عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشرّ وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصم الله - تعالى -". [رواه البخاري]
معاني الألفاظ:
- البطانة: هم الدخلاء، والدخيل هو الذي يدخل على الرئيس في مكان خلوته، ويفضي إليه بسره، ويصدقه فيما يخبره به مما يخفى عليه من أمر رعيته ويعمل بمقتضاه.
- تحضه عليه: ترغبه فيه وتؤكده عليه.
- المعصوم من عصم الله: المراد إثبات الأمور كلها لله - تعالى -، فالمعصوم من عصمه الله - تعالى - لا من عصمته نفسه، لأن الله - تعالى - يحول بين المرء وقلبه والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء - سبحانه وتعالى-.
أحكام فقهية ودروس مستفادة من الحديث:
1 - في الحديث دلالة على اختلاف أساليب الحكم كما نصت عليه أحاديث أخرى غير هذا، فخلافة النبوة، والخلافة الراشدة، والملكية والجبرية.
2 - للبطانة تأثير على من يلي أمور الناس إما خيراً وإما شراً.
3 - تعرف حال الإمام من الخير أو الشر من خلال البطانة التي تلازمه أو المقربين عنده، فإن كانت البطانة التي تلازمه وتقرب عنده من أهل السوء والأخلاق الفاسدة وضعفاء الإيمان أو المنحرفين من أهل الأديان فإنه مثلهم ومنهم فالقرين بالمقارن يقتدي، وإياك والاغترار بمن يقول: فلان طيب ولكن بطانة السوء حوله هي التي تفسد. وإن كانت بطانته والمقربون عنده من الصلحاء والأتقياء ومن عرف بالفضل ومكارم الأخلاق فكذلك حال الإمام تكون.
4 - في الحديث إشارة إلى أن من يلي أمور الناس قد يقبل من بطانة الخير دون بطانة الشر، وقد يقبل من بطانة الشر دون بطانة الخير، وقد يحاول إرضاء الطرفين بل القبول منهما، لاسيما في زمن الديمقراطية والمجالس النيابية!!.
5 - يجب على من يلي أمور الناس أن يحوطهم برعايته، ويسوسهم بالعدل، ويوليهم عنايته، ويتقي الله فيهم، لأنه على قدر عظيم من المسؤولية في الدنيا والآخرة.
ما يجب على من يلي أمور المسلمين:
عن الحسن البصري قال: أتينا معقل بن يسار نعوده فدخل علينا عبيد الله [بن زياد] فقال له معقل: أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرّم الله عليه الجنة" (1).
وعن عبد الرحمن بن شماسة قال: أتيت عائشة أسألها عن شيء فقالت: ممن أنت؟ فقلت: رجل من أهل مصر، فقالت: كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه؟ فقال: ما نقمنا منه شيئاً، إن كان ليموت للرجل البعير فيعطيه البعير، والعبد فيعطيه العبد، ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة. فقالت: أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبي بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في بيتي هذا: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به"(2).
وعن أبي مريم الأزدي - رضي الله عنه - أنه قال لمعاوية رضي الله عنه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلّتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلّته وفقره يوم القيامة" فجعل معاوية رجلاً على حوائج الناس(3).
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته"(4).
قال ابن حبان (5): فالواجب على كل من كان راعياً لزوم التعاهد لرعيته، فرعاة الناس العلماء، وراعي الملوك العقل، وراعي الصالحين تقواهم، وراعي المتعلم معلمه، وراعي الولد والده، كما أن حارس المرأة زوجها، وحارس العبد مولاه، وكل راع من الناس مسؤول عن رعيته.
وقال أيضاً: الواجب على من ملك أمور المسلمين الرجوع إلى الله جلا وعلا في كل لحظة وطرفة لئلا يطغيه ما هو فيه من تسلطه بل يذكر عظمة الله وقدرته وسلطانه وأنه هو المنتقم ممن ظلم والمجازي لمن أحسن، فليلزم في إمرته السلوك الذي يؤديه إلى اكتساب الخير في الدارين، وليعتبر بمن كان قبله من أشكاله.
وعن أبي بكر بن عياش: إن أهل الجاهلية لم يكونوا يسودون عليهم أحداً لشجاعة ولا لسخاء، وإنما كانوا يسودون من إذا شتم حَلُمَ وإذا سئل حاجة قضاها أو قام معهم فيها.
وقال ابن حبان: لا يستحق أحد اسم الرياسة حتى يكون فيه ثلاثة أشياء: العقل والعلم والمنطق، ثم يتعرى عن ستة أشياء: عن الحدّة والعجلة والحسد والهوى والكذب وترك المشاورة، ثم ليلزم في سياسته على دائم الأوقات ثلاثة أشياء: الرفق في الأمور، والصبر على الأشياء، وطول الصمت، فمن تعرى عن هذه الأشياء، وهو ذو سلطان عمي عليه قلبه وتشتتت عليه أموره(6).
اختلاف أنظمة الحكم:
فقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: "ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة" دلالة على اختلاف أنظمة الحكم وتنوع أساليبه، ويعود ذلك إلى اختلاف أحوال الناس ومقدار التزامهم بدين الله، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وهذا في الخير وفي الشر. وقد قيل: مثلما تكونوا يولى عليكم، فالأمة التي ساسها أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - ليست كالأمة التي ساسها الحجاج أو يزيد... وكلتاهما ليستا كالأمة التي يسوسها الملوك والجبابرة أو الحكام العسكريون، والخلافة الراشدة لم تدم مدتها أكثر من أربعين سنة، ورغم ذلك لا تسل عما شهدته تلك الفترة من القضاء بالعدل وهجر الجدل وصلاح البال وإيثار الإنصاف ونزع الخلاف، وهل يمكن أن يحلم الناس بحاكم يستشعر عظم المسؤولية أمام الله - تعالى - مثل عمر حيث قال - رضي الله عنه - قال: "لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها".
وإذا كانت الخلافة الراشدة لم تدم أكثر من أربعين سنة وذلك في عهد أربعة من الخلفاء إلا أنه في زمان الملوك والجبابرة يستمر حكم الواحد منهم مثل هذه المدة أو قريباً منها ويضرم البلاد على أهلها ناراً، ويسعرهم بالجور إسعاراً، ويحوجهم إلى الجلاء والشراد أو التفرق في البلاد، ويسير فيهم بالظلم والعدوان، ويسومهم العذاب والهوان، أما سمعت أخي الكريم خلال السنوات القليلة الماضية أنه تم مبادلة ثلاثة جثث من اليهود بمائة أسير من الفلسطينيين على إثر حرب تجري بين الطرفين!! وقد حدث هذا أكثر من مرة ومن يهن الله فماله من مكرم.
ولبيان اختلاف أنظمة الحكم وتنوع أساليبه أقتصر على ذكر الدليلين الآتين:
1 - عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر" قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم"(7).
2 - وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جَبَرِِيَّاً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت"(8).
البعد عن السلاطين:
كان علماء السلف - رحمهم الله - تعالى - يكرهون الدخول على الملوك والأمراء ويحذرون من قربهم أو ملازمتهم لما يحصل من جراء ذلك من الوقوع في الظلم أو المشاركة في الإثم، أو رؤية المنكر وعدم القدرة على تغييره أو إنكاره أو عدم القدرة على الأمر بالمعروف، كان هذا موقفهم في زمن ملوك أمثال الوليد بن عبد الملك، ومروان وهشام والمنصور، وهارون الرشيد، ملوك يحكمون بشريعة الإسلام ويقيمون العدل بين الأنام.
فماذا عسى أن تقول عن سلاطين هذا الزمان، وأي فكرة وانطباع تأخذه عمن يدخل عليهم فضلاً عمن يثني عليهم أو يزين لهم ما هم عليه من الباطل ويمدحهم بما ليس فيهم؟!!.
وإليك نبذة من أقوال علماء السلف في التحذير من مخالطة السلاطين أو مشاركتهم:
قال ابن قدامة المقدسي - رحمه الله -: اعلم أن لك من الأمراء والعمال الظلمة ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن تدخل عليهم وهي شرها، الحال الثاني: أن يدخل على السلطان زائراً، الحال الثالث: أن يعتزل عنهم فلا يراهم ولا يرونه والسلامة في ذلك، ثم ينبغي أن يعتقد بغضهم على ظلمهم فلا يحب لقاءهم ولا يثني عليهم ولا يستخبر عن أحوالهم ولا يقترب إلى المتصلين بهم ولا يتأسف على ما يفوته بسبب مفارقتهم(9).
وقال ابن قتيبة: قرأت في كتاب للهند: صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطار، وإنما تشبّه بالجبل الوعر فيه الثمار الطيبة والسباع العادية، فالارتقاء إليه شديد والمقام فيه أشد، وليس يتكافأ خير السلطان وشرّه لأن خير السلطان لا يعدو مزيد الحال، وشر السلطان قد يزيل الحال ويتلف النفوس التي لها طلب المزيد، ولا خير في الشئ الذي في سلامته مال وجاه، وفي نكبته الجائحة والتلف.
وفيما نقله ابن المقفع: وإن وجدت عن السلطان وصحبته غنىً فاستغنِ به فإنه من يخدم السلطان بحقه يحل بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة ومن يخدمه بغير حقه يحتمل الفضيحة في الدنيا والوزر في الآخرة. اهـ (10)
وقال ابن حبان(11): من ذا صحب السلطان فلم يفتتن، ومن اتبع الهوى فلم يعطب؟ إن الشجرة الحسنة ربما كان سبب هلاكها طيب ثمرتها، وربما كان ذنب الطاووس الذي فيه جماله سبب حتفه لأنه يثقله حتى يمنعه من الهرب، ومن صحب السلطان لم يأمن التغير على نفسه لأن الأنهار إنما تكون عذبة ما لم تنصب إلى البحور فإذا وقعت في البحور ملحت، على أن قعود العلماء على أبواب الملوك زيادة في نور علمهم، وكثرة غشيانهم إياهم غشاوة على قلوبهم، ومن صحب الملوك لم يأمن تغيرهم، ومن زايلهم لم يأمن تفقدهم، وإن قطع الأمور دونهم لم يأمن فيها مخالفتهم، وإن عزم على شيء لم يجد بداً من مؤامرتهم. اهـ
وقال حذيفة - رضي الله عنه -: إياكم ومواقف الفتن، فقيل: وما مواقف الفتن؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه(12).
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن"(13).
وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "وما ازداد أحد من السلطان دنواً إلا ازداد من الله بعداً"، رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة.
وكتب سفيان الثوري إلى عباد بن عباد، وكان في كتابه: إياك والأمراء أن تدنو منهم أو تخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تخدع ويقال لك لتشفع وتدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة فإن ذلك خديعة إبليس، وإنما اتخذها فجار القراء سُلَّماً وما كفيت عن المسألة والفتيا فاغتنم ذلك ولا تنافسهم، وإياك أن تكون ممن يحب أن يعمل بقوله أو ينشر قوله أو يسمع قوله فإذا ترك ذلك منه عرف فيه، وإياك وحب الرياسة فإن الرجل يكون حب الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة، فتفقد بقلب واعمل بنية واعلم أنه قد دنا من الناس أمر يشتهي الرجل أن يموت والسلام(14).
وكتب عبد الله بن المبارك فخر المجاهدين وقدوة الزاهدين إلى الحافظ الثبت إسماعيل بن علية أبياتاً يعنفه على ولايته للقضاء يقول فيها:
يا جـاعل العــلم له بازيــاً *** بحــيلة تــــذهب بالـــدين
فصــرت مجـنوناً به بعـدما *** كنت دواء للمجــــــــانين
أيـــن روايــــاتك فما مضى *** عن ابن عون وابن ســيرين؟
أين رواياتك في ســـــردها *** في ترك أبواب الســـلاطين؟
إن قلت أكرهت فما هكــــذا *** زلّ حمار الشـــيخ في الطين
ولما وصلته من ابن المبارك هذه الأبيات ذهب إلى الخليفة باكياً وطلب الاستقالة من عمله ذاك.
وأقوال السلف في كراهة الدخول على الملوك والدنو منهم كثيرة يطول استقصاؤها، ومواقفهم في ذلك شهيرة وقد أفرد بعضهم لذلك مصنفات مستقلة.
----------------------------------------
(1) - صحيح البخاري، كتاب الأحكام. باب (من استرعي رعية فلم ينصح لهم) رقم الحديث: 7151.
(2) - صحيح مسلم. كتاب الإمارة، رقم الحديث: 1828.
(3) - رواه الترمذي رقم الحديث: 1347، وأبو داود رقم الحديث: 2948.
(4) - متفق عليه.
(5) - روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ص: 270 - 277.
(6) - روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص 272.
(7) - صحيح مسلم. كتاب الإمارة، باب الوفاء ببيعة الخليفة، رقم الحديث: 1842.
(8) - مسند الإمام أحمد، والسلسلة الصحيحة للألباني، رقم الحديث: 5.
(9) - انظر مختبر منهاج القاصدين، ص: 93 - 96.
(10) - عيون الأخبار: 1/19.
(11) - روضة العقلاء، ص: 275.
(12) - مختصر منهاج القاصدين، ص 93.
(13) - مسند الإمام أحمد.
(14) - نقلاً عن ابن رجب الحنبلي في شرحه لحديث: "ما ذئبان جائعان" المطبوع ضمن كتاب "جامع بيان العلم" لابن عبد البر، طبعة دار الأرقم: 1/179.