ما تعارفت عليه العرب، واستحضرته في كل مناسبة ذكر فيها اللفظ، أو إحدى مشتقاته، ومهما بالغ السياق في البعد عن هذا المعنى الأصلي إلا أنه حاضر في الذهن، قائم في الكلام.

وهناك قرابة أخرى ورحم آخر لا يقل في الاعتلاق عن رحم الأصل الواحد وهو رحم المترادفات أو الكلمات التي تتلاحظ معانيها، وتتجاوب دلالاتها، وإن لم يكن بينها اشتقاق لغوى، كأن (يقال برأ الله الخلق، وفطرهم، وجبلهم، وخلقهم، وأسرهم وذرأهم، وأنشأهم، وكونهم، وصورهم، وسواهم، وأوجدهم، وأحدثهم، وأبدعهم، وأبدأهم)، فترى المعنى الأصلي ممدوداً بكثير من الكلمات، وكل منها تحمل خصوصية تناسب سياقاً ومقاماً خاصاً، وهذا يستدعي أن أقول: إن للسكوت أسرة دلالية يدور في فلكها، أو تدور في فلكه، وهي أسرة معنية بترك الكلام، وعدم النطق، والإعراض عن اللفظ، ومن هذه العائلة: (الصمت، والإمساك، والإنصات، والإطراق، والوجوم، والإعراض.. إلخ)، فكل ذلك متصل بالسكوت من قريب أو من بعيد، وسوف يتعرض البحث له، لكن الذي يستوجب الآن أن أبينه، بعض الخصوصيات لهذه المصطلحات ولتكن البداية مع السكوت.

السكوت: يقول ابن فارس: (السين والكاف والتاء يدلُّ على خِلاف الكلام)، (فالسكوت مختص بترك الكلام، والسُّكُوتُ خلافُ النُّطْقِ، والسكت: يختص بسكون النفس، ولما كان السكوت ضربا و(أصل السكوت: السكون: (ولما سكت عن موسى الغضب)، من السكون استعير له في قوله: والإمساك)، وهذا يعني أن المقام يحتاج إلى كلام لكن أوثر عليه عدم الكلام، وعليه فلا يقال " سكوت " إلا إذا صح في المقام كلام، وقد يكون السكوت ترك الحركة، كما في حديث ماعِزٍ فرَميناَه بَجَلاَمِيد الحَرَّة حتى سكَت، أي: سكَن، ومات، وكأن حركته واضطرابه من الحجارة صوت، ولكنه صوت يرى بالعين، فلما زالت هذه الحركة قيل على سبيل المجاز سكت، وقد يكون السكوت تَرْك رفْعِ الصوت بالكلام، يقول ابن حجر في حديث: كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد: (لا يلزم من قوله: كانوا يفتتحون بالحمد أنهم لم يقرءوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وقد أطلق أبو هريرة السكوت على القراءة سراً)، وفي حديث زيد بن أرقم: (كنا نَتَكلَّم في الصلاة حتى نَزَلَت: (وقُومُوا للهِ قَانِتِينَ)، فأمْسَكْنا عن الكلام أراد به السُّكوت) فملامح هذه الكلمة " السكوت " تنحصر في ترك الكلام على الكلية، أو ترك الجهر به، فالأصل في دلالة السكوت هو ترك الكلام.

الصمت: (الصاد والميم والتاء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على إبهام وإغلاق، من ذلك صَمَتَ الرّجُل، إذا سَكَتَ ومنه قولهم: لقيتُ فلاناً ببلدة إِصْمِتَ، وهي القَفر التي لا أحد بها، كأنها صامتةٌ ليس بها ناطق)، وفي القرآن الكريم: (سَوَاءٌ عَلَيْـكُمْ أَدَعَوْتُـمُوهـُمْ أَمْ أَنْتُـمْ صَامِتونَ) [الأعراف 193]، أي سكتم سكوتاً طويلاً، (فصمت و أَصْمَتَ: أَطالَ السكوت.. ويقال للرجل إِذا اعْتَقَل لسانُه فلـم يتكلـم: أَصْمَتَ، وفـي الـحديث: أَصْمَتَتْ أُمامة بنتُ العاص أَي اعْتَقَل لسانُها يقال: الصَّمْتُ حُبْسَة،.... ويقال فـي مَثَلٍ: سَكَتَ أَلفاً ونَطَقَ خَـلْفاً، للرجل يُطيل الصَّمْتَ، فإِذا تكلـم تكلّـم بالـخطأ، أَي سكت عن أَلف كلـمة ثم تكلـم بخطأ)، وفي الحديث: (والبكر رضاها صمتها)، أي: تبين بطول صمتها)، فملامح الصمت تظهر في إطالة السكوت، وحبسة اللسان، وكأن في الصمت قوة خارجة ترغم المتكلم على السكوت وإطالة هذا السكوت، أو حبس النفس عن الكلام، وفي حديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت))، جاء في رواية البخاري: ((أو ليصمت))، ويعلق المناوي على الفرق بين السكوت والصمت فيقول: "إن الصمت أخص، لأنه يعني: السكوت مع القدرة وهذا هو المأمور به".

الإِطْراقُ: هو السكوت عامة، وقـيل: السكوت من فَرَقٍ ورجل مُطْرِقٌ ومِطْراقٌ، وطِرِّيق: كثـير السكوت، وأَطْرَقَ الرجل إِذا سكت فلـم يتكلـم، وأَطْرَقَ أَيضاً أَي أَرخى عينـيه ينظر إِلـى الأَرض، وفـي حديث نظر الفجأة، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((أَطْرِق بصَرك))، والإطْراقُ: أن يُقْبل ببَصره إلى صَدْرِه ويَسْكُت، وفي الحديث: "فأطْرق ساعَة"، أي سَكت وفي حديث آخر: " فأطْرَق رأسَه " أي أمالَه وأسْكَنه، وهذا يعني أن في الإطراق بعض الخصوصية فمنها: أنه ناشئ من حركة القلب بالخوف، ومنها: أن فيه حركة من العين إلى أسفل جهة الصدر، ومنها: أن فيه مدة طويلة، أو تكرار السكوت حتى يعرف به صاحبه.

الإنصات: (الإنصات: هو السكوت للاستماع أو السكوت والاستماع)، وقال ابن حجر: (وقع التفريق بين الإنصات والاستماع في قوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا)، فالإنصات هو السكوت، وهو يحصل ممن يستمع وممن لا يستمع، كأن يكون مفكراً في أمر آخر، وكذلك الاستماع قد يكون مع السكوت، وقد يكون مع النطق بكلام آخر لا يشتغل الناطق به عن فهم ما يقول الذي يستمع منه، وقد قال سفيان الثوري وغيره: أول العلم الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر، وعن الأصمعي: " تقديم الإنصات على الاستماع، وقد ذكر على بن المديني أن الإنصات من العينين، فقال بن عيينة: وما ندري كيف ذلك؟ قال: إذا حدثت رجلاً فلم ينظر إليك لم يكن منصتاً).

الوجوم: (الوُجومُ: السكوتُ علـى غَيْظٍ، وقال أَبو عبـيد: إِذا اشتدَّ حُزْنُه حتـى يُمْسِك عن الطعامِ فهو الواجِمُ، و الواجِمُ: الذي اشتدَّ حُزْنُه حتـى أَمْسَكَ عن الكلام ويقال: ما لـي أَرَاكَ واجِماً؟ وفـي حديث أَبـي بكر - رضي الله عنه -: أَنه لَقِـيَ طَلْـحَة فقال: ما لـي أَراك واجِماً؟ أَي مُهْتَمَّاً، والواجِمُ: الذي أَسْكَتَه الهمُّ وعَلَتْه الكآبةُ، وقـيل: الوُجُومُ الـحُزْنُ)، فالوجوم: سكوت ناشئ من الهم والحزن، ويصاحبه هيئة خاصة تبدو للناظر، تحمل دلالات الكتمان على شاغل تحتار فيه النفوس.

الإمساك: (الميم والسين والكاف أصلٌ واحد صحيح يدلُّ على حَبْس الشيء، والإمساك: البُخْل، وأَمْسَكَ عن الكلام سكت، وما تَمَاسَكَ أن قال ذلك، أي: ما تمالك، وأصل الإمساك: حبس النفس عن الفعل..... والإمساك والكف يستعمل في الامتناع عما تدعو إليه الشهوة)، ولعلك تلحظ في الإمساك معنى الاعتلاق، والاعتصام بشيء حتى لا يقع في محذور، كما تلحظ فيه أن السياق يستدعي الكلام لكن السكوت فُضل عليه.

الإعراض: يُعدّ الإعراض مبالغة في السكوت، لأنه يصاحبه حركة من الرأس والوجه إلى الجانب، أو إلى الخلف، وكأن الصمت وحده لا يكفي، فتدخل الوجه ليضيف إلى السكوت ما يدل على استحالة الكلام؛ لأن الإعراض عن الشيء هو الصد عنه، وغالباً ما يقترن الكره والغضب مع الإعراض.

المبحث الثاني منزلة السكوت في عالم البيان:

منزلة السكوت في عالم البيان، تتنوع وسائل البيان البشري عامة، وتتكاثر أمام الباحثين وسائل التعبير عن المعاني، وهذا التنوع الهائل تراه شاخصاً في هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو يوصل دعوته للناس، ويقف على رأس هذه الوسائل: اللفظ المنطوق، فهو مدار البلاغة العربية وحلبتها التي يتسابق أهلها في استخراج مكنوناته، وكشف أستاره، وهو النبع الذي لا ينضب، ولا يجف، وهو الذي حمل مراد الله لعباده إلى يوم يبعثون؟ وهو على العموم أفضل من السكوت على العموم؛ لذا لن يستطيع أحد أن يُعرض عنه، أو يستبدله بغيره، فهو الركن الأول في البيان، والذي تراه في قول الله - تعالى -حكاية عن أهل النار: (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير)؛ لأن البيان جاءهم من طريقين، الأول: هو البيان باللفظ، والذي يناسبه قوله " نسمع "، والآخر: البيان بغير اللفظ، والذي يناسبه قوله " أو نعقل " ففهم المعاني يأتي عن طريق السمع، وهو إحدى الحواس، أو عن طريق النظر، أو غير ذلك من الحواس، التي تغذي المتلقي، بالدلالات التي تُحمل بوسائل مختلفة عن اللفظ المسموع، ولا يمكن إغفال البيان بها، حتى وإن كانت تدور في كنف اللفظ، وترتبط به من قريب أو من بعيد، والبيان كما قال الجاحظ: "اسم جامع لكل شيء - أكرر هذه العبارة: اسم جامع لكل شيء - كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله، كائناً ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان ذلك الدليل؛ لأن مدار الأمر، والغاية التي إليها يجرى القائل والسامع إنما هي الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى فذاك هو البيان في ذلك الموضع"، وفي تفسير ابن المقفع للبلاغة يقول: " البلاغة اسم جامع لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة ومنها ما يكون في الحديث"، ولا تعجب حين ترى خلف السكوت بلاغة قد لا تجدها في بلاغة الكلام، فالسكوت جزء من البيان الذي علمه الله - تعالى - للإنسان، وامتن عليه بذلك فقال - سبحانه -: (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان)، ورحم الله الإمام عبد القاهر، فلقد قال لافتا الانتباه إلى مثل ذلك في باب الحذف: "هذا باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن"، فالإمام عبد القاهر وإن كان يتحدث عن الحذف أثناء الكلام، إلا أن إشارته في الإعراض عن اللفظ، وعدم التصريح به، وأنك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، يشمل السكوت عن الكلام أيضاً، ففي مركوز الفطرة أن السكوت قد يفيد من المعاني ما لا يفيده اللفظ، وحين يفهم الصحابة شيئاً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم لا تجد لفظاً منطوقاً، فينبغي أن تقف لتسأل: من أين فهموا ما فهموه؟ وما وسيلة البيان التي رجعوا إليها في فهم تلك المعاني مع عدم وجود اللفظ؟ فالحياء مثلاً، وهو خلق الإسلام الأول لا يدل عليه إلا بالسكوت، والعرب تقول في خطبها: "ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك ألا تبينه، فإن الكلام سلاح السلم، وبالأنين يعرف ألم الجرح"، ومع ذلك لم يخل السكوت من معان أخرى، قد يدل عليها بالألفاظ، لكن المتكلم في بعض السياقات يؤثر الدلالة عليها بالسكوت، لأنهم رأوا فيه زخماً من الدلالات التي قد لا يقوى اللفظ على حملها، أو يطول به السياق، فتراهم يقولون: وربما كان السكوت جواباً، ووضعوا في كتبهم أبواباً للسكوت وفضله، وقالوا: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت والعاشر في عزلة الناس" ومن هنا كان الوقوف على البيان بغير اللفظ أمراً مهما للباحث عن البيان العربي، وهذا أمر لا يمكن إغفاله، والاكتفاء بالألفاظ، فما دام هناك معنى مفهوم فهناك وسيلة للبيان لا بد من الإمساك بها، وإظهارها لأهل الفصاحة، والبيان، ولقد سبق لي بحث في البيان بالإشارة في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا شاء الله - تعالى -أتبعت هذا البحث بالوسائل الأخرى للبيان، من خط، وعقد، وحال، فهذه هي وسائل البيان البشري على الإطلاق، ويحتل السكوت فيها مرتبة عالية، تكاد تلي البيان باللفظ، لماذا؟ لأنه قسيم الكلام في البيان، ولأنه الوسيلة الأكثر استخداما في حياة الرسول الكريم، الذي أُُُُُُرسل ليبين للناس، ثم تراه يسكت أكثر مما يتكلم، وهذا دليل واضح على أن سكوته - صلى الله عليه وسلم - كان وسيلة من وسائل البيان للناس، وهي وسيلة تحتاج إلى تحليل وفهم، كما أن كلامه يحتاج إلى تحليل وفهم، فعن أبي الدرداء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فان الله لم يكن ينسى شيئاً)). لاحظ هنا أن رسول الله جعل السكوت ذا دلالة، وهي دلالة العفو والمسامحة في أمر الحلال والحرام، فقال: ((وما سكت عنه فهو عفو))، فإذا جئت لتبحث في شأن المعاني عامة، والأخلاق خاصة فإنك ترى معاني كثيرة يدل عليها بالسكوت، فمثلاً التواضع: يكون غالباً بالسكوت، وكظم الغيظ: يكون بالسكوت وفي الحديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت))، فليس معنى " أو ليسكت " أنه لا كلام عنده، ولا معنى في قلبه، وإنما عنده كلام كثير، لن يؤدي إلى خير، ولكي يفهم السامعون ذلك دل عليه بالسكوت، وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: ((إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل على يميني، وميكائيل على يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف..، فنظرت إلى ميكائيل، فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة، لا حظ هذا " فسكت فعلمتُ " يعني أنه - صلى الله عليه وسلم - فهم من السكوت معنى، وهذا المعنى المفهوم لم يدل عليه بلفظ، وعلى هذا السبيل سار الصحابة ففهموا من رسول الله، ما قاله وما سكت عنه، وما صرح به، وما لم ينطق به، وكان - صلى الله عليه وسلم - يسكت حين لا يرى للكلام مقاماً يناسبه، ومن ذلك: أنه - صلى الله عليه وسلم - دعا بني هاشم، حين نزل قول الله - تعالى -: ((وأنذر عشيرتك الأقربين)) [الشعراء 214]، لا حظ هنا أنه مأمور بالإنذار، وعليه أن يبدأ بالأقربين، فحضروا، ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا، فبادره أبو لهب، وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك فتكلم ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك، فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب عليك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحداً جاء على بني أبيه بشر مما جئت به، فسكت رسول الله ولم يتكلم في ذلك المجلس، نعم سكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتكلم. والسؤال: لم سكت وقد جمعهم ليبلغهم؟ وهل السكوت هنا أبلغ أم أن الكلام لن يجدي نفعاً؟ وما الذي فهموه من السكوت؟ أم أن السكوت لا يدل على شيء؟ لقد سكت كما سكتت السيدة العذراء مريم، حين قالت: (إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا) [مريم 26]؛ لأن الكلام في هذا المقام لن يغني شيئا، فالجميع مشحون بحالة من الانفعال التي تجعل الآذان مغلقة عن سماع أي شيء.

إن الذي لا أشك فيه: أن السكوت هنا حمل من الدلالات مالا يحمله الكلام، هذه الدلالات تستطيع أن تتفكر فيها حين تدرك أن القصد ليس إلقاء عبارات في الهواء، ثم المضي قدماً دون أن يلوي على شيء، بل القصد توصيل رسالة ذات ملامح محددة، وهذه الرسالة لا يستطيع اللفظ ولا المقام ساعتها أن يتحملها، فأرجئت إلى وقت آخر، لأن المقام مشحون بالتوتر، والانفعال الذي يطمس الكلام طمساً، وحين تُعرض القلوب عن الإنصات فمن الحكمة الصمت، كما أنك تلحظ أن السكوت حمل دلالات الغضب، والحزن، والشعور بخيبة الأمل في أقرب الناس إليه، كما حمل الإصرار على ما دعاهم إليه، وإرجائه إلى وقت آخر، تهدأ فيه النفوس، وتلين له القلوب.

المبحث الثالث: من بلاغة السكوت في بيانه - صلى الله عليه وسلم -:

تحليل مواضع السكوت في بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - السكوت أخو الرضا: إن الرضا في البيان العربي لا يكاد يدل عليه إلا بالسكوت مثل موافقة البكر على الزواج فحياؤها يمنعها من الكلام وفي الحديث: ((لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن))، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنها، قال: ((أن تسكت))، فالسكوت هنا رضى وموافقة ولامانع من الإنكار والرفض، ولقد جرى العرف العربي بأن السكوت الناتج عن الحياء يعني الموافقة، وهنا سؤال: من أين فُهمت الموافقة؟ إنها لم تفهم من السكوت فقط، ولكنها فهمت من الأحوال والملابسات المصاحبة للسكوت، وهذه الأحوال تشير إلى أن الأبلغ، والأعلى في البيان عن الموافقة يكون في هذا المقام بالسكوت، لماذا؟ لأنه سؤال عن الزواج، وسؤال للفتاة البكر، وسؤال من الولي وليس من صاحبةٍ أو جارة، وكل ذلك يدفع إلى اتجاه السكوت عند الرضى؛ لأنه الأبلغ من الكلام، ولأنه دليل الحياء والدين، وقد يدل على الرضى حين يبتدأ المقام بالرفض، ثم يتبع ذلك بالسكوت فيفهم من السكوت التالي للرفض أنه موافقة ورضى، ومن ذلك حديث مصعب بن سعد عن أبيه أنه قال: " مرضت فأرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت دعني أقسم مالي حيث شئت، فأبى، قلت فالنصف؟ فأبى، قلت: فالثلث؟ قال فسكت بعد الثلث، فكان بعدُ الثلث جائزاً "، فالسكوت هنا لم يكن مطلقاً، وإنما جاء بعد رفض منطوق، فلما سكت بعد الكلام دل ذلك على أن السكوت يفيد الموافقة.

لكن يبقى السؤال: لم أوثر السكوت هنا؟ إن إيثار السكوت هنا يشير إلى أن الموافقة غير مستقرة الاستقرار الكامل، ولذلك جاء في بعض الروايات الموافقة بالكلام، حيث قيل: ((الثلث، والثلث كثير))، فكأن السكوت هناك موافقة منقوصة، أو ليست كاملة، وقد نقل البيضاوي "أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بعزف دف، فقال: ((ما هذا))؟ قالوا: ختان، فسكت"، فهل السكوت هنا أمارة الرضى؟ الظاهر يؤيد هذا، ولا ينبغي الزيادة على ذلك، فالمقام يباح فيه ما يباح عند كل مناسبة سعيدة، ولا يعني هذا أن السؤال كان نتيجة لسماع ما يخالف الشرع، ولكنه بسبب سماع ما ينبغي المشاركة فيه من رائد الناس، وكبيرهم، فلما كان المقام لا يستحق كبير عناء، اكتفى - صلى الله عليه وسلم - بالسكوت، تعبيراً عن رضاه بما يسمع من إظهار البشر والسرور بالمولود.

ووقع في كتب الأصول ما يسمى بالإجماع السكوتي، فالإجماع نوعان: إجماع صريح يبدي فيه كل مجتهد رأيه ويعلنه، وإجماع سكوتي أو ضمني حيث يكتفي المجتهد فيه بالصمت بعد أن يعلم بما حكم به الآخرون، وصورته إعلان فتوى من أحد المجتهدين في مسألة اجتهادية عرفت أمامه، وعلم بها بقية المجتهدين فسكتوا ولم يعلنوا رفضها، فالسكوت هنا إقرار بالفتوى؛ لأن المفروض في المجتهد العدالة، والعدالة تقتضي إعلان المخالفة متى وجدت دواعيها، فالسكوت هنا رضاء معتبر، ولا يكون السكوت كذلك إلا إذا فهم المجتهد الأمر، وأمن من الجور، والمثبتون لحجية الإجماع السكوتي يختلفون في درجة حجيته، فبعضهم يرى أن الإجماع السكوتي حجة قطعية، متى ثبت فهو كالإجماع الصريح سواء بسواء، والبعض الآخر يقولون بأنه حجة ظنية؛ لأن ثبوت الإجماع السكوتي أساسه رجحان احتمال الموافقة على المخالفة، وهو يورث الشبهة في دلالة الإجماع، ومع الشبهة لا وجود للقطعية، فيترجح القول بأنه حجة ظنية، إلا إذا كان هناك نص على أن المفهوم هو الرضا، أو أن المقام لا يفهم منه إلا الرضا. ومن ذلك ما رواه سيدنا (جابر بن عبد الله، أن أبي بن كعب: جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله عملت الليلة عملاً قال: ((ما هو))؟ قال: نسوة معي في الدار قلن: إنك تقرأ ولا نقرأ فصل بنا، فصليت ثمانياً والوتر، قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال: فرأينا أن سكوته رضا)، فهذا نص على أن المفهوم من السكوت هو الرضا، ولو كان الأمر فيه مخالفة لنبهه إلية، أو نهاه عنه، أو أضاف إليه من الشروط ما يصححه، وكل ذلك لم يكن، مما دل على صلاة الرجل بالنساء في البيت جائزة ولا شيء فيها.

ومما يؤكد هذه الدلالة ما جاء عن استخلاف سيدنا أبي بكر على الناس فلقد جاء (عن أبي بكر بن عياش أنه قال: قال لي الرشيد: كيف استخلف أبو بكر - رضي الله عنه -؟ قلت: يا أمير المؤمنين سكت الله، وسكت رسوله، وسكت المؤمنون، فقال: والله ما زدتني إلا عمى، قلت: مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية أيام فدخل عليه بلال فقال: مروا أبا بكر يصلي بالناس، فصلى بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل، فسكت رسول الله لسكوت الله، وسكت المؤمنون لسكوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأعجبه ذلك، وقال بارك الله فيك)، فالصحابي الجليل استنبط من السكوت الذي كان من السماء، وعدم استحداث وحي في شأن صلاة أبي بكر بالناس، وكذا سكوت رسول الله ثمانية أيام، وعدم استبدال أبي بكر بغيره أثناء المرض، أو حتى جعل الصلاة بين مجموعة من الصحابة، بحيث يصلي كل واحد منهم يوماً، بل ظل أبو بكر وحده يصلي بالناس، بأمر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك سكت الصحابة على هذه الولاية في الصلاة، وفي الناس من هو أقرأ من أبي بكر - رضي الله عنه -، كل هذا السكوت فهم منه الصحابي الجليل ارتضاء أبي بكر لخلافة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد موته، وقد كان.

والقاعدة التي تكاد تلمحها من وراء تلك النصوص أن السكوت على شيء هو رضا به، وموافقة عليه، ما دامت القدرة على الرفض موجودة، ولا يوجد مانع من الاعتراض من داخل النفس، أو من خارجها.

دلالة السكوت على الرفض: إذا كان السكوت في بعض المقامات يفيد الرضى، فإنه في مقامات أخرى يفيد الاعتراض والرفض، ولا شك أن للسياق والمقام أثراً بالغاً في فهم هذه الدلالة ومن ذلك ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان جالساً في المسجد في أصحابه، فجاءه اليهود " فقالوا يا أبا القاسم، ما ترى في رجل وامرأة - منهم - زنياً؟ فلم يكلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى أتى بيت مدراسهم، فقام على الباب، فقال: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على موسى على من زنى إذا أحصن؟ فقالوا: يحمم وجهه، ويجبه، ويجلد، (والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما) قال: وسكت شاب منهم فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - سكت ألظّ به النشدة، فقال: اللهم إذ نشدتنا، فإنا نجد في التوراة الرجم: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فإني أحكم بما في التوراة، فأمر بهما فرجما)، فهنا موضعان للسكوت، الأول من رسول الله حين سئل، والآخر من الشاب اليهودي حين سئلوا عن حكم التوراة، وكلا الموضعين يفيد الرفض.

أما سكوت النبي، وعدم إجابته على سؤالهم فلأنه أراد أن يحكّم فيهم التوراة، ففيها حكم الله، لذلك قال القرآن الكريم: (وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) [المائدة 43]، فالسكوت هنا دليل على أنهم ما أرادوا حكم الله وإنما وهموا بأن يكون هناك عند رسول الله حكم أخف من الرجم.

أما سكوت الشاب اليهودي فمرده الاعتراض على إجابة اليهود بأن حكم التوراة هو الجلد، وهذا ما دعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يلتفت إليه ويعيد مناشدته، لعلمه أن سكوته ناشئ عن رفض، فليس كل من سكت يقال: راض، وإلا لأصبحنا جميعاً راضين بهذه الأحوال التي ألمت بالأمة المسلمة، وهي أحوال لا ترضي أحداً، فالسكوت في زماننا دليل الرفض الصارخ، والاعتراض الذي لا يقوى الكلام على حمل مضامينه، وإن فهم الغافلون بأن السكوت رضا، فذرهم وما يفترون، فهل هذه المنكرات التي في حياة الناس حق وعدل؟! هل هذه المنكرات التي يقف من خلفها الجبابرة والظلمة، هل السكوت عنها يدل على الرضى؟ !!!! أم أنه يدل على العجز، والضعف الذي ألم بالأمة حتى صارت لا تقوى على المنكر إلا بالسكوت عنه، واكتفت بتغييره بالقلب؟! وأين : ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان))؟! وهل ترى إيماناً أضعف من إيمان الناس في ذلك الزمان الذي صار السكوت دلالة الرفض، وليس دلالة الرضى؟!.

ومن شواهد دلالة السكوت على الرفض ما جاء عن أبي مرثد الغنوي أنه كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغيّ، يقال لها عناق، وكانت صديقته، قال: جئت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت يا رسول الله أنكح عناق؟ قال: فسكت عني، فنزلت: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) [النور- 3]، فدعاني فقرأها علي، وقال: ((لا تنكحها))، فالسكوت هنا من المعصوم دل على الرفض، وهو هنا أبلغ من الكلام؛ لأن في الكلام مروراً على اسم هذه البغي، أو تعريضاً بها، وهذا لا يناسب مقام النبوة، ولا أهداف الإسلام في الستر، فكان السكوت هنا أبلغ في الرفض من التصريح.

وفي فتح الباري في قصة المرأة التي وهبت نفسها للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - طأطأ رأسه، وهو بمعنى قوله: فصمت، ثم عرضت نفسها عليه فصمت، فلقد رأيتها قائمة ملياً تعرض نفسها عليه، وهو صامت، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست... فكأنه صمت أولاً لتفهم أنه لم يردها، وفهمت من السكوت عدم الرغبة لكنها لما لم تيأس من الرد جلست تنتظر الفرج، وسكوته - صلى الله عليه وسلم - إما حياء من مواجهتها بالرد، فلقد كان - صلى الله عليه وسلم - شديد الحياء، كما تقدم في صفته أنه كان أشد حياء من العذراء في خدرها، وإما انتظاراً للوحي، وإما تفكراً في جواب يناسب المقام)، فالصمت هنا أبلغ من الكلام لعدة أسباب:

أولها: أنه لم يعهد من رسول الله أن سبق له الزواج من هذا الطريق، بأن تعرض امرأة نفسها عليه ثم يقبل، فهذا أمر جديد، وليس عند رسول الله فيه توجيه من السماء، وهذا يستدعي الانتظار والتريث قبل الرد بالموافقة أو الرفض.

ثانيا: أن رسول الله لم يتزوج إلا لغاية دينية، ولا غاية هنا يراها.

ثالثا: أن التصريح بالرفض لا يتوافق مع حيائه - صلى الله عليه وسلم -.

رابعا: أن التصريح بالرفض لا يتوافق مع شعور المرأة خاصة أمام جمع من الصحابة.

خامسا: أن التصريح بالرفض قد يعيب المرأة فلا يتقدم أحد لخطبتها، لكن الصمت حفظ لها مكانتها حتى قام أحد الصحابة خاطباً لها وقد كان.

ويرى البعض أن سكوته دليل القبول، ليس قبولاً للزواج منها، (وإنما قبولاً لمبدأ الهبة وإلا لما سكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يقر على الباطل إذ أنه يحتمل أن يكون سكوته منتظراً بياناً، فنزلت الآية بالتحليل والتخيير، فاختار تركها وزوجها من غيره، ويحتمل أن يكون سكت ناظراً في ذلك حتى قام الرجل لها طالباً).

ومن شواهده أيضاً ما رواه الحاكم (عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: كلمنني صواحبي أن أكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر الناس فيهدون له حيث كان، فإن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة - رضي الله عنها -، وإنا نحب الخير كما تحبه عائشة فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يراجعني، فجاءني صواحبي فأخبرتهن بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكلمني، فقلن والله لا تدعيه، وما هذا حين تدعيه، قالت: فدار، فكلمته فقلت إن صواحبي قلن لي: أن أكلمك تأمر الناس فيهدون لك حيث كنت، فقلت له: مثل المقالة الأولى مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يسكت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: ((يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإني والله ما نزل الوحي علي وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة))، قالت، فقلت: أعوذ بالله أن أسوءك في عائشة)، فسكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المرة الأولى والثانية دليل قاطع على رفضه فكرة مخاطبة الناس في شأن هداياهم، والسيدة أم سلمة فهمت ذلك، لكنها أعادت كلامها لإلحاح زوجات النبي عليها.

لكن السؤال: ما العلاقة بين نزول الوحي وهدايا الناس؟ ولماذا كان الرد هو: ((فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة))؟ إن الذي ألمحه هنا أن الأمر متعلق برغبته - صلى الله عليه وسلم - في قضاء حوائج الناس، فما دام الوحي لا ينزل إلا في بيت عائشة - رضي الله عنها - فليأت الناس بهداياهم، ولا يخلو الأمر حين الهدية من سؤال، أو طلب حاجة في الدين، فليأت الناس بهداياهم، وليسعدوا بإجابة الوحي على ما يسألون عنه، وليس في الأمر حرمان للنساء من طعام الناس، فالطعام يوزع على الجميع، وبهذا نفهم أن رسول الله لم يوجه الناس، ولم يأمرهم أن يوزعوا هداياهم على جميع الأيام، وعند جميع النساء حتى يوافق بهداياهم نزول الوحي، فيسألوا عن أمورهم في وجود الوحي، أو عند نزول الوحي فتكون الإجابة حاضرة، أما إذا قلت ولم ينزل الوحي في بيت عائشة وحدها، وفي ليلتها؟ فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ومن نماذج دلالة السكوت على الرفض ما رواه أبو هريرة في قصة ماعز، وإقامة الحد عليه، فلقد جاء في رواية: (فقال: هل تدري ما الزنا؟ قال: ((نعم))، أتيت منها حراماً كما يأتي الرجل من امرأته حلالاً، قال: ((فما تريد بهذا القول))؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرجم، فرجم، فسمع رجلين من الأنصار يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يدع نفسه حتى رجم رجم الكلب، قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهما، ثم سار ساعة، فمر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: ((أين فلان وفلان))؟ فقالا: نحن ذا يا رسول الله، فقال لهما: ((كلا من جيفة هذا الحمار))، فقالا: يا رسول الله، غفر الله لك، من يأكل من هذا؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما نلتما من عرض هذا الرجل آنفا أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة))، لا شك أن الإنكار والرفض، وبيان فحش ما قالوه لن يبلغ درجة هذا المشهد الذي تجسد أمامهم في أمرهم بالأكل من الجيفة، وأي كلام يبلغ هذه الدرجة؟! لقد سكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليس لأنه رافض فقط لكلامهم، ولكن لأن الكلام في هذا السياق لا يحمل المعنى الذي يريد - صلى الله عليه وسلم - أن يوصله إليهم، لقد توارى اللفظ ساعة، حتى حانت الفرصة فاستثمرها في بيان قبح ما قالوه.

دلالة السكوت على الانتظار: هناك أمور كثيرة تحتاج إلى فكر وروية، وإدراج الأمر على القلب لاستفتائه، أو العقل لمراجعته، أو الوحي لاستشارته، أو حتى انتظار الفرصة ليكون الكلام أبلغ، وعندها يفضل السكوت، وفي كل ذلك لا ينفع التعجل بالكلام، ويظهر السكوت عاليَ الصوت ليبين للسامع أن الأمر في حالة مراجعة، لإخراج الأنسب من الإجابات، ولا يعني السكوت أبدا التردد، أو الاضطراب، وفي الحديث الشريف كثير من هذه النماذج، ومنها حديث أبي سعيد الخدري: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض))، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: ((زهرة الدنيا))، فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى ظننت أنه يُنزّل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه، فقال: ((أين السائل))؟ قال: أنا، قال أبو سعيد: لقد حمدناه حين طلع لذلك، قال: ((لا يأتي الخير إلا بالخير، إن هذا المال خضرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم، إلا آكلة الخضر، اختلفا، حتى إذا امتدت خاصرتاها، استقبلت الشمس، فاجترت، وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت، وإن هذا المال حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع))، فالسكوت هنا يشعرك بأن السؤال كان نتيجة أصول معتبرة أقرها الإسلام، وخالف بعضها بعضاً، وأراد الصحابي الجليل أن يستبين الأمر، فالإسلام يقر بأن المال خير، قال - تعالى -: (وإنه لحب الخير لشديد) [العاديات 8]، ثم يأتي هذا الحديث ليقول: إن هذا الخير الذي يبسط للناس مصدر خوف وقلق من رسول الله على أمته، وهنا يطرأ السؤال، وهل الخير يستجلب الشر؟ وهو سؤال معتبر، واستدعى السكوت حتى يتبين الأمر من الوحي، أو من القلب، أو حتى من العقل، وهنا تدخل الوحي ليحسم الأمر، وليزيل الإبهام، فالخير لا يأتي إلا بالخير، لكن الشر يكمن في التعامل مع هذا الخير، وتوجيهه حيث يحب الله - تعالى -، فالمال - من حيث هو زهرة الدنيا ونعيمها - خير كبير، ولكن حين يرمي به في مصرف السوء يتحول هذا الخير إلى وبال على صاحبه، وهب أنك تتحدث عن الصلاة أو الصيام، فكلاهما من حيث أنهما فريضتان خير كبير، ولكن حين تلهيك النوافل عن اكتساب قوت يومك، أو الإنفاق على عيالك فتعرضهم للضياع يتحول الأمر إلى شر، وهذا ما أراد الحديث أن يجليه للصحابة، فبدأ بالسكوت ليستقر السؤال في عقول الجميع، ويبحث كل منهم في مدركاته عن إجابة، فلا يجد، ويظنون أن الأمر فيه حرج لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى (أنهم لامو الرجل، حيث رأوا سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فظنوا أنه أغضبه، ثم حمدوه آخرا لما رأوا مسألته سببا لاستفادة ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالمال ولو كثر فهو من جملة الخير وإنما يعرض له الشر بعارض البخل به عمن يستحقه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع وأن كل شيء قضى الله أن يكون خيراً فلا يكون شراً، وبالعكس، ولكن يخشى على من رُزق الخير أن يعرض له في تصرفه فيه ما يجلب له الشر، كأن يدعوهم المال إلى الطغيان، والظلم، ولذلك علق ابن كثير على قوله - تعالى -: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) [الشورى 27]، فقال: أي: لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشراً وبطراً) لذلك جاءت رواية تقول عن المال: "أَوَ خير هو؟ " ثلاث مرات وهو استفهام إنكاري، أي: إن المال ليس خيراً حقيقاً، وإن سمي خيراً، لأن الخير الحقيقي هو ما يعرض له من الإنفاق في الحق، كما أن الشر الحقيقي فيه ما يعرض له من الإمساك عن الحق، والإخراج في الباطل)، وهذا وجه آخر لتفسير السكوت، وكأن السكوت كان تعجبا من النظر إلى المال على أنه خير وهو في الحقيقة شر، وإنما يعرض الخير له إن أنفق في الحق.

ومن نماذج دلالة السكوت على الانتظار، دون أن يراد القبول أو الرفض ما جاء في قصة استئذان سيدنا عمر بن الخطاب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أشيع أنه طلق زوجاته، وكان الغلام يستأذن لعمر، وكان رسول الله يسكت، فالسكوت هنا ليس رفضاً للدخول، وإنما هناك شاغل صرف النفس عن استقبال الفاروق يقول ابن حجر: "وفيه أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام، وأفضل في بعض الأحايين لأنه - عليه الصلاة والسلام - لو أمر غلامه برد عمر لم يجز لعمر العود إلى الاستئذان مرة بعد أخرى، فلما سكت فهم عمر من ذلك أنه لم يؤثر رده مطلقاً"، بل وأعاد الاستئذان حتى سمح له بالدخول.

وفي مقام آخر يكون السكوت انتظاراً لتنفيذ شيء أمر به رسول الله، كما في قصة عبد الله بن أبي السرح، وكان كاتباً للوحي، ولما نزلت الآية التي في سورة المؤمنون (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) [آية 12]، دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأملاها عليه فلما انتهى إلى قوله: (ثم أنشأناه خلقاً آخر]، عجب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان، فقال: (تبارك الله أحسن الخالقين)، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((هكذا أنزلت عليّ))، فشك عبد الله حينئذ، وقال، لئن كان محمد صادقاً لقد أوحى إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال، فارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين، فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة أمر بقتله، وقتل عبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، ولو وجدوا تحت أستار الكعبة، ففر عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان - رضي الله عنه -، وكان أخاه من الرضاعة، أرضعت أمه عثمان، فغيبه عثمان حتى أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له، فصمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طويلاً، ثم قال: نعم، فلما انصرف عثمان، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما صَمَتُّ إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه، فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إليّ يا رسول الله فقال: إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين)، وهذا مقام لا يصلح فيه كلام ألبتة، ولو راجعت الموقف، لا تجد ألفاظاً تصلح له، فقط السكوت، والسكوت وحده، هو الذي يستطيع أن يحمل تلك المعاني المتداخلة، فهناك رجل ثلم في الإسلام ثلمة، كادت تطيح بقواعده، وكان موقعه من رسول الله موقعاً قريباً، فلقد كان من كتاب الوحي، ثم ارتد عن الإسلام، وهذا ترك أثراً بالغا في قلوب الناس، ثم هاهو قد جاء يطلب الأمان، وجاء معه عثمان بن عفان، والرواية لم تقل إنه جاء مسلماً أو تائباً، إنما جاء طالباً الأمان ممن بُعث رحمة للعالمين، فالرجل ما زال على كفره، فهل ترى للألفاظ هنا موضعاً؟ ولو أنك درت بخيالك، لتبحث عن كلام فلن تجد، فماذا يقال هنا؟ إنك لن تجد غير الصمت، والعجيب أن الصحابة توقفوا عند هذا الصمت، ولم يفهموا منه إلا التريث، والانتظار حتى يصدر أمر آخر، لأن الأمر الأول بالقتل ينقضه واقع مشاهد أمام أعينهم يرون فيه الرجل جالساً أمام رسول الله، ومعه عثمان بن عفان، وظن القوم أنه لو أراد رسول الله قتله لأومأ بعينه، وحاشاه أن تكون له خائنة الأعين، ومضى الموقف يحوطه الصمت، فرسول الله ينتظر من الصحابة تنفيذ الأمر الذي صدر سابقاً، والصحابة ينتظرون إشارة لأن الرجل بين يدي رسول الله، فلما طال الانتظار، لم يكن بد من إعطاء الأمان للرجل، وإنفاذ إجارة سيدنا عثمان بن عفان، وقد كان.

وجاء في رواية أن عبد الله بن أبي السرح جاء مبايعاً، ومد يده ثلاث مرات ورسول الله لا يبايعه، وينتظر من الصحابة قتله، حتى قال الخطابي: "وفيه أن التوبة عن الكفر في حياته - صلى الله عليه وسلم - كانت موقوفة على رضاه - صلى الله عليه وسلم -، وأن الذي ارتد وأذاه - صلى الله عليه وسلم - إذا أمن سقط قتله"، والصحابة لم يجربوا موقفاً مثل ذلك من قبل، ولم يعرفوا المقصود من سكوت النبي عنه، هل هو غضب، هل هو عتاب؟ هل هو رفض للمبايعة؟ أمور كثيرة، وما عليهم إلا الانتظار وهنا أقبل - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه، فقال: ((أما رجل يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله))، قالوا: ما درينا يا رسول الله ما في نفسك، فهلا أومأت إلينا بعينك؟ فقال: ((إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة عين)).

دلالة السكوت على الحزن: الحزن عامل قوي في امتناع الإنسان عن الكلام، لكنه حين يمتزج بالغضب ينطلق اللسان من محبسه، فيذهب يميناً وشمالاً، إلا من رحم الله، ورُزق الحلم والأناة، فيمسك لسانه، ولقد علّم رسول الله صحابته ذلك بطريقة عملية حين سألته زوجاته النفقة، ولنستعرض هنا الحديث، ليتبين لنا قدرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، على كتمان حزنه، فعن جابر قال: جاء أبو بكر - رضي الله عنه - يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوجد الناس جلوساً على بابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر - رضي الله عنه - فدخل، ثم أقبل عمر- رضي الله عنه- فاستأذن، فأذن له، فدخل، فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - جالساً حوله نساؤه... واجم ساكت، قال: فقال عمر - رضي الله عنه -: " لأقولن شيئاً أضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله: لو رأيت ابنة خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، قال: فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة..... إلخ)، وهذا السكوت المفعم بالحزن فهم منه أبو بكر وعمر، غضب رسول الله من زوجاته، واحتياجه إلى ما يخرجه من هذا المقام، فما كان من سيدنا عمر إلا أنه قام بإضحاكه، وإنهاء هذا الموقف بالتشديد على ابنته، وكذا فعل أبو بكر - رضي الله عنهما -، وهذا الموقف لا يصلح معه كلام، فما الذي يمكن أن يقوله رسول الله لزوجاته ليعبر عن حزنه؟ هل يقول إنني اخترت الآخرة على الدنيا؟ هل يقول إنه لا يليق بابنة الصديق وابنة الفاروق وسائر زوجات الرسول أن ينظرن إلى متاع الدنيا كما تنظر سائر النساء؟ هل يقول إنه ليس عندي ما أوسع به عليكن، ولا حيلة لي في ذلك؟ هل يلوح في الأفق شبح الطلاق؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تدور في الذهن، ولا يحمل معالمها إلا السكوت؛ لذلك أوثر على الكلام هنا، حتى أضحكه سيدنا عمر، ولو أنك ترجمت هذا السكوت إلى عبارات، لضاق عنها السياق والمقام.

دلالة السكوت على الغضب: قد يعجب المرء حين يرى غضباً يدل عليه بالسكوت، فالمعروف في عالم البشر أن الغضب يفرج عنه بالصوت العالي، وبالصراخ، وبالكلام الكثير، فالكلام يفتح الباب للتفريج عن النفس، بسبب ما ألم بها، ولقد كان من وصايا الرسول - صلى الله عليه وسلم - لصحابته أنه ((إذا غضب أحدهم فليسكت))، لماذا؟ لأن الغضب يجعل الإنسان في الغالب لا يعرف ماذا يقول، وقد يخرج منه ما يندم عليه حياته كلها، لذا أمر بالسكوت عند الغضب، وكان قدوة في ذلك، وإليك هذا المثال: "عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسارى، وفيهم العباس فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما ترون في هؤلاء الأسارى))؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك، وأهلك استبقهم، لعل الله أن يتوب عليهم، وقال عمر: كذبوك، وأخرجوك، وقاتلوك، قدمهم واضرب أعناقهم، وقال عبد الله بن رواحة: انظر وادياً كثير الحطب، فأضرمه عليهم، فقال العباس - وهو يسمع -: قطعت رحمك، قال: فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد عليهم شيئاً، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر - رضي الله عنه -، وقال أناس يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: (فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم)، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، إذ قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)، ومثلك يا عمر كمثل نوح - عليه السلام -، إذ قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً)، ومثلك يا عمر مثل موسى - عليه السلام -، إذ قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) أنتم عالة، فلا ينفلتن أحد إلا بفداء، أو حصول عنق، فقال عبد الله: إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فما رأيتني أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم"، ولا شك أن هذا افتئات على رسول الله بعد المشورة واتخاذ القرار، وكان جواب رسول الله على ذلك هو السكوت، وفيه من الضيق ما فيه، فالمقام يشتعل بالمشاعر المتناقضة، فهؤلاء كما قال أبو بكر - رضي الله عنه - هم الأهل والعشيرة، وهم في الوقت ذاته كفار مشركون، حاربوا الله ورسوله، ولا يمكن لبشر أن ينزع من قلبه، الميل إلى الأهل والعشيرة حتى في أثناء القتال، فلا يزال لهم في القلب مكان، ليس موازياً و ولا مقارباً للولاء لدين الله، ولكنه من باب (رب إن ابني من أهلي)، وفي خضم هذه المشاعر يبرز هذا الصحابي، ليقاطع مشورة رسول الله، والتي انتهت إلى اتخاذ قرار بالفداء، ليستثني واحدا لقطع رقبته، وهو سهيل بن بيضاء، فماذا يكون الجواب إلا السكوت، وكظم الغيظ، حتى قال الصحابي: "فما رأيتني أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم"، ولم لا، وقد حاول أن يتدخل في أمر لا يعنيه، وأقيمت فيه مشورة، واتُخذ القرار، ونزل القرآن ليقر هذا القرار مع أنه في نظر السماء خطأ، لكنه أُقرّ لحصول المشورة عليه.

ومن مواضع دلالة السكوت على الغضب ما رواه ابن عباس، قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وكان يتصدى لهم كثيراً ويحرص عليهم أن يؤمنوا، فأقبل إليه رجل أعمى يقال له: عبد الله بن أم مكتوم، يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرء النبي - صلى الله عليه وسلم - آية من القرآن، وقال يا رسول الله: علمني مما علمك الله فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعبس في وجهه، وتولى وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله بعض بصره، ثم خفق برأسه ثم أنزل الله: (عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى)، فلما نزل فيه أكرمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكلمه وقال له: ما حاجتك؟ هل تريد من شيء؟ وإذا ذهب من عنده قال له: هل لك حاجة في شيء؟ وذلك لما أنزل الله: (أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى)، ولعل القارئ يلحظ هنا أن العبوس والإعراض كليهما لا يرى بالعين للأعمى، فالإعراض هنا سكوت صاحبه حركة بالجسد تجاه رجل لا يراها، لكن الحق - سبحانه وتعالى - أثبتها، وأعلنها، والذي يعنيني هنا هو: ما الذي أراد رسول الله أن يقوله بسكوته وإعراضه لعبد الله بن أم مكتوم؟ وتعال لنقف على القصة، ونعيش في أجوائها بإيجاز، لندرك هذه الرسائل التي أراد الحبيب إيصالها من خلال سكوته، يقول الشيخ سيد قطب - رحمه الله -: (ويجيء الرجل الأعمى الفقير ابن أم مكتوم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مشغول بأمر النفر من سادة قريش، عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبي جهل عمرو بن هشام، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، ومعهم العباس بن عبد المطلب، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى الإسلام ; ويرجو بإسلامهم خيراً للإسلام في عسرته وشدته التي كان فيها بمكة; وهؤلاء النفر يقفون في طريقه بمالهم وجاههم وقوتهم; ويصدون الناس عنه ويكيدون له كيداً شديداً حتى ليجمدوه في مكة تجميداً ظاهراً، بينما يقف الآخرون خارج مكة لا يقبلون على الدعوة التي يقف لها أقرب الناس إلى صاحبها وأشدهم عصبية له في بيئة جاهلية قبلية تجعل لموقف القبيلة كل قيمة وكل اعتبار، يجيء هذا الرجل الأعمى الفقير إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مشغول بأمر هؤلاء النفر، لا لنفسه ولا لمصلحته، ولكن للإسلام ولمصلحة الإسلام، فلو أسلم هؤلاء لانزاحت العقبات العنيفة والأشواك الحادة من طريق الدعوة في مكة ; ولانساح بعد ذلك الإسلام فيما حولها بعد إسلام هؤلاء الصناديد الكبار، يجيء هذا الرجل فيقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، ويكرر هذا، وهو يعلم تشاغل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بما هو فيه من الأمر، فيكره الرسول قطعه لكلامه، واهتمامه، وتظهر الكراهية في وجهه الذي لا يراه الرجل، فيعبس ويعرض، يعرض عن الرجل المفرد الفقير الذي يعطله عن الأمر الخطير الأمر الذي يرجو من ورائه لدعوته ولدينه الشيء الكثير; والذي تدفعه إليه رغبته في نصرة دينه وإخلاصه لأمر دعوته وحبه لمصلحة الإسلام وحرصه على انتشاره، وهنا تتدخل السماء، تتدخل لتقول كلمة الفصل في هذا الأمر; ولتضع معالم الطريق كله، ولتقرر الميزان الذي توزن فيه القيم بغض النظر عن جميع الملابسات والاعتبارات بما في ذلك اعتبار مصلحة الدعوة كما يراها البشر، بل كما يراها سيد البشر - صلى الله عليه وسلم - وهنا يجيء العتاب من الله العلي الأعلى لنبيه الكريم صاحب الخلق العظيم في أسلوب عنيف شديد، وللمرة الوحيدة في القرآن كله يقال للرسول الحبيب القريب " كلا " وهي كلمة ردع وزجر في الخطاب)، وبعد هذا نرجع إلى السؤال: ما الذي أراد رسول الله أن يوصله بإعراضه إلى ابن أم مكتوم، وغيره؟ لقد أراد أن يوصل عدة معان، منها: أن مراعاة المقام أمر مهم بين المتعلم وأستاذه، وهذا لموقف لم يكن المقام يسمح بعلم أو تعليم، فالمكان في عرض الطريق، وليس في المسجد، والزمان ليس زمان تعليم، فالمعروف أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتعهدهم بالتعليم والإقراء عقب الصلوات، والحضور الذين يقف معهم هم رؤساء مكة، وهذا كله لا يتناسب مع سؤال ابن مكتوم فكان السكوت عن الإجابة، والإعراض رسالة مفادها: ليس الآن وقت تعليم، وإقراء. ورسالة أخرى تراها في سكوته وإعراضه - صلى الله عليه وسلم -، وهي تأليف قلوب هؤلاء بزيادة الاهتمام بهم حين يرونه قد أقبل عليهم، وتولى عن غيرهم، وهذه تعمل في النفوس عملها، وبخاصة النفوس المعاندة، العاصية، ورسالة ثالثة لكل داعية يدعو إلى الله على بصيرة، أن يولي أصحاب الرياسات مزيد اهتمام؛ لأن في إسلامهم إسلاما لأتباعهم وأشياعهم، تلك بعض الدلالات التي حملها سكوته، وإعراضه - صلى الله عليه وسلم -.

ومن دلالة السكوت على الغضب أيضاً ما رواه أبو سعيد الخدري أن رجلاً قدم من نجران إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه خاتم من ذهب، فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ولم يسأله عن شيء، فرجع الرجل إلى امرأته فحدثها، فقالت: إن لك شأناً، فارجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وألق الخاتم، فلما استأذن له، وسلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فرد - عليه السلام -، فقال يا رسول الله: أعرضت عني، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار))، فقال: يا رسول الله لقد جئت إذاً بجمر كثير، وكان قد قدم علينا من البحرين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما جئت شيئاً إلا ما حجارة الحرة، ولكنه متاع الحياة الدنيا))، فقال الرجل: اعذرني في أصحابك، لا يظنون أنك سخطت عليّ بشيء، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعذره وأخبر أن الذي كان منه إنما كان لخاتمه، وهذا الحوار الذي دار بين رسول الله، وبين الرجل ينطق بعدة دلالات تتخذ من السكوت والإعراض مرتكزاً، فالبداية تحكي قدوم وفد من نجران إلى رسول الله، والمعلوم سلفا أن الوفود حين تأتي مسلمه تستقبل بالترحاب، والسؤال عن الذين لم يحضروا، ثم تزود بالقرآن، والعلوم الأساسية، كالعبادات، والحلال والحرام... إلخ لكن هذا الرجل مع أنه ذو شأن فوجئ بإعراض الرسول عنه، وعدم رد السلام عليه، وهذا السكوت والإعراض، فهم منه الرجل أن رسول الله ساخط عليه، فدلالة السخط لم تنشأ من كلام، وإنما نشأت من السكوت والإعراض، ولعل هذه الدلالة لها ما يؤيدها في القرآن الكريم، وذلك في بيان القرآن عن المرأة الناشز، ووسائل علاج هذا النشوز، الذي يبدأ بالعظة، ثم بالإعراض والهجر في المضجع، فكأن الإعراض عنها وسيلة من وسائل البيان عن السخط والغضب، ولقد استعمل رسول الله هذه الوسيلة البيانية مع زوجاته، حين اعتزلهن شهرا، وتؤكد الروايات أنه ما كلم واحدة منهن في هذه المدة، مما يدل على أن السكوت والإعراض ينطق في بعض السياقات بالغضب.

ترك الجدال بالسكوت: حين ترى الكلام لا يجدي نفعا، وأن من أمامك لا يريد إلا المجادلة، حينها ترى السكوت أهدى وأقوم قيلاً، فهناك أسئلة لا تنفع معها إجابة، وبخاصة حين ترى من أمامك يسألك لا ليفهم وإنما ليعارضك ويجادلك، ويشغب عليك، ومن نماذج ذلك ما رواه سيدنا جابر بن عبد الله - رضي الله عنه – قال: "اجتمعت قريش يوماً فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه فقالوا: ما نعلم إلا عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة، فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم، فتكلم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى طار فيهم أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى: أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى، أيها الرجل: إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً، وإن كان بك الباءة، فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فرغت))؟ قال: نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم)) فصلت حتى بلغ: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود)، فقال عتبة: حسبك حسبك، ما هذا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا))، فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته، قالوا: فهل أجابك قال نعم: لا، والذي نصبها بنية ما فهمت شيئاً إلا أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك، يكلمك الرجل بالعربية، لا تدري ما قال؟! قال: لا والله ما فهمت شيئاً مما ذكر الصاعقة" انظر متى سكت رسول الله؟ ومتى تكلم؟ تعلم أن السكوت كان وقت لا ينفع الكلام، حيث أريد منه الإجابة على أسئلة إجابتها معروفة لعامة المسلمين، فهو والله خير من عبد المطلب، وهو والله خير من عبد الله أبيه، وهو والله خير الناس كلهم، لكن هذه الإجابة في عرف أهل الجاهلية معرة، وسُبة لمن يدعيها، فلقد تعارف أهل الجاهلية على الفخر بالأحساب، والتعالي بالأنساب، فالناس كانوا يعيبون على حسان بن ثابت أنه افتخر بمن ولد، ولم يفخر بالآباء والأجداد، ففي الجبلة العربية الفخر، والعز كله للآباء، وكان من حكمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن سكت عن الإجابة عن هذه الأسئلة، ولو قال لعتبة إنه خير من عبد الله، ومن عبد المطلب لجن جنونه، ولقام في العرب صارخاً إن محمداً يزعم أنه خير من أبيه وجده، وتلك معرة عند العرب لا يمحوها شيء، لذلك ترى السكوت لا بلاغة فوقه في هذا المقام، ولا بيان يرقى رقيه فيه، لكن باقي كلامه بأنه ساحر أو كاهن، أو في حاجة إلى النساء أو المال أو هذه المزاعم، فكان الرد عليها بأول سورة فصلت، وفي هذه السورة تحديد لطبيعته ورسالته حيث قيل: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين) [فصلت 6]، وهكذا ترى السكوت أبلغ من الكلام في مقامه، وترى الكلام أبلغ من السكوت في مقامه.

دلالة السكوت على الإباحة: الأحكام الفقهية تستنبط في العادة من أدلة منطوقة من القرآن أو السنة أو الإجماع أو القياس، لكن في بعض الأحوال ترى للسكوت دلالة يؤخذ منها الحكم الفقهي ومن ذلك الحكم بالإباحة عند السكوت، ودليل ذلك ما رواه أبو ثعلبة الخشنى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - تعالى -فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحدد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها))، لقد فهم العلماء من هذا السكوت العفو، والصفح، وزاد ابن كثير أن السكوت هنا يفيد الأمر، يقول: "أي ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه فاسكتوا أنتم عنه كما سكت عنه"، وهذه دلالة قد لا تخطر على بال ناظر، ولكنها موجودة في طيات السياق، فالسياق في شأن تفصيل الحلال والحرام، ووضع الفرائض، والحدود، وفي مثل هذا السياق، وما دام الذي يضع ذلك هو ربنا - سبحانه وتعالى -، وهو الذي لا ينسى ولا يغفل،... ثم يسكت عن أشياء دون توضيح الحكم فيها، فكأنه يأمرك أن تسكت عما سكت عنه، وهذا ما أكده النهي الذي جاء عقب السكوت حيث قيل: ((فلا تسألوا عنها))، واجتماع الأمر والنهي على معنى واحد دليل على الإبلاغ في توكيدها، ودفع الشبه التي قد تثور حولها، وكأنما قال: لا تسألوا عن المسكوت عنه، لا تسألوا عن المسكوت عنه هكذا بالتكرار - وزاد القرطبي ففسر السكوت بالعفو فقال: "والكلام على هذا التقدير فيه تقديم وتأخير، أي: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، أي: أمسك عن ذكرها، فلم يوجب فيها حكما"، كما أن الاحتراس الموجود في قوله: ((غير نسيان))، يفيد أن السكوت قد يفهم منه النسيان في مقام التشريع، لكن حين يخرج التشريع ممن لا ينسى، فلا مجال للنسيان هنا إنما الأمر كما جاء في رواية أخرى: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن ينسى شيئاً)).

دلالة السكوت على عدم العلم: من دساتير الإسلام الشاملة لكثير من أمور الحياة ما جاء في سورة الإسراء: (ولا تقف ما ليس لك به علم) [الإسراء 36]، يقول ابن عباس: "لا تشهد إلا بما رأت عيناك، وسمعته أذناك، ووعاه قلبك"، وقال أبو قتادة: "لا تقل سمعت ولم تسمع، ولا رأيت ولم تر، ولا علمت ولم تعلم، والمراد من كل ذلك: النهي عن القول بلا علم"، وحين تغيب المعلومة، فلا سبيل إلى الكلام، بل السكوت هو خير من يعبر عن عدم العلم، وبخاصة في القضايا التي لم ينزل بها الوحي، أو يشتبك فيها الأمر فلا يدرى وجه الإجابة، ومن ذلك: (أن رجلاً جاء إلى للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني أتصدق وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله - تعالى -، فيُذكر ذلك مني وأحمد عليه، فيسرني ذلك وأعجب به فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئاً، فأنزل الله - تعالى -: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) [الكهف 110]، والسكوت هنا كأني ألمح منه حيرة الرجل في الأمر، فهو يريد وجه الله - تعالى -في أعماله حيث قال: " لا أصنع ذلك إلا لله "، لكن المشكلة طرأت من سروره وإعجابه من ذكر الناس له، ولله در هذا الصحابي، ومن الذي لا يسر من ذلك؟! من الذي لا يهش ولا يبش حين يُرى على الطاعة؟! وبخاصة في أعمال لا يمكن سترها مثل صلة الرحم، وكثير من الصدقات؟ وعلى ذلك: كيف نفسر سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ هل كان غضباً من سرور الرجل بطاعاته؟ أم كان إقراراً له، ورفعاً للحرج عنه؟ أم أن الأمر محير يحتاج إلى أن يرد إلى العليم بخبايا النفوس، وطوايا الضمائر؟ إن الذي أراه هو هذا الأخير، ولو كان الأمر واضحاً من البداية لما كان هناك سكوت، فالسكوت في هذا المقام يشير إلى أن قضية النية وما يحيط بها من خيوط لا يمكن لبشر أن يحكم فيها، فالأمر هنا مرده إلى الله - تعالى -، ولهذا كان الجواب من السماء، ونزلت الآية لتجيب عن السؤال، وقيل: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) [الكهف 110]، والعجيب أن هذه الإجابة تحتمل قبول صنيع الرجل، وتحتمل أيضاً رفضه، وكأنها تقول للرجل، ومن كان على شاكلته إن هذه الأمور لا يبت فيها في الأرض، إنما يبت فيها عند من يعلم السر وأخفى، فالسرائر لا يتولاها بشر، حتى وإن كان رسولاً من عند الله، لذا كان أبلغ رد على الرجل هو السكوت، ولقد أفرد الإمام الصنعاني مساحة واسعة لأنواع الرياء، وأقسامه، والمقبول من الأعمال، والمردود، ونسبة الأجر إلى آخر ذلك، وهذا أمر أراه دقيقاً، لأنه يتعلق بخبايا الضمائر، ولا يعلم خفاياها إلا الله - تعالى -، فهو الذي يصلح الأعمال، وهو الذي يتقبلها، وهو وحده الخبير بما يعمل العاملون، وهو وحده الذي يرفع قدر العمل بلحظة إخلاص وتضرع، أو يحبطه بلحظة استكبار ورياء، ولا يسعنا هنا في هذه الدائرة إلا ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو السكوت، فكان أعظم بيان من أفصح الناس.

ومن مواضع دلالة السكوت على عدم العلم ما رواه سيدنا جابر بن عبد الله قال: "أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل من زفر يقال له بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما أسماؤها؟ قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يجبه بشيء، ونزل عليه جبرئيل وأخبره بأسمائها، قال فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه، فقال: ((هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها))؟ قال: نعم فقال: ((جربان، والطارق، والذيال، وذو الكتفين، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفليق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور))، فقال اليهودي: والله إنها لأسماؤها"، وتلمح في هذا السكوت كأنه دعاء لله رب العالمين، وما أعظم أن يشعر العبد بحاجته إلى الله - تعالى -، فيأتيه المدد في اللحظة الحاسمة، لذلك جاء في الحديث بعد أن قيل: " فسكت " قيل: " ونزل عليه جبريل " أليس معنى ذلك أن السكوت هنا دعاء وتضرع إلى الله؟ إن الأمر لا علم لرسول الله به، فما عساه يجيب، والرجل يسأل عن أمر من أمور الغيب؟ ولو أنك استبدلت السكوت، ووضعت بدلاً منه مثلاً: لا أعلم، أو: انتظر أخبرك بعد حين، أو أي إجابة أخرى، لم حملت هذه الدلالات التي حملها السكوت، ففي السكوت توكيد على أنه بشر يوحى إليه، فالله وحده الذي يعلم الغيب، وفي السكوت تضرع إلى الله حتى ينزل عليه من العلم ما يجيب به على اليهودي، وفي السكوت تعليم لمن حوله أن من الحكمة السكوت، وأن الإجابة بغير علم لا تنبغي لأحد، وفي السكوت ثم الإجابة بعده دليل واضح على أن الإجابة نزلت من السماء، ولذلك استثمر رسول الله هذا الأمر في دعوة الرجل إلى الإسلام، فقال له: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ كل ذلك تراه في السكوت، ولا يقوى عليه اللفظ، ولا يتسع المقام له.

دلالة السكوت على الحياء: لكل دين خلق يعرف به، وخلق الإسلام الحياء، وهذا الخلق لا يدل عليه إلا بالسكوت، ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوصف بأنه أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان يعرف حياؤه من سكوته، وإمساكه عن الكلام، وبخاصة في سياق أمور النساء الخاصة، فلقد كانت المرأة تأتيه تسأله عن طهورها من حيضتها، فيقول: ((خذي فرصة من مسك فتطهري بها))، تقول: كيف أتطهر؟ - لاحظ هذا - إنها تسال عن الكيفية، وتلك أمور تستدعي ذكر شيء من جسدها، وهي أمور معروفة لكافة النساء، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: ((سبحان الله! تطهري))، فتقول: كيف؟ يقول: ((سبحان الله تطهري))، فتدرك السيدة عائشة مدى الحرج الذي أحاط بالموقف، وهي تعلم شدة حيائه - صلى الله عليه وسلم -، فتقول: فجبذتها، وقلت لها: تتبعي بها أثر الدم، ومن نماذج حيائه - صلى الله عليه وسلم - وسكوته عند ذلك ما رواه أبو مسعود الأنصاري قال: "أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله - تعالى -أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم))، والسكوت هنا كما يقول الزرقاني: "يحتمل أن يكون حياءً وتواضعاً، إذ في ذلك الرفعة له، فأحب أن لو قالوا هم ذلك"، أو نزل من السماء ما يوضح كيفية الصلاة عليه، لكن لما كان الأمر أمر عبادة وامتثال لما أوحى به الله - تعالى -في قوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) [الأحزاب 56]، كان لزاما أن يبين لهم كيف يقولون، فالسكوت أولاً، دافعه الحياء، الذي قد يؤدي إلى الحرج حتى تمنى الصحابة أنهم لم يسألوه، والتعقيب بالكلام دافعه امتثال أمر الله وتبليغ الرسالة، فاجتمع في الأمر الواحد درسان، درس في الحياء، ودرس في إبلاغ أوامر الله.

الخاتمة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فلقد ظهر من خلال هذا البحث أن السكوت رافد مهم من روافد البيان الإنساني عامة، والعربي خاصة، وقد تجلى ذلك في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حين تراه يسكت في مقام يستدعي منه البيان، فيؤثر الدلالة على مراده بالصمت، ولقد فهم الصحابة من هذا الصمت دلالات، وعبروا عنها بالكلام، مما يعني أنهم ترجموا السكوت إلى ألفاظ، فتراهم يقولون حين يسكت: فعلمنا كذا، أو فهمنا كذا، وفي الوقت الذي ترى فيه السكوت دالاً على معانٍ لصيقة به مثل: الحياء والحزن، تراه أيضاً دالاً على معان هي من خصائص اللفظ، مثل: دلالته على الرفض، أو الانتظار، ولقد أردت من هذا البحث فتح الباب أمام الدارسين للخروج من طوق اللفظ - كوسيلة من وسائل البيان - إلى عوالم أخرى دالة على معان تساعد اللفظ، ولا يمكن أن تكون بديلاً عنه، ومحاولة البحث عن بلاغة هذه الوسائل الأخرى، وبيان مقدارها في عالم البيان، وقد ثبت أن السكوت عن البيان بيان كما قال الإمام عبد القاهر: "فإنك ترى ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن"، ذلك لأن السياق والأحوال، قد يستدعوا ترك الكلام وتحميل المعاني للسكوت، ليشترك المتلقي والساكت في رسم المراد، كما أن هناك من الدلالات ما يتوارى اللفظ عنها خجلا، أو رفعة، أو حتى عجزاً، وساعتها يسمو السكوت ليحمل هذه المعاني إلى المتلقي، وفي الختام، وبعد تحليل كثير من مواضع السكوت في بيان النبي - صلى الله عليه وسلم -، أستطيع أن أقول إن السكوت له مكانة كبيرة في عالم البيان، فقط يحتاج إلى نفض تراب الإعراض عنه، والالتفات إليه قليلا ليلمع في عالم البلاغة كما هو شأن الألفاظ، فإن فعلنا نكون قد أسدينا للبلاغة يداً تحمد وتشكر، ولو بعد حين، وبخاصة إذا رجعنا في فهم ذلك إلى المعين الطاهر معين الوحي المعصوم من قرآن وسنة.

والله الموفق، وهو وحده الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على خير البرية سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

ـــــــــــــــــــــ

فهرس أهم المصادر والمراجع:

-       الإتقان في علوم القرآن للسيوطي مكتبة الحلبي ط الثالثة مصر 1370هـ.

-        البرهان في علوم القرآن للزركشي ت 794 هـ دار المعرفة بيروت 1319هـ ت / محمد أبو الفضل إبراهيم.

-         البيان والتبيين للجاحظ دار الكتب العلمية بيروت 1406 هـ.

-        تفسير البيضاوي ت 791 هـ دار الفكر بيروت 1416هـ ت / عبد القادر عرفات حسونه.

-       تفسير القرآن العظيم لابن كثير ت 774هـ دار الفكر بيروت 1401هـ.

-       تفسير المراغي لأحمد مصطفى المراغي المكتبة الوقفية على الإنترنت.

-       جامع البيان عن تأويل القرآن للطبري ت 310 هـ دار الفكر بيروت 1401هـ.

-       جامع العلوم والحكم لأبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي دار المعرفة بيروت 1408 هـ الأولى.

-       جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي مكتبة مشكاة على النترنت.

-       دلاائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني ت / محمود شاكر الخانجي القاهرة.

-       الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري.

-       دار الفكر بيروت ط الأولى 11426 هـ.

-       سبل السلام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني الأمير ت 852هـ دار إحياء التراث العربي بيروت 1379هـط الرابعة 1379هـ تحقيق / محمد عبد العزيز الخولي.

-       سنن أبي داود دار الفكر بيروت ت / محمد محيي الدين عبد الحميد.

-       السنن الكبرى للبيهقي لأحمد بن الحسين أبي البيهقي ت 458 هـ مكتبة الباز مكة 1414هـ.

-       سنن الترمذي / ت أحمد شاكر وآخرون دار إحياء التراث العربي بيروت.

-       سير أعلام النبلاء لمحمد بن أحمد بن قايماز الذهبي ت 748 هـ مؤسسة الرسالة بيروت ط التاسعة ت/ الأرناؤط والعرقسوسي 1412 هـ.

-       شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك لمحمد عبد الباقي الزرقاني ت 1122 هـ دار الكتب العلمية بيروت 1412 هـ ط / الأولى.

-       شرح معاني الآثار لأحمد بن محمد الطحاوي دار الكتب العلمية بيروت 1399 هـ.

-       صحيح البخاري لمحمد بن إسماعيل أبي عبد الله البخاري الجعفي ت / 256 هـ دار ابن كثير اليمامة نشر بيروت 1407 هـ ط الثالثة ت / مصطفى البغا.

-       صحيح مسلم دار إحياء التراث العربي بيروت ت / محمد فؤاد عبد الباقي.

-       عون المعبود شرح سنن أبي داود لشمس الحق العزيز أبادي دار الكتب العلمية بيروت 1415هـ.

-       فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني ت / 852 هـ دار المعرفة بيروت لبنان تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ومحيي الدين الخطيب.

-       الفروق في اللغة لأبي هلال العسكري دار الفكر بيروت ط الرابعة 1405 هـ - فيض القدير لعبد الرؤوف المناوي المكتبة التجارية الكبرى مصر 1356هـ ط / الأولى 6 / 210.

-       في ظلال القرآن للمرحوم سيد قطب دار شروق مصر 1980.

-       لسان العرب لابن منظور ت 711هـ صادر بيروت ط الأولى.

-       مجمع الزوائد لعلي بن أبي بكر الهيثمي دار الريان للتراث القاهرة 1407 هـ.

-       المستدرك على الصحيحين لمحمد بن عبد الله النيسابوري دار الكتب العلمية 1405 هـ بيروت ط الأولى ت / مصطفى عبد القادر عطا.

-       المستطرف في كل فن مستظرف المكتبة الوقفية على الانترنت.

-       مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني مؤسسة قرطبة مصر ت / 241 هـ.

-       المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني دار المعرفة بيروت ضبط محمد خليل عتياتي ط / الأولى 1418 هـ.

-        المقاييس في اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس 395 هـ دار الفكر بيروت.

-       موارد الظمآن1 إلى زوائد ابن حبان لعلي بن أبي بكر الهيثمي أبي الحسن ت 807 هـ دار الكتب العلمية بيروت، ت / محمد عبد الرزاق حمزة.

-        ميزان الاعتدال في نقد الرجال لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي 748 هـ دار الكتب العلمية بيروت ت / على معوض و عادل عبد الموجود.

-        نجعة الرائد وشرعة الوارد في المترادف والمتوارد لإبراهيم اليازجي مكتبة ملتقى أهل التفسير على الانترنت.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
ريما
السعودية
2012/11/22
السلام
hakim
الجزاءر
2013/04/30
اوثر على نفسي
shima albaddawi
jordan
2013/09/25
صلى الله عليه وسلم صح لسامك