حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد
عدد القراءات : 23978

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وبعد:

فقد عرض على مجلس هيئة كبار العلماء مسألة " حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد " وبناء عليه أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، بحثا في الموضوع ونصه:

الحمد لله وحده، وبعد: فبناء على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء، في دورته الثالثة المنعقدة في شهر ربيع الثاني، عام 1393هـ من البحث في الدورة الرابعة عن حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وبناء على ما تقتضيه لائحة عمل الهيئة من قيام اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء بإعداد بحث علمي عن المسألة التي تقرر عرضها على الهيئة، قامت اللجنة الدائمة بإعداد بحث في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، اشتمل على ما يلي:

1 - حكم الإقدام على جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، مع الأدلة ومناقشتها.

2 - ما يترتب على إيقاع الطلاق ثلاثا بلفظ واحد، مع الأدلة ومناقشتها.

وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

حكم الطلاق الثلاث بلفظ واحد:

المسألة الأولى حكم الإقدام على جمع الثلاث بكلمة واحدة وفيه قولان:

القول الأول: إنه محرم، وهو مذهب الحنفية والمالكية، وإحدى الروايتين عن أحمد، وقول شيخ الإسلام وابن القيم..

أما المذهب الحنفي: فقال الكاساني في الكلام على طلاق البدعة[1]: وأما الذي يرجع إلى العدد فهو إيقاع الثلاث أو الثنتين في طهر واحد لا جماع فيه، سواء كان على الجمع، بأن أوقع الثلاث جملة واحدة، أو على التفاريق واحدا بعد واحد بعد أن كان الكل في طهر واحد، وهذا قول أصحابنا... ولنا الكتاب والسنة والمعقول:

أما الكتاب: فقوله - عز وجل – (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] أي في أطهار عدتهن، وهو الثلاث في ثلاثة أطهار، كذا فسره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما ذكرنا فيما تقدم، أمَر بالتفريق، والأمر بالتفريق يكون نهيا عن الجمع، ثم إن كان الأمر أمر إيجاب كان نهياً عن ضده -وهو الجمع- نهيَ تحريم، وإن كان أمر ندب كان نهيا عن ضده -وهو الجمع- نهيَ ندب، وكل ذلك حجة على المخالف؛ لأن الأول يدل على التحريم، والآخر يدل على الكراهة، وهو لا يقول بشيء من ذلك.

وقوله -تعالى-: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] أي دفعتان، ألا ترى أن من أعطى آخر درهمين، لم يجز أن يقول أعطاه مرتين حتى يعطيه دفعتين.

وجه الاستدلال: أن هذا وإن كان ظاهره الخبر فإن معناه الأمر؛ لأن الحمل على ظاهره يؤدي إلى الخلف في خبر من لا يحتمل خبره الخلف؛ لأن الطلاق على سبيل الجمع قد يوجد، وقد يخرج اللفظ مخرج الخبر على إرادة الأمر، قال الله -تعالى-: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ) [سورة البقرة الآية: 233] أي ليرضعن ونحو ذلك، كذا هذا، فصار كأنه - سبحانه وتعالى - قال: طلقوهن مرتين إذا أردتم الطلاق، والأمر بالتفريق نهي عن الجمع؛ لأنه ضده، فيدل على كون الجمع حراماً أو مكروها على ما بينا.

فإن قيل: هذه الآية حجة عليكم، لأنه ذكر جنس الطلاق، وجنس الطلاق ثلاث، والثلاث إذا وقع دفعتين، كان الواقع في دفعة طلقتين، فيدل على كون الطلقتين في دفعة مسنونتين.

فالجواب: أن هذا أمر بتفريق الطلاقين من الثلاث لا بتفريق الثلاث؛ لأنه أمر بالرجعة عقب الطلاق مرتين أي دفعتين بقوله - تعالى -: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ) [سورة البقرة الآية: 229] أي وهو الرجعة، وتفريق الطلاق -وهو إيقاعه دفعتين- لا يتعقب الرجعة، فكان هذا أمرا بتفريق الطلاقين من الثلاث، لا بتفريق كل جنس الطلاق -وهو الثلاث-، والأمر بتفريق طلاقين من الثالث يكون نهيا عن الجمع بينهما.

وأما السنة: فما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((تزوجوا، ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له عرش الرحمن))[2] نهى - صلى الله عليه وسلم - عن الطلاق، ولا يجوز أن يكون النهي عن الطلاق لعينه؛ لأنه قد بقي معتبرا شرعاً في حق الحكم بعد النهي، فعلم أن ههنا غيرًا حقيقيًا ملازما للطلاق يصلح أن يكون منهيا عنه، فكان النهي عنه لا عن الطلاق، ولا يجوز أن يمنع من المشرع لمكان الحرام الملازم له، كما في الطلاق في حالة الحيض، والبيع وقت النداء، والصلاة في الأرض المغصوبة، وغير ذلك.

وقد ذكر عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثاً إلا أوجعه ضربا، وأجاز ذلك عليه، وذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - فيكون إجماعاً.

وأما المعقول: فمن وجوه:

أحدها: أن النكاح عقد مصلحة؛ لكونه وسيلة إلى مصالح الدين والدنيا، والطلاق إبطال له، وإبطال المصلحة مفسدة، وقد قال الله - عز وجل -:  (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [سورة البقرة الآية: 205] وهذا معنى الكراهة الشرعية عندنا، وأن الله - تعالى- لا يحبه ولا يرضى به، إلا أنه قد يخرج من أن يكون مصلحة لعدم توافق الأخلاق وتباين الطبائع، أو لفساد يرجع إلى نكاحها، بأن علم الزوج أن المصالح تفوته بنكاح هذه المرأة، أو أن المقام معها يسبب فساد دينه ودنياه، فتنقلب المصلحة في الطلاق، ليستوفي مقاصد النكاح من امرأة أخرى، إلا أن احتمال أنه لم يتأمل حق التأمل، ولا ينظر حق النظر في العاقبة قائم، فالشرع والعقل يدعوانه إلى النظر، وذلك في أن يطلقها طلقة واحدة رجعية، حتى إن التباين والفساد إذا كان من جهة المرأة تتوب وتعود إلى الصلاح إذا ذاقت مرارة الفراق، وإن كانت لا تتوب نظر في حال نفسه، أنه هل يمكنه الصبر عنها؟ فإن علم أنه لا يمكنه الصبر عنها يراجعها، وإن علم أنه يمكنه الصبر عنها يطلقها في الطهر الثاني.

ثانيا: ويجرب نفسه، ثم يطلقها فيخرج نكاحها من أن يكون مصلحة ظاهراً وغالبًا؛ لأنه لا يلحقه الندم غالبا، فأبيحت الطلقة الواحدة، أو الثلاث في ثلاثة أطهار على تقدير خروج نكاحها من أن يكون مصلحة، وصيرورة المصلحة في الطلاق، فإذا طلقها ثلاثاً جملة واحدة في حالة الغضب، وليست حالة الغضب حالة التأمل، لم يعرف خروج النكاح من أن يكون مصلحة فكان الطلاق إبطال للمصلحة من حيث الظاهر، فكان مفسدة.

والثاني: أن النكاح عقد مسنون، بل هو واجب لما ذكرنا في كتاب النكاح، فكان الطلاق قطعا للسنة وتفويتا للواجب، فكان الأصل هو الحظر أو الكراهة، إلا أنه رخص للتأديب أو للتخليص، والتأديب يحصل بالطلقة الواحدة الرجعية؛ لأن التباين أو الفساد إذا كان من قِبَلها فإذا ذاقت مرارة الفراق فالظاهر أنها تتأدب وتتوب وتعود إلى الموافقة والصلاح، والتخليص يحصل بالثلاث في ثلاثة أطهار، والثابت بالرخصة يكون ثابتاً بطريق الضرورة، وحق الضرورة صار مقضيا بما ذكرنا فلا ضرورة إلى الجمع بين الثلاث في طهر واحد، فبقي ذلك على أصل الحظر.

والثالث: أنه إذا طلقها ثلاثًا في طهر واحد فربما يلحقه الندم، وقال - تعالى-: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] قيل في التفسير: أي ندامة على ما سبق من فعله أو رغبة فيها، ولا يمكنه التدارك بالنكاح فيقع في السفاح، فكان في الجمع احتمال الوقوع في الحرام، وليس في الامتناع ذلك، والتحرز عن مثله واجب شرعاً وعقلاً، بخلاف الطلقة الواحدة؛ لأنها لا تمنع التدارك بالرجعة، وبخلاف الثلاث في ثلاثة أطهار؛ لأن ذلك لا يعقب الندم ظاهرا؛ لأنه يجرب نفسه في الأطهار الثلاثة فلا يلحقه الندم.. انتهى المقصود.

وقال السرخسي[3]: وعلى هذا الأصل -أي توجيه إيقاع الثلاث في ثلاثة أطهار- قال علماؤنا -رحمهم الله-: إيقاع الثلاث جملة بدعة... -وبعد أن ساق مذهب الشافعي في إباحته وأدلته، ساق الدليل على تحريمه، وهو قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229]- قال: معناه: دفعتان، كقوله: أعطيته مرتين وضربته مرتين، والألف واللام للجنس، فيقتضي أن يكون كل الطلاق المباح في دفعتين، ودفعة ثالثة في قوله - تعالى -: (فَإِن طَلَّقَهَا) [سورة البقرة الآية:230] أو في قوله - عز وجل -: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] على حسب ما اختلف فيه أهل التفسير، وفي حديث محمود بن لبيد -رحمه الله تعالى-: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- مغضباً، فقال: ((أتلعبون بكتاب الله وأنا بين أظهركم))[4].

واللعب بكتاب الله ترك العمل به، فدل أن موقع الثلاث جملة مخالف للعمل بما في الكتاب، وأن المراد من قوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] تفريق الطلقات على عدد أفراد العدة، ألا ترى أنه خاطب الزوج بالأمر بإحصاء العدة؟ وفائدته التفريق، فإنه قال: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] أي يبدو له فيراجعها، وذلك عند التفريق لا عند الجمع.

وفي حديث عبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه- أن قوما جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: إن أبانا طلق امرأته ألفًا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((بانت امرأته بثلاث في معصية الله - تعالى -، وبقي تسعمائة وسبعة وتسعون وزرا في عنقه إلى يوم القيامة)).

وإن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما- لما طلق امرأته في حالة الحيض أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها، فقال: ((أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكانت تحل لي؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: لا، بانت منك وهي معصية))[5]. وبعد أن بيَّن وجه الرد على استدلال الشافعي - رحمه الله - بقصة لعان عويمر العجلاني، وأنه طلق ثلاثا ولم ينكر عليه - صلى الله عليه وسلم -، قال: ولنا إجماع الصحابة - رضي الله تعالى عنهم- فقد روي عن علي وعمر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة، وعمران بن حصين -رضي الله تعالى عنهم- كراهة إيقاع الطلاق الثلاث بألفاظ مختلفة.

وعن أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - قال: لو أن الناس طلقوا نساءهم كما أمروا لما فارق الرجل امرأته وله إليها حاجة، إن أحدكم يذهب فيطلق امرأته ثلاثا ثم يقعد فيعصر عينيه، مهلاً مهلا، بارك الله عليكم، فيكم كتاب الله وسنة رسوله، فماذا بعد كتاب الله وسنة رسوله إلا الضلال، ورب الكعبة.

وقال الكرخي[6]: لا أعرف بين أهل العلم خلافا: أن إيقاع الثلاث جملة مكروه، إلا قول ابن سيرين، وإن قوله ليس بحجة، -ثم ساق الرد على ما استدل به الشافعي من الآثار، ثم ذكر بعد ذلك دليلا من جهة المعنى، وقد سبق ما يوافقه عن الكاساني-.

وقال الطحاوي: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة عن ابن أبي نجيح، وحميد الأعرج، عن مجاهد، أن رجلا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة فقال: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، من يتق الله يجعل له مخرجا، قال الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1].

المذهب المالكي:

وأما المذهب المالكي فهذه بعض نقول عنه:

قال سحنون: وقال محمد بن أحمد بن رشد: قلت لعبد الرحمن بن القاسم: هل كان مالك يكره أن يطلق الرجل امرأته ثلاث تطليقات في مجلس واحد؟ قال: نعم، كان يكرهه أشد الكراهية، وكذلك لا يجوز عند مالك أن يطلقها ثلاثا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه ذلك بدليل قوله - تعالى -: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا) [سورة البقرة الآية: 229] وقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] وهي الرجعة، فجعلها فائتة بإيقاع الثلاث في كلمة واحدة، إذ لو لم يقع ولم يلزمه لم تفته الزوجة ولا كان ظالما لنفسه. انتهى المقصود.

وقال الباجي: فأما العدد فإنه لا يحل أن يوقع أكثر من طلقة واحدة، فمن أوقع طلقتين أو ثلاثا فقد طلق بغير سنة، والدليل على ما نقوله قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] ولا يخلو أن يكون أمرا بصفة الطلاق، والأمر يقتضي الوجوب، أو يكون إخبارا عن صفة الطلاق الشرعي، ومن أصحابنا من قال: إن الألف واللام تكون للحصر، وهذا يقتضي أن لا يكون الطلاق الشرعي على غير هذا الوجه.

فإن قيل: المراد بذلك الإخبار عن أن الطلاق الرجعي طلقتان، وأن ما زاد عليه ليس برجعي، قالوا: يدل على ذلك، أنه قال بعد ذلك: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] ثم أفرد الطلقة الثالثة لما لم تكن رجعية وفارق حكم الطلقتين فقال: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230]

وإذا كان المراد ما ذكرناه من الإخبار عن الطلاق الرجعي، لم يدل ذلك على أن هذا هو الطلاق الرجعي دون غيره.

فالجواب: أن هذا أمر أضمر في الكلام مع استقلاله دونه بغير دليل؛ لأنكم تضمرون الرجعي وتقولون: معناه الطلاق الرجعي مرتان، وإذا استقل الكلام دون ضمير لم يجز تعديه إلا بدليل.

وجواب ثان: وهو أنه لو أراد الإخبار عما ذكرتم لقال: الطلاق طلقتان؛ لأن ذلك يقتضي أنه الطلاق الرجعي أوقعهن مجتمعتين أو مفترقتين، فلما قال مرتان، ولا يكون ذلك إلا لإيقاع الطلاق مفترقا، ثبت أنه قصد الإخبار عن صفة إيقاعه، لا الإخبار عن عدد الرجعي منه.

فإن قالوا: إن لفظ التكرار إذا علق باسم أريد به العدد دون تكرار الفعل، يدل على ذلك قوله - تعالى -: (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] ولم يرد تفريق الأجر وإنما أراد تضعيف العدد.

فالجواب: أن قوله: (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] حقيقة فيما ذكرناه من تكرار الفعل دون العدد، ولا فرق في ذلك بين أن يعلق على فعل أو اسم، يدل على ذلك أنك تقول: لقيت فلانا مرتين فيقتضي تكرار الفعل، وكذلك قوله: دخلت مصر مرتين، فإذا كان ذلك أصله وحقيقته، ودل الدليل في بعض المواضع على العدول به عن حقيقته واستعماله في غير ما وضع له، لم يجز حمله على ذلك في موضع آخر إلا بدليل.

وجواب آخر: وهو أن الفضل قال: معنى (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] مرة بعد مرة في الجنة، فعلى هذا لم يخرج اللفظ عن بابه، ولا عدل به عن حقيقته، وإن قلنا: إن معناه التضعيف في ماله وأجره، فالفرق بينهما أن قوله - تعالى -: (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] يفيد التضعيف ويمنع الاقتصار على ضعف واحد، ولو كان معنى قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] يريد به التضعيف، لمنع من إيقاع طلقة واحدة، وإلا بطل معنى التضعيف، وهذا باطل باتفاقنا.

ودليلنا من جهة السنة ما روى مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا فقال: ((فعلته لاعباً))، ثم قال: ((تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم)) حتى قام رجل فقال: يا رسول الله ألا أقتله؟[7].

ودليلنا من جهة القياس أن هذا معنى ذو عدد يقتضي البينونة فوجب تحريمه كاللعان.

أما مذهب الحنابلة فقد قال ابن قدامة[8]: والرواية الثانية أن جمع الثلاث طلاق بدعة محرم، اختارها أبو بكر وأبو حفص، روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وهو قول مالك وأبي حنيفة.

قال علي - رضي الله عنه -: لا يطلق أحد للسنة فيندم، وفي رواية قال: يطلقها واحدة ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاث حيض فمن شاء راجعها، وعن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان إذا أتي برجل طلق ثلاثا أوجعه ضربا.

وعن مالك بن الحارث قال: جاء رجل إلى ابن عباس، قال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا، فقال: إن عمك عصى الله، وأطاع الشيطان فلم يجعل الله له مخرجا.

ووجه ذلك قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) [سورة الطلاق الآية:1] إلى قوله: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] ثم قال بعد ذلك: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2] (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [سورة الطلاق الآية: 4] ومن جمع الثلاث لم يبق له أمر يحدث، ولا يجعل الله له مخرجا، ولا من أمره يسرا، وروى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد -وقد سبق في استدلال المالكية - وفي حديث ابن عمر قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ قال: ((إذًا عصيت ربك وبانت منك امرأتك))[9].

وروى الدارقطني بإسناده عن علي قال: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا طلق البتة فغضب وقال: ((تتخذون آيات الله هزوا، أو دين الله هزوا ولعبا، من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره)).

ولأنه تحريم للبضع بقول الزوج من غير حاجة، فحرم كالظهار، بل هذا أولى؛ لأن الظهار يرتفع تحريمه بالتكفير، وهذا لا سبيل للزوج إلى رفعه بحال، ولأنه ضرر وإضرار بنفسه وبامرأته من غير حاجة، فيدخل في عموم النهي، وربما كان وسيلة إلى عوده إليها حراما أو بحيلة لا تزيل التحريم، ووقوع الندم، وخسارة الدنيا والآخرة، فكان أولى بالتحريم من الطلاق في الحيض الذي ضرره بقاؤها في العدة أياما يسيرة، أو الطلاق في طهر مسها فيه، الذي ضرره احتمال الندم بظهور الحمل، فإن ضرر جمع الثلاث يتضاعف على ذلك أضعافا كثيرة، فالتحريم ثم تنبيه على التحريم.

ولأنه قول من سمينا من الصحابة رواه الأثرم وغيره، ولم يصح عندنا في عصرهم خلاف قولهم، فيكون ذلك إجماعا.

وقال شيخ الإسلام: وأما جمع " الطلقات الثلاث " ففيه قولان:

أحدهما: محرم أيضا عند أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه، واختاره أكثر أصحابه، وقال أحمد: تدبرت القرآن فإذا كل طلاق فيه فهو الطلاق الرجعي - يعني طلاق المدخول بها - غير قوله: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230].

وعلى هذا القول: فهل له أن يطلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بأن يفرق الطلاق على ثلاثة أطهار، فيطلقها في كل طهر طلقة؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد، إحداهما: له ذلك، وهو قول طائفة من السلف ومذهب أبي حنيفة، والثانية: ليس له ذلك وهو قول أكثر السلف، وهو مذهب مالك وأصح الروايتين عن أحمد التي اختارها أكثر أصحابه كأبي بكر عبد العزيز والقاضي أبي يعلى وأصحابه.

القول الثاني: أن جمع الثلاث ليس بمحرم، بل هو ترك الأفضل وهو مذهب الشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد: اختارها الخرقي.

واحتجوا بأن فاطمة بنت قيس طلقها زوجها أبو حفص بن المغيرة ثلاثا، وبأن امرأة رفاعة طلقها زوجها ثلاثا، وبأن الملاعن طلق امرأته ثلاثا، ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك.

وأجاب الأكثرون: بأن حديث فاطمة، وامرأة رفاعة، إنما طلقها ثلاثا متفرقات، هكذا ثبت في الصحيح أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات، لم يطلق ثلاثا لا هذا ولا هذا مجتمعات، وقول الصحابي: "طلق ثلاثا" يتناول ما إذا طلقها ثلاثا متفرقات بأن يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها، وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة، وهو المشهور على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معنى الطلاق ثلاثا، وأما جمع الثلاث بكلمة فهذا إنما كان منكرا عندهم، إنما يقع قليلا، فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق، ولا يجوز أن يقال: يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا، بل هذا قول بلا دليل، بل هو بخلاف الدليل.

وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة، أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة، فكان مؤكدا لموجب اللعان، والنزاع إنما هو في طلاق من يمكنه إمساكها، لا سيما والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد فرق بينهما، فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها، وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح، والمعروف أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا، فدل ذلك على أن الثلاث لم يقع بها، إذ لو وقعت لكانت قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره.

وامتنع حينئذ أن يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم – بينهما؛ لأنهما صارا أجنبيين، ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليه تحريما مؤبداً، فيقال: فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما، فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح وأن الثلاث لم تقع جميعا بخلاف ما إذا قيل: إنه يقع بها واحدة رجعية، فإنه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما.

وقول سهل بن سعد: طلقها ثلاثا فأنفذه عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دليل على أنه احتاج إلى

إنفاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - واختصاص الملاعن بذلك، ولو كان من شرعه أنها تحرم بالثلاث، لم يكن للملاعن اختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ، فدل على أنه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه أنفذ النبي - صلى الله عليه وسلم - مقصوده، بل زاده، فإن تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق، إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجا غيره، وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة.

واستدل الأكثرون: بأن القرآن العظيم يدل على أن الله لم يبح إلا الطلاق الرجعي، وإلا الطلاق للعدة، كما في قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) [سورة الطلاق الآية: 1] إلى قوله: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا * فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [سورة الطلاق الآية:1-2] وهذا إنما يكون في الرجعي، وقوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية:1] يدل على أنه لا يجوز إرداف الطلاق للطلاق حتى تنقضي العدة أو يراجعها؛ لأنه إنما أباح الطلاق للعدة: أي لاستقبال العدة، فمتى طلقها الثانية والثالثة قبل الرجعة بنَت على العدة، ولم تستأنفها باتفاق جماهير المسلمين، فإن كان فيه خلاف شاذ عن خلاس وابن حزم فقد بينا فساده في موضع آخر، فإن هذا قول ضعيف؛ لأنهم كانوا في أول الإسلام إذا أراد الرجل إضرار امرأته طلقها حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ثم طلقها ليطيل حبسها، فلو كان إذا لم يراجعها تستأنف العدة لم يكن بحاجة إلى أن يراجعها، والله - تعالى- قصرهم على الطلاق الثلاث دفعا لهذا الضرر، كما جاءت بذلك الآثار، ودل على أنه كان مستقرا عند الله أن العدة لا تستأنف بدون رجعة سواء كان ذلك لأن الطلاق لا يقع قبل الرجعة، أو يقع ولا يستأنف له العدة، وابن حزم إنما أوجب استئناف العدة بأن يكون الطلاق لاستقبال العدة، فلا يكون طلاق إلا يتعقبه عدة، إذا كان بعد الدخول، كما دل عليه القرآن، فلزمه على ذلك هذا القول الفاسد، وأما من أخذ بمقتضى القرآن وما دلت عليه الآثار فإنه يقول: إن الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه العدة، وما كان صاحبه مخيرا فيها بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان، وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلا يكون جائزا، فلم يكن ذلك طلاقا للعدة.

ولأنه - تعالى -قال: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [سورة الطلاق الآية: 2] فخيره بين الرجعة وبين أن يدعها تقضي العدة فيسرحها بإحسان، فإذا طلقها ثانية قبل انقضاء العدة لم يمسك بمعروف ولم يسرح بإحسان.

وقد قال - تعالى -: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) [سورة البقرة الآية: 228] فهذا يقتضي أن هذا حال كل مطلقة، فلم يشرع إلا هذا الطلاق ثم قال: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] أي هذا الطلاق المذكور (مرتان) وإذا قيل: سبح مرتين أو ثلاث مرات: لم يجزه أن يقول: سبحان الله مرتين، بل لا بد أن ينطق بالتسبيح مرة بعد مرة، فكذلك لا يقال: طلق مرتين إلا إذا طلق مرة بعد مرة، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا، أو مرتين لم يجز أن يقال: طلق ثلاث مرات ولا مرتين، وإن جاز أن يقال: طلق ثلاث تطليقات أو طلقتين، ثم قال - سبحانه - بعد ذلك: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية:230] فهذه الطلقة الثالثة لم يشرعها الله إلا بعد الطلاق الرجعي مرتين.

وقد قال الله - تعالى -: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ... الآية) [سورة البقرة الآية: 232] وهذا إنما يكون فيما دون الثلاث، وهو يعم كل طلاق، فعلم أن جمع الثلاث ليس بمشروع، ودلائل تحريم الثلاث كثيرة قوية من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار، كما هو مبسوط في موضعه، وسبب ذلك أن الأصل في الطلاق الحظر، وإنما أبيح منه قدر الحاجة، كما ثبت في الصحيح عن جابر عن - النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن إبليس ينصب عرشه على البحر، ويبعث سراياه فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة، فيأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فعل كذا، حتى يأتيه الشيطان فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه، ويقول: أنت أنت، ويلتزمه))[10] وقد قال - تعالى- في ذم السحر: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) [سورة البقرة الآية: 102] وفي السنن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات)[11] وفي السنن أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة))[12].

ولهذا لم يبح إلا ثلاث مرات، وحرمت عليه المرأة بعد الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، وإذا كان إنما أبيح للحاجة، فالحاجة تندفع بواحدة، فما زاد فهو باقٍ على الحظر. اهـ.

وقال ابن القيم[13]: فصل في حكمه - صلى الله عليه وسلم - فيمن طلق ثلاثا بكلمة واحدة، قد تقدم حديث محمود بن لبيد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام مغضبا ثم قال: ((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟))[14] وإسناده على شرط مسلم، قال ابن وهب: قد رواه مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد، فذكره، ومخرمة ثقة بلا شك، وقد احتج مسلم في صحيحه بحديثه عن أبيه.

والذين أعلُّوه، قالوا: لم يسمع منه، وإنما هو كتاب. قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مخرمة بن بكير فقال: هو ثقة، ولم يسمع من أبيه، إنما هو كتاب مخرمة فنظر فيه كل شيء، يقول: "بلغني عن سليمان بن يسار" فهو من كتاب مخرمة، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة سمعت يحيى بن معين يقول: مخرمة بن بكير وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه، وقال في رواية عباس الدوري: هو ضعيف، وحديثه عن أبيه كتاب ولم يسمعه منه، وقال أبو داود لم يسمع من أبيه إلا حديثا واحدا حديث الوتر، وقال سعيد بن أبي مريم، عن خاله موسى بن سلمة، أتيت مخرمة فقلت: حدثك أبوك فقال: لم أدرك أبي ولكن هذه كتبه.

والجواب عن هذا من وجهين:

أحدهما: أن كتاب أبيه كان عنده محفوظ مضبوط، فلا فرق في قيام الحجة بالحديث بين ما حدثه به، أو رآه في كتابه، بل الأخذ عن النسخة أحوط، إذا تيقن الراوي أنها نسخة الشيخ بعينها، وهذه طريقة الصحابة والسلف، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث كتبه إلى الملوك، وتقوم عليهم بها الحجة، وكتب كتبه إلى عماله في بلاد الإسلام فعملوا بها، واحتجوا بها، ودفع الصديق كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الزكاة إلى أنس بن مالك فحمله وعملت به الأمة، وكذلك كتابه إلى عمرو بن حزم في الصدقات الذي كان عند آل عمرو، ولم يزل السلف والخلف يحتجون بكتاب بعضهم إلى بعض، ويقول المكتوب إليه: كتب إلى فلان أن فلانا أخبره.

ولو بطل الاحتجاج بالكتب لم يبق بأيدي الأمة إلا أيسر اليسير، فإن الاعتماد إنما هو على النسخ لا على الحفظ، والحفظ خوان، والنسخة لا تخون، ولا يحفظ في زمن من الأزمان المتقدمة أن أحدا من أهل العلم رد الاحتجاج بالكتاب، وقال: لم يشافهني به الكاتب فلا أقبله، بل كلهم مجمعون على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عنده أنه كاتبه.

الجواب الثاني: أن قول من قال: لم يسمع من أبيه معارض بقول من قال: سمع منه، ومعه زيادة علم وإثبات، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم، سئل أبي عن مخرمة بن بكير؟ فقال صالح الحديث، قال: وقال ابن أبي أويس: وحدث في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه؟، فحلف لي ورب هذه البنية - يعني المسجد - سمعت من أبي.

وقال علي بن المديني: سمعت معن بن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأي سليمان بن يسار، وقال علي: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان، لعله سمع منه الشيء اليسير، ولم أجد أحدا في المدينة يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه: "سمعت أبي" ومخرمة ثقة.. انتهى، ويكفي أن مالكا أخذ كتابه فنظر فيه، واحتج به في موطئه، وكان يقول: حدثني مخرمة، وكان رجلا صالحا.

وقال أبو حاتم: سألت إسماعيل بن أبي أويس، قلت هذا الذي يقول مالك بن أنس: حدثني الثقة من هو؟ قال مخرمة بن بكير، وقيل لأحمد بن صالح المصري: كان مخرمة من ثقات الرجال؟ قال: نعم، وقال ابن عدي عن ابن وهب ومعن بن عيسى عن مخرمة: أحاديث حسان مستقيمة وأرجو أنه لا بأس به.

وفي صحيح مسلم قول ابن عمر للمطلق ثلاثًا: حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك، وهذا تفسير منه للطلاق المأمور به، وتفسير الصحابي حجة، وقال الحاكم هو عندنا مرفوع.

ومن تأمل القرآن حق التأمل تبين له ذلك وعرف أن الطلاق المشروع بعد الدخول هو الطلاق الذي تملك به الرجعة، ولم يشرع الله - سبحانه - إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة، قال - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمده ثلاثا وثلاثين، وكبره ثلاثا وثلاثين...))[15] ونظائره، فإنه لا يعقل من ذلك إلا تسبيح وتكبير وتحميد متوالٍ، يتلو بعضه بعضا، فلو قال سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاث وثلاثين بهذا اللفظ، لكان ثلاثا مرات فقط، وأصرح من هذا قوله - سبحانه -: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ) [سورة النور الآية: 6] فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين، كانت مرة، وكذلك قوله: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ) [سورة النور الآية: 8] فلو قالت: أشهد بالله أربع شهادات إنه لمن الكاذبين كانت واحدة.

وأصرح من ذلك قوله - تعالى -: (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) [سورة التوبة الآية: 101] فهذا مرة بعد مرة، ولا ينقض هذا بقوله - تعالى -: (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين))[16].

فإن المرتين هنا، هما الضعفان، وهما المثلان، وهما مثلان في القدر، كقوله - تعالى -: (يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 30] وقوله -تعالى-: (فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ) [سورة البقرة الآية: 265] أي ضعفي ما يعذب به غيرها، وضعفي ما كانت تؤتي، ومن هذا قول أنس: انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين[17]، أي شقتين وفرقتين، كما قال في اللفظ الآخر: انشق القمر فلقتين[18]، وهذا أمر معلوم قطعا: أنه إنما انشق القمر مرة واحدة، والفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان وبين ما يكون مثلين وجزأين ومرتين في المضاعفة، فالثاني يتصور فيه اجتماع المرتين في آن واحد، والأول لا يتصور فيه ذلك.

ومما يدل على أن الله لم يشرع الثلاث جملة أنه قال: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [سورة البقرة الآية: 228] إلى أن قال: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) [سورة البقرة الآية 228] فهذا يدل على أن كل طلاق بعد الدخول، فالمطلق أحق فيه بالرجعة، سوى الثالثة المذكورة بعد هذا.

وكذلك قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] إلى قوله - تعالى -: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [سورة الطلاق الآية: 2] فهذا هو الطلاق المشروع، وقد ذكر الله - سبحانه - أقسام الطلاق كلها في القرآن، وذكر أحكامها فذكر الطلاق قبل الدخول، وأنه لا عدة فيه، وذكر الطلقة الثالثة وأنها تحرم الزوجة على المطلق حتى تنكح زوجا غيره، وذكر طلاق الفداء الذي هو الخلع وسماه فدية، ولم يحسبه من الثلاث كما تقدم، وذكر الطلاق الرجعي الذي يحق للمطلق فيه الرجعة وهو ما عدا هذه الأقسام الثلاثة.

وبهذا احتج أحمد والشافعي وغيرهما على أنه ليس في الشرع طلقة واحدة بعد الدخول بغير عوض بائنة وأنه إذا قال لها: أنت طالق طلقة بائنة كانت رجعية ويلغو وصفها بالبينونة، وأنه لا يملك إبانتها إلا بعوض، وأما أبو حنيفة، فقال: تبين بذلك؛ لأن الرجعة حق له وقد أسقطها، والجمهور يقولون: وإن كانت الرجعة حقا له لكن نفقة الرجعية وكسوتها حق عليه، فلا يملك إسقاطه إلا باختيارها، وبذلها العوض، وسؤالها أن تفتدي نفسها بغير عوض في أحد القولين، وهو جواز الخلع بغير عوض، وأما إسقاط حقها من الكسوة والنفقة بغير سؤالها ولا بذلها العوض فخلاف النص والقياس.

قالوا: وأيضا فالله - سبحانه - شرع الطلاق على أكمل الوجوه وأنفعها للرجل والمرأة، فإنهم كانوا يطلقون في الجاهلية بغير عدد، فيطلق أحدهم المرأة كلما شاء ويرجعها، وهذا -وإن كان فيه رفق بالرجل- ففيه إضرار بالمرأة فنسخ -سبحانه- ذلك بثلاث، وقصر الزوج عليها وجعله أحق بالرجعة ما لم تنقضِ عدتها، فإذا استوفى العدد الذي ملكه حرمت عليه، فكان في هذا رفق بالرجل إذ لم تحرم عليه بأول طلقة، وبالمرأة حيث لم يجعل إليه أكثر من ثلاث، فهذا شرعه وحكمته وحدوده التي حدها لعباده، فلو حرمت عليه بأول طلقة يطلقها، كان خلاف شرعه وحكمته، وهو لم يملك إيقاع الثلاث جملة، بل إنما ملك واحدة، فالزائدة عليها غير مأذون له فيه.

قالوا: وهذا كما أنه لم يملك إبانتها بطلقة واحدة إذ هو خلاف ما شرعه، لم يملك إبانتها بثلاث مجموعة؛ إذ هو خلاف ما شرعه.

ونكتة المسألة: أن الله لم يجعل للأمة طلاقا بائنا قط إلا في موضعين: أحدهما طلاق غير المدخول بها، والثاني الطلقة الثالثة، وما عداه من الطلاق فقد جعل للزوج فيه الرجعة، هذا مقتضى الكتاب كما تقدم تقريره، وهذا قول الجمهور منهم الإمام أحمد والشافعي وأهل الظاهر، قالوا: لا يملك إبانتها بدون الثلاث إلا في الخلع.

ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال فيما إذا قال: أنت طالق طلقة لا رجعة فيها - وساقها - رحمه الله - هل هي ثلاث، أو خلع بدون عرض، أو واحدة بائنة.

وقد أجاب ابن حزم -رحمه الله- في كتابه المحلى[19] عن ذلك بقوله: أما الآيات فإنما نزلت فيمن طلق واحدة أو اثنتين فقط، ثم نسألهم عمن طلق مرة ثم راجع، ثم مرة ثم راجع ثانية ثم ثالثة، أبدعة أتى؟ فمن قولهم: لا بل سنة، فنسألهم أتحكمون له بما في الآيات المذكورات؟ فمن قولهم: لا، بل خلاف، فصح أن المقصود في الآيات المذكورات، من أراد أن يطلق طلاقا رجعيا، فبطل احتجاجهم بها في حكم من طلق ثلاثا، وأما قولهم: معنى قوله: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] أن معناه مرة بعد مرة، فخطأ، بل هذه الآية كقوله - تعالى -: (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] أي مضاعفا معا، وهذه الآية أيضًا تعليم لما دون الثلاث من الطلاق وهو حجة لنا عليهم، لأنهم لا يختلفون - يعني المخالفين لنا - في أن طلاق السنة هو أن يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدتها في قول طائفة منهم، وفي قول آخرين منهم: أن يطلقها في كل طهر طلقة وليس شيء من هذا في هذه الآية، وهم لا يرون من طلق طلقتين متتابعتين في كلام متصل طلاق سنة فبطل تعلقهم بقوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] وأما خبر محمود بن لبيد فمرسل ولا حجة في مرسل، ومخرمة لم يسمع من أبيه شيئا -ويعني ابن حزم بالإرسال ما قرره الحافظ ابن حجر[20]- وهو أن محمود بن لبيد، ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يثبت له منه سماع وإن ذكره بعضهم في الصحابة فلأجل الرؤية.. وقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع.

وقال الحافظ[21]: ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين فيمن ولد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: سمع من عمر، وتوفي بالمدينة سنة ست وتسعين، وكان ثقة قليل الحديث، كما ذكر الحافظ أن الترمذي قال فيه: " رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو غلام صغير ".

وقال ابن أبي حاتم: قال البخاري: له صحبة، فسخط أبي عليه، وقال: لا يعرف له صحبة، روى عن ابن عباس، وروى عنه عاصم بن عمر بن قتادة، سمعت أبي يقول ذلك. وسئل أبو زرعة عن محمود بن لبيد؟ فقال: روى عن ابن عباس، وعنه الحارث بن فضيل، مديني أنصاري ثقة، وفي رواية مخرمة عن أبيه كلام كثير. اهـ.

الثاني: من قولي العلماء في الإقدام على جمع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، أنه ليس بمحرم ولا بدعة، بل سنة، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، وجماعة من أهل الظاهر، كما في زاد المعاد، ونكتفي بإيراد كلام الشافعي في الأم، وابن حزم في المحلى، قال الإمام الشافعي: (الخلاف في الطلاق الثلاث):

عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب بالشام فبعث إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقال: ((ليس لك عليه نفقة))[22].

قال الشافعي -رحمه الله-: وابن عمر - رضي الله عنهما - طلق امرأته البتة وعلم ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأسقط نفقتها؛ لأنه لا رجعة له عليها، والبتة التي لا رجعة له عليها ثلاث، ولم يُعِبِ النبي - صلى الله عليه وسلم - طلاقَ الثلاث، وحكم فيما سواها من الطلاق بالنفقة والسكنى، فإن قال قائل: ما دل على أن البتة ثلاث فهي لو لم يكن سمى ابن عمر - رضي الله عنهما - ثلاثا البتة، أو نوى بالبتة ثلاثا، كانت واحدة يملك الرجعة وعليه نفقتها.

ومن زعم أن البتة ثلاث بلا نية المطلق، ولا تسمية ثلاث، قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يعب الطلاق الذي هو ثلاث، دل على أن الطلاق بيد الزوج، ما أبقى منه أبقى لنفسه، وما أخرج منه من يده لزمه غير محرم عليه، كما لا يحرم عليه أن يعتق رقبة، وألا يخرج من ماله صدقة، وقد يقال له: لو أبقيت ما تستغني به عن الناس كان خيرا لك.

فإن قال قائل: ما دل على أن أبا عمرو لا يعود أن يكون سمى ثلاثا أو نوى بالبتة ثلاثا؟ قلنا: الدليل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

قال الشافعي - رحمه الله -: أخبرنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع ابن عجير بن عبد يزيد، أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة المزنية البتة، ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت إلا واحدة. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لركانة: ((والله ما أردت إلا واحدة؟)) فردها إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان، - رضي الله عنهما -[23].

قال الشافعي - رحمه الله -: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد، أنه أخبره أنه تلاعن عويمر وامرأته بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مع الناس فلما فرغا من ملاعنتهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال مالك: قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعبين[24].

قال الشافعي - رحمه الله -: فقد طلق عويمر ثلاثا بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو كان ذلك محرما لنهاه عنه، وقال: إن الطلاق وإن لزمك فأنت عاص بأن تجمع ثلاثا، فافعل كذا، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر أن يأمر عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -، حين طلق امرأته حائضا أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فلا يقر النبي - صلى الله عليه وسلم - بطلاق لا يفعله أحد بين يديه، إلا نهاه عنه؛ لأنه العَلَم بين الحق والباطل، لا باطل بين يديه إلا يغيره.

قال الشافعي: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول: أخبرني المطلب ابن حنطب، أنه طلق امرأته البتة ثم أتى عمر فذكر ذلك له.

فقال: ما حملك على ذلك؟

قال: قد فعلته، فتلا: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) [سورة النساء الآية: 66] ما حملك على ذلك؟

قال: قد فعلته، قال: أمسك عليك امرأتك فإن الواحدة تبِتُّ.

أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الله ابن أبي سلمة، عن سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: للتومة مثل ما قال للمطلب.

قال الشافعي: أخبرنا الثقة، عن الليث بن سعد، عن بكير عن سليمان، أن رجلا من بني رزيق طلق امرأته البتة، قال عمر - رضي الله عه -: ما أردت بذلك؟ قال: أتراني أقيم على حرام والنساء كثير؟ فأحلفه فحلف، قال الشافعي - رحمه الله -: أراه قال: فردها عليه.

قال: وهذا الخبر في الحديث في الزرقي، يدل على أن قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للمطلب ما أردت بذلك؟ يريد أواحدة أو ثلاثا؟ فلما أخبره أنه لم يرد به زيادة في عدد الطلاق، وأنه قال: بلا نية زيادة، ألزمه واحدة وهي أقل الطلاق، وقوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ) [سورة النساء الآية: 66] لو طلق فلم يذكر البتة؛ إذ كانت كلمة محدثة ليست في أصل الطلاق تحتمل صفة الطلاق وزيادة في عدده، ومعنى غير ذلك، فنهاه عن المشكل من القول، ولم ينهه عن الطلاق، ولم يعبه ولم يقل له: لو أردت ثلاثا كان مكروها عليك، وهو لا يحلفه على ما أراد إلا ولو أراد أكثر من واحدة ألزمه ذلك.

أخبرنا الربيع: قال أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، وكان أعلمهم بذلك، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الرحمن طلق امرأته البتة وهو مريض فورثها عثمان منه بعد انقضاء عدتها.

قال الشافعي - رحمه الله - أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين أن امرأة عبد الرحمن نشدته الطلاق فقال: إذا حضت ثم طهرت فآذنيني، فطهرت وهو مريض، فآذنته، فطلقها ثلاثا، قال الشافعي - رحمه الله -: والبتة في حديث مالك بيان هذا الحديث ثلاثا، لما وصفنا من أن يقول: طالق البتة، ينوي ثلاثًا، وقد بينه ابن سيرين فقطع موضع الشك فيه.

أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس بن بكير، قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة، وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهم - عن ذلك فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك، قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل.

قال الشافعي - رحمه الله -: وما عاب ابن عباس ولا أبو هريرة –رضي الله عنهم- عليه أن يطلق ثلاثا، ولو كان ذلك معيبا، لقالا له: لزمك الطلاق، وبئسما صنعت، ثم سمى حين راجعه فما زاده ابن عباس على الذي هو عليه أن قال له: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل، ولم يقل بئسما صنعت، ولا حرجت في إرساله.

أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير، عن النعمان ابن أبي عياش الأنصاري عن عطاء بن يسار، قال: جاء رجل يستفتي عبد الله بن عمرو –رضي الله عنهما- عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، قال عطاء فقلت: إنما طلاق البكر واحدة، فقال عبد الله بن عمرو –رضي الله عنهما-: إنما أنت قاض الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.

ولم يقل له عبد الله: بئسما صنعت حين طلقت ثلاثا، أخبرنا الربيع: قال أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد، أن بكيرا أخبره عن النعمان ابن أبي عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير، وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فسلهما؟ ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما؟ فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة؛ فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره.

وقال ابن عباس مثل ذلك ولم يعيبا عليه الثلاث، ولا عائشة، أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرني مالك عن ابن شهاب عن عروة أن مولاة لبني عدي يقال لها: زبراء أخبرته أنها كانت تحت عبد وهي يومئذ أمة، فعتقت فقالت: فأرسلت إلى حفصة فدعتني يومئذ، فقالت: إني مخبرتك خبراً، ولا أحب أن تصنعي شيئا، إن أمرك بيدك ما لم يمسك زوجك، فقالت: ففارقته ثلاثا، فلم تقل لها حفصة: لا يجوز لك أن تطلقي ثلاثا.

ولو كان ذلك معيبا على الرجل، إذا لكان ذلك معيبا عليها إذا كان بيدها فيه ما بيده.

أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن جهمان، عن أم بكرة الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن أسيد، ثم أتيا عثمان - رضي الله عنه - في ذلك فقال: هي تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت.

فعثمان - رضي الله عنه - يخبره أنه إن سمى أكثر من واحدة كان ما سمى، ولا يقول له: لا ينبغي لك أن تسمي أكثر من واحدة، بل في هذا القول دلالة على أنه جائز له أن يسمي أكثر من واحدة.

أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - قال: البتة ما يقول الناس فيها؟ فقال أبو بكر، فقلت له: كان أبان بن عثمان يجعلها واحدة، فقال عمر: لو كان الطلاق ألفا ما أبقت البتة منه شيئا، من قال البتة فقد رمى الغاية القصوى.

قال الشافعي: ولم يحك عن واحد منهم على اختلافهم في البتة أنه عاب البتة ولا عاب ثلاثا، قال الشافعي قال مالك في المخيرة: إن خيرها زوجها فاختارت نفسها فقد طلقت ثلاثا: وإن قال زوجها: لم أخيرك إلا في واحدة فليس له في ذلك قول، وهذا أحسن ما سمعت.

قال الشافعي: فإذا كان مالك يزعم أن من مضى من سلف هذه الأمة قد خيروا وخير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخيار إذا اختارت المرأة نفسها يكون ثلاثا، كان ينبغي بزعمهم أن الخيار لا يحل؛ لأنها إذا اختارت كان ثلاثا، وإذا زعم أن الخيار يحل، وهي إذا اختارت نفسها طلقت ثلاثا فقد زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أجاز طلاق ثلاث، وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قال الشافعي - رحمه الله -: أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره أن رجلا أتى ابن عباس –رضي الله عنهما- فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما- تأخذ ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.

قال الشافعي: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، أن عطاء ومجاهدا قالا: إن رجلا أتى ابن عباس –رضي الله عنهما-، فقال: طلقت امرأتي مائة، فقال ابن عباس: تأخذ ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.

أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء وحده، عن ابن عباس –رضي الله عنهما- أنه قال: وسبعا وتسعين عدوانا، اتخذت بها آيات الله هزوا، فعاب عليه ابن عباس كل ما زاد عن عدد الطلاق الذي لم يجعله الله إليه، ولم يعب عليه ما جعل الله إليه من الثلاث، وفي هذا دلالة على أنه يجوز له عنده أن يطلق ثلاثا ولا يجوز له ما لم يكن إليه. اهـ.

المذهب الحنبلي:

وأما المذهب الحنبلي فقد قال ابن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد في جمع الثلاث، فروي عنه أنه غير محرم اختاره الخرقي، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور وداود، وروي ذلك عن الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف، والشعبي، لأن عويمرا العجلاني لما لاعن امرأته قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم [25]- متفق عليه ولم ينقل إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وعن عائشة: أن امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي[26]. متفق عليه، وفي حديث فاطمة بنت قيس، أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات. ولأنه طلاق جاز تفريقه فجاز جمعه كطلاق النساء.

وقد أجاب ابن قدامة عن أدلة القائلين بالإباحة جوابا إجماليا.

فقال[27]: وأما حديث المتلاعنين فغير لازم؛ لأن الفرقة لم تقع بالطلاق، فإنها وقعت بمجرد لعان الزوج فلا حجة فيه.

ثم إن اللعان يوجب تحريما مؤبدا، فالطلاق بعده كالطلاق بعد انفساخ النكاح بالرضاعة أو غيره.

ولأن جمع الثالث إنما حرم لما يعقبه من الندم، ويحصل به من الضرر ويفوت عليه من حل نكاحها، ولا يحصل ذلك بالطلاق بعد اللعان لحصوله باللعان.

وسائر الأحاديث لم يقع فيها جمع الثلاث بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون مقرا عليه، ولا حضر المطلق عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أخبر بذلك لينكر عليه.

على أن حديث فاطمة قد جاء فيه: أنه أرسل إليه بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وحديث امرأة رفاعة جاء فيه: أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، متفق عليه، فلم يكن في شيء من ذلك جمع الثلاث.

ولا خلاف بين الجميع في أن الاختيار والأولى أن يطلق واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها إلا ما حكينا من قول من قال: إنه يطلقها في كل قرء طلقة، والأولى أولى، فإن في ذلك امتثالا لأمر الله - سبحانه - وموافقة لقول السلف، وأمناً من الندم، فإنه متى ندم راجعها فإن فاته ذلك بانقضاء عدتها فله نكاحها.

وقال ابن حزم: وجدنا من حجة من قال: إن الطلاق الثلاث مجموعة سنة لا بدعة، قول الله - تعالى -:  (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230].

فهذا يقع على الثلاث مجموعة ومفرقة، ولا يجوز أن يخص بهذه الآية بعض ذلك دون بعض بغير نص.

وكذلك قوله - تعالى -: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [سورة الأحزاب الآية: 49] عموم لإباحة الثلاث والاثنتين والواحدة.

وقوله - تعالى -: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) [سورة البقرة الآية:241] فلم يخص -تعالى- مطلقة واحدة من مطلقة اثنتين ومن مطلقة ثلاثا.

ووجدنا ما رويناه من طريق مالك، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره عن حديث لعان عويمر العجلاني مع امرأته، وفي آخره أنه قال: "كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها" فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: وأنا مع الناس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

قال أبو محمد - ابن حزم -: لو كانت طلاق الثلاث مجموعة معصية لله - تعالى -، لما سكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيان ذلك فصح يقينا أنها سنة مباحة.

وقال بعض أصحابنا: لا يخلو من أن يكون طلقها وهي امرأته، أو طلقها وقد حرمت عليه، ووجب التفريق بينهما، فإن كان طلقها وهي امرأته، فليس هذا قولكم؛ لأن قولكم إنها بتمام اللعان تبين عنه إلى الأبد، وإن كان طلقها أجنبية فإنما نحن فيمن طلق امرأته لا فيمن طلق أجنبية.

فقلنا: إنما طلقها وهو يقدر أنها امرأته، هذا ما لا يشك فيه أحد، فلو كان ذلك معصية لسبقكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الاعتراض، فإنما حجتنا كلها في ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإنكار على من طلق ثلاثا مجموعة امرأة يظنها امرأته، ولا يشك أنها في عصمته فقط.

فإن قالوا: ليس كل مسكوت عن ذكره في الأخبار يكون ترك ذكره حجة، فقلنا: نعم هو حجة لازمة إلا أن يوجد بيان في خبر آخر لم يذكر في هذا الخبر، فحينئذ لا يكون السكوت عنه في خبر آخر حجة.

ومن طريق البخاري: نا محمد بن بشار، نا يحيى هو ابن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر، نا القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت: إن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلق، فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتحل للأول؟ قال: ((لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول))[28] فلم ينكر - عليه الصلاة والسلام - هذا السؤال، ولو كان لا يجوز لأخبر بذلك، وخبر فاطمة بنت قيس المشهور رويناه من طريق يحيى بن أبي كثير، أخبرني أبو سلمة ابن عبد الرحمن، أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة أم المؤمنين، فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا فهل لها من نفقة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس لها نفقة، وعليها العدة...))[29] وذكر باقي الخبر.

ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، نا حفص بن غياث، نا هشام بن عروة، عن أبيه عن فاطمة بنت قيس قالت: قلت: يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثًا، وأنا أخاف أن يقتحم علي، قال: فأمرها فتحولت[30]. ومن طريق مسلم، نا محمد بن المثنى، عبد الرحمن بن مهدي، نا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطلقة ثلاثة قال: ((ليس لها سكنى ولا نفقة))[31].

فهذا نقل تواتر عن فاطمة بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرنا هي ونفر سواها[32] بأن زوجها طلقها ثلاثاً، وبأنه - عليه الصلاة والسلام - حكم في المطلقة ثلاثا ولم ينكر - عليه الصلاة والسلام – ذلك، ولا أخبر بأنه ليس بسنة، وفي هذا كفاية لمن نصح نفسه.

فإن قيل: إن الزهري روى عن أبي سلمة هذا الخبر فقال فيه: أنها ذكرت أنه طلقها آخر ثلاث طلقات، وروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، فذكر الخبر وفيه: فأرسل مروان إليها قبيصة بن ذؤيب فحدثته، وذكر باقي الخبر.

قلنا: نعم، هكذا رواه الزهري، فأما روايته من طريق عبيد الله بن عبد الله فمنقطعة، لم يذكر عبيد الله ذلك عنها، ولا عن قبيصة عنها، إنما قال: إن فاطمة طلقها زوجها، وإن مروان بعث إليها قبيصة فحدثته، وأما خبره عن أبي سلمة فمتصل، إلا أن كلا الخبرين ليس فيهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرته هي ولا غيرها بذلك، إنما السند الصحيح الذي فيه أنه - عليه الصلاة والسلام - سأل عن كمية طلاقها؟ وأنها أخبرته فهي التي قدمنا أولا، وعلى ذلك الإجمال جاء حكمه - عليه الصلاة والسلام - وكذلك كل لفظ روي به خبر فاطمة من (أبت طلاقها) و (طلقها البتة) و(طلقها طلاقا باتا) و(طلاقا بائنا) فليس في شيء منه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف عليه أصلا فسقط كل ذلك وثبت حكمه - عليه الصلاة والسلام - على ما صح أنه، أخبر به من أنه طلقها ثلاثا فقط.

وأما الصحابة - رضي الله عنهم - فإن الثابت عن عمر - رضي الله عنه - الذي لا يثبت عنه غيره، ما رويناه من طريق عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، نا زيد بن وهب: أنه رفع إلى عمر بن الخطاب برجل طلق امرأته ألفا فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: إنما كنت ألعب، فعلاه عمر بالدرة، وقال: إنما يكفيك من ذلك ثلاث، فإنما ضربه عمر على الزيادة على الثلاث، وأحسن عمر في ذلك، وأعلمه أن الثلاث تكفي ولم ينكرها.

ومن طريق وكيع، عن الأعمش، عن حبيب ابن أبي ثابت، جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، فقال له علي: بانت منك بثلاث، واقسم سائرهن بين نسائك، فلم ينكر جمع الثلاث.

ومن طريق وكيع، عن جعفر بن برقان، عن معاوية ابن أبي يحيى قال: جاء رجل إلى عثمان بن عفان فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: بانت منك بثلاث... فلم ينكر الثلاث.

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي ألفاً، فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتها عليك وزرا، اتخذت آيات الله هزوا، فلم ينكر الثلاث، وأنكر ما زاد.

والذي جاء عنه من قوله لمن طلق ثلاثا ثم ندم: لو اتقيت الله لجعل لك مخرجا، وهو على ظاهره، نعم، إن اتقى الله جعل له مخرجا، وليس فيه أن طلاقه الثلاث معصية.

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني طلقت امرأتي تسعة وتسعين، فقال له ابن مسعود: ثلاث تبينها، وسائرها عدوان.

وهذان خبران في غاية الصحة، لم ينكر ابن مسعود وابن عباس الثلاث مجموعة أصلا، وإنما أنكرا الزيادة على الثلاث.

ومن طريق أحمد بن شعيب، أنا عمرو بن علي، نا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: طلاق السنة أن يطلقها طاهرا من غير جماع، وهذا في غاية الصحة عن ابن مسعود فلم يخص طلقة من طلقتين من ثلاث.

فإن قيل: قد روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود وفيه: فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى.

قلنا نعم، هذا أيضا سنة، وليس فيه أن ما عدا ذلك حرام وبدعة، فإن قيل: قد رويتم من طريق حماد بن زيد، نا يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، قال: قال علي بن أبي طالب: لو أن الناس أخذوا بأمر الله - تعالى- في الطلاق ما يبيح رجل نفسه في امرأة أبدا، يبدأ فيطلقها تطليقة ثم يتربص ما بينها وبين أن تنقضي عدتها، فمتى شاء راجعها.

قلنا: هذا منقطع عنه؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من علي كلمة، ثم ليس فيه أيضا أن ما عدا ذلك معصية، ولا بدعة، لا يعلم عن الصحابة - رضي الله عنهم - غير ما ذكرنا، وأما التابعون فروينا من طريق وكيع عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الشعبي قال: قال رجل لشريح القاضي: طلقت امرأتي مائة، فقال: بانت منك بثلاث، وسبع وتسعون إسراف ومعصية.

فلم ينكر شريح الثلاث، وإنما جعل الإسراف والمعصية ما زاد على الثلاث، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: طلاق العدة أن يطلقها إذا طهرت من الحيضة بغير جماع.

قال أبو محمد: فلم يخص واحدة من ثلاث من اثنتين، لا يعلم عن أحد من التابعين أن الثلاث معصية صرح بذلك، إلا الحسن، والقول بأن الثلاث سنة هو قول للشافعي وأبي ذر وأصحابهما.

وقال ابن أبي شيبة[33]: " ومن رخص الرجل أن يطلق ثلاثا في مجلس " حدثنا أبو أسامة، عن هشام قال: سئل محمد عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا في مقعد واحد، قال: لا أعلم بذلك بأسا، قد طلق عبد الرحمن بن عوف امرأته ثلاثا فلم يعب عليه ذلك.

حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون عن محمد قال: كان لا يرى بذلك بأسا، حدثنا غندر عن شعبة، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي، في رجل أراد أن تبين منه امرأته، قال: يطلقها ثلاثا.

المسألة الثانية: ما يترتب على إيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد:

وفي ذلك مذاهب:

المذهب الأول: أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا بلفظ واحد وقعت ثلاثا دخل بها أو لا.

ذكر من قال بهذا القول:

قال الكاساني: وأما حكم طلاق البدعة: فهو أنه واقع عند عامة العلماء، وقد ذكر هذا بعد سياقه للألفاظ التي يقع بها طلاق البدعة وذكر منها الثلاث بلفظ واحد[34].

وقال ابن الهمام: وذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين إلى أنه يقع ثلاثا[35].

وقال الطحاوي بعد سياقه لأدلة وقوعها ثلاثا: فهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد - رحمة الله عليهم أجمعين[36].

وقال سحنون بن سعيد التنوخي: قلت: أرأيت إن طلقها ثلاثا وهي حامل في مجلس واحد أو مجالس شتى، أيلزمه ذلك أم لا؟ قال: قال مالك يلزمه ذلك[37].

وقال الحطاب: (تنبيه) قال أبو الحسن في شرح كلام المدونة المتقدمة صورته: أن يقول لها أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق في مجلس واحد، فإن كان على غير هذه الصفة كما إذا قال: أنت طالق ثلاثا في كلمة واحدة، فقال عبد الحميد الصائغ: ثلاث تطليقات في كلمة أشد منه في ثلاثة مجالس، وفي ثلاثة مجالس أشد منه في ثلاثة أطهار، وكلما طلق يلزمه.. انتهى... "[38].

وقال الباجي: إذا ثبت ذلك -أي كلامه على تحريم إيقاع الثلاث بلفظ واحد- فمن أوقع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة لزمه ما أوقعه من الثلاث وبه قال جماعة الفقهاء[39].

وقال القرطبي: قال علماؤنا: واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف[40].

وقد سبق أدلة كثيرة عن الإمام الشافعي - رحمه الله - في الكلام على المسألة الأولى وأنه يوقعها ثلاثا.

وقال الشيرازي: "وإن قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثا وقع الثلاث؛ لأن الجميع صادف الزوجية، فوقع الجميع، كما لو قال ذلك للمدخول بها... "[41].

وقال ابن قدامة: وإن طلق ثلاثا بكلمة واحدة وقع الثلاث وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين قبل الدخول وبعده، روي ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وأنس، وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين، والأئمة بعدهم[42].

وقال المرداوي: وإن طلقها ثلاثا مجموعة قبل رجعة مرة واحدة طلقت ثلاثا، وإن لم ينوها على الصحيح من المذهب نص عليه مرارا وعليه الأصحاب بل الأئمة الأربعة - رحمهم الله - وأصحابهم في الجملة[43].

وقال شيخ الإسلام - في أثناء الكلام على بيان المذاهب في ذلك - الثاني أنه طلاق محرم لازم وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه وهذا قول منقول عن كثير من السلف من الصحابة والتابعين[44].

وقال ابن القيم: فاختلف الناس فيها - أي وقوع الثلاث بكلمة واحدة - على أربعة مذاهب: أحدها: أنه يقع وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين، وكثير من الصحابة... [45].

وقال يوسف بن عبد الرحمن بن عبد الهادي: الفصل الأول في أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثا: هذا هو الصحيح من المذهب، ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره كما سيأتي، وهذا القول مجزوم به في أكثر كتب أصحاب الإمام أحمد كالخرقي والمقنع والمحرر والهداية وغيرهم، من كتب أصحاب الإمام أحمد ولا يعدل عنه.

قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس[46]: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر واحدة بأي شيء تدفعه؟ فقال برواية الناس عن ابن عباس أنها ثلاث" وقدمه في الفروع وجزم به في المغني، وأكثرهم لم يحك غيره والله أعلم بالصواب[47].

وقال أيضا[48]: الفصل الثاني فيمن قال بهذا القول ومن أفتى به: قال به ابن عباس غير مرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعثمان، وعلي، وابن مسعود وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال أحمد، والشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وأنس، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، وقال به من أصحابنا الخرقي، والقاضي وأبو بكر، وابن حامد، وابن عقيل، وأبو الخطاب، والشيرازي، والشيخ موفق الدين، والشيخ مجد الدين - وليس مطلقا كما سيأتي - والشريف حتى أكثر أصحاب الإمام أحمد على هذا القول.

وفي إجماع ابن المنذر ما يدل على أنه إجماع ليس بصريح فيه. وهذا القول اختاره ابن رجب، وقد صنف ردا على من قال بخلافه، والله أعلم بالصواب.

وقال ابن عبد الهادي: قال ابن رجب: اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من الأئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوي في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد[49].

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: وعلى هذا القول - أي اعتبارها ثلاثا - جل الصحابة وأكثر العلماء منهم الأئمة الأربعة. اهـ[50]. وقد استدل لهذا المذهب بالكتاب والسنة والإجماع والآثار والقياس.

أما الكتاب: فأولا قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229].

قال أبو بكر الرازي تحت عنوان: " ذكر الحجاج لإيقاع الطلاق الثلاث معا " قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229]، يدل على وقوع الثلاث معا مع كونه منهيا عنه، وذلك لأن قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229]، قد أبان عن حكمه إذا أوقع اثنتين بأن يقول: أنت طالق، أنت طالق في طهر واحد وقد بينا أن ذلك خلاف السنة، فإذا كان في مضمون الآية الحكم بجواز وقوع الاثنتين على هذا الوجه دل ذلك على صحة وقوعهما لو أوقعهما معا؛ لأن أحدا لم يفرق بينهما.

وفيها الدلالة عليه من وجه آخر وهو قوله - تعالى -: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230] فحكم بتحريمها عليه بالثالثة بعد الاثنتين، ولم يفرق بين إيقاعهما في طهر واحد، أو في أطهار، فوجب الحكم بإيقاع الجميع على أي وجه أوقعه من مسنون أو غير مسنون ومباح أو محظور.

فإن قيل: قد دللت في معنى الآية أن المراد بها بيان المندوب إليه والمأمور به من الطلاق، وإيقاع الطلاق الثلاث معا خلاف المسنون عندك، فكيف تحتج بها في إيقاعها على غير الوجه المباح والآية لم تتضمنها على هذا الوجه؟

قيل له: قد دلت الآية على هذه المعاني كلها من إيقاع الاثنتين والثلاث لغير السنة، وأن المندوب إليه والمسنون تفريقها في الأطهار وليس يمتنع أن يكون مراد الآية جميع ذلك، ألا ترى أنه لو قال: طلقوا ثلاثا في الأطهار، وإن طلقتم جميعا معا وقعن، كان جائزا، وإذا لم يتناف المعنيان واحتملتهما الآية وجب حملها عليهما.

فإن قيل: معنى هذه الآية محمول على ما بينه بقوله - تعالى-: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية:1] وقد بين الشارع الطلاق للعدة، وهو أن يطلقها في ثلاثة أطهار إن أراد إيقاع الثلاث، ومتى خالف ذلك لم يقع طلاقه.

قيل له: نستعمل الآيتين على ما تقتضيانه من أحكامهما فنقول: إن المندوب إليه والمأمور به هو الطلاق للعدة على ما بينه في هذه الآية، وإن طلق لغير العدة وجمع الثلاث وقعن؛ لما اقتضته الآية الأخرى وهي قوله - تعالى -:  (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] وقوله - تعالى -: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230] إذ ليس في قوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] نفي لما اقتضه هذه الآية الأخرى، على أن في فحوى الآية التي فيها ذكر الطلاق للعدة دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة، وهو قوله - تعالى -: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية:1] إلى قوله - تعالى -:  (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) [سورة الطلاق الآية: 1] فلولا أنه إذا طلق لغير العدة وقع ما كان ظالما لنفسه بإيقاعه، ولا كان ظالما لنفسه بطلاقه.

وفي هذه الآية دلالة على وقوعها إذا طلق لغير العدة، ويدل عليه قوله - تعالى -في نسق الخطاب: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2] يعني - والله أعلم - أنه إذا وقع الطلاق على ما أمره الله كان له مخرجا مما أوقع إن لحقه ندم وهو الرجعة، وعلى هذا المعنى تأوله ابن عباس حين قال للسائل الذي سأله وقد طلق ثلاثا: إن الله - تعالى -يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2] وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك، ولذلك قال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: لو أن الناس أصابوا حد الطلاق ما ندم رجل طلق امرأته.

فإن قيل: لما كان عاصيا في إيقاع الثلاث معا لم يقع؛ إذ ليس هو الطلاق المأمور به، كما لو وكل رجل رجلا بأن يطلق امرأته ثلاثا في ثلاثة أطهار لم يقع إذا جمعهن في طهر واحد.

قيل له: أما كونه عاصيا في الطلاق فغير مانع صحة وقوعه لما دللنا عليه فيما سلف، ومع ذلك فإن الله جعل الظهار منكراً من القول وزورا، وحكم مع ذلك بصحة وقوعه، فكونه عاصيا لا يمنع لزوم حكمه والإنسان عاص لله في ردته عن الإسلام، ولم يمنع عصيانه من لزوم حكمه وفراق امرأته، وقد نهاه الله من مراجعتها ضرارا بقوله - تعالى -: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا) [سورة البقرة الآية:231] فلو راجعها وهو يريد ضرارها لثبت حكمها وصحت رجعته.

وأما الفرق بينه وبين الوكيل فهو: أن الوكيل إنما يطلق لغيره، وعنه يعبر، وليس يطلق لنفسه، ولا يملك ما يوقعه، ألا ترى أنه لا يتعلق به شيء من حقوق الطلاق وأحكامه، فلما لم يكن مالكا لما يوقعه، وإنما يصح إيقاعه لغيره من جهة الأمر؛ إذ كانت أحكامه تتعلق بالأمر دونه لم يقع متى خالف الأمر، وأما الزوج فهو مالك الطلاق وبه تتعلق أحكامه وليس يوقع لغيره فوجب أن يقع من حيث كان مالكا للثلاث وارتكاب النهي في طلاقه غير مانع وقوعه كما وصفنا في الظهار والرجعة والردة وسائر ما يكون به عاصيا، ألا ترى أنه لو وطأ أم امرأته بشبهة حرمت عليه امرأته؟، وهذا المعنى الذي ذكرناه من حكم الزوج في ملكه للثلاث من الوجوه التي ذكرنا يدل على أنه إذا أوقعهن معا وقع إذ هو موقع لما ملك.اهـ.

وقال القرطبي: في تفسير قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229]: ترجم البخاري على هذه الآية: باب من أجاز الطلاق الثلاث لقوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] وهذه إشارة منه إلى أن هذا التعديد إنما هو فسحة لهم فمن ضيق على نفسه لزمه. اهـ.

وقال العيني: وجه الاستدلال به أن قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] معناه مرة بعد مرة فإذا جاز الجمع بين اثنتين جاز بين الثلاث وأحسن منه أن يقال، إن قوله - تعالى -: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] عام متناول لإيقاع الثلاث دفعة واحدة، وقال ابن أبي حاتم: أنا يونس بن عبد الأعلى قراءة عليه، أنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع، سمعت أبا رزين يقول: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله -عز وجل-: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] أين الثالثة؟ قال: ((التسريح بالإحسان)) هذا إسناده صحيح، ولكنه مرسل، ورواه ابن مردويه من طريق قيس بن الربيع عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مرسلا قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أحمد بن يحيى حدثنا عبيد الله بن جرير بن خالد، حدثنا ابن عائشة، عن حماد بن سلمة، عن قتادة عن أنس ابن مالك - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: ((إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)). اهـ[51].

وقد سبقت مناقشة ابن القيم لهذه الآية وبين أنها دليل على عدم وقوع الثلاث وذلك عند الكلام عليها في المسألة الأولى.

وقال الشيخ جمال الدين الإمام ردًا على الاستدلال بقوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] وبين أنها لا تدل على وقوع الثالث قال[52]: فصل: ومما يبين ويوضح بطلان تركيبهم شرعا ولغة في الطلاق الثلاث وغيره: أن لفظ التعدد فيه منصوب نصب المصدر، فإن تقدير الكلام طلقتك طلاقا ومعنى المصدر في الكلام طلقتك تطليقات ثلاث، ومعنى المصدر في الكلام إنما هو حكاية حال الفعل في صدوره عن الفاعل.

والفعل له حالتان في صدوره عن الفاعل: حالة يكون فيها خبرا عما صدر وقوعه من الفاعل في الماضي، وحالة يكون فيها أداة لما يستعمل فيه من إنشاء العقود والفسوخ استعارة أو اشتراكا، فإذا أريد به الحكاية والخبر عن الماضي، فإن أريد به إخبار عن حقيقة الفعل ونفي المجاز عنه أتبع بالمصدر مطلقا.

وأما إذا استعمل الماضي في إنشاء عقد أو فسخ سواء قيل إنه على وجه الاستعارة أو الاشتراك: فإن أريد حقيقة العقد أو الفسخ أتبع المصدر مثل: طلقتها تطليقا، وأما إن أريد تعدد العقد أو الفسخ بلفظ واحد في مرة واحدة بمنزلة تعدده بالتكرار مرة بعد مرة وأتبع بالعدد وحده، أو مضافا إلى المصدر المجموع، مثل: طلقتك ثلاثا، وقصد به التعدد، أو قال في اللعان: أشهد بالله خمسا، أو: خمس شهادات، أو قال في القسامة: أقسم بالله خمسين يمينا، أو قال بعد الصلاة: " سبحان الله " مرة، ثم قال: " ثلاثا وثلاثين "، وكذا: " الحمد لله "، وكذا: " الله أكبر "، وكذا لو قال في اليوم مرة واحدة: " سبحان الله وبحمده " وأتبعها مائة مرة، لم يكن بتكراره في الأيام والأوقات والعدد، فأما غير الطلاق فلا خلاف فيه، وأما الطلاق فوقع الغلط فيه من بعد الصحابة.

ثانيا: قال النووي: واحتج الجمهور بقوله - تعالى -: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1].

قالوا: معناه أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه إلا رجعيا، فلا يندم[53].

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي[54]: ومما يؤيد هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح عن طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت، حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، إن الله قال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2] وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت امرأتك.

وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها ومن يتق الله، ولم يجعل الطلاق في لفظة واحدة يجعل له مخرجا بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في لفظ واحد لم يجعل له مخرجا لوقوع البينونة بينها مجتمعة، هذا هو معنى كلامه الذي لا يحتمل غيره، وهو قوي جدا في محل النزاع؛ لأنه مفسر به قرآنا، وهو ترجمان القرآن، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم علمه التأويل))[55].

ثالثا: قال ابن عبد الهادي[56]: نقلا عن ابن رجب: قوله في سياق آيات (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) [سورة البقرة الآية: 231] قال الحسن: " كان الرجل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يطلق ويقول: كنت لاعبا، ويعتق ويقول: كنت لاعبا، ويزوج ابنه ويقول: كنت لاعبا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاث من قالهن لاعبا جائزات عليهم: العتاق، والطلاق، والنكاح))[57] فأنزل الله - تعالى -: (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) [سورة البقرة الآية: 231].

وقال ابن عبد الهادي ردًّا على ابن رجب في استدلاله بالآيات التي سبقت[58]: وأما استدلاله بقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] إلى قوله: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2] قال: فليس بمسلَّم؛ لأن في حديث ركانة قال له: ((راجعها)) وتلا هذه الآية، فهذه الآية دليل لنا لا لكم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قضى له بهذا استدل بالآية، فلو كان فيها دليل عليه لم يستدل بها، واستدلاله في الآية بقول ابن عباس، فإن ابن عباس قد صح عنه أنه كان يفتي بهذا القول - أي واحدة - كما تقدم فليس لكم في الآية دليل.

وأما استدلاله بقوله - تعالى -: (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) [سورة البقرة الآية: 231] واستدلاله بالحديث -أي حديث الحسن وقد مضى مع الآية- فالآية والحديث ليس فيهما دليل له؛ لأنه لم يثبت طلاق الثلاث بالكلية، وإنما كان يطلق ويقول كنت لاعبا، فنزلت هذه الآية، إن الطلاق لا لعب فيه فليس في هذا دليل.

وأما استدلاله بالآية الأخرى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية 229] فليس فيها دليل أيضاً؛ لأن الطلاق هنا لم يذكر أنه بلفظة واحدة، بل الآية فيها إذا أتى بالطلاق مرة بعد أخرى، وليس في الآيات دليل له، بل كلها دليل عليه.

وأما السنة فقد استدلوا بالأدلة الآتية:

الدليل الأول: ما ثبت في الصحيحين[59] في قصة لعان عويمر وزوجته وفيه: فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين[60]. متفق عليه.

قال النووي[61]: واستدل به أصحابنا على أن جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد ليس حراما، وموضع الدلالة أنه لا ينكر عليه إطلاق لفظ الثلاث.

وقد يعترض على هذا فيقال: إنما لم ينكره عليه؛ لأنه لم يصادف الطلاق محلا مملوكا له ولا نفوذا.

ويجاب عن هذا الاعتراض بأنه لو كان الثلاث محرما لأنكر عليه، وقال له: كيف ترسل لفظ الطلاق الثلاث مع أنه حرام، والله أعلم.

وقال ابن نافع من أصحاب مالك: إنما طلقها ثلاثا بعد اللعان؛ لأنه يستحب إظهار الطلاق بعد اللعان، مع أنه قد حصلت الفرقة بنفس اللعان، وهذا فاسد، وكيف يستحب للإنسان أن يطلق من صارت أجنبية.

وقال محمد بن أبي صفرة المالكي: لا تحصل الفرقة بنفس اللعان، واحتج بطلاق عويمر وبقوله: إن أمسكتها، وتأوله الجمهور كما سبق، والله أعلم، وأما قوله: " قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين " فقد تأوله ابن نافع المالكي على أن معناه استحباب الطلاق بعد اللعان كما سبق، وقال الجمهور معناه حصول الفرقة بنفس اللعان.

وقال شيخ الإسلام[62]: وأما الملاعن فإن طلاقه وقع بعد البينونة، أو بعد وجوب الإبانة التي تحرم بها المرأة أعظم مما يحرم بالطلقة الثالثة، فكان مؤكدا لموجب اللعان، والنزاع إنما هو طلاق من يمكنه إمساكها، لا سيما والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد فرق بينها، فإن كان ذلك قبل الثلاث لم يقع بها ثلاث ولا غيرها، وإن كان بعدها دل على بقاء النكاح، والمعروف أنه فرق بينهما بعد أن طلقها ثلاثا، فدل ذلك على أن الثلاث لم يقع بها، إذ لو وقعت لكانت قد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، وامتنع حينئذ أن يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما لأنهما صارا أجنبيين.

ولكن غاية ما يمكن أن يقال: حرمها عليه تحريما مؤبدا، فيقال: فكان ينبغي أن يحرمها عليه لا يفرق بينهما، فلما فرق بينهما دل على بقاء النكاح، وأن الثلاث لم تقع جميعا، بخلاف ما إذا قيل: إنه يقع بها واحدة رجعية فإنه يمكن فيه حينئذ أن يفرق بينهما.

وقول سهل بن سعد: فأنفذه عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دليل على أنه محتاج إلى إنفاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - واختصاص الملاعن بذلك ولو كان من شرعه أنها تحرم بالثلاث لم يكن للملاعن اختصاص ولا يحتاج إلى إنفاذ، فدل على أنه لما قصد الملاعن بالطلاق الثلاث أن تحرم عليه أنفذ النبي - صلى الله عليه وسلم - مقصوده بل زاده، فإن تحريم اللعان أبلغ من تحريم الطلاق؛ إذ تحريم اللعان لا يزول وإن نكحت زوجا غيره، وهو مؤبد في أحد قولي العلماء لا يزول بالتوبة.

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد ذكره لاستدلال البخاري بحديث عويمر ووجه الدلالة والاعتراض عليها والجواب عن الاعتراض من وجهين، وكل ذلك سبق نقله عن النووي إلا الوجه الثاني، قال[63]: وبأن الفرقة لم يدل على أنها بنفس اللعان كتاب ولا سنة صريحة ولا إجماع.

وبعد أن عرض بعض مذاهب العلماء وأدلتهم ومناقشتها في اللعان هل تحصل به الفرقة أم لا؟ قال: واختلف في هذا اللفظ - أي ما جاء في الحديث المتقدم من قوله: فكانت سنة المتلاعنين - هل هو مدرج من كلام الزهري فيكون مرسلا؟ وبه قال جماعة من العلماء، أو هو من كلام سهل فهو مرفوع متصل، ويؤيد كونه من كلام سهل ما وقع في حديث أبي داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري، عن ابن شهاب عن سهل قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنفذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ما صنع عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة، قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان، أبدا[64]. هذا الحديث سكت عليه أبو داود والمنذري.

قال الشوكاني في نيل الأوطار: ورجاله رجال الصحيح، قال مقيده عفا الله عنه: ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته عنده الحسن، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع، وبها تعلم أن احتجاج البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور واقع موقعه؛ لأن المطلع على غوامض إشارات البخاري - رحمه الله - يفهم أن هذا اللفظ الثابت في سنن أبي داود مطابق لترجمة البخاري، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية ولم يخرجها؛ لأنها ليست على شرطه، فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه الرواية الثابتة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنفذ طلاق الثلاث دفعة يبطل بإيضاح أنه لا عبرة بسكوته - صلى الله عليه وسلم - وتقريره له، بناء على أن الفرقة بنفس اللعان كما ترى - وبعد سياقه لبقية المذاهب في الفرقة باللعان قال: وبهذا تعلم أن كون الفرقة بنفس اللعان ليس أمرا قطعيا حتى ترد به دلالة تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - عويمرا العجلاني على إيقاع الثلاث دفعة الثابت في الصحيح، لا سيما وقد عرفت أن بعض الروايات فيها التصريح بأنه - صلى الله عليه وسلم - أنفذ ذلك، وبعد أن عرض مذاهب العلماء في نفقة البائن وسكناها قال: فإن قيل: إنفاذه - صلى الله عليه وسلم - الثلاث دفعة من الملاعن على الرواية المذكورة لا يكون حجة في غير اللعان؛ لأن اللعان تجب فيه الفرقة الأبدية، فإنفاذ الثلاث مؤكد لذلك الأمر الواجب بخلاف الواقع في غير اللعان، ويدل لهذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان، وقال: ((أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم))[65] كما أخرجه النسائي من حديث محمود بن لبيد.

فالجواب من أربعة أوجه:

الأول: الكلام في حديث محمود بن لبيد، فإنه تكلم فيه من جهتين:

الأولى: أنه مرسل؛ لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت ولادته في عهده - صلى الله عليه وسلم - وذكره في الصحابة من أجل الرؤية، فقد ترجم له أحمد في مسنده وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صريح في السماع.

الثانية: أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث: لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة بن بكير -يعني ابن الأشج- عن أبيه، ورواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني سمع من أبيه قليلا، قال ابن حجر في التقريب: روايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلا.

قال مقيده عفا الله عنه: أما الإعلال الأول بأنه مرسل فهو مردود بأنه مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل، ومحمود بن لبيد المذكور جل روايته عن الصحابة -كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره-.

والإعلال الثاني بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه فيه أن مسلما أخرج في صحيحه عدة أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه، والمسلمون مجمعون على قبول أحاديث مسلم إلا بموجب صريح يقتضي الرد، والحق أن الحديث ثابت إلا أن الاستدلال به يرده.

الوجه الثاني: وهو أن حديث محمود ليس فيه التصريح بأنه - صلى الله عليه وسلم - أنفذ الثلاث، ولا أنه لم ينفذها، وحديث سهل على الرواية المذكورة فيه التصريح بأنه أنفذها والمبين مقدم على المجمل كما تقرر في الأصول، بل بعض العلماء احتج لإيقاع الثلاث دفعة بحديث محمود هذا.

ووجه استدلاله به أنه طلق ثلاثا يظن لزومها، فلو كانت غير لازمة لبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها غير لازمة، لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.

الوجه الثالث: أن إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري - رحمه الله - أخرج حديث سهل تحت الترجمة التي هي قوله: " باب من أجاز الطلاق الثلاث "، وهو دليل على أنه يرى عدم الفرق بين اللعان وغيره في الاحتجاج بإنفاذ الثلاث دفعة.

الوجه الرابع: هو ما سيأتي من الأحاديث الدالة على وقوع الثلاث دفعة كحديث ابن عمر وحديث الحسن بن علي، وإن كان الكل لا يخلو من كلام، وبهذا كله تعلم أن رد الاحتجاج بتقريره - صلى الله عليه وسلم - عويمرا العجلاني على إيقاع الثلاثة دفعة، بأن الفرقة بنفس اللعان لا يخلو من نظر، ولو سلمنا أن الفرقة بنفس اللعان فإنا لا نسلم أن سكوته - صلى الله عليه وسلم - لا دليل فيه بل نقول: لو كانت لا تقع دفعة لبين أنها لا تقع دفعة، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان كما تقدم.

الدليل الثاني: ثبت في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت فطلقت فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أتحل للأول؟ قال: ((حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول))[66].

وجه الدلالة: ذكر البخاري هذا الحديث تحت ترجمة " باب من أجاز الطلاق ثلاثا ".

وقال ابن حجر[67]، والعيني[68]: هو ظاهر في كونه مجموعة.

وقال ابن القيم في وجه استدلالهم بالحديث[69]: فلم ينكر - صلى الله عليه وسلم – ذلك، وهذا يدل على إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها، إذ لو لم يقع لم يتوقف رجوعها إلى الأول على ذوق الثاني عسيلتها، وقد أجاب ابن القيم عن الاستدلال بهذا الدليل فقال[70]: وأما استدلالكم بحديث عائشة - وساق الحديث - فهذا مما لا ننازعكم فيه، نعم، هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني، ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا، وقال ثلاثا إلا لمن فعل وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا.

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي[71]: واعترض الاستدلال بهذا الحديث بأنه مختصر من قصة رفاعة وقد قدمنا قريبا أن بعض الروايات الصحيحة دل على أنها ثلاث مفرقة لا مجموعة انتهى.. ومقصوده[72] ببعض الروايات هي رواية مسلم: "أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات فلم يجعل لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفقة ولا سكنى[73]. ثم قال: ورد هذا الاعتراض بأن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة فلا مانع من التعدد، وكون الحديث الأخير في قصة أخرى -كما ذكر الحافظ ابن حجر في الكلام على قصة رفاعة-، فإنه قال فيها ما نصه: وهذا الحديث إن كان محفوظا فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى، وأن كلا من رفاعة القرظي، ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير فطلقها قبل أن يمسها، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص.

وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموأل هو رفاعة بن وهب اهـ.

الدليل الثالث: ثبت في الصحيح في قصة رفاعة القرظي وامرأته فإن فيه فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي..[74] " الحديث، وقد أخرجه البخاري تحت ترجمة (باب من أجاز الطلاق الثلاث).

وجه الدلالة: قال الشيخ - محمد الأمين الشنقيطي[75]: إن قولها: فبت طلاقي ظاهر في أنه قال لها: أنت طالق البتة.

وأجاب عن ذلك فقال: قال مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بهذا الحديث غير ناهض فيما يظهر؛ لأن مرادها بقولها: فبت طلاقي: أي: بحصول الطلقة الثالثة.

ويبينه أن البخاري ذكر في الأدب المفرد من وجه آخر أنها قالت: "طلقني آخر ثلاث تطليقات"، وهذه الرواية تبين المراد من قولها: فبت طلاقي، وأنه لم يكن دفعة واحدة.

وقال شيخ الإسلام[76]: وأجاب الأكثرون بأن حديث فاطمة وامرأة رفاعة إنما طلقها ثلاثا متفرقات، هكذا ثبت في الصحيح أن الثالثة آخر ثلاث تطليقات، لم يطلق ثلاثا، لا هذا ولا هذا مجتمعات، وقول الصحابي: طلق ثلاثا، يتناول ما إذا طلقها ثلاثا متفرقات بأن يطلقها ثم يراجعها، ثم يطلقها، ثم يراجعها ثم يطلقها، وهذا طلاق سني واقع باتفاق الأئمة وهو المشهور على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معنى الطلاق ثلاثا، وأما جمع الثلاث بكلمة فهذا كان منكرا عندهم، إنما يقع قليلا، فلا يجوز حمل اللفظ المطلق على القليل المنكر دون الكثير الحق، ولا يجوز أن يقال: يطلق مجتمعات لا هذا ولا هذا بل هذا قول بلا دليل، بل هو خلاف الدليل.

الدليل الرابع: ثبت في الصحيحين من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أن فاطمة بنت قيس أخبرته: أن زوجها أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن، فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت ميمونة أم المؤمنين فقالوا: إن أبا حفص طلق امرأته ثلاثا فهل لها نفقة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس لها نفقة وعليها العدة))[77].

وفي صحيح مسلم في هذه القصة قالت فاطمة: فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((كم طلقك؟)) قلت ثلاثا. فقال: ((صدق، ليس لك نفقة))[78] وفي لفظ له[79]: قالت: يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثا، وإني أخاف أن يقتحم عليَّ، وفي لفظ له عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المطلقة ثلاثا: ((ليس لها نفقة ولا سكنى))[80].

وفي الصحيحين أيضا عن فاطمة بنت قيس: "أن أبا حفص بن المغيرة طلقها البتة وهو غائب..." الحديث، وقد جاء تفسير هذه البتة بأنها ثلاث كما سبق..

وفي المسند أن هذه الثلاث كانت جميعا فروي من حديث الشعبي "أن فاطمة خاصمت أخا زوجها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أخرجها من الدار ومنعها النفقة، فقال: ((ما لك ولابنة قيس؟))[81] قال: يا رسول الله، إن أخي طلقها ثلاثا جميعا، وذكر الحديث.

وجه الدلالة: أن لفظ البتة جاء مفسرا بأنه طلقها ثلاثا، وأنها مجموعة، فدل على اعتبار وقوع الثلاث مجموعة، إذ لو لم يكن ذلك واقعا لبين - صلى الله عليه وسلم - بقاءها في عصمة زوجها؛ فتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه - صلى الله عليه وسلم -.

وقد أجاب ابن القيم عن الاستدلال بحديث فاطمة بنت قيس فقال[82]: أما حديث فاطمة بنت قيس فمن أصح الأحاديث مع أن أكثر المنازعين لنا في هذه المسألة قد خالفوه، ولم يأخذوا به، فأوجبوا للمبتوتة النفقة والسكنى، ولم يلتفتوا إلى هذا الحديث ولا عملوا به وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه.

وأما الشافعي ومالك فأوجبوا لها السكنى، والحديث قد صرح فيه بأنه لا نفقة لها ولا سكنى فخالفوه ولم يعملوا به، فإن كان الحديث صحيحا فهو حجة عليكم، وإن لم يكن محفوظا بل هو غلط - كما قال بعض المتقدمين - فليس حجة علينا في جمع الثلاث، فأما أن يكون حجة على منازعيكم، وليس حجة لهم عليكم، فبعيد من الإنصاف والعدل.

هذا مع أننا نتنزل عن هذا المقام، ونقول: الاحتجاج بهذا الحديث فيه نوع سهو من المحتج به، ولو تأمل طرق الحديث، وكيف وقعت القصة لم يحتج به؛ فإن الثلاث المذكورة فيه لم تكن مجموعة، وإنما كان قد طلقها تطليقتين من قبل ذلك، ثم طلقها آخر الثلاث، هكذا جاء مصرحا به في الصحيح فروى مسلم في صحيحه عن عبيد الله بن عتبة "أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها" الحديث.. فهذا المفسر يبين ذلك المجمل وهو قوله " طلقها ثلاثا ".

وقال الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس، أنها أخبرته أنها كانت تحت أبي حفص بن المغيرة، وأن أبا حفص بن المغيرة طلقها آخر ثلاث تطليقات، وساق الحديث، وذكره أبو داود ثم قال: " وكذلك رواه صالح بن كيسان، وابن جريج، وشعيب بن أبي حمزة، كلهم عن الزهري.

ثم ساق من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الله قال: أرسل مروان إلى فاطمة، فسألها فأخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على بعض اليمن، فخرج معه زوجها، فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها وذكر الحديث بتمامه، والواسطة بين مروان وبينها هو قبيصة بن ذؤيب، كذلك ذكره أبو داود في طريق أخرى، فهذا بيان حديث فاطمة بنت قيس.

قالوا: ونحن أخذنا به جميعه، ولم نخالف شيئا منه؛ إذ كان صحيحا صريحا لا مطعن فيه ولا معارض له، فمن خالفه فهو محتاج إلى الاعتذار، وقد جاء هذا الحديث بخمسة ألفاظ " طلقها ثلاثا " و" طلقها البتة " و" طلقها آخر تطليقات " و"أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها " و" طلقها ثلاثا جميعا " هذه جملة ألفاظ الحديث.. وبالله التوفيق.

فأما اللفظ الخامس وهو قوله: " طلقتها ثلاثا جميعا " فهذا أولا: من حديث مجالد عن الشعبي ولم يقل ذلك عن الشعبي غيره، مع كثرة من روى هذه القصة عن الشعبي، فتفرد مجالد على ضعفه من بينهم بقوله: " ثلاثا جميعا " وعلى تقدير صحته فالمراد به أنه اجتمع لها التطليقات الثلاث، لا أنها وقعت بكلمة واحدة، فإذا طلقها آخر ثلاث صح أن يقال: طلقها ثلاثا جميعا؛ فإن هذه اللفظة يراد بها تأكيد العدد، وهو الأغلب عليها، لا الاجتماع في الآن الواحد لقوله - تعالى -: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) [سورة يونس الآية: 99] فالمراد حصول الإيمان من الجميع، لا إيمانهم كلهم في آن واحد سابقهم ولاحقهم.

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي بعد سياقه بعض روايات الحديث وتوجيه الاستدلال ورد التوجيه قال[83]: ورد بعضهم هذا الاعتراض بأن الروايات المذكورة تدل على عدم تفريق الصحابة والتابعين بين صيغ البينونة الثلاث - يعنون لفظ البتة - والثلاث المجتمعة، والثلاث المتفرقة، لتعبيرها في بعض الروايات بلفظ: طلقني ثلاثا، وفي بعضها بلفظ: طلقني البتة، وفي بعضها بلفظ: فطلقني آخر ثلاث تطليقات، فلم تخص لفظا منها عن لفظ، لعلمها بتساوي الصيغ، ولو علمت أن بعضها لا يحرم لاحترزت منه.

قالوا: والشعبي قال لها: حدثيني عن طلاقك، أي: عن كيفيته وحاله، فكيف يسأل عن الكيفية، ويقبل الجواب بما فيه عنده من إجمال من غير أن يستفسر عنه؟ وأبو سلمة روى عنها الصيغ الثلاث، فلو كان بينها عنده تفاوت لاعترض عليها باختلاف ألفاظها، وتثبت حتى يعلم منها بأن الصيغ وقعت بينونتها، فتركه لذلك دليل على تساوي الصيغ المذكورة عنده، هكذا ذكر بعض الأجلاء، والظاهر أن هذا الحديث لا دليل فيه؛ لأن الروايات التي فيها إجمال بينتها الرواية الصحيحة الأخرى، كما هو ظاهر والعلم عند الله - تعالى -، انتهى، وقد سبق في آخر الكلام على الدليل الثالث جواب مشترك لشيخ الإسلام عن الحديث الثالث، وعن هذا الحديث فيرجع إليه.

الدليل الخامس: ما رواه الشافعي وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن ركانة بن عبد يزيد أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال والله ما أردت إلا واحدة.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((والله ما أردت إلا واحدة؟)) قال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[84].

ووجه الاستدلال بهذا الحديث يتضح في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلَّف ركانة، أنه ما أراد بالبتة إلا واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر لوقع ما أراده، ولو لم يفترق في الحال لم يحلفه، وممن استدل بهذا الحديث لمذهب الجمهور أبو بكر الرازي الجصاص قال: لو لم تقع الثلاث إذا أرادها لما استحلفه بالله ما أردت إلا واحدة. اهـ [85].

وكذلك ابن قدامة قال: ومتى طلقها ثلاثا بكلمة واحدة أو بكلمات حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره لما روي أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة ثم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((والله ما أردت إلا واحدة؟)) فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة فقال: ((هو ما أردت)) فردها إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم [86]- رواه الترمذي والدارقطني وأبو داود وقال: الحديث صحيح.

فلو لم تقع الثلاث لم يكن للاستحلاف معنى[87]. اهـ وحديث ركانة هذا وإن تكلم فيه بعض أهل العلم فقد قبله غير واحد منهم، قال أبو الحسن علي بن محمد الطنافسي: " ما أشرف هذا الحديث "[88].

روى ذلك عنه ابن ماجه في " باب طلاق البتة " من سننه بعد أن ساقه من طريق الزبير بن سعيد عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه عن جده.

وقال الحاكم بعد روايته من طريق الزبير بن سعيد هذه[89]: قد انحرف الشيخان عن الزبير بن سعيد الهاشمي في الصحيحين، غير أن لهذا الحديث متابعا من بيت ركانة بن عبد يزيد المطلبي، فيصح به الحديث، حدثناه أبو العباس محمد بن محمد بن يعقوب، أنبأ الربيع بن سليمان، أنبأ الشافعي، أخبرني محمد بن علي بن شافع، عن نافع بن عجير بن عبد يزيد أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة، ثم أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني طلقت امرأتي سهيمة البتة، والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان - رضي الله عنهما [90]- فقد صح الحديث بهذه الرواية؛ فإن الإمام الشافعي قد أتقنه وحفظه عن أهل بيته، والسائب ابن عبد يزيد أبو الشافع بن السائب، وهو أخو ركانة بن عبد يزيد، ومحمد بن علي بن شافع عم الشافعي شيخ قريش في عصره. اهـ. كلام الحاكم وصححه أيضا ابن حبان كما في " التلخيص الحبير " للحافظ ابن حجر، هذا بالنسبة لرواية الزبير بن سعيد.

أما رواية نافع بن عجير فقد صححها أبو داود كما جاء في سنن الدارقطني[91] فقد قال بعد أن ساقها: " قال أبو داود: هذا حديث صحيح ".

ونقل ذلك عن الدارقطني أبو بكر بن العربي وجزم به في (العارضة[92]) والمنذري في مختصر سنن أبي داود، والقرطبي في تفسيره[93] واعتمد عليه وتعقب به دعوى الاضطراب في هذا الحديث، وكذلك قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: صححه أبو داود، وممن ارتضى مسلك الإمام أبي داود في هذه الرواية الحافظ أبو عمر بن عبد البر - رحمه الله - فقد قال كما في تفسير القرطبي[94]: رواية الشافعي لحديث ركانة عن عمه أتم، وقد زاد زيادة لا تردها الأصول فوجب قبولها لثقة ناقليها، والشافعي وعمه وجده أهل بيت ركانة كلهم من بني عبد المطلب بن عبد مناف، وهم أعلم بالقصة التي عرضت لهم " اهـ.

وأما الحافظ ابن كثير فيرى: أن الحديث حسن حسبما نقله عنه الشوكاني في " نيل الأوطار " بهذا كله ظهرت قوة رواية نافع بن عجير، وأما إعلال رواية نافع بن عجير بدعوى جهالته فلا وجه له؛ لأن نافعا هذا بعيد من الجهالة؛ إذ هو نافع بن عجير بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف القرشي، فأخو ركانة ذكره ابن حبان في الثقات، وذكره بعض من صنف في الصحابة، قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: ذكره ابن حبان أيضا في الصحابة، وكذلك أبو القاسم البغوي وأبو نعيم وأبو موسى في الذيل وغيرهم، وقد بينت أمره في مختصري في الصحابة. اهـ. -ويعني الحافظ مختصره في الصحابة: " الإصابة في تمييز الصحابة "- وقد ذكره فيه قال: " ذكره البغوي في الصحابة " وذكر له حديثه في " البتة " وتكلم على رواياته ثم قال: " وذكره ابن حبان في الصحابة " اهـ.

وممن جزم بتصحيح أبي داود لهذا الحديث المجد ابن تيمية في " المنتقى " بشرح نيل الأوطار إلا أنه عزا إليه التحسين والتصحيح معا ونصه[95]: " قال أبو داود - أي في حديث نافع بن عجير -: هذا حديث حسن صحيح " وفي جزمه هو وابن العربي والمنذري والقرطبي والحافظ ابن حجر بتصحيح أبي داود لهذه الرواية الرد على من قال بأن أبا داود لم يحكم بصحة حديث نافع بن عجير، وإنما قال فيه: " هذا أصح من حديث ابن جريج... إلخ، وهذا لا يدل على أن الحديث عنده صحيح، فإن حديث ابن جريج ضعيف، وحديث نافع بن عجير ضعيف، وإنما يعني أبو داود أنه أصح الضعيفين عنده " اهـ.

ومما يقوي حديث نافع بن عجير في البتة صنيع الأئمة الذين أوردوه في مصنفاتهم في الحديث، فقد قال الدارمي في مسنده: " باب في الطلاق البتة " وقال أبو داود: ما جاء في " البتة "، وقال الترمذي: " باب ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتة ".

الجواب عن حديث ركانة:

أما حديث ركانة فقد ضعف الإمام أحمد بن حنبل جميع طرقه كما ذكره المنذري، وكذلك ضعفه البخاري قال الترمذي في " باب ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتة " من سننه بعد أن ساقه من طريق الزبير بن سعيد بن عبد الله بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده قال[96]: " وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: فيه اضطراب، ويروى عن عكرمة عن ابن عباس أن ركانة طلق امرأته ثلاثا " اهـ. وذكر الترمذي في موضع آخر[97] أن حديث ركانة مضطرب فيه، تارة قيل فيه " ثلاثا " وتارة قيل فيه " واحدة ".

فعلى قول هذين الإمامين -أحمد بن حنبل، والبخاري- لا احتجاج برواية " ثلاثا " ولا برواية " البتة " بل غاية ما في الأمر أن تتساقط الروايتان المتعارضتان فيرجع إلى غيرهما كما ذكره الزرقاني، وعلى غير ذلك المسلك الذي سلكه الإمامان أحمد بن حنبل والبخاري نقول: إن لهذا الحديث روايتين:

إحداهما: عند الإمام أحمد بن حنبل: " ثنا سعد بن إبراهيم، ثني أبي عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال[98]: طلق ركانة بن عبد يزيد -أخو المطلب- امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديداً، قال: فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كيف طلقتها؟)) قال: طلقتها ثلاثا، فقال: ((في مجلس واحد؟)) قال: نعم، قال: ((فإنما تلك واحدة، فارجعها إن شئت))، قال: فراجعها فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر.

وقد أجيب عن هذه الرواية فقال البيهقي: " إن هذا الإسناد لا تقوم به الحجة مع ثمانية رووا عن ابن عباس - رضي الله عنهما – فتياه بخلاف ذلك ومع رواية أولاد ركانة أن طلاق ركانة كان واحدة " يعني البيهقي بأولئك الثمانية الذين رووا فتيا ابن عباس، بخلاف ذلك: "سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهدا، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبي عياش الأنصاري"، وقد ذكر رواياتهم: عنه في " باب من جعل الثلاث واحدة وما ورد في خلاف ذلك[99] " ويعني برواية أولاد ركانة روايتهم أن ركانة إنما طلق امرأته البتة التي جزم أبو داود بأنها أصح؛ لأنهم أهله وهم أعلم بخبره كما سيأتي.

الثانية: ما أخرجه أبو داود في سننه قال: حدثنا أحمد بن صالح، نا عبد الرزاق بن جريج، أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال:  طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أمَّ ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه، فأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم – حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: ((أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلان يشبه منه كذا وكذا؟)).

قالوا: نعم.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد ((طلقها)) ففعل.

قال: ((راجع امرأتك أم ركانة وإخوته)) فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال: ((قد علمت، فراجعها)) وتلا: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1][100].

وقد أجيب عن هذه الرواية بما يلي:

1 - إعلالها بجهالة بعض بني أبي رافع: قال الخطابي[101]: في إسناد هذا الحديث مقال؛ لأن ابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع ولم يسمه، والمجهول لا تقوم به الحجة.

وقال ابن حزم: هذا لا يصح؛ لأنه من غير مسمى من بني أبي رافع، ولا حجة في مجهول، وما نعلم في بني أبي رافع من يحتج به إلا عبيد الله وحده، وسائرهم مجهولون[102].

وقال ابن القيم[103]: إن ابن جريج إنما رواه عن بعض بني أبي رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عكرمة، عن ابن عباس، ولأبي رافع بنون، ليس فيهم من يحتج به إلا عبيد الله بن أبي رافع، ولا نعلم هل هو هذا أو غيره، ولهذا - والله أعلم - رجح أبو داود حديث نافع بن عجير عليه. ا هـ.

وقد يقال بأن في هذا الإعلال نظرا؛ لأن كلام أبي داود في غاية التصريح، بأن ترجيحه لحديث نافع بن عجير إنما هو لأنهم أهل بيت ركانة وأهل بيت الشخص أعلم بخبره، وقد استجاز الحافظ زين الدين العراقي أن يكون ذلك المجهول الفضل بين عبيد الله بن رافع[104] وتبعه في ذلك ابن حجر في " تقريب التهذيب " والخزرجي في " الخلاصة " لكن ذكر الحافظ ابن رجب في " مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة " أن ذلك الرجل الذي لم يسم في رواية عبد الرزاق: هو محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، قال ابن رجب: وهو رجل ضعيف الحديث بالاتفاق، وأحاديثه منكرة، وقيل: إنه متروك فسقط هذا الحديث حينئذ. اهـ.

وأورد له الذهبي في " ميزان الاعتدال " عدة مناكير من روايته عن أبيه عن جده وقال: قال فيه يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدا، وقال ابن عدي: هو في عداد شيعة الكوفة. اهـ.

2 - إن رواية محمد بن ثور الثقة العابد الكبير ليس فيها أنه طلقها ثلاثا وإنما فيها " إني طلقتها " وهي عند الحاكم في تفسير سورة الطلاق قال الحاكم[105]: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي الصنعاني بمكة، ثنا علي بن المبارك الصنعاني، ثنا يزيد بن المبارك، ثنا محمد بن ثور، عن ابن جريج، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة أمَّ ركانة، ثم نكح امرأة من مزينة فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها، فأخذت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمية عند ذلك، فدعا ركانة وإخوته ثم قال لجلسائه: ((أترون كذا من كذا؟)) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد: ((طلقها)) ففعل، فقال لأبي ركانة: ((ارتجعها)) فقال: يا رسول الله إني طلقتها ثلاثاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قد علمت ذلك، فارتجعها))، فنزلت: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية 1][106].

ويرى ابن رجب تقديم رواية محمد بن ثور هذه على رواية عبد الرزاق محتجاً بأن عبد الرزاق حدث في آخر عمره بأحاديث منكرة جدا في فضائل أهل البيت وذم غيرهم، قال: وكان له ميل إلى التشيع، وهذا الحكم ما يوافق هوى الشيعة.

3 - أن في حديث ابن جريج غلطا؛ لأن عبد يزيد لم يدرك الإسلام، نبه على ذلك الحافظ الذهبي في كتابيه " تلخيص المستدرك " و" التجريد لأسماء الصحابة " وقال[107] -تعقيبا لقول الحاكم في حديث محمد بن ثور عن ابن جريج المتقدم: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه "- قال: محمد - أي ابن عبيد الله بن أبي رافع - " واهٍ، والخبر خطأ وعبد يزيد لم يدرك الإسلام " وقال[108]: عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف: أبو ركانة طلق أم ركانة وهذا لا يصح والمعروف أن صاحب القصة ركانة. اهـ.

4 - حصل الحديث على أنه من قبيل الرواية بالمعنى؛ وذلك أن الناس قد اختلفوا في البتة فقال بعضهم: هي ثلاثة، وقال بعضهم: هي واحدة، وكان الراوي ممن يذهب مذهب الثلاث، فحكى أنه قال: " طلقتها ثلاثا " يريد " البتة " التي حكمها عنده حكم الثلاث ذكر ذلك الخطابي[109]، وقال النووي في شرح صحيح مسلم: " ولعل صاحب هذه الرواية الضعيفة اعتقد أن لفظ " البتة " يقتضي الثلاث فرواه بالمعنى الذي فهمه وغلط في ذلك " اهـ.

5 - أن حديث عبد الرزاق لو صح متنه ليس فيه أنه طلقها ثلاثا بكلمة واحدة، فيحمل على أنه طلقها ثلاثا في مرات متعددة، وتكون هذه الواقعة قبل حصر عدد الطلاق في الثلاث، ذكر هذا المسلك الحافظ ابن رجب في كتابه: " مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة ".

6 - أن قضية ركانة من باب خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن له أن يخص من شاء بما شاء من الأحكام، فقد قال ضمن الأحكام التي خص بها من شاء قال: " وإعادة امرأة أبي ركانة إليه بعد أن طلقها ثلاثا من غير محلل " اهـ.

7 - أن رواية أهل بيت ركانة: طلق امرأته البتة أولى بالتقديم، على رواية من يروي أنه إنما طلقها ثلاثا وهذا مسلك أبي داود وابن عبد البر والقرطبي، قال أبو داود في "باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث[110]" من سننه: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج أخبرني بعض بني أبي رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أمَّ ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها، ففرق بيني وبينه، فأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - حمية[111]... إلى آخر الحديث المتقدم، ثم قال: وحديث نافع بن عجير وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده، أن ركانة طلق امرأته البتة فردها إليه النبي - صلى الله عليه وسلم – أصح؛ لأنهم ولد الرجل وأهله أعلم به. إن ركانة إنما طلق امرأته البتة فجعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدة. اهـ.

وأوضح الأمر غاية الإيضاح في " باب في البتة " فقال: حدثنا ابن السرح، وإبراهيم بن خالد الكلبي أبو ثور في آخرين قالوا ثنا محمد بن إدريس الشافعي، حدثنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن عبيد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((والله ما أردت إلا واحدة؟)) فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان[112]، قال أبو داود: أوله لفظ إبراهيم، وآخره لفظ ابن السرح، حدثنا محمد بن يونس النسائي، أن عبد الله بن الزبير حدثهم عن محمد بن إدريس، حدثني عمي محمد بن علي عن ابن السائب، عن نافع بن عجير، عن ركانة بن عبد يزيد، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الحديث.

حدثنا سليمان بن داود العتكي، ثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد، عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده،  أنه طلق امرأته البتة فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: " ما أردت؟ ". قال: واحدة. قال: " آلله "؟ قال: آلله. قال: " هو على ما أردت[113]، قال أبو داود: وهذا أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثا؛ لأنهم أهل بيته وهم أعلم به، وحديث ابن جريج رواه عن بعض بني أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس اهـ.

وقال ابن عبد البر في رواية الشافعي[114]: رواية الشافعي لحديث ركانة عن عمه أتم، وقد زاد زيادة لا تردها الأصول فوجب قبولها لثقة ناقليها، والشافعي وعمه وجده أهل بيت ركانة كلهم من بني المطلب بن عبد مناف وهم أعلم بالقصة التي عرضت لهم، اهـ.

وقال القرطبي بعد أن ذكر رواية الدارقطني حديث الشافعي من طريق أبي داود[115] فالذي صح من حديث ركانة أنه طلق امرأته البتة لا ثلاثا، وطلاق البتة قد اختلف فيه على ما يأتي بيانه فسقط الاحتجاج بغيره والله أعلم. اهـ.. وممن قوى هذا المسلك الحافظ ابن حجر قال[116]: " إن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة، كما أخرجه هو من طريق آل ركانة وهو تعليل قوي لجواز أن يكون بعض رواته حمل " البتة " على الثلاث فقال: " طلقها ثلاثا " فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس، ولشيخ الإسلام ابن تيمية مناقشة لحديث ركانة هذا، ذكرها في كلامه على المقارنة الإجمالية بين أدلة الفريقين تركنا ذكرها هنا وستذكر في آخر البحث.

وقد أجاب ابن القيم أيضا عن حديث ركانة فقال[117]: وأما حديث نافع بن عجير الذي رواه أبو داود أن ركانة طلق امرأته البتة فأحلفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أراد إلا واحدة، فمن العجب تقديم نافع بن عجير المجهول الذي لا يعرف حاله البتة، ولا يدري من هو، ولا ما هو، على ابن جريج ومعمر وعبد الله بن طاوس في قصة أبي الصهباء، وقد شهد إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري بأن فيه اضطرابا، هكذا قال الترمذي في الجامع، وذكر عنه في مواضع أنه مضطرب، فتارة يقول: " طلقها ثلاثا " وتارة يقول: " واحدة " وتارة يقول: " البتة " وقال الإمام أحمد: وطرقه كلها ضعيفة، وضعفه أيضا البخاري حكاه المنذري عنه. ثم كيف يقدم هذا الحديث المضطرب المجهول رواته على حديث عبد الرزاق عن ابن جريج لجهالة بعض بني أبي رافع، وأبو رافع هذا وأولاده تابعيون وإن كان عبيد الله أشهرهم، وليس فيه منهم بالكذب؟!

وقد روى عنه ابن جريج ومن يقبل رواية المجهول، أو يقول رواية العدل عنه تعديل له فهذا حجة عنده، فأما أن يضعفه ويقدم عليه رواية من هو مثله في الجهالة أو أشد فكلا، فغاية الأمر أن تتساقط روايتا هذين المجهولين ويعدل إلى غيرهما، وإذا فعلنا ذلك نظرنا في حديث سعد بن إبراهيم فوجدناه صحيح الإسناد، وقد زالت علة تدليس محمد بن إسحاق بقوله: " حدثني داود بن الحصين " وقد احتج أحمد بإسناده في مواضع، وقد صحح هو وغيره بهذا الإسناد بعينه "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يُحدث شيئا[118]" وأما داود بن الحصين عن عكرمة فلم تزل الأئمة تحتج به، وقد احتجوا به في حديث " العرايا " فيما شُكَّ فيه، ولم يُجزم به من تقديرها بخمسة أوسق أو دونها، مع كونها على خلاف الأحاديث التي نهى فيها عن بيع الرطب بالتمر، فما ذنبه في هذا الحديث سوى رواية ما لا يقولون به، وإن قدحتم في عكرمة - ولعلكم فاعلون - جاءكم ما لا قِبَل لكم به من التناقض فيما احتجتم به أنتم وأئمة الحديث من روايته، وارتضاء البخاري لإدخال حديثه في صحيحه.

الدليل السادس: روى الدارقطني من حديث الحسن البصري قال: حدثنا عبد الله أنه طلق امرأته وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرءين فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((يا ابن عمر، ما هكذا أمرك الله - تعالى -، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق عند ذلك أو أمسك)) فقلت يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: ((لا كانت تبين منك وتكون معصية))[119].

وأجيب بمعارضته بما رواه الدارقطني في سننه: نا محمد بن أحمد بن يوسف بن يزيد الكوفي أبو بكر ببغداد، وأبو بكر أحمد بن دارم، قالا: نا أحمد بن موسى بن إسحاق، نا أحمد بن صبيح الأسدي، نا ظريف بن ناصح عن معاوية، عن عمار الدهني، عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثا وهي حائض؟ فقال: أتعرف ابن عمر؟ قلت نعم، قال: طلقت امرأتي ثلاثا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي حائض فردها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السنة[120].

ففيه دليل على أنه طلقها ثلاثا بالفعل وردت إلى الواحدة.

وأجاب القرطبي وابن رجب عن حديث تطليق ابن عمر امرأته ثلاثا وهي حائض ورد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك إلى السنة، قال القرطبي[121]: ما نصه: قال الدارقطني - أي في رواته -: كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض، قال عبيد الله: وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة غير أنه خالف السنة، وكذلك قال صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وليث بن سعد، وابن أبي ذئب وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة، وكذلك قال الزهري عن سالم، عن أبيه، ويونس بن جبير، والشعبي، والحسن، اهـ كلام القرطبي.

وممن ذكر رواية الليث بن سعد مسلمُ بن الحجاج في صحيحه قال: حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد، وابن رمح، واللفظ ليحيى قال قتيبة: حدثنا ليث، وقال الآخران: أخبرنا الليث بن سعد، عن نافع عن عبد الله، أنه طلق امرأة له وهي حائض تطليقة واحدة فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض عنده حيضة أخرى ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها، فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، وزاد ابن رمح في روايته: وكان عبد الله إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم: أما أنت إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني بهذا، وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك من طلاق امرأتك[122].

قال مسلم: جود الليث في قوله " تطليقة واحدة " يعني مسلم بذلك كما بينه النووي أن الليث حفظ وأتقن قدر الطلاق الذي لم يتقنه غيره، ولم يهمله كما أهمله غيره، ولا غلط فيه وجعله ثلاثا كما غلط فيه غيره.

وقد أطال الدارقطني في سرد الروايات عن الأئمة المذكورين وأتى في ذلك بما لا يدع مجالا للشك في أن تطليقة ابن عمر لامرأته كانت واحدة، كما صرح النووي في شرح صحيح مسلم، بأن الروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أن ابن عمر إنما طلق امرأته واحدة.

وقال الحافظ ابن رجب في الرد على رواية الثلاث أيضا[123]: قد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما ردها عليه؛ لأنه لم يوقع الطلاق في الحيض، وقد روي ذلك عن أبي الزبير أيضا من رواية معاوية بن عمار الدهني عنه، فلعل أبا الزبير اعتقد هذا حقا فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي فهمه، وروى ابن لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير فقال: عن جابر أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، وأخطأ في ذكر جابر في هذا الإسناد وتفرد بقوله: " فإنها امرأته " ولا يدل على عدم وقوع الطلاق إلا على تقدير أن يكون ثلاثا، فقد اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير، وأصحاب ابن عمر الثقات الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يختلف عليهم فيه.

فروى أيوب عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها، فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب يونس بن جبير وكان ذا ثبت، فحدثني أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه طلقها واحدة، خرجه مسلم وفي رواية: قال له ابن سيرين: فجعلت لا أعرف للحديث وجها ولا أفهمه، وهذا يدل على أنه كان قد شاع بين الثقات من غير أهل الفقه والعلم أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا ولعل أبا الزبير من هذا القبيل، ولذلك كان رافع يسأل كثيرا عن طلاق ابن عمر، هل كان ثلاثا أو واحدة؟ ولما قدم نافع مكة أرسلوا إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك.

واستنكار ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلا معتبرا يقول: إن الطلاق المحرم غير واقع، وأن هذا القول لا وجه له، قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث -وسئل عمن قال: لا يقع الطلاق المحرم؛ لأنه يخالف ما أمر به- فقال: هذا قول سوء رديء، ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض، وقال أبو عبيدة: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار حجازهم وتهامهم ويمنهم وشامهم وعراقهم ومصرهم، وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يحفظ قوله من أهل العلم، إلا ناسا من أهل البدع لا يعتد بهم.

وقد أجاب ابن القيم عن حديث ابن عمر من رواية الحسن فقال[124]: وأما حديث الحسن عن ابن عمر فهو أمثل هذه الأحاديث الضعاف، قال الدارقطني: حدثنا علي بن محمد بن عبيد الحافظ، حدثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدثنا يعلى بن منصور، حدثنا شعيب بن رزيق، أن عطاء الخراساني حدثهم عن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن عمر - فذكره - وشعيب وثقه الدارقطني، وقال أبو الفتح الأزدي: فيه لين، وقال البيهقي وقد روى هذا الحديث: وهذه الزيادات انفرد بها شعيب وقد تكلموا فيه.

ولا ريب أن الثقات الأثبات الأئمة رووا حديث ابن عمر فلم يأت أحد منهم بما أتى به شعيب البتة، ولهذا لم يرو حديثه هذا أحد من أصحاب الصحاح ولا السنن.

الدليل السابع: روى الدارقطني من حديث إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده، قال: "طلق بعض آبائي امرأته ألفا فانطلق بنوه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا رسول الله إن أبانا طلق امرأته ألفا، فهل له من مخرج؟ فقال: ((إن أباكم لم يتق الله فيجعل له مخرجا، بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه)).

قال ابن القيم[125]: وأما حديث عبادة بن الصامت الذي رواه الدارقطني فقد قال عقيب إخراجه: رواته مجهولون وضعفاء، إلا شيخنا وابن عبد الباقي.

الدليل الثامن: روى الدارقطني من حديث حماد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت معاذ بن جبل يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته)).

ورد بأن في إسناده إسماعيل بن أمية الذراع وهو ضعيف.

قال ابن القيم[126]: وأما حديث معاذ بن جبل فلقد وهت مسألة يُحتج فيها بمثل هذا الحديث الباطل، والدارقطني إنما رواه للمعرفة وهو أجل من أن يحتج به، وفي إسناده إسماعيل ابن أمية الذراع، يرويه عن حماد، قال الدارقطني بعد روايته: إسماعيل بن أمية ضعيف متروك الحديث.

الدليل التاسع: روى الدارقطني من حديث زاذان عن علي - رضي الله عنه - قال: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا طلق البتة فغضب، وقال: ((أتتخذون آيات الله هزوا؟، أو دين الله هزوا أو لعبا؟، ومن طلق البتة ألزمناه ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره)).

ورد هذا[127] الحديث بأن فيه إسماعيل بن أمية القرشي، قال فيه الدارقطني: كوفي ضعيف.

وقال ابن القيم: قلت وفي إسناده مجاهيل وضعفاء.

وأما الإجماع فقد نقله كثير من العلماء في مسألة النزاع، وقالوا: إنه مقدم على خبر الواحد، قال الشافعي: الإجماع أكثر من الخبر المنفرد، وذلك أن الخبر مجوز الخطأ والوهم على رواية بخلاف الإجماع؛ فإنه معصوم، وممن حكى الإجماع على لزوم الثلاث في الطلاق بكلمة واحدة، أبو بكر الرازي، والباجي، وابن العربي وابن رجب.

قال أبو بكر الرازي[128]: فالكتاب والسنة وإجماع السلف توجب إيقاع الثلاث معا وإن كان معصية.

وقال الباجي: من أوقع الطلاق الثلاث بلفظة واحدة لزمه ما أوقعه من الثلاث وبه قال جماعة الفقهاء، وحكى القاضي أبو محمد في إشرافه عن بعض المبتدعة: يلزمه طلقة واحدة، وعن بعض أهل الظاهر: لا يلزمه شيء، وإنما يروى هذا عن الحجاج بن أرطاة ومحمد بن إسحاق، والدليل على ما نقوله: إجماع الصحابة؛ لأن هذا مروي عن ابن عمر وعمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود وابن عباس وأبي هريرة، وعائشة - رضي الله تعالى عنهم - ولا مخالف لهم وما روي عن ابن عباس في ذلك من رواية طاوس، قال فيه بعض المحدثين: هو وهم، وقد روى ابن طاوس عن أبيه وكذا عن ابن وهب خلاف ذلك، وإنما وقع الوهم في التأويل اهـ[129].

وقال القاضي أبو بكر بن العربي في ضمن أجوبته عن حديث ابن عباس: إنه حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على إجماع الأمة؟، ولم يعرف لما في هذه المسألة خلاف، إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين وقد سبق العصران الكريمان، والاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم نقل العدل عن العدل، ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا، اهـ[130].

وقال بعد ما بين أن المراد بالطلاق في الآية الكريمة (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] المشروع، قال: قد نقول بأن غيره ليس بمشروع، لولا تظاهر الأخبار[131]، وقال ابن رجب في " بيان مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة ": "اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سيق بلفظ واحد " اهـ.

وقد أجاب ابن القيم عن الاستدلال بالإجماع مبينا وجوه نقضه فقال: وبيان هذا من وجوه:

أحدها: ما رواه أبو داود وغيره من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما – "إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد، فهي واحدة" وهذا الإسناد على شرط البخاري، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أيوب قال: دخل الحكم بن عيينة على الزهري بمكة، وأنا معهم، فسألوه عن البكر تطلق ثلاثا، فقال: سئل عن ذلك ابن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، فكلهم قالوا: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، قال: فخرج الحكم وأنا معه، فأتى طاوسا وهو في المسجد، فأكب عليه فسأله عن قول ابن عباس فيها، وأخبره بقول الزهري، قال: فرأيت طاوسا رفع يديه تعجبا من ذلك وقال: والله ما كان ابن عباس يجعلها إلا واحدة.

أخبرنا ابن جريج قال: وأخبرني حسن بن مسلم عن ابن شهاب أن ابن عباس قال: " إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا، ولم يجمع، كن ثلاثا، قال: فأخبرت طاوسا، فقال: أشهد ما كان ابن عباس يراهن إلا واحدة ".

فقوله: " إذا طلق ثلاثا ولم يجمع كن ثلاثا " أي إذا كن متفرقات، فدل على أنه إذا جمعهن كانت واحدة، وهذا هو الذي حلف عليه طاوس أن ابن عباس كان يجعله واحدة، ونحن لا نشك أن ابن عباس صح عنه خلاف ذلك، وأنها ثلاث، فهما روايتان ثابتتان عن ابن عباس بلا شك.

الوجه الثاني: أن هذا مذهب طاوس، قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أنه كان لا يرى طلاقا ما خالف وجه الطلاق، ووجه العدة، وأنه كان يقول: يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل بن علية عن ليث عن طاوس وعطاء أنهما قالا: " إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فهي واحدة ".

الوجه الثالث: أنه قول عطاء بن أبي رباح، قال ابن أبي شيبة: حدثنا محمد بن بشر، حدثنا إسماعيل عن قتادة عن طاوس وعطاء وجابر بن زيد أنهم قالوا: " إذا طلقها ثلاثا قبل أن يدخل بها فهي واحدة ".

الوجه الرابع: أنه قول جابر بن زيد كما تقدم.

الوجه الخامس: أن هذا مذهب محمد بن إسحاق عن داود بن الحسين، حكاه عنه الإمام أحمد في رواية الأثرم، ولفظه: حدثنا سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس[132] " أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، فجعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدة قال أبو عبد الله: " وكان هذا مذهب ابن إسحاق، يقول: خالف السنة، فيرد إلى السنة ".

الوجه السادس: أنه مذهب إسحاق بن راهوية في البكر، قال محمد بن نصر المروزي في كتاب " اختلاف العلماء " له: وكان إسحاق يقول: طلاق الثلاث للبكر واحدة، وتأول حديث طاوس عن ابن عباس[133] كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر يجعل واحدة، على هذا قال: " فإن قال لها - ولم يدخل بها -: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإن سفيان وأصحاب الرأي، والشافعي، وأحمد، وأبا عبيد قالوا: بانت منه بالأولى، وليست الثنتان بشيء؛ لأن غير المدخول بها تبين بواحدة، ولا عدة عليها ".

وقال مالك، وربيعة، وأهل المدينة، والأوزاعي، وابن أبي ليلى: "إذا قال لها ثلاث مرات: أنت طالق، نسقا متتابعة، حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، فإن هو سكت بين التطليقتين، بانت بالأولى، ولم تلحقها الثانية " فصار في وقوع الثلاث بغير المدخول بها ثلاثة مذاهب للصحابة والتابعين، ومن بعدهم:

أحدها: أنها واحدة، سواء قالها بلفظ واحد، أو بثلاثة ألفاظ.

الثاني: أنها ثلاث، سواء أوقع الثلاث بلفظ واحد، أو بثلاثة ألفاظ.

الثالث: أنه إن أوقعها بلفظ واحد فهي ثلاث، وإن أوقعها بثلاثة ألفاظ فهي واحدة.

الوجه السابع: أن هذا مذهب عمرو بن دينار في الطلاق قبل الدخول، قال ابن المنذر في كتابه الأوسط: وكان سعيد بن جبير، وطاوس، وأبو الشعثاء، وعطاء، وعمرو بن دينار يقولون: " من طلق البكر ثلاثا فهي واحدة ".

الوجه الثامن: أنه مذهب سعيد بن جبير، كما حكاه ابن المنذر وغيره عنه، وحكاه الثعلبي عن سعيد بن المسيب وهو غلط عليه، إنما هو مذهب سعيد بن جبير.

الوجه التاسع: أنه مذهب الحسن البصري الذي استقر عليه، قال ابن المنذر: واختلف في هذا الباب عن الحسن، فروى عنه كما رويناه عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وذكر قتادة، وحميد، ويونس عنه: أنه رجع عن قوله بعد ذلك، فقال: واحدة بائنة، وهذا الذي ذكره ابن المنذر رواه عبد الرزاق في المصنف، فقال: أخبرنا معمر عن قتادة قال: سألت الحسن عن الرجل يطلق البكر ثلاثا، فقال الحسن[134]: وما بعد الثلاث فقال: صدقت، وما بعد الثلاث، فأفتى الحسن بذلك زمنا، ثم رجع فقال: واحدة تبينها.. ويخطبها، فقال به حياته[135].

الوجه العاشر: أنه مذهب عطاء بن يسار، قال عبد الرزاق: أخبرنا مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير عن يعمر بن أبي عياش قال: سأل رجل عطاء بن يسار عن الرجل يطلق البكر ثلاثا، فقال: إنما طلاق البكر واحدة، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: أنت قاص، الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره، فذكر عطاء مذهبه، وعبد الله بن عمرو مذهبه.

الوجه الحادي عشر: أنه مذهب خلاس بن عمرو، حكاه بشر بن الوليد عن أبي يوسف عنه.

الوجه الثاني عشر: أنه مذهب مقاتل الرازي[136] حكاه عنه المازري في كتابه: " المعلم بفوائد مسلم " قال الخطيب: حدث عن عبد الله بن المبارك، وعباد بن العوام، ووكيع بن الجراح، وأبي عاصم النبيل، روى عنه الإمام أحمد، والبخاري في صحيحه وكان ثقة.

الوجه الثالث عشر: أنه إحدى الروايتين عن مالك، حكاها عنه جماعة من المالكية، منهم التلمساني صاحب " شرح الخلاف "، وعزاها إلى ابن أبي زيد، أنه حكاها رواية عن مالك، وحكاها غيره قولا في مذهب مالك، وجعله شاذا.

الوجه الرابع عشر: أن ابن مغيث المالكي حكاه في كتاب " الوثائق " وهو مشهور عند المالكية، عن بضعة عشر فقيها من فقهاء طليطلة المفتين على مذهب مالك، هكذا قال، واحتج لهم بأن قوله: أنت طالق ثلاثا كذب؛ لأنه لم يطلق ثلاثا، ولم يطلق إلا واحدة، كما لو قال: حلفت ثلاثا، كانت يمينا واحدة، ثم ذكر حججهم من الحديث.

الوجه الخامس عشر: أن أبا الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم اللخمي المشيطي، صاحب كتاب "الوثائق الكبير" الذي لم يصنف في الوثائق مثله، حكى الخلاف فيها عن السلف والخلف حتى عن المالكية أنفسهم، فقال: وأما من قال: أنت طالق ثلاثا؛ فقد بانت منه، قال: " البتة " أو لم يقل، قال: وقال بعض الموثقين -يريد المصنفين في الوثائق-: اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق، كم يلزمه من الطلاق؟ فالجمهور من العلماء على أنه يلزمه الثلاث، وبه القضاء، وعليه الفتوى، وهو الحق الذي لا شك فيه، قال: وقال بعض السلف: يلزمه من ذلك طلقة واحدة، وتابعهم على ذلك قوم من الخلف من المفتين بالأندلس، قال: واحتجوا على ذلك بحجج كثيرة، وأحاديث مسطورة أضربنا عنها، واقتصرنا على الصحيح منها، فمنها: ما رواه داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن ركانة طلق زوجته عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا في مجلس واحد فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما هي واحدة، فإن شئت فدعها، وإن شئت فارتجعها))[137]، ثم ذكر حديث أبي الصهباء وذكر بعض تأويلاته التي ذكرناها.

الوجه السادس عشر: أن أبا جعفر الطحاوي حكى القولين في كتاب " تهذيب الآثار " فقال: باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا معا - ثم ذكر حديث أبي الصهباء - ثم قال: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا معا، فقد وقعت عليها واحدة، إذا كانت في وقت سنة، وذلك أن تكون طاهرا في غير جماع، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وقالوا: لما كان الله - عز وجل - إنما أمر عباده أن يطلقوا لوقت على صفة فطلقوا على غير ما أمرهم به لم يقع طلاقهم، ألا ترى لو أن رجلا أمر رجلا أن يطلق امرأته في وقت فطلقها في غيره، أو أمره أن يطلقها على شريطة فطلقها على غير تلك الشريطة أن طلاقه لا يقع إذ كان قد خالف ما أمر به...، ثم ذكر حجج الآخرين، والجواب عن حجج هؤلاء على عادة أهل العلم والدين في إنصاف مخالفيهم والبحث معهم، ولم يسلك طريق جاهل ظالم معتد، يبرك على ركبتيه ويفجر عينيه ويعول بمنصبه لا بعلمه، وبسوء قصده لا بحسن فهمه، وقول: القول بهذه المسألة كفر يوجب ضرب العنق ليبهت خصمه ويمنعه عن بسط لسانه، والجري معه في ميدانه، والله -تعالى- عند لسان كل قائل، وهو له يوم الوقوف بين يديه عما قاله سائل.

الوجه السابع عشر: أن شيخنا حكى عن جده أبي البركات: أنه كان يفتي بذلك أحيانا سرا، وقال في بعض مصنفاته: هذا قول بعض أصحاب مالك وأبي حنيفة وأحمد.

قلت: أما المالكية فقد حكينا الخلاف عنهم، وأما بعض أصحاب أبي حنيفة فإنه محمد بن مقاتل من الطبقة الثانية من أصحاب أبي حنيفة، وأما بعض أصحاب أحمد، فإن كان أراد إفتاء جده بذلك أحيانا، وإلا فلم أقف على نقل لأحد منهم.

الوجه الثامن عشر: قال أبو الحسن النسفي[138] -في وثائقه- وقد ذكر الخلاف في المسألة ثم قال: ومن بعض حججهم أيضاً في ذلك: أن الله - سبحانه وتعالى - أمر بتفريق الطلاق بقوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] وإذا جمع الإنسان ذلك في كلمة، كان واحدة، وكان ما زاد عليها لغوا، كما جعل مالك -رحمه الله- رمي السبع الجمرات في مرة واحدة جمرة واحدة، وبني عليها أن الطلاق عندهم مثله، قال: وممن نصر هذا القول من أهل الفتيا بالأندلس: أصبغ بن الحباب، ومحمد بن بقي، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وابن زنباع، مع غيرهم من نظرائهم هذا لفظه.

الوجه التاسع عشر: أن أبا الوليد هشام بن عبد الله بن هشام الأزدي القرطبي صاحب كتاب " مفيد الحكام فيما يعرض لهم من النوازل والأحكام" ذكر الخلاف بين السلف والخلف في هذه المسألة حتى ذكر الخلاف فيها في مذهب مالك نفسه، وذكر من كان يفتي بها من المالكية، والكتاب مشهور معروف عند أصحاب مالك، كثير الفوائد جدا.

ونحن نذكر نصه فيه بلفظه، فنذكر ما ذكره عن ابن مغيث، ثم نتبعه كلامه، ليعلم أن النقل بذلك معلوم متداول بين أهل العلم، وأن من قصر في العلم باعه، وطال في الجهل والظلم ذراعه يبادر إلى الجهل والتكفير والعقوبة، جهلا منه وظلما، ويحق له وهو الدعي في العلم وليس منه أقرب رحما.

قال ابن هشام: قال ابن مغيث: الطلاق ينقسم على ضربين: طلاق السنة، وطلاق البدعة، فطلاق السنة: هو الواقع على الوجه الذي ندب الشرع إليه، وطلاق البدعة: نقيضه، وهو أن يطلقها في حيض أو نفاس، أو ثلاثا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق، ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق؟ فقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود، يلزمه طلقة واحدة، وقاله ابن عباس، وقال: قوله - ثلاثا - لا معنى له؛ لأنه لم يطلق ثلاث مرات، وإنما يجوز قوله في " ثلاث " إذا كان مخبرا عما مضى فيقول: طلقت ثلاثا، يخبر عن ثلاثة أفعال كانت منه في ثلاثة أوقات، كرجل قال: قرأت أمس سورة كذا ثلاث مرات، فذلك يصح، ولو قرأها مرة واحدة، فقال: قرأتها ثلاث مرات لكان كاذبا، وكذلك لو حلف بالله تعالى ثلاثا يردد الحلف، كانت ثلاثة أيمان، ولو قال: أحلف بالله ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة فالطلاق مثله، ومثله قال الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنهما -، روينا ذلك كله عن ابن وضاح، وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى، ومحمد بن بقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني فقيه عصره، وأصبغ بن الحباب، وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة.

وكان من حجة ابن عباس: أن الله -تعالى- فرق في كتابه لفظ الطلاق، فقال -تعالى-: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] يريد أكثر الطلاق الذي يمكن بعده الإمساك بالمعروف وهو الرجعة في العدة، ومعنى قوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] يريد تركها بلا ارتجاع حتى تنقضي عدتها، وفي ذلك إحسان إليه وإليها إن وقع ندم منهما، قال الله - تعالى -: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] يريد الندم على الفرقة، والرغبة في المراجعة، وموقع الثلاث غير محسن؛ لأنه ترك المندوحة التي وسع الله - تعالى- بها ونبه عليها، فذكر الله - سبحانه وتعالى - لفظ الطلاق مفرقا، فدل على أنه إذا جمع أنه لفظ واحد، فتدبره.

وقد يخرج من غير ما مسألة من الديانة ما يدل على ذلك.

من ذلك قول الرجل: مالي صدقة في المساكين: أن الثلث من ذلك يجزيه..، هذا كله لفظ صاحب الكتاب بحروفه، أفَتَرى الجاهل الظالم المعتدي يجعل هؤلاء كلهم كفارا مباحة دماؤهم؟ سبحانك، هذا بهتان عظيم، بل هؤلاء من أكابر أهل العلم والدين، وذنبهم عند أهل العمى -أهل التقليد- كونهم لم يرضوا لأنفسهم بما رضي به المقلدون، فردوا ما تنازع فيه المسلمون إلى الله ورسوله، " وتلك شكاة ظاهر عنك عارها ".

الوجه العشرون: أن هذا مذهب أهل الظاهر: داود وأصحابه، وذنبهم عند كثير من الناس أخذهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم، ونبذهم القياس وراء ظهورهم، فلم يعبأوا به شيئا، وخالفهم أبو محمد بن حزم في ذلك، فأباح جمع الثلاث وأوقعها.

فهذه عشرون وجها في إثبات النزاع في هذه المسألة بحسب بضاعتنا المزجاة من الكتب، وإلا فالذي لم نقف عليه من ذلك كثير، وقد حكى ابن وضاح وابن مغيث ذلك عن علي، وابن مسعود، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، ولعله إحدى الروايتين عنهم، وإلا فقد صح بلا شك عن ابن مسعود، وعلي وابن عباس: الإلزام بالثلاث لمن أوقعها جملة، وصح عن ابن عباس أنه جعلها واحدة، ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم من الصحابة بذلك، فلذلك لم نعد ما حكي عنهم في الوجوه المبينة للنزاع، وإنما نعد ما وقفنا عليه في مواضعه، ونعزوه إليها، وبالله التوفيق.

وأما الآثار ففتاوي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

قال ابن أبي شيبة في مصنفه: نا علي بن مسهر، عن شقيق بن أبي عبد الله، عن أنس قال: كان عمر إذا أتي برجل قد طلق امرأته ثلاثا في مجلس أوجعه ضربا وفرق بينهما.

نا وكيع، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب، أن رجلا بطالا كان بالمدينة طلق امرأته ألفا فرجع إلى عمر فقال: إنما كنت ألعب، فعلا عمر رأسه بالدرة وفرق بينهما.

نا وكيع، والفضل بن دكين، عن جعفر بن برقان، عن معاوية بن أبي يحيى، قال: جاء رجل إلى عثمان فقال: إني طلقت امرأتي مائة، قال: ثلاث تحرمها عليك، وسبعة وتسعون عدوان.

نا وكيع عن الأعمش عن حبيب قال: جاء رجل إلى علي فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، قال: بانت منك بثلاث، واقسم سائرها بين نسائك.

نا ابن فضيل، عن الأعمش، عن حبيب، عن رجل من أهل مكة، قال: جاء رجل إلى علي فقال: إني طلقت امرأتي ألفا، قال: الثلاث تحرمها عليك، واقسم سائرهن بين أهلك.

نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: أتاه رجل فقال: إني طلقت امرأتي تسعة وتسعين مرة، قال: فما قالوا لك؟ قال: قالوا قد حرمت عليك، قال: فقال عبد الله: لقد أرادوا أن يبقوا عليك، بانت منك بثلاث وسائرهن عدوان.

نا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة تطليقة؟ قال: حرمتها ثلاث، وسبعة وتسعون عدوان.

نا وكيع، عن سفيان عن منصور والأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إني طلقت امرأتي مائة، فقال: بانت منك بثلاث، وسائرهن معصية.

نا محمد بن فضيل، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن علقمة عن عبد الله، قال: أتاه رجل فقال: إنه كان بيني وبين امرأتي كلام فطلقتها عدد النجوم، قال: تكلمت بالطلاق؟ قال: نعم، قال: قال عبد الله: قد بين الله الطلاق فعمن أخذته؟ فمن طلق كما أمره الله فقد تبين له، ومن لبس على نفسه جعلنا به لبسه، ولا تلبسوا على أنفسكم ونتحمله عنكم هو كما تقولون.

نا أسباط بن محمد، عن أشعث، عن نافع، قال: قال ابن عمر: من طلق امرأته ثلاثا فقد عصى ربه، وبانت منه امرأته.

نا محمد بن بشر أبي معشر قال: نا سعيد المقبري قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر وأنا عنده فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنه طلق امرأته مائة مرة، قال: بانت منك بثلاث، وسبعة وتسعون يحاسبك الله بها يوم القيامة.

نا ابن نمير، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس، أتاه رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا؛ فقال: إن عمك عصى الله فأندمه، فلم يجعل له مجرجا.

نا عباد بن العوام عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنت جالسا عند ابن عباس فأتاه رجل فقال: يا ابن عباس، إنه طلق امرأته مائة مرة، وإنما قلتها مرة واحدة فتبين مني بثلاث أم هي واحدة؟ فقال: بانت بثلاث، وعليك وزر سبعة وتسعين.

نا وكيع عن سفيان قال: حدثني عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني طلقت امرأتي ألفا ومائة، قال: بانت منك بثلاث، وسائرهن وزر اتخذت آيات الله هزوا.

نا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب عن عمرو، سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته عدد النجوم؟ فقال: يكفيك من ذلك رأس الجوزاء.

نا سهيل بن يوسف عن حميد عن واقع بن سحبان قال: سئل عمران بن حصين عن رجل طلق امرأته ثلاثا في مجلس؟ فقال: أثم بربه، وحرمت عليه امرأته.

نا غندر، عن شعبة عن طارق، عن قيس بن أبي حازم، أنه سمعه يحدث عن المغيرة بن شعبة: أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: ثلاث يحرمنها عليه وسبعة وتسعون فضل.

وقال سعيد بن منصور[139]: نا خالد بن عبد الله بن سعيد الجريري، عن الحسن أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس أن أجعلها واحدة، ولكن أقواما جعلوا على أنفسهم فألزم كل نفس ما ألزم نفسه، من قال لامرأته أنت علي حرام، فهي حرام، ومن قال لامرأته: أنت بائنة، فهي بائنة، ومن قال: أنت طالق ثلاثا، فهي ثلاث. اهـ.

وقال ابن عبد الهادي[140]: وقد جعل ابن رجب في آخر كتابه هذا في إحداث عمر للطلاق، وأنه مقبول قوله فقال: فصل: أخرج البخاري من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناس محدثون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر))[141] وفي رواية ذكرها تعليقا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يتكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر))[142] وأخرج مسلم من حديث أبي سلمة عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب))[143]، وعنده قال ابن وهب محدثون: ملهمون، وقال الترمذي عن ابن عيينه: قال: يعني مفهمين، وعن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وزاد فيه يا رسول الله، كيف محدث؟ قال: ((الملائكة على لسانه)) والله أعلم.

فصل: قال ابن رجب في آخر كتابه: اعلم أن ما قضى به عمر على قسمين:

أحدهما: ما لا يعلم للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيه قضاء بالكلية، وهذا على نوعين:

1- ما جمع فيه عمر الصحابة وشاورهم فيه فأجمعوا معه عليه، فهذا لا يشك أنه الحق كهذه المسألة، والعمريتين، وكقضائه فيمن جامع في إحرامه أنه يمضي في نسكه وعليه القضاء والهدي ومسائل كثيرة.

2- ما لم يجمع الصحابة فيه مع عمر بل مختلفين فيه في زمنه، وهذا يسوغ فيه الاختلاف كمسائل الجد مع الإخوة.

الثاني: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه قضاء بخلاف قضاء عمر، وهو على أربعة أنواع:

أحدهما: ما رجع فيه عمر إلى قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا لا عبرة فيه بقول عمر الأول.

الثاني: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه حكمان، أحدهما: ما وافق لقضاء عمر؛ فإن الناسخ من النصين ما عمل به عمر.

الثالث: ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رخص في أنواع من جنس العبادات، فيختار عمر للناس ما هو الأفضل والأصلح ويلزمهم به، فهذا يمنع من العمل بغير ما اختاره.

الرابع: ما كان قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلة، فزالت العلة فزال الحكم بزوالها ووجد مانع يمنع من ذلك الحكم.

قال: فهذه المسألة، إما أن تكون من الثاني، وإما أن تكون من الرابع.

وقال: لا يعلم من الأمة أحد خالف في هذه المسألة مخالفة ظاهرة، ولا حكما ولا قضاء ولا علما ولا إفتاء، ولم يقع ذلك إلا من نفر يسير جدا، وقد أنكره عليهم من عاصرهم غاية الإنكار، وكان أكثرهم يشخص بذلك ولا يظهره، فكيف يكون إجماع الأمة على أخفى[144] دين الله الذي شرعه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -؟ واتباعهم اجتهاد من خالفه برأيه في ذلك، هذا لا يحل اعتقاده البتة، وهذه الأمة كما أنها معصومة من الاجتماع على ضلالة، فهي معصومة من أن يظهر أهل الباطل منهم على أهل الحق، ولو كان ما قاله عمر في هذا حقا[145] للزم في هذه المسألة ظهور أهل الباطل على أهل الحق في كل زمان ومكان، وهذا باطل قطعا.

وقد أجاب ابن القيم - رحمه الله - عن فعل عمر - رضي الله عنه -، وكذلك عن فتاوي الصحابة في ذلك فقال[146]: ولكن رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة، وحرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره، نكاح رغبة يراد للدوام لا نكاح تحليل؛ فإنه كان من أشد الناس فيه، فإذا علموا ذلك كفُّوا عن الطلاق، فرأى عمر أن هذه مصلحة لهم في زمانه، ورأى أن ما كان عليه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد الصديق وصدر من خلافته كان الأليق بهم؛ لأنهم لم يتتابعوا فيه، وكانوا يتقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجا، فلما تركوا تقوى الله، وتلاعبوا بكتاب الله، وطلقوا على غير ما شرعه الله، ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم، فإن الله - تعالى- إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة، ولم يشرعه كله مرة واحدة، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله وظلم نفسه ولعب بكتاب الله، فهو حقيق أن يعاقب، ويُلزم بما التزمه ولا يقر على رخصة الله وسعته، وقد صعبها على نفسه ولم يتق الله ويطلِّق كما أمره الله وشرعه له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه رحمة منه وإحسانا ولبس على نفسه واختار الأغلظ والأشد، فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان.

وعلم الصحابة - رضي الله عنهم - حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته في ذلك؛ فوافقوه على ما ألزم به وصرحوا لمن استفتاهم بذلك.

فقال عبد الله بن مسعود: من أتى الأمر على وجهه فقد بين له، ومن لبس على نفسه جعلنا عليه لبسه، والله لا تلبسون على أنفسكم ونتحمله منكم، هو كما تقولون.

فلو كان وقوع الثلاث ثلاثا في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لكان المطلق قد أتى الأمر على وجهه، ولما كان قد لبس على نفسه، ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن فعل ذلك: ((تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم))[147] ولما توقف عبد الله بن الزبير في الإيقاع وقال للسائل: إن هذا الأمر ما لنا فيه قول فاذهب إلى عبد الله وأبي هريرة، فلما جاء إليهما قال ابن عباس لأبي هريرة: أفته فقد جاءتك معضلة، ثم أفتياه بالوقوع.

فالصحابة - رضي الله عنهم - ومقدمهم عمر بن الخطاب لما رأوا الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وأرسلوا ما بأيديهم منه، ولبسوا على أنفسهم، ولم يتقوا الله في التطليق الذي شرعه لهم، وأخذوا بالتشديد على أنفسهم ولم يقفوا على ما حد لهم، ألزموهم بما التزموا، وأمضوا عليهم ما اختاروه لأنفسهم من التشديد الذي وسع الله عليهم ما شرعه لهم بخلافه، ولا ريب أن من فعل هذا حقيق بالعقوبة بأن ينفذ عليه ما أنفذه على نفسه؛ إذ لم يقبل رخصة الله - تعالى -وتيسيره ومهلته.

ولهذا قال ابن عباس لمن طلق مائة طلقة: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2].

وأتاه رجل فقال إن عمي طلق ثلاثا فقال: إن عمك عصى الله فأندمه، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا، فقال: أفلا تحللها له؟ فقال: من يخادع الله يخدعه، فليتدبر العالم الذي قصده معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقواهم ربهم -تبارك وتعالى- في التطليق فحرمت عليهم رخصة الله وتيسيره شرعا وقدرا.

فلما ركب الناس الأحموقة وتركوا تقوى الله ولبسوا على أنفسهم، وطلقوا على غير ما شرعه لهم، أرى الله على لسان الخليفة الراشد -والصحابة معه- شرعا وقدرا إلزامهم بذلك وإنفاذه عليهم، وإبقاء الإصر الذي جعلوه في أعناقهم كما جعلوه.

وهذه أسرار من أسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول أبناء الزمان.

وقال أيضا مبينا عذر عمر - رضي الله عنه -[148]: الناس طائفتان: طائفة اعتذرت عن هذه الأحاديث لأجل عمر - رضي الله عنه - ومن وافقه، وطائفة اعتذرت عن عمر - رضي الله عنه - ولم ترد الأحاديث فقالوا: الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة فشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة... - وساق -رحمه الله- طائفة من الأمثلة-، ثم قال: ومن ذلك أنه - رضي الله عنه - لما رأى الناس قد أكثروا من الطلاق والثلاث، ورأى أنهم لا ينتهون عنه إلا بعقوبة، فرأى إلزامهم بها عقوبة لهم ليكفوا عنها، وذلك إما من التعزير العارض الذي يفعل عند الحاجة، كما كان يضرب في الخمر ثمانين، ويحلق فيها الرأس وينفي عن الوطن، وكما منع النبي -صلى الله عليه وسلم- الثلاثة الذين خلفوا عنه عن الاجتماع بنسائهم، فهذا له وجه.

وإما ظنا أن جعل الثلاث واحدة كان مشروعا بشرط، وقد زال، كما ذهب إلى ذلك في متعة الحج إما مطلقا وإما متعة الفسخ فهذا وجه آخر.

وإما لقيام مانع قام في زمنه، منع من جعل الثلاثة واحدة، كما قام عنده مانع من بيع أمهات الأولاد، ومانع من أخذ الجزية من نصارى بني تغلب وغير ذلك، فهذا وجه ثالث.

ومضى إلى أن قال: فلما رأى أمير المؤمنين أن الله - سبحانه - عاقب المطلق ثلاثا، بأن حال بينه وبين زوجته وحرمها عليه حتى تنكح زوجا غيره، علم أن ذلك لكراهته الطلاق المحرم، وبغضه له، فوافقه أمير المؤمنين في عقوبته لمن طلق ثلاثا جميعا بأنه ألزمه بها وأمضاها عليه.

فإن قيل: فكان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من إيقاع الثلاث ويحرمه عليهم، ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله؛ لئلا يقع المحذور الذي يترتب عليه؟ قيل: لعمر الله! قد كان يمكنه ذلك؛ ولذلك ندم عليه في آخر أيامه وود أنه كان فعله، قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في مسند عمر: أخبرنا أبو يعلى، حدثنا صالح بن مالك، حدثنا خالد بن يزيد ابن أبي مالك، عن أبيه قال: قال عمر - رضي الله عنه - " ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح "[149].

ومن المعلوم أنه - رضي الله عنه - لم يكن مراده تحريم الطلاق الرجعي الذي أباحه الله - تعالى -، وعلم بالضرورة من دين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جوازه، ولا الطلاق المحرم الذي أجمع المسلمون على تحريمه كالطلاق في الحيض وفي الطهر المجامع فيه، ولا الطلاق قبل الدخول الذي قال الله - تعالى -فيه: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [سورة البقرة الآية: 236] هذا كله من أبين المحال أن يكون عمر - رضي الله عنه - أراده فتعين قطعا أنه أراد تحريم إيقاع الثلاث، فعلم أنه إنما كان أوقعها لاعتقاده جواز ذلك، ولذلك قال: " إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟ " وهذا كالتصريح في أنه غير حرام عنده، وإنما أمضاه؛ لأن المطلق كانت له فسحة من الله - تعالى- في التفريق، فرغب عما فسح الله - تعالى- له إلى الشدة والتغليظ، فأمضاه عمر - رضي الله عنه - عليه فلما تبين له ما فيه من الشر والفساد، ندم على أن لا يكون حرم عليهم إيقاع الثلاث ومنعهم منه، وهذا هو مذهب الأكثرين: مالك وأحمد وأبي حنيفة - رحمهم الله -.

فرأى عمر - رضي الله عنه - أن المفسدة تندفع بإلزامهم، فلما تبين له أن المفسدة لم تندفع بذلك وما زاد الأمر إلا شدة، أخبر أن الأولى كان عدوله إلى تحريم الثلاث الذي يدفع المفسدة من أصلها، واندفاع هذه المفسدة بما كان عليه الأمر في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وأول خلافة عمر - رضي الله عنهما - أولى من ذلك كله، ولا يندفع الشر والفساد بغيره البتة، اهـ. ولشيخ الإسلام ابن تيمية جواب عن فعل عمر - رضي الله عنه - وكذلك من وافقه من الصحابة - ترك ذكره هنا، وسيأتي كلامه في آخر البحث.

وأما القياس فقال ابن قدامة[150]: ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقا فصح مجتمعا كسائر الأملاك اهـ.

وقد أجاب ابن القيم عن هذا القياس فقال[151]: وقولكم إن المطلق ثلاثًا قد جمع ما فسح له في تفريقه: هو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب، فإنه إنما أذن له فيه وملكه متفرقا لا مجموعا، فإذا جمع ما أمر بتفريقه فقد تعدى حدود الله وخالف ما شرعه، ولهذا قال من قال من السلف: " رجل أخطأ السنة، فيرد إليها فهذا أحسن من كلامكم وأبين وأقرب إلى الشرع والمصلحة "، ثم هذا ينتقض عليكم بسائر ما ملكه الله - تعالى- العبد، وأذن فيه متفرقا، فأراد أن يجمعه، كرمي الجمار الذي إنما شرع له مفرقا، واللعان الذي شرع كذلك، وأيمان القسامة التي شرعت كذلك، ونظير قياسكم هذا أن له أن يؤخر الصلوات كلها ويصليها في وقت واحد؛ لأنه جمع ما أمر بتفريقه، على أن هذا قد فهمه كثير من العوام يؤخرون صلاة اليوم إلى الليل ويصلون الجميع في وقت واحد، ويحتجون بمثل هذه الحاجة بعينها، ولو سكتم عن نصرة المسألة بمثل ذلك لكان أقوى لها.

وقال القرطبي[152]: وحجة الجمهور من جهة اللزوم من حيث النظر ظاهرة جدا: وهو أن المطلقة ثلاثا لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعا، وما يتخيل من الفرق صوري ألغاه الشارع اتفاقا في النكاح والعتق والأقارير، فلو قال الولي: أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد، كما لو قال أنكحتك هذه وهذه وهذه، وكذا في العتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام، نقله عنه ابن حجر العسقلاني[153].

ويرد عليه بأن[154] من قال: أحلف بالله ثلاثا لا يعد حلفه إلا يمينا واحدة، فليكن المطلق مثله، وتعقب باختلاف الصيغتين؛ فإن المطلق ينشئ طلاق امرأته وقد جعل أمر طلاقها ثلاثا، فإذا قال: أنت طالق ثلاثا، فكأنه قال: أنت طالق جميع الطلاق، وأما الحلف فلا أمد لعدد أيمانه، فافترقا. اهـ.

المذهب الثاني: إن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثا بلفظ واحد وقعت واحدة دخل بها أو لا:

قال ابن الهمام[155]: وقال قوم يقع به واحدة، وهو مروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وبه قال إسحاق، ونقل عن طاوس وعكرمة أنهم يقولون: خالف السنة، فيرد إلى السنة.

قال الباجي[156]: وحكى القاضي أبو محمد في إشرافه عن بعض المبتدعة: يلزمه طلقة واحدة...، وإنما يروى هذا عن الحجاج بن أرطأة ومحمد بن إسحاق. انتهى المقصود.

قال شيخ الإسلام - في أثناء الكلام على ذكر المذاهب في ذلك[157]: الثالث أنه محرم، ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل: الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس القولان، وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم مثل: طاوس، وخلاس بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وهو قول داود وأكثر أصحابه، ويروى ذلك عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر بن محمد، ولهذا ذهب إلى ذلك من ذهب من الشيعة، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل. اهـ.

قال ابن القيم[158]: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. اهـ.

قال المرداوي[159]: وحكى - أي شيخ الإسلام ابن تيمية - عدم وقوع الطلاق الثلاث جملة بل واحدة، في المجموعة أو المتفرقة عن جده المجد وأنه كان يفتي به سرا أحيانا. اهـ.

قال ابن القيم[160]: المثال السابع: أن المطلق في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وزمن خليفته أبي بكر، وصدر من خلافة عمر كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفم واحد جعلت واحدة...، وكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو إقرارا أو سكوتا، ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة ولله الحمد على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرنا بعد قرن إلى يومنا هذا.

فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، كما رواه حماد بن زيد، عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، إذ قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة، وأفتى أيضا بالثلاث، أفتى بهذا وهذا، وأفتى بأنها واحدة الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، حكاه عنهما ابن وضاح، وعن علي - كرم الله وجهه - وابن مسعود روايتان كما عن ابن عباس.

وأما التابعون فأفتى به عكرمة، رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عنه، وأفتى به طاوس.

وأما أتباع التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق، حكاه الإمام أحمد وغيره عنه، وأفتى به خلاس بن عمرو والحارث العكلي.

وأما أتباع تابعي التابعين فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه، حكاه عنهم أبو العكلي وابن حزم وغيرهما.

وأفتى به بعض أصحاب مالك: حكاه التلمساني في شرح تفريع ابن الجلاب قولا لبعض المالكية.

وأفتى به بعض الحنفية: حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل، وأفتى به بعض أصحاب أحمد: حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عنه قال: وكان يفتي به أحيانا.

وأما الإمام أحمد نفسه فقد قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس[161] كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر واحدة بأي شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس أنها ثلاث، فقد صرح بأنه إنما ترك القول به لمخالفة رواية له.

وأصل مذهبه وقاعدته التي بنى عليها أن الحديث إذا صح لم يرده لمخالفة رواية، بل الأخذ عنده بما رواه كما فعل في رواية ابن عباس وفتواه في بيع الأمة، فأخذ بروايته أنه لا يكون طلاقا وترك رأيه، وعلى أصله يخرج له قول: أن الثلاث واحدة، فإنه إذا صرح بأنه إنما ترك الحديث لمخالفة الراوي، وصرح في عدة مواضع أن مخالفة الراوي لا توجب ترك الحديث، خرج له في المسألة قولان، وأصحابه يخرجون على مذهبه أقوالا دون ذلك بكثير. اهـ.

7 - قال يوسف بن حسن بن عبد الرحمن بن عبد الهادي[162]: الفصل الرابع في أنه إنما يقع بالثلاث للفظ الواحد واحدة، وهذه رواية عن أحمد، روايتها باطلة، لكنها قول في المذهب حكاه الشيخ شمس الدين ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين، وذكره في الفروع، وقال: إنه اختيار شيخه، وهو اختياره بلا خلاف، وهو الذي إليه جنح الشيخ شمس الدين ابن القيم في كتبه " الهدي وأعلام الموقعين، وإغاثة اللهفان "، وقواه جدنا جمال الدين الإمام، وقد صنف فيه مصنفات، وهو اختيار شيخه الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وحكاه أيضا عن جده الشيخ مجد الدين وغيره، اهـ.

وقال أيضا[163]: الفصل الخامس فيمن قال بهذا القول وأفتى به، وبعد أن ذكر ما سبق ذكره عن ابن القيم من أعلام الموقعين، قال: قلت وقد كان يفتي به فيما يظهر لي ابن القيم، وكان يفتي به شيخ الإسلام ابن تيمية - رضي الله عنه - بلا خلاف، وكان يفتي به جدنا جمال الدين الإمام، ولم يُروَ عنه أنه أفتى بغيره.

قلت: وقد كان يفتي في زماننا الشيخ علي الدواليبي البغدادي، وجرى له من أجله محنة ونكاية فلم يدعه، وقد سمعت بعض شيوخنا يقويه، وظاهر إجماع ابن حزم[164] أنه إجماع لكن لم يصرح به. اهـ.

وقد استدل لهذا المذهب بالكتاب والسنة والإجماع والأثر والقياس.

الدليل الأول: قال - تعالى -: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [سورة البقرة الآية: 228] إلى قوله - تعالى -: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230].

وجه الاستدلال: قال ابن عبد الهادي[165]: قال الشيخ جمال الدين الإمام في أول أحد كتبه: فقد حكم الله - تعالى- في هذه الآيات الكريمات في هذه المسألة ثلاثة أحكام، فمن فهمها وتصورها على حقيقة ما هي عليه - وقد أراد الله هدايته إلى قبول الحق إذا ظهر له - صح كلامه.

واعلم أن كتاب الله نص صريح... أن الطلاق الثلاث واحدة شرعا لا يحتمل خلافا صحيحا، وهذا هو النص شرعا؛ فإن كل كلام له معنى لا يحتمل غيره فهو نص فيه، فإن كان لا يحتمل غيره لغة فهو نص لغة، وإن كان لا يحتمل غيره شرعا فهو نص شرعا، وكتاب الله في هذه الآيات لا يحتمل شرعا غير أن الطلاق الثلاث واحدة... والألف واللام في قوله: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] للعهد، والمعهود هنا هو الطلاق المفهوم من قوله - تعالى -: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [سورة البقرة الآية: 228] وهو الرجعي بقوله: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) [سورة البقرة الآية: 228] فصار المعنى: الطلاق الذي الزوج أحق فيه بالرد مرتان فقط، فقد تقيد الرد الذي كان مطلقا في كل مرة من الطلاق بمرتين منه فقط فلم يعرف[166]، ولا فرق في الآية بين قوله في كل مرة: طلقتك واحدة، أو ثلاثا، أو ثلاثين ألفا.

ثم قال فصل: الكلام هنا على معنى الآيات الكريمات في حكم الطلاق الثلاث جملةً سواء كانت ثلاث مرات أو مائة مرة أو ثلاثين ألفا.

ثم قال: وذلك ضمير الآيات في قوله - تعالى -: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ) [سورة البقرة الآية: 230] أي: إن طلقها مرة ثالثة فلا تحل له بعدها، المفهوم من قوله: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] لا يجوز فيه شرعا غير ذلك، وهذا الحكم مختص به شرعا: أي بتحريم المطلقة عليه حتى تنكح زوجا غيره، ويلزم أن يكون التحريم فيما بعد المرتين الأوليين، فإن كل واحدة من الأوليين له فيها الخيار بين الإمساك والتسريح بنص الآية، فيكون التقدير: فإن طلقها مرة ثالثة فلا تحل له، هذا لا يحتمل خلافا.

قلت: هذه الآية صريحها على هذا: أن الثلاث متفرقات، والله أعلم.

ثم قال: ويدل على التقدير لزوم أنه لا يجوز في الآية أن يقال: "فإن طلقها فلا تحل له" لا يجوز أن يكون مستقلا بنفسه، منفصلا عما قبله؛ لما في ذلك من لزوم نسخ مشروعية الرجعة في الطلاق من دين الإسلام، ولا قائل به، وذلك لما فيه من عود الضمير المطلق فيه إلى غير موجود في الكلام قبله معين له، مختص بحكمه، فيكون عاما في كل مطلق ومطلقة، ولا قائل به، وذلك أن قوله - تعالى -: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ) [سورة البقرة الآية: 230] جملة مفيدة، والجملة نكرة، وهي في سياق شرط ونفي فتعم كل مطلق ومطلقة، فيكون ذلك ناسخا لمشروعية الرد في الطلاق في دين الإسلام، ولا قائل به، فتعين أن يكون قوله: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ) [سورة البقرة الآية: 230] إتماما لما قبله أي: متصلا به، ويكون الضمير فيه عائدا على موجود في الكلام قبله، ومعين له، مختص بحكم تحريمه في طلاقه إن طلق، وليس فيما قبله ما يصلح عود هذا الضمير إليه، واختصاصه بهذا الحكم من التحريم شرعا إلا المطلق المفهوم من قوله:  (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229]؛ لأنه لو عاد إلى من يطلق في صورة المفاداة المذكورة قبله كان التحريم مختصا بطلاق المفاداة، ولا قائل به، ولو عاد إلى من يطلق في صورة الإيلاء المذكورة قبل هذه الآيات كان التحريم مختصا بطلاق المولي ولا قائل به، فتعين أن يكون الضمير عائدا إلى المطلق المفهوم من قوله: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] وهو في نظم الكلام متعين له شرعا، لا يجوز عوده إلى غيره شرعا، وأن يكون تقدير الكلام: فإن طلقها مرة ثالثة فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وقد تبين أن معنى هذا الكلام وتقديره: أن الطلاق الرجعي مرتان، فإن طلقها بعدهما مرة ثالثة فلا تحل له بعدها حتى تنكح زوجا غيره، فلم يشرع الله التحريم إلا بعد المرة الثالثة من الطلاق، والمرة الثالثة لا تكون إلا بعد مرتين شرعا ولغة وعرفا وإجماعا، إلا ما وقع في هذه المسألة بقضاء الله وقدره، انتهى.

وقد سيقت مناقشة هذا الدليل في المسألة الأولى والإجابة عنه في كلام الباجي – ص: 7 - وما ذكر عنه شيخ الإسلام في – ص: 11 - وكلام ابن القيم في – ص: 13، [167]14.

الدليل الثاني: قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) [سورة الطلاق الآية:1]- إلى قوله:  (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [سورة الطلاق الآية: 2].

قال ابن القيم: الاستدلال بالآية من وجوه:

الوجه الأول: أنه - سبحانه وتعالى - إنما شرع أن تطلق لعدتها أي: لاستقبال عدتها فتطلق طلاقا يعقبه شروعها في العدة، ولهذا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - لما طلق امرأته في حيضها أن يراجعها، وتلا هذه الآية تفسيرا للمراد بها، وأن المراد بها الطلاق في قبل العدة، وكذلك كان يقرأها عبد الله بن عمر؛ ولهذا قال كل من قال بتحريم جمع الثلاث أنه لا يجوز له أن يردف الطلقة بأخرى في ذلك الطهر؛ لأنه غير مطلق للعدة؛ فإن العدة قد استقبلت من حين الطلقة الأولى فلا تكون الثانية للعدة، ثم قال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه ومن وافقه: إذا أراد أن يطلقها ثانية طلقها بعد عقد أو رجعة؛ لأن العدة تنقطع بذلك، فإذا طلقها بعد ذلك أخرى طلقها للعدة، وقال في رواية أخرى عنه: له أن يطلقها الثانية في الطهر الثاني، ويطلقها الثالثة في الطهر الثالث، وهو قول أبي حنيفة، فيكون مطلقا للعدة أيضا؛ لأنها تبتني على ما مضى، والصحيح هو الأول، وأنه ليس له أن يردف الطلاق قبل الرجعة أو العقد؛ لأن الطلاق الثاني لم يكن لاستقبال العدة، بل هو طلاق لغير العدة فلا يكون مأذونا فيه، فإن العدة إنما تجب من الطلقة الأولى؛ لأنها طلاق العدة، بخلاف الثانية والثالثة، ومن جعله مشروعا، قال: هو الطلاق لتمام العدة، والطلاق لتمامها كالطلاق لاستقبالها وكلاهما طلاق للعدة.

وأصحاب القول الأول يقولون: المراد بالطلاق للعدة: الطلاق لاستقبالها كما في القراءة الأخرى التي تفسر القراءة المشهورة: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1].

قالوا: فإذا لم يشرع إرداف الطلاق للطلاق قبل الرجعة أو العقد فأن لا يشرع جمعه معه أولى وأحرى؛ فإن إرداف الطلاق أسهل من جمعه؛ ولهذا يسوغ الإرداف في الأطهار من لا يجوز الجمع في الطهر الواحد.

وقد احتج عبد الله بن عباس على تحريم الثلاث بهذه الآية... - وساق الأثر عن ابن عباس وقد سبق-.

الوجه الثاني: من الاستدلال بالآية، قوله - تعالى -: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ) [سورة الطلاق الآية:1] وهذا إنما هو في الطلاق الرجعي، فأما البائن فلا سكنى لها ولا نفقة لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة التي لا مطعن في صحتها، الصريحة التي لا شبهة في دلالتها، فدل على أن هذا حكم كل طلاق شرعه الله - تعالى- ما لم يسبقه طلقتان قبله، ولهذا قال الجمهور: إنه لا يشرع له ولا يملك إبانتها بطلقة واحدة بدون العوض.

وأبو حنيفة قال: لا، يملك ذلك؛ لأن الرجعة حقه وقد أسقطها.

والجمهور يقولون: ثبوت الرجعة وإن كان حقا له، فلها عليه حقوق الزوجية فلا يملك إسقاطها إلا بمخالعة أو باستيفاء العدد كما دل عليه القرآن.

الوجه الثالث: أنه قال: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) [سورة الطلاق الآية:1] فإذا طلقها ثلاثا جملة واحدة فقد تعدى حدود الله فيكون ظالما.

الوجه الرابع: أنه - سبحانه - قال: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية:1] وقد فهم أعلم الأمة بالقرآن - وهم الصحابة - أن الأمر ههنا هو الرجعة، قالوا: وأي أمر يحدث بعد الثلاث؟.

الوجه الخامس: قوله - تعالى -: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [سورة الطلاق الآية: 2] فهذا حكم كل طلاق شرعه الله، إلا أن يسبق بطلقتين قبله، وقد احتج ابن عباس على تحريم جمع الثلاث بقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] كما تقدم - قصده - رحمه الله - الأثر الذي أشرنا إليه سابقا - وهذا حق؛ فإن الآية إذا دلت على منع إرداف الطلاقِ الطلاقَ في طهر أو أطهار قبل رجعة أو عقد -كما تقدم-؛ لأنه يكوم مطلقا في غير قبل العدة فلأن تدل على تحريم الجمع أولى وأحرى.

ومضى - رحمه الله - إلى أن قال: فهذه الوجوه ونحوها مما بين الجمهور أن جمع الثلاث غير مشروع، هي بعينها تبين عدم الوقوع، وأنه إنما يقع المشروع وحده، وهي الواحدة، اهـ.. وقد سبقت مناقشة هذا الدليل في المسألة الأولى.

وأما السنة: فقد استدلوا بالأدلة الآتية:

الدليل الأول: روى مسلم في صحيحه من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر - رضي الله عنه - إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم[168].

وفي صحيحه أيضا عن طاوس: أن أبا الصهباء قال لابن عباس " هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر واحدة؟

فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم، وفي لفظ لأبي داود[169]: أن رجلا يقال له: أبو الصهباء، كان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من إمارة عمر - رضي الله عنهما -؟ فقال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من إمارة عمر - رضي الله عنهما - فلما رأى الناس قد تتابعوه فيها قال: أجروهن عليهم، هكذا في هذه الرواية قبل أن يدخل بها.

وفي مستدرك الحاكم من حديث عبد الله بن المؤمل، عن ابن أبي مليكة أن أبا الجوزاء أتى ابن عباس فقال: أتعلم أن الثلاث كن يرددن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى واحدة؟ قال: نعم[170]، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، وهذه غير طريق طاوس عن أبي الصهباء.

وقد أجاب القائلون بأن الثلاث بلفظ واحد تقع ثلاثا عن حديث ابن عباس بأجوبة:

الجواب الأول: أنه منسوخ، وهو قول الشافعي وأبي داود والطحاوي.

قال الشافعي: بعد سياقه لحديث أبي الصهباء وأثر ابن عباس في الذي طلق امرأته ألفا وأفتاه بوقوع الثلاث، والذي طلق مائة -وقد سبقت-، قال بعد ذلك: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة يعني أنه بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيئا فنسخ[171].

فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون يروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي فيه خلافه.

فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر، قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة، وبيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه خلافه؟

فإن قيل: فلم يذكره؟

قيل: فقد يسأل الرجل عن الشيء فيجيب فيه، ولا ينقص فيه الجواب، ويأتي على الشيء ويكون جائزا له كما يجوز له، لو قيل: أصلى الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس؟ أن يقول نعم، وإن لم يقل ثم حولت القبلة.

قال: فإن قيل: فقد ذكر على عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر؟ قيل - والله أعلم -، وجوابه حين استفتي يخالف ذلك كما وصفت.

فإن قيل: فهل من دليل تقوم به الحجة في ترك أن تحسب الثلاث واحدة في كتاب أو سنة أو أمر أبين مما ذكرت؟

قيل: نعم. أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها، وقال: والله، لا آويك.. ولا تخلين بدا، فأنزل الله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ، من كان منهم طلق أو لم يطلق، وذكر بعض أهل التفسير هذا، فلعل ابن عباس أجاب أن الثلاث والواحدة سواء، وإذا جعل الله عدد الطلاق إلى الزوج، وأن يطلق متى شاء، فسواء الثلاث والواحدة وأكثر من الثلاث في أن يقضي بطلاقه.

قال الشافعي: وحكم الله في الطلاق أنه مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقوله: فإن طلقها يعني - والله أعلم - الثلاث، (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230]؛ فدل حكمه أن المرأة تحرم بعد الطلاق ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره، وجعل حكمه بأن الطلاق إلى الأزواج يدل على أنه إذا حدث تحريم المرأة بطلاق ثلاث وجعل الطلاق إلى زوجها فطلقها ثلاثا مجموعة أو مفرقة حرمت عليه بعدهن حتى تنكح زوجا غيره كما كانوا مملكين عتق رقيقهم، فإن أعتق واحدا أو مائة في كلمة لزمه ذلك كما يلزمه كلها، جمع الكلام فيه أو فرقه مثل قوله لنسوة له: أنتن طوالق، ووالله لا أقربكن، وأنتن علي كظهر أمي، وقوله: لفلان علي كذا، ولفلان علي كذا، ولفلان علي كذا، فلا يسقط عنه بجمع الكلام معنى من المعاني، جميعه كلام فيلزمه بجمع الكلام ما يلزمه بتفريقه.

فإن قال قائل: فهل من سنة تدل على هذا قيل: نعم، حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أنه سمعها تقول: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وأنا معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله، وقال: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟، لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته)) قال: وأبو بكر عند النبي وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له فنادى يا أبا بكر ألا تسمع ما تجهر به هذه عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[172].

قال الشافعي: فإن قيل: فقد يحتمل أن يكون رفاعة بت طلاقها في مرات. قلت: ظاهره في مرة واحدة، (وبت) إنما هي ثلاث إذا احتملت ثلاثا، وقال رسول الله: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك))[173] ولو كانت عائشة حسب طلاقها بواحدة كان لها أن ترجع إلى رفاعة بلا زوج.

فإن قيل: أطلق أحد ثلاثا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل: نعم. عويمر العجلاني طلق امرأته ثلاثا قبل أن يخبره النبي أنها تحرم عليه باللعان فلما أعلم النبي نهاه.

وفاطمة بنت قيس تحكي للنبي أن زوجها بت طلاقها تعني - والله أعلم - أنه طلقها ثلاثا، وقال النبي: ((ليس لك عليه نفقة))[174] ؛ لأنه - والله أعلم - لا رجعة له عليها، ولم أعلمه عاب طلاق ثلاث معا، قال الشافعي: فلما كان حديث عائشة في رفاعة موافقا ظاهر القرآن، وكان ثابتا، كان أولى الحديثين أن يؤخذ به - والله أعلم - وإن كان ليس بالبين فيه جدا.

قال الشافعي: ولو كان الحديث الآخر له مخالفا كان الحديث الآخر يكون ناسخا - والله أعلم - وإن كان ذلك ليس بالبين فيه جدا. اهـ.

وقال أبو داود: في سننه " باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث " حدثنا أحمد بن سعيد المروزي حدثني علي بن حسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس قال: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) [سورة البقرة الآية: 228]؛ وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك فقال: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] ثم أورد أبو داود في نفس الباب حديث ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وثلاثا من إمارة عمر قال ابن عباس: نعم[175].

وقال الطحاوي[176]: في " باب الرجل يطلق امرأته ثلاثا معا " حدثنا روح بن الفرج، ثنا أحمد بن صالح قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن طاوس عن أبيه[177]أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر، قال ابن عباس: نعم.

وقال الطحاوي: بعد استعراض بعض الآراء في المسألة: وفي حديث ابن عباس ما لو اكتفينا به كانت حجة قاطعة؛ وذلك أنه قال: فلما كان زمان عمر - رضي الله عنه - قال: أيها الناس قد كانت لكم في الطلاق أناة، وإنه من تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياه، حدثنا بذلك ابن أبي عمران.

قال: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال: أخبرنا عبد الرزاق ح وحدثنا عبد الحميد بن عبد العزيز قال: ثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: ثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس مثل الحديث الذي ذكرناه في أول هذا الباب، غير أنهما لم يذكرا أبا الصهباء ولا سؤاله ابن عباس - رضي الله عنهما - وإنما ذكرا مثل جواب ابن عباس - رضي الله عنهما - الذي في ذلك الحديث، وذكرا بعد ذلك من كلام عمر - رضي الله عنه - ما قد ذكرناه قبل هذا الحديث، فخاطب عمر - رضي الله عنه - بذلك الناس جميعا وفيهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم- الذين قد علموا ما تقدم من ذلك في زمن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فلم ينكره عليه منهم منكر، ولم يدفعه دافع فكان ذلك أكبر الحجة في نسخ ما تقدم من ذلك؛ لأنه لما كان فعل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - جميعا فعلا يجب به الحجة كان كذلك أيضا إجماعهم على القول إجماعا يجب به الحجة، وكما كان إجماعهم على النقل بريئا من الوهم والزلل كان كذلك إجماعهم على الرأي بريئا من الوهم والزلل، وقد رأينا أشياء قد كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معاني فجعلها أصحابه - رضي الله عنهم - من بعده على خلاف تلك المعاني، لما رأوا فيه مما خفي على من بعدهم، فكان ذلك حجة ناسخا لما تقدمه، من ذلك تدوين الدواوين، والمنع من بيع أمهات الأولاد، وقد كن يُبعن قبل ذلك، والتوقيت في حد الخمر ولم يكن فيه توقيت قبل ذلك، فلما كان ما عملوا به من ذلك ووقفنا عليه لا يجوز لنا خلافه إلى ما قد رأيناه مما تقدم فعلهم له، كان كذلك ما وقفونا عليه من الطلاق الثلاث الموقع معا أنه يلزم لا يجوز لنا خلافه إلى غيره مما قد روي أنه كان قبله على خلاف ذلك. اهـ المراد من كلام الطحاوي.

وقال الطحاوي بعد كلامه في النسخ[178]: " ثم هذا ابن عباس - رضي الله عنهما - قد كان من بعد ذلك يفتي من طلق امرأته ثلاثا معا أن طلاقه قد لزمه وحرمها عليه.

حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا سفيان عن الأعمش عن مالك بن الحارث قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا؟ فقال: إن عمك عصى الله فأثَّمه الله وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا، فقلت: كيف ترى في رجل يحلها له؟ فقال: من يخادع الله يخادعه.

حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن البكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي فذهبت معه أسأل له أبا هريرة وعبد الله بن عباس عن ذلك فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تتزوج زوجا غيرك، فقال: إنما كان طلاقي إياها واحدة، فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل.

حدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب أن مالكا أخبره عن يحيى بن سعيد أن بكير بن الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري أنه كان جالسا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا فيه من قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة - رضي الله عنهم - فاسألهما ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره، حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن الزهري عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن البكير، أن رجلا سأل ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر عن طلاق البكر ثلاثا وهو معه فكلهم قالوا: حرمت عليك، حدثنا يونس قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وابن عباس أنهما قالا في الرجل يطلق البكر ثلاثا: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير أن رجلا سأل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة فقال: ثلاث تحرمها عليه وسبعة وتسعون في رقبته؛ إنه اتخذ آيات الله هزوا.

حدثنا علي بن شيبة حدثنا أبو نعيم قال: ثنا إسرائيل عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله.

حدثنا ابن مرزوق ثنا ابن وهب قال: ثنا شعبة عن ابن أبي نجيح وحميد الأعرج عن مجاهد، أن رجلا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة فقال: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجا  (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2] قال الله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] انتهى المراد من كلام الطحاوي.

وممن ارتضى هذا المسلك الذي هو مسلك النسخ - الحافظ ابن حجر العسقلاني في نهاية بحثة الطويل في هذه المسألة قال[179]: وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء -أعني قول جابر- أنها كانت تفعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك، ولا يحفظ أن أحدا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك، حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق. اهـ.

واعترض المازري على ذلك قال: " زعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخ وهو غلط؛ فإن عمر لا ينسخ ولو نسخ -وحاشاه- لبادر الصحابة إلى إنكاره، وإن أراد القائل أنه نسخ في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يمتنع لكن يخرج عن ظاهر الحديث؛ لأنه لو كان كذلك لم يجز للراوي أن يخبر ببقاء الحكم في خلافة أبي بكر وبعض خلافة عمر قال: فإن قيل: فقد يجمع الصحابة ويقبل منهم ذلك، قلنا: إنما يقبل ذلك؛ لأنه يستدل بإجماعهم على ناسخ، وأما أنهم ينسخون من تلقاء أنفسهم -فمعاذ الله؛ لأنه إجماع على الخطأ، وهم معصومون عن ذلك، قال: فإن قيل: فلعل النسخ إنما ظهر في زمن عمر، قلنا: هذا أيضاً غلط؛ لأنه يكون قد حصل الإجماع على الخطأ في زمن أبي بكر وليس انقراض العصر شرطا في صحة الإجماع على الراجح. هذا ما أورد المازري، وأجاب عليه الحافظ بقوله[180]: " هو متعقب في مواضع:

أحدهما: أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل: إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر، وإنما قال ما تقدم " يشبه أن يكون علم شيئا من ذلك نسخ " أي اطلع على ناسخ الحكم الذي رواه مرفوعا، ولذلك أفتى بخلافه، وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ.

الثاني: إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب؛ فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتما.

الثالث: أن تغليطه من قال المراد ظهور النسخ عجيب أيضاً؛ لأن المراد بظهوره انتشاره، وكلام ابن عباس أنه يفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ، وما أشار إليه من مسألة انقراض العصر لا يجيء هنا؛ لأن عصر الصحابة لم ينقرض في زمن أبي بكر بل ولا عمر؛ فإن المراد بالعصر الطبقة من المجتهدين وهم في زمن أبي بكر وعمر بل وبعدهما طبقة واحدة. اهـ كلام الحافظ.

وقد أجاب ابن القيم عن دعوى النسخ فقال[181]: وأما دعواكم لنسخ الحديث فموقوف على ثبوت معارض مقاوم متراخ فأين هذا؟

وأما حديث عكرمة عن ابن عباس في نسخ المراجعة بعد الطلاق الثلاث فلو صح لم يكن فيه حجة فإنما فيه " أن الرجل كان يطلق امرأته ويراجعها بغير عدد " فنسخ ذلك، وقصر على ثلاث فيها تنقطع الرجعة. فأين في ذلك الإلزام بالثلاث بفم واحد؟ ثم كيف يستمر المنسوخ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر لا تعلم به الأمة، وهو من أهم الأمور المتعلقة بحل الفروج؟ ثم كيف يقول عمر: " إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة " وهل للأمة أناة في المنسوخ بوجه ما؟ ثم كيف يعارض الحديث الصحيح بهذا الذي فيه علي بن الحسين بن واقد وضعفه معلوم؟.

وقد أجاب عن ذلك الشيخ محمد الأمين الشنقيطي فقال[182]: وأوضح دليل يزيل الإشكال عن القول بالنسخ المذكور وقوع مثله واعتراف المخالف به في نكاح المتعة؛ فإن مسلما روى عن جابر - رضي الله عنه - أن متعة النساء كانت تفعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا[183]، وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث طبقا، فمن الغريب أن يسلم منصف إمكان النسخ في إحداهما ويدعى استحالته في الأخرى مع أن كلا منهما روى مسلم فيها عن صحابي جليل أن ذلك الأمر كان يفعل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر في مسألة تتعلق بالفروج ثم غيره عمر، ومن أجاز نسخ نكاح المتعة وأحال جعل الثلاث واحدة، يقال له: ما لبائك تجر وبائي لا تجر؟.

فإن قيل: نكاح المتعة صح النص بنسخه؟ قلنا: قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث.

وممن جزم بنسخ جعل الثلاث واحدة الإمام أبو داود - رحمه الله تعالى - ورأى أن جعلها واحدة إنما هو في الزمن الذي كان يرتجع فيه بعد ثلاث تطليقات وأكثر، قال في سننه: " باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث " ثم ساق بسنده حديث ابن عباس في قوله - تعالى -: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) [سورة البقرة الآية: 228] الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك، وقال: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] الآية، وأخرج نحوه النسائي، وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يبهم.

وروى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها، حتى إذا أشرفت على انقضاء عدتها راجعها، ثم قال: لا آويك ولا أطلقك، فأنزل الله (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ من كان طلق منهم أو لم يطلق.

ويؤيد هذا أن عمر لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيقاع الثلاث دفعة مع كثرتهم وعلمهم وورعهم.

ويؤيده أن كثيرا من الصحابة الأجلاء العلماء صح عنهم القول بذلك كابن عباس وعمر وابن عمر وخلق لا يحصى، والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد الثلاث قال بعض العلماء: إن قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] كما جاء مبينا في الروايات المتقدمة، ولا مانع عقلا ولا عادة من أن يجهل مثل هذا الناسخ كثير من الناس إلى خلافة عمر، مع أنه - صلى الله عليه وسلم - صرح بنسخها وتحريمها إلى يوم القيامة في غزوة الفتح وفي حجة الوداع أيضاً كما جاء في رواية عند مسلم، ومع أن القرآن دل على تحريم غير الزوجة والسرية بقوله - تعالى -: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) [سورة المؤمنون الآية 5-6] ومعلوم أن المرأة المتمتع بها ليست بزوجة ولا سرية، والذين قالوا بالنسخ قالوا معنى قول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، أن المراد بالأناة أنهم كانوا يتأنون في الطلاق فلا يوقعون الثلاث في وقت واحد، ومعنى استعجالهم أنهم صاروا يوقعونها بلفظ واحد، على القول بأن ذلك هو معنى الحديث، وقد قدمنا أنه لا يتعين كونه هو معناه، وإمضاؤه عليهم إذن هو اللازم، ولا ينافيه قوله: فلو أمضيناه عليهم، يعني ألزمناهم بمقتضى ما قالوا، ونظيره قول جابر عند مسلم في نكاح المتعة: فنهانا عنها عمر، فظاهر كل منهما أنه اجتهاد من عمر والنسخ ثابت فيهما كما رأيت، وليست الأناة في المنسوخ، وإنما هي في عدم الاستعجال بإيقاع الثلاثة دفعة، أما كون عمر كان يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يجعل الثلاث بلفظ واحد واحدة فتعمد مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعلها ثلاثا، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فلا يخفى بعده، والعلم عند الله - تعالى -. انتهى.

الجواب الثاني: حمل الحديث على أن الناس اعتادوا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر إيقاع المطلق الطلقة الواحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، ثم اعتادوا الطلاق الثلاث جملة وتتابعوا فيه، فمعنى الحديث على هذا: كان الطلاق الذي يوقعه المطلق الآن ثلاثا يوقعه المطلق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة، فالحديث على هذا إخبار عن الواقع لا عن المشروع.

وهذا جواب أبي زرعة، والباجي، والقاضي أبي محمد عبد الوهاب، ونقل القرطبي عن الكيا الطبري أنه قول علماء الحديث، ورجحه ابن العربي، وذكره ابن قدامة.

أما أبو زرعة الرازي فقد نقله عنه البيهقي بسنده إلى عبد الرحمن بن أبي حاتم قال[184]: سمعت أبا زرعة يقول: " معنى هذا الحديث عندي: أما ما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما –".

وأما الباجي فقال[185]: " معنى الحديث: أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاث طلقات - قال: ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: " إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة " فأنكر عليهم أن أحدثوا في الطلاق استعجال أمر كان لهم فيه أناة، فلو كان حالهم ذلك من أول الإسلام في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قاله وما عاب عليهم أنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، ويدل لصحة هذا التأويل ما روي عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الطلاق الثلاث لمن أوقعها مجتمعة، فإن كان معنى حديث ابن طاوس فهو الذي قلناه، وإن حمل حديث ابن طاوس على ما يتأول فيه من لا يعبأ بقوله فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع. انتهى كلام الباجي.

وأما القاضي فقد نقل عنه القرطبي أنه قال[186]: " معناه: أن الناس كانوا يقتصرون على طلقة واحدة، ثم أكثر أيام عمر من إيقاع الثلاث، قال: قال القاضي: وهذا هو الأشبه بقول الراوي: إن الناس في أيام عمر استعجلوا الثلاث فعجل عليهم معناه ألزمهم حكمها ". انتهى.

وأما ما نسب إلى علماء الحديث فقد قال القرطبي بعد ذكره تأويل الباجي حديث ابن عباس وما أوله به أبو زرعة، قال: قلت: ما تأوله الباجي هو الذي ذكر معناه الكيا الطبري عن علماء الحديث أي: أنهم كانوا يطلقون طلقة واحدة هو الذي تطلقون ثلاثا، أي: ما كانوا يطلقون في كل قرء طلقة، وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن تبين وتنقضي العدة، انتهى كلام القرطبي، وأما ترجيح ابن العربي فقد نقله عنه[187].

وأما ذكر ابن قدامة له فقد قال[188]: قيل: معنى حديث ابن عباس أن الناس كانوا يطلقون واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وإلا فلا يجوز أن يخالف عمر ما كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، ولا يسوغ لابن عباس أن يروي هذا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويفتي بخلافه.

وقد أجاب ابن القيم عن ذلك فقال[189]: وأما قول من قال: إن معناه كان وقوع الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة فإن حقيقة هذا التأويل: كان الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلقون واحدة وعلى عهد عمر صاروا يطلقون ثلاثا، والتأويل إذا وصل إلى هذا الحد كان من باب الألغاز والتحريف لا من باب بيان المراد، ولا يصح ذلك بوجه ما؛ فإن الناس ما زالوا يطلقون واحدة وثلاثا، وقد طلق رجال نساءهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا فمنهم من رد إلى واحدة كما في حديث عكرمة عن ابن عباس، ومنهم من أنكر عليه وغضب، وجعله متلاعبا بكتاب الله، ولم يعرف ما حكم به عليهم، وفيهم من أقره لتأكيد التحريم الذي أوجبه اللعان، ومنهم من ألزمه بالثلاث؛ لكون ما أتى به من الطلاق آخر الثلاث، فلم يصح أن يقال: إن الناس ما زالوا يطلقون واحدة إلى أثناء خلافة عمر فطلقوا ثلاثا، ولا يصح أن يقال: إنهم قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة فنمضيه عليهم ولا يلائم هذا الكلام الفرق بين عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين عهده بوجه ما؛ فإنه ماض منكم على عهده بعد عهده، ثم إن في بعض ألفاظ الحديث الصحيحة: ألم تعلم أنه من طلق ثلاثا جعلت واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم[190] - ولفظ: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر؟ فقال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من إمارة عمر فلما رأى الناس - يعني عمر - قد تتابعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم[191] هذا لفظ الحديث، وهو بأصح إسناد وهو لا يحتمل ما ذكرتم من التأويل بوجه ما، ولكن هذا كله عمل من جعل الأدلة تبعا للمذهب فاعتقد ثم استدل، وأما من جعل المذهب تبعا للدليل واستدل ثم اعتقد لم يمكنه هذا العمل. اهـ.

الجواب الثالث: حمل الحديث على غير المدخول بها: فقد سلك أبو عبد الرحمن النسائي في سننه في الحديث مسلكا آخر وقوي جانبها عنده، فقال: باب الطلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة، ثم ساقه فقال: حدثنا أبو داود حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - فقال: يا ابن عباس، ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر ترد إلى الواحدة، قال: نعم[192].

وقد أجاب ابن القيم عن ذلك فقال[193]: وأنت إذا طابقت بين هذه الترجمة وبين لفظ الحديث وجدتها لا يدل عليها ولا يشعر بها بوجه من الوجوه، بل الترجمة لون، والحديث لون آخر، وكأنه لما أشكل عليه لفظ الحديث حمله على ما إذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، طلقت واحدة ومعلوم أن هذا الحكم لم يزل ولا يزال كذلك، ولا يتقيد ذلك بزمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر - رضي الله عنه - وبمضي الثلاث بعد ذلك على المطلق، فالحديث لا يندفع بمثل هذا البتة. اهـ.

وهناك توجيه آخر للحديث، قال ابن حجر[194]: وهو جواب إسحاق بن راهويه وجماعة، وبه جزم زكريا الساجي من الشافعية.

ووجهوه بأن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها: أنت طالق، فإذا قال: ثلاثا لغي العدد لوقوعه بعد البينونة.

وتعقبه القرطبي بأن قوله: أنت طالق ثلاثا كلام متصل غير منفصل فكيف جعله كلمتين؟ وتعطي كل كلمة حكما؟ وقال النووي: أنت طالق معناه: أنت ذات الطلاق، وهذا اللفظ يصح تفسيره بالواحدة وبالثلاث وغير ذلك. انتهى كلام ابن حجر.

وأجاب ابن القيم عن الرواية التي فيها ذكر غير المدخول بها فقال[195]: ورواية طاوس نفسه عن ابن عباس ليس في شيء منها قبل الدخول، وإنما حكى ذلك طاوس عن سؤال أبي الصهباء لابن عباس، فأجابه ابن عباس بما سأله عنه ولعله إنما بلغه جعل الثلاث واحدة في حق مطلق قبل الدخول، فسأل عن ذلك ابن عباس وقال: " كانوا يجعلونها واحدة؟ " فقال له ابن عباس " نعم " أي: الأمر ما قلت، وهذا لا مفهوم له؛ فإن التقييد في الجواب وقع في مقابلة تقييد السؤال، ومثل هذا لا يعتبر مفهومه.

نعم، لو لم يكن السؤال مقيدا فقيد المسئول الجواب كان مفهومه معتبرا، وهذا كما إذا سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: ((إذا وقعت الفأرة في السمن فألقوها وما حولها وكلوه))[196] لم يدل ذلك على تعيين الحكم بالسمن خاصة، وبالجملة فغير المدخول بها فرد من أفراد النساء، فذكر النساء مطلقا في أحد الحديثين، وذكر بعض أفرادهن في الحديث الآخر لا تعارض بينهما.

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي[197]: وحجة هذا القول أن بعض الروايات كرواية أبي داود جاء فيها التقييد بغير المدخول بها، والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا، قال في مراقي السعود:

وحمل مطلق على ذاك وجب *** إن فيهما اتحد حكم والسبب

وما ذكره الأبي - رحمه الله - من أن الإطلاق والتقييد إنما هو في حديثين، أما في حديث واحد من طريقين فمن زيادة العدل، فمردود بأنه لا دليل عليه، وإنه مخالف لظاهر كلام عامة العلماء ولا وجه للفرق بينهما، وما ذكره الشوكاني - رحمه الله - في نيل الأوطار من أن رواية أبي داود التي فيها التقييد بعدم الدخول فرد من أفراد الروايات العامة، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، لا يظهر؛ لأن هذه المسألة من مسائل المطلق والمقيد، لا من مسائل ذكر بعض أفراد العام، فالروايات التي أخرجها مسلم مطلقة عن قيد عدم الدخول، والرواية التي أخرجها أبو داود مقيدة بعدم الدخول كما ترى، والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا.

نعم لقائل أن يقول: إن كلام ابن عباس في رواية أبي داود المذكورة وارد على سؤال أبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا عن غير المدخول بها، فجواب ابن عباس لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه إنما خص غير المدخول بها لمطابقة الجواب للسؤال.

وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار دليل الخطاب - أعني مفهوم المخالفة - كون الكلام واردا جوابا لسؤال؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة السؤال فلا يتعين كونه لإخراج المفهوم عن المنطوق، وأشار إليه في مراقي السعود في ذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:

أو جهل الحكم أو النطق انجلب *** للسؤل أو جرى على الذي غلب

ومحل الشاهد منه قوله: أو النطق انجلب للسؤل.

وقد قدمنا أن رواية أبي داود المذكورة عن أيوب السختياني عن غير واحد عن طاوس، وهو صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، ومن لم يعرف من هو لا يصح الحكم بروايته؛ ولذا قال النووي في شرح مسلم ما نصه: " وأما هذه الرواية لأبي داود فضعيفة، رواها أيوب عن قوم مجهولين عن طاوس عن ابن عباس فلا يحتج بها، والله أعلم "، انتهى منه بلفظه.

وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود -بعد أن ساق الحديث المذكور- ما نصه: " الرواة عن طاوس مجاهيل "، انتهى منه بلفظه، وضعف رواية أبي داود هذه ظاهر -كما ترى-؛ للجهل بمن روى عن طاوس فيها، وقال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في زاد المعاد -بعد أن ساق لفظ هذه الرواية- ما نصه: " وهذا لفظ الحديث وهو بأصح إسناد "، انتهى محل الغرض منه بلفظه فانظره مع ما تقدم، انتهى كلام الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.

الجواب الرابع: ليس في الحديث ما يدل على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي جعل ذلك، ولا أنه علم به وأقر عليه، وهذا جواب ابن المنذر وابن حزم ومن وافقهما.

قال ابن القيم[198]: وأما ابن المنذر فقال: لم يكن ذلك عن علم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أمره، قال: وغير جائز أن يظن بابن عباس أن يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ثم يفتي بخلافه، فلما لم يجز ذلك دل فتيا ابن عباس - رضي الله عنه - على أن ذلك لم يكن عن علم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أمره؛ إذ لو كان ذلك عن علم النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - ما استحل ابن عباس أن يفتي بخلافه أو يكون ذلك منسوخا استدلالا بفتيا ابن عباس.

وقال ابن حزم[199]: وأما حديث طاوس عن ابن عباس الذي فيه أن الثلاث كانت واحدة وترد إلى واحدة " وتجعل واحدة " فليس في شيء منه أنه - عليه الصلاة والسلام - هو الذي جعلها واحدة، أوردها إلى واحدة، ولأنه - عليه الصلاة والسلام - علم بذلك فأقره، ولا حجة إلا فيما صح أنه - عليه الصلاة والسلام - قاله أو فعله أو علمه فلم ينكره، وإنما يلزم هذا الخبر من قال في قول أبي سعيد الخدري: كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعا من كذا وأما نحن فلا[200]. انتهى كلام ابن حزم.

وقد أجاب ابن القيم عن ذلك فقال[201]: سبحانك هذا بهتان عظيم، أن يستمر هذا الجعل الحرام المتضمن لتغيير شرع الله ودينه، وإباحة الفرج لمن هو عليه حرام، وتحريمه على من هو عليه حلال على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأصحابه خير الخلق، وهم يفعلونه ولا يعلمونه ولا يعلمه هو، والوحي ينزل عليه وهو يقرهم عليه، فهب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلمه، وكان أصحابه يعلمونه ويبدلون دينه وشرعه، والله يعلم ذلك ولا يوحيه إلى رسوله ولا يعلمه به، ثم يتوفى الله رسوله والأمر على ذلك، فيستمر هذا الضلال العظيم والخطأ المبين عندكم مدة خلافة الصديق كلها، ويعمل به ولا يغيره إلى أن فارق الصديق الدنيا، واستمر الخطأ والضلال المركب صدرا من خلافة عمر حتى رأى بعد ذلك رأيه أن يلزم الناس بالصواب، فهل في الجهل بالصحابة وما كانوا عليه في عهد نبيهم وخلفائه أقبح من هذا؟ وتالله، لو كان جعل الثلاث واحدة خطأ محضا لكان أسهل من هذا الخطأ الذي ارتكبتموه، والتأويل الذي تأولتموه، ولو تركتم المسألة بهيئتها لكان أقوى لشأنها من هذه الأدلة والأجوبة.

وذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي[202] ضعف هذا الجواب؛ لأن جماهير المحدثين والأصوليين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - له حكم المرفوع، وإن لم يصرح بأنه بلغه - صلى الله عليه وسلم - وأقره.

الجواب الخامس: ما ذكره المجد قال: وتأوله بعضهم على صورة تكرير لفظ الطلاق بأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق؛ فإنه يلزمه واحدة إذا قصد التوكيد، وثلاثا إذا قصد تكرير الإيقاع، فكان الناس في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر على صدقهم وسلامتهم وقصدهم في الغالب الفضيلة والاختيار، لم يظهر فيهم خب ولا خداع، وكانوا يصدقون في إرادة التوكيد فلما رأى عمر في زمانه أموراً ظهرت، وأحوالاً تغيرت، وفشا إيقاع الثلاث جملة بلفظ لا يحتمل التأويل ألزمهم الثلاث في صورة التكرير إذ صار الغالب عليهم قصدها، وقد أشار إليه بقوله: " إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة " انتهى كلام المجد.

وهذا جواب ابن سريج كما قاله الخطابي[203] والمنذري[204].

وقال ابن حجر[205]: هذا الجواب ارتضاه القرطبي وقواه بقول عمر: " إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة "، وكذا قال النووي: إنه أصح الأجوبة.

وقد أجاب ابن القيم عن ذلك فقال[206]: وأما حملكم الحديث على قول المطلق: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ومقصوده التأكيد بما بعد الأول فسياق الحديث من أوله إلى آخره يرده؛ فإن هذا الذي أولتم الحديث عليه لا يتغير بوفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يختلف على عهده وعهد خلفائه، وهلم جرا إلى آخر الدهر، ومن ينويه في قصد التأكيد لا يفرق بين بر وفاجر، وصادق وكاذب، بل يرده إلى نيته، وكذلك من لا يقبله في الحكم لا يقبله مطلقا برا كان أو فاجرا.

وأيضا فإن قوله: " إن الناس قد استعجلوا وتتابعوا في شيء كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟"، إخبار من عمر بأن الناس قد استعجلوا ما جعلهم الله في فسحة منه وشرعه متراخيا بعضه عن بعض رحمة بهم ورفقا وأناة لهم؛ لئلا يندم مطلق فيذهب حبيبه من يده من أول وهلة، فيعز عليه تداركه، فجعل له أناة ومهلة يستعتبه فيها ويرضيه، ويزول ما أحدثه الغضب الداعي إلى الفراق ويراجع كل منهما الذي عليه بالمعروف، فاستعجلوا فيما جعل لهم فيه أناة ومهلة وأوقعوه بفم واحد، فرأى عمر أن يلزمهم ما التزموا؛ عقوبة لهم فإذا علم المطلق أن زوجته وسكنه تحرم عليه من أول مرة بجمعه الثلاث كفَّ عنها، ورجع إلى الطلاق المشروع المأذون فيه، وكان هذا من تأديب عمر لرعيته لما أكثروا من الطلاق الثلاث، هذا وجه الحديث الذي لا وجه له غيره، فأين هذا من تأويلكم المستكره المستبعد الذي لا توافقه ألفاظ الحديث بل تنبو عنه وتنافره.

ويمكن أن يجاب عن جواب ابن القيم بما قاله الشيخ محمد الأمين الشنقيطي قال[207]: وللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة، الأول: أن الثلاث المذكورة فيها التي كانت تجعل واحدة ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلا ولا شرعا أن تكون بلفظ واحد، فمن قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مرات في وقت واحد فطلاقه هذا طلاق الثلاث؛ لأنه صريح بالطلاق فيه ثلاث مرات، وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة: من أين أخذت كونها بكلمة واحدة؟، فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة؟ وهل يمنع إطلاق الطلاق على الطلاق بكلمة متعددة؟

فإن قال: لا يقال له طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة، فلا شك في أن دعواه هذه غير صحيحة، وإن اعترف بالحق وقال: يجوز إطلاقه على ما أوقع بكلمة واحدة وعلى ما أوقع بكلمات متعددة وهو أسد بظاهر اللفظ، قيل له: وإذن فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع.

ومما يدل على أنه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائي -مع جلالته وعلمه وشدة فهمه- ما فهم من هذا الحديث إلا أن المراد بطلاق الثلاث لفظ أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق بتفريق الطلقات؛ لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات؛ ولذا ترجم في سننه لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث، وقد سبق في الوجه الثالث ثم قال: فنرى هذا الإمام الجليل صرح بأن طلاق الثلاث في هذا الحديث ليس بلفظ واحد بل بألفاظ متفرقة، ويدل على صحة ما فهمه النسائي - رحمه الله - من الحديث ما ذكره العلامة ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد في الرد على من استدل لوقوع الثلاث دفعة بحديث عائشة، أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت..  الحديث، فإنه قال فيه ما نصه: ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا؛ فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا، وقال ثلاثا إلا من فعل، وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا، اهـ بلفظه.

وهو دليل واضح لصحة ما فهمه النسائي - رحمه الله - من الحديث؛ لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة -كما أوضحه ابن القيم في حديث عائشة آنفا- وبعد أن نقل كلام ابن سريح وأن القرطبي ارتضى هذا الجواب، ونقل عن النووي جوابه عنه وقد سبقت الإشارة إلى ذلك كله في أول الجواب، ثم قال: - قال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا الوجه لا إشكال فيه؛ لجواز تغير الحال عند تغير القصد؛ لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا.

وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد ادعاء خالٍ من دليل كما رأيت، فليتق الله من تجرأ على عزو ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه ليس في شيء من روايات حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد، ولم يتعين ذلك من اللغة، ولا من الشرع، ولا من العقل كما ترى، قال مقيده - عفا الله عنه - ويدل لكون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدم من حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أحمد وأبي يعلى، من قوله: طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، وقوله - صلى الله عليه وسلم – ((كيف طلقتها؟)) قال: ثلاثا في مجلس واحد؛ لأن التعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد؛ إذ لو كان اللفظ واحداً لقال: بلفظ واحد، ولم يحتج إلى ذكر المجلس؛ إذ لا داعي لذكر الوصف الأعم وترك الأخص بلا موجب كما هو ظاهر. انتهى كلام الشيخ الشنقيطي.

الجواب السادس: عن حديث طاوس عن ابن عباس أن سائر أصحاب ابن عباس رووا عنه إفتاءه بخلاف ذلك، وما كان ابن عباس ليروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ثم يخالفه إلى رأي نفسه، بل المعروف عنه أنه كان يقول: أنا أقول لكم سنة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وتقولون قال أبو بكر وعمر!، قاله في فسخ الحج وغيره، ولهذا اتجه الإمام أحمد بن حنبل إلى دفع حديث طاوس هذا بما رواه سائر أصحاب ابن عباس عن ابن عباس، قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما- طلاق الثلاث واحدة[208]، بأي شيء تدفعه؟، قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، وكذلك نقل عنه ابن منصور، ذكر جميع ذلك الإمام ابن القيم[209]، وجاء في مسودة آل تيمية ما نصه[210]: " وفيه - أي معاني الحديث للأثرم - أيضا في حديث ابن عباس[211]: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال أبو عبد الله: ادفع هذا الحديث بأنه قد روي عن ابن عباس خلافه من عشرة وجوه، أنه كان يرى طلاق الثلاث ثلاثا " اهـ.

وقال البيهقي في " باب من جعل الثلاث واحدة، وما ورد في خلاف ذلك[212]: " هذا الحديث أحد ما اختلف فيه البخاري ومسلم، فأخرجه مسلم وتركه البخاري، وأظنه إنما تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس، ومنها ما أخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق، نا أبو العباس محمد بن يعقوب، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا مسلم وعبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرني عكرمة بن خالد أن سعيد بن جبير أخبره أن رجلا جاء إلى ابن عباس فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: تأخذ ثلاثا، وتدع تسعمائة وسبعة وتسعين، ورواه عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال لرجل طلق امرأته ثلاثا: حرمت عليك.

وأخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن قالا: نا أبو العباس، نا الربيع، نا الشافعي، نا مسلم بن خالد وعبد المجيد عن ابن جريج عن مجاهد قال: قال رجل لابن عباس: طلقت امرأتي مائة، قال: تأخذ ثلاثا، وتدع سبعا وتسعين.

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ: نا أبو عمرو بن مطر، نا يحيى بن محمد، نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة عن ابن أبي نجيح وحميد الأعرج، عن مجاهد قال: سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته مائة، فقال: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2] " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن[213]" وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ وعبيد بن محمد بن محمد بن مهدي قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا يحيى بن أبي طالب، أنا عبد الوهاب بن عطاء، أنا ابن جريج، عن عبد الحميد بن رافع، عن عطاء أن رجلا قال لابن عباس: طلقت امرأتي مائة، فقال: تأخذ ثلاثا، وتدع سبعا وتسعين، وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ وأحمد بن الحسن القاضي قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا محمد بن إسحاق أنا حسين بن محمد، نا جرير بن حازم، عن أيوب عن عمرو بن دينار "أن ابن عباس سئل عن رجل طلق امرأته عدد النجوم، فقال: إنما يكفيك رأس الجوزاء".

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا الحسن بن علي بن عفان، نا ابن نمير عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن ابن عباس قال: أتاني رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا فقال: " إن عمك عصى الله فأندمه الله، وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا، قال: أفلا يحللها له رجل؟ فقال: من يخادع الله يخدعه.

أخبرنا أبو أحمد المهرجاني، أنا أبو بكر بن جعفر المزكي، نا محمد بن إبراهيم البوشنجي، نا ابن بكير، نا مالك عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن البكير أنه قال: " طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي، فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة وعبد الله بن عباس عن ذلك فقالا له: لا نرى أن تنكحها حتى تتزوج زوجا غيرك، قال: فإنما كان طلاقي إياها واحدة فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل ".

فهذه رواية سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة وعمرو بن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير، وروية عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري كلهم عن ابن عباس، أنه أجاز الطلاق بالثلاث وأمضاهن.. اهـ. كلام البيهقي - رحمه الله تعالى -.

وقد أجاب ابن القيم عن ذلك فقال[214]: "لا يترك الحديث الصحيح المعصوم لمخالفة راويه؛ فإن مخالفته ليست معصومة، وقد قدم الشافعي رواية ابن عباس في شأن بريرة على فتواه التي تخالفها في كون بيع الأمة طلاقها، وأخذ هو وأحمد وغيرهما بحديث أبي هريرة: ((من استقاء فعليه القضاء))[215] وقد خالفه أبو هريرة وأفتى بأنه لا قضاء عليه -وذكر جملة أمثلة نسبها إلى الحنابلة والحنفية والمالكية والشافعية-.. إلى أن قال - رحمه الله -: والذي ندين الله به -ولا يسعنا غيره، وهو القصد في هذا الباب- أن الحديث إذا صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان لا راويه ولا غيره، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلا مرجوحاً، أو يقوم في ظنه ما يعارضه، ولا يكون معارضا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه؛ لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتفاء ذلك كله -ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه- لم يكن الراوي معصوما، ولم توجب مخالفتُه لما رواه سقوطَ عدالته حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك. اهـ.

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي تعليقا على هذا الوجه[216]: قال مقيده - عفا الله عنه - فهذا إمام المحدثين وسيد المسلمين في عصره الذي تدارك به الإسلام بعد ما كاد تتزلزل قواعده، وتغير عقائده، أبو عبد الله أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - قال للأثرم وابن منصور: إنه رفض حديث ابن عباس قصداً؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد؛ لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري - وهو هو - ذكر عنه الحافظ البيهقي أنه ترك الحديث عمدا؛ لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد، ولاشك أنهما ما تركاه إلا لموجب يقتضي ذلك.

فإن قيل: رواية طاوس في حكم المرفوع، ورواية الجماعة المذكورين موقوفة على ابن عباس، والمرفوع لا يعارض بالموقوف، فالجواب: أن الصحابي إذا خالف ما روي ففيه للعلماء قولان، وهما روايتان عن أحمد - رحمه الله -: الأولى: أنه لا يحتج بالحديث؛ لأن أعلم الناس به راويه، وقد ترك العمل به وهو عدل عارف، وعلى هذه الرواية فلا إشكال.

وعلى الرواية الأخرى -التي هي المشهورة عند العلماء-: أن العبرة بروايته لا بقوله؛ فإنه لا تقدم روايته إلا إذا كانت صريحة المعنى، أو ظاهرة فيه ظهورا يضعف معه احتمال مقابله، أما إذا كانت محتملة لغير ذلك المعنى احتمالا قويا فإن مخالفة الراوي لما روى تدل على أن ذلك المحتمل الذي ترك ليس هو معنى ما روى، وقد قدمنا أن لفظ طلاق الثلاث في حديث طاوس المذكور محتمل احتمالا قويًا لأنْ تكون الطلقات مفرقة -كما جزم به النسائي، وصححه النووي والقرطبي وابن سريج-.

فالحاصل أن ترك ابن عباس لجعل الثلاث بفم واحد واحدةً يدل على أن معنى الحديث الذي روى ليس كونها بلفظ واحد، واعلم أن ابن عباس لم يثبت عنه أنه أفتى بالثلاث بفم واحد أنها واحدة، وما روى عنه أبو داود من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة أن ابن عباس قال: "إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة"، فهو معارض بما رواه أبو داود نفسه من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة أن ذلك من قول عكرمة، لا من قول ابن عباس، وترجح رواية إسماعيل بن إبراهيم على رواية حماد بموافقة الحفاظ لإسماعيل في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا لا واحدة، انتهى.

الجواب السابع: حمل الثلاث فيه على أن المراد بها لفظ ألبتة، وكان يراد بها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أراد بها ركانة ثم تتابع الناس فأرادوا بها الثلاث فألزمهم عمر إياها.

وهذا جواب الخطابي وقواه ابن حجر، قال الخطابي[217]: ويشبه أن يكون معنى الحديث منصرفا إلى طلاق البتة؛ لأنه قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ركانة أنه جعل البتة واحدة، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يراها واحدة، ثم تتابع الناس في ذلك فألزمهم الثلاث، وإليه ذهب غير واحد من الصحابة - رضي الله عنهم -، روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أنه جعلها ثلاثا، وكذلك روي عن ابن عمر، وكان يقول: أبت الطلاق طلاق البتة، وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة وعمر بن عبد العزيز والزهري، وبه قال مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل، وهذا كصنيعه بشارب الخمر، فإن الحد كان في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر أربعين ثم إن عمر لما رأى الناس تشايعوا في الخمر واستخفوا بالعقوبة فيها قال: أرى أن تبلغ فيها حد المفتري؛ لأنه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى، وكان ذلك على ملأ من الصحابة فلا ينكر أن يكون الأمر في طلاق البتة على شاكلته، انتهى كلام الخطابي.

وقال ابن حجر[218]: هو قوي، ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب الآثار التي فيها "البتة"، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن " البتة " إذا أطلقت حملت على الثلاث إلا إن أراد المطلق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ " البتة " على الثلاث؛ لاشتهار التسوية بينهما، فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظ البتة، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة الواحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.

الجواب الثامن: حمل الحديث على أنه شاذ، وقد حمله على ذلك جماعة من أهل العلم فقال ابن عبد الهادي: قال ابن رجب في كتابه "مشكل الأحاديث الواردة أن الطلاق الثلاث واحدة" وساق حديث ابن عباس ثم قال[219]: فهذا الحديث لأئمة الإسلام فيه طريقان:

أحدهما: -وهو مسلك الإمام أحمد ومن وافقه- ويرجع الكلام في إسناد الحديث بشذوذه وانفراد طاوس به، وأنه لم يتابع عليه، وانفراد الراوي بالحديث وإن كان ثقة هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه، وأنه يكون شاذا ومنكرا إذا لم يُروَ معناه من وجه يصح، وهذه طريقة أئمة الحديث المتقدمين، كالإمام أحمد ويحيى القطان ويحيى بن معين وعلي ابن المديني وغيرهم، وهذا الحديث لا يرويه عن ابن عباس غير طاوس، قال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: كل أصحاب ابن عباس –يعني- رووا عنه خلاف ما روى طاوس.

وقال الجوزجاني: هو حديث شاذ، قال: وقد عنيت بهذا الحديث في قديم الدهر؛ فلم أجد له أصلا، قال المصنف: ومتى أجمعت الأمة على اطراح العمل بحديث وجب اطراحه وترك العمل به، وقال ابن مهدي: لا يكون إماما في العلم من عمل بالشاذ.

وقال النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث، وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة، فإن عرف وإلا فدعه، وعن مالك قال: " شر العلم الغريب "، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس، وفي هذا الباب شيء كثير؛ لعدم جواز العمل بالغريب وغير المشهور.. قال ابن رجب: وقد صح عن ابن عباس - وهو راوي الحديث - أنه أفتى بخلاف هذا الحديث ولزوم الثلاث المجموعة، وقد علل بهذا أحمد والشافعي -كما ذكره في المغني-، وهذه أيضا علة في الحديث بانفرادها فكيف وقد ضم إليها علة الشذوذ والإنكار وإجماع الأمة!.

وقال القاضي إسماعيل في كتاب " أحكام القرآن ": طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة منها هذا الحديث، وعن أيوب أنه كان يعجب من كثرة خطأ طاوس.

وقال ابن عبد البر: شذ طاوس في هذا الحديث.

قال ابن رجب وكان علماء أهل مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل، انتهى المقصود.

الثاني: أنه منسوخ - وقد سبق ما يغني عن إعادته.

ونقل القرطبي عن ابن عبد البر أنه قال[220]: رواية طاوس وهمٌ وغلط لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والمغرب، قال: وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس.

ونقل الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عن ابن العربي المالكي ما يختص بحديث ابن عباس هذا، فقال[221]: فإن قيل: ففي صحيح مسلم عن ابن عباس.. -وذكر حديث أبي الصهباء المذكور-؟ قلنا: هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه:

الأول: أنه حديث مختلف في صحته، فكيف يقدم على إجماع الأمة، ولم يعرف لها في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين، وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث؟، فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم نقل العدل عن العدل، ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا.

الثاني: أن هذا الحديث لم يرد إلا عن ابن عباس ولم يُروَ عنه إلا من طريق طاوس، فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد، وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟، وكيف خفي على جميع الصحابة، وسكتوا عنه إلا ابن عباس، وكيف خفي على أصحاب ابن عباس إلا طاوس؟ انتهى محل الغرض من كلام ابن العربي، انتهى.

وقال ابن حجر[222]: الجواب الثاني: دعوى شذوذ ورواية طاوس، وهي طريقة البيهقي؛ فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاث، ثم نقل عن ابن المنذر: أنه لا يظن بابن عباس أن يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ويفتي بخلافه، فيتعين المصير إلى الترجيح والأخذ بقول الأكثر أولى من الأخذ بقول الواحد إذا خالفهم انتهى.

وقال ابن التركماني وطاوس يقول: إن أبا الصهباء مولاه سأله عن ذلك ولا يصح ذلك عن ابن عباس لرواية الثقات عنه خلافه، ولو صح عنه ما كان قوله حجة على من هو من الصحابة أجلُّ وأعلم منه، وهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وغيرهم، انتهى.

وقد أجاب ابن القيم عن ذلك فقال بعد عرضه لهذا المسلك[223]: وهذا أفسد من جميع ما تقدم، ولا ترد أحاديث الصحابة وأحاديث الأئمة الثقات بمثل هذا، فكم من حديث تفرد به واحد من الصحابة لم يروه غيره، وقبلته الأمة كلهم فلم يرده أحد منهم، وكم من حديث تفرد به من هو دون طاوس بكثير ولم يرده أحد من الأئمة، ولا نعلم أحدا من أهل العلم قديما ولا حديثا قال إن الحديث إذا لم يروه إلا صحابي واحد لا يقبل، وإنما يحكى عن أهل البدع، ومن تبعهم في ذلك أقوال لا يعرف لها قائل من الفقهاء.

قد تفرد الزهري بنحو ستين سنة، لم يروها غيره، وعملت بها الأمة ولم يردوها بتفرده هذا، مع أن عكرمة روى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - حديث ركانة وهو موافق لحديث طاوس عنه، فإن قدح في عكرمة أبطل وتناقض؛ فإن الناس احتجوا بعكرمة، وصحح أئمة الحفاظ حديثه، ولم يلتفتوا إلى قدح من قدح فيه.

فإن قيل: فهذا هو الحديث الشاذ، وأقل أحواله: أن يتوقف فيه ولا يجزم بصحته عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قيل: ليس هذا هو الشاذ، وإنما الشذوذ: أن يخالف الثقات فيما رووه فيشذ عنهم بروايته، فأما إذا روى الثقة حديثا منفردا به، لم يرو الثقات خلافه فإن ذلك لا يسمى شاذا، وإن اصطلح على تسميته شاذا بهذا المعنى، لم يكن هذا الاصطلاح موجبا لرده، ولا مسوغا له.

قال الشافعي: "وليس الشاذ أن ينفرد الثقة برواية الحديث، بل الشاذ أن يروي خلاف ما رواه الثقات"، قاله في مناظرته لبعض من رد الحديث بتفرد الراوي به، ثم إن هذا القول لا يمكن أحدا من أهل العلم، ولا من الأئمة ولا من أتباعهم طرده، ولو طردوه لبطل كثير من أقوالهم وفتاويهم، والعجب أن الرادين لهذا الحديث بمثل هذا الكلام قد بنوا كثيراً من مذاهبهم على أحاديث ضعيفة، انفرد بها رواتها لا تعرف عن سواهم، وذلك أشهر وأكثر من أن يعد.

وبعد ما ذكر الشيخ محمد الأمين الشنقيطي كلاما يتفق مع ما سبق ذكره عن ابن القيم قال[224]: نعم لقائل أن يقول: إن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي متوفرة إلى نقله، ولم ينقله إلا واحد ونحوه، أن ذلك يدل على عدم صحته، ووجهه أن توفر الدواعي يلزم منه النقل تواترا والاشتهار، فإن لم يشتهر دل على أنه لم يقع؛ لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، وهذه قاعدة في الأصول أشار إليها في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما يحكم فيه بعدم صحة الخبر:

.................* * * وخبر الآحاد في السني

حيث دواعي نقله تواترا * * * نرى له لو قاله تقررا

وجزم بها غير واحد من الأصوليين، وقال صاحب جمع الجوامع عاطفا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر: والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله خلافا للرافضة. اهـ منه بلفظه.

ومراده أن مما يجزم بعدم صحته الخبر المنقول آحادا مع توفر الدواعي إلى نقله، وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: مسألة: إذا انفرد واحد فيما يتوفر الدواعي إلى نقله وقد شاركه خلق كثير، كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة، فهو كاذب قطعا خلافا للشيعة. اهـ محل الغرض منه بلفظه، وفي المسألة مناقشات وأجوبة عنها معروفة في الأصول.

قال مقيده - عفا الله عنه -: ولا شك أنه على القول بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد كانت تجعل واحدة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم إن عمر غير ما كان عليه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - والمسلمون في زمن أبي بكر وعامة الصحابة أو جلهم يعلمون ذلك، فالدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون من بعده متوفرة توافرا لا يمكن إنكاره، لأن[225] يرد بذلك التغيير الذي أحدثه عمر، فسكوت جميع الصحابة عنه، وكون ذلك لم ينقل منه حرف عن غير ابن عباس، يدل دلالة واضحة على أحد أمرين:

أحدهما: أن حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد كما قدمنا، وكما جزم به النسائي: وصححه النووي والقرطبي وابن سريج، وعليه فلا إشكال؛ لأن تغيير عمر للحكم مبني على تغيير قصدهم، والنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى))[226] فمن قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ونوى التأكيد فواحدة، وإن نوى الاستئناف بكل واحدة فثلاث، واختلاف محامل اللفظ الواحد لاختلاف نيات اللافظين به لا إشكال فيه؛ لقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ((وإنما لكل امرئ ما نوى))[227].

والثاني: أن يكون الحديث غير محكوم بصحته؛ لنقله آحادا مع توفر الدواعي إلى نقله، والأول أولى وأخف من الثاني، وقال القرطبي في المفهم في الكلام على حديث طاوس المذكور: وظاهر سياقه يقتضي النقل عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر، فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره إن لم يقتض القطع ببطلانه اهـ. منه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري عنه، وهو قوي جدا بحسب المقرر في الأصول كما ترى. انتهى.

الجواب التاسع: أن الحديث مضطرب، نقل هذا الجواب ابن حجر عن القرطبي[228]، وذكر ابن القيم[229] هذا الجواب وناقشه فقال: وسلك آخرون في رد الحديث مسلكا آخر، فقالوا: هو حديث مضطرب لا يصح، ولذلك أعرض عنه البخاري، وترجم في صحيحه على خلافه فقال: " باب فيمن جوز الطلاق الثلاث في كلمة لقوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] ثم ذكر حديث اللعان وفيه[230]: فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولم يغير عليه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهو لا يقر على باطل.

قالوا: ووجه اضطرابه: أنه تارة يروي عن طاوس عن ابن عباس، وتارة عن طاوس عن أبي الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبي الجوزاء عن ابن عباس فهذا اضطرابه من جهة السند.

وأما المتن فإن أبا الصهباء تارة يقول: "ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟"، وتارة يقول: "ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة؟"، فهذا يخالف اللفظ الآخر، وهذا المسلك من أضعف المسالك، ورد الحديث به ضرب من التعنت، ولا يعرف أحد من الحفاظ قدح في هذا الحديث ولا ضعفه، والإمام أحمد لما قيل له: بأي شيء ترده؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس خلافه.

ولم يرده بتضعيف ولا قدح في صحته، وكيف يتهيأ القدح في صحته، ورواته كلهم أئمة حفاظ، حدث به عبد الرزاق وغيره عن ابن جريج بصيغة الإخبار، وحدث به كذلك ابن جريج عن ابن طاوس، وحدث به ابن طاوس عن أبيه، وهذا إسناد لا مطعن فيه لطاعن، وطاوس من أخص أصحاب ابن عباس، ومذهبه: أن الثلاث واحدة، وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاوس، فلم ينفرد به عبد الرزاق ولا ابن جريج، ولا عبد الله بن طاوس، فالحديث من أصح الأحاديث، وترك رواية البخاري له لا يوهنه، وله حكم أمثاله من الأحاديث الصحيحة التي تركها البخاري؛ لئلا يطول كتابه؛ فإنه سماه: الجامع المختصر الصحيح، ومثل هذا العذر لا يقبله من له حظ في العلم.

وأما رواية من رواه عن أبي الجوزاء فإن كانت محفوظة فهي مما يزيد الحديث قوة، وإن لم تكن محفوظة - وهو الظاهر - فهي وهم في الكنية انتقل فيها عبد الله بن المؤمل عن ابن أبي مليكة من أبي الصهباء، إلى أبي الجوزاء، فإنه كان سيء الحفظ، والحفاظ قالوا: " أبو الصهباء "، وهذا لا يوهن الحديث، وهذه الطريق عند الحاكم في المستدرك، وأما رواية من رواه مقيدا " قبل الدخول " فإنه تقدم أنها لا تناقض رواية الآخرين على أنها عند أبي داود عن أيوب عن غير واحد، ورواية الإطلاق عن معمر عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه، فإن تعارضا فهذه الرواية أولى، وإن لم يتعارضا فالأمر واضح.

وحديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - صريح في كون الثلاثة واحدة في حق المدخول بها، وعامة ما يقدر في حديث أبي الصهباء أن قوله: " قبل الدخول " زيادة من ثقة فيكون الأخذ بها أولى، وحينئذ فيدل أحد حديثي ابن عباس على أن هذا الحكم ثابت في حق البكر، وحديثه الآخر على أنه ثابت في حكم الثيب أيضا، فأحد الحديثين يقوي الآخر ويشهد بصحته، وبالله التوفيق.

الجواب العاشر: أن حديث ابن عباس معارض بالإجماع، والإجماع أقوى من خبر الواحد كما ذكر ذلك الشافعي وغيره، وقد سبق استدلال الجمهور بالإجماع مع ذكر أدلتهم لمذهبهم وبيان من قال به، ومناقشة ابن القيم له، فاكتفى بذلك عن الإعادة هنا.

الدليل الثاني: ما رواه الإمام أحمد في المسند قال: حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال حدثني داود بن الحصين عن عكرمة - مولى ابن عباس - عن ابن عباس قال: طلق ركانة ابن عبد يزيد - أخو بني المطلق - امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ((كيف طلقتها؟)) قال: طلقتها ثلاثا، قال فقال: ((في مجلس واحد؟)) قال: نعم، فقال: ((فإنما تلك واحدة فأرجعها إن شئت)) قال: فراجعها[231]، فكان ابن عباس يروي الطلاق عند كل طهر.

قال ابن القيم[232]: وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه، فقال في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي - صلى الله - تعالى -عليه وسلم - رد ابنته على ابن أبي العاص بمهر جديد، ونكاح جديد[233]. هذا حديث ضعيف، أو قال: واه، لم يسمعه الحجاج عن عمرو بن شعيب، وإنما سمعه من محمد بن عبد الله العزرمي، والعزرمي لا يساوي حديثه شيئا، والحديث الذي رواه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أقرها على النكاح الأول، وإسناده عنده هو إسناد حديث ركانة بن عبد يزيد، هذا وقد قال الترمذي فيه: ليس بإسناده بأس، فهذا إسناد صحيح عند أحمد، وليس به بأس عند الترمذي فهو حجة ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، فكيف إذا عضده ما هو نظيره أو أقوى منه؟ ثم ساق رواية أبي داود وستأتي وهي الدليل الثالث، ثم قال ابن القيم: قال شيخنا - رضي الله عنه -: وأبو داود لما لم يرو في سننه الحديث الذي في مسند أحمد -يعني الذي ذكرناه آنفا-، فقال: حديث البتة أصح من حديث ابن جريج: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا؛ لأنهم أهل بيته، ولكن الأئمة الأكابر العارفين بعلل الحديث والفقه كالإمام أحمد وأبي عبيد والبخاري ضعفوا حديث البتة، وبينوا أنه رواية قوم مجاهيل لم تعرف عدالتهم وضبطهم، وأحمد أثبت حديث الثلاث وبين أنه الصواب، وقال: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة، وفي رواية عنه: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، وأهل المدينة يسمون الثلاثة البتة. قال الأثرم: قلت لأحمد: حديث ركانة في البتة؟ فضعفه، انتهى.

وقد سبق الكلام على رواية الإمام أحمد لحديث ركانة، وكذلك رواية الزبير بن سعيد، ورواية نافع بن عجير عند الكلام على الدليل الخامس لمذهب الجمهور في المسألة الثانية.

الدليل الثالث: قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج، قال أخبرني بعض بني أبي رافع، مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عكرمة مولى ابن عباس قال: طلق يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي - صلى الله - تعالى -عليه وسلم - فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة لشعرة أخذتها من رأسها ففرق بيني وبينه فأخذت النبي - صلى الله عليه وسلم - حمية فدعى بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: ((أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانا لابنه الآخر يشبه منه كذا وكذا؟)) قالوا: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد ((طلقها)) ففعل فقال: ((راجع امرأتك أم ركانة وإخوته)) فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال: وتلا: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1][234].

وقد سبقت مناقشة رواية أبي داود عند الكلام على الدليل الخامس لمذهب الجمهور في المسألة الثانية فاكتفي بما هناك عن إعادته هنا.

الدليل الرابع: ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر من أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثا فاحتسب بواحدة، وقد سبقت مناقشة حديث ابن عمر برواياته، وأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدة، وذلك عند الكلام على الدليل السادس فاكتفي بما ذكر هناك عن إعادته هنا.

وأما الإجماع فممن ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من العلماء، فقد بينوا أن الأمر لم يزل على اعتبار الثلاث بلفظ واحدٍ واحدةً في عهد أبي بكر، وثلاث سنين من خلافة عمر، ويمكن أن يجاب عنه بما ورد من الآثار عن بعض الصحابة في أن الثلاث بلفظ واحد تكون ثلاثا وقد سبقت.

وأما القياس فقد قال ابن القيم[235]: وأما القياس فإن الله - سبحانه وتعالى - قال: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ) [سورة النور الآية: 6] ثم قال: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ) [سورة النور الآية: 8] فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات أني صادق، وقالت: أشهد بالله أربع شهادات أنه كاذب، كانت شهادة واحدة ولم تكن أربعا، فكيف يكون قوله: أنت طالق ثلاثا ثلاث تطليقات؟ وأي قياس أصح من هذا؟ وهكذا كل ما يعتبر فيه العدد من الإقرار ونحوه؛ ولهذا لو قال المقر بالزنا: إني أقر بالزنا أربع مرات كان ذلك مرة واحدة، وقد قال الصحابة لماعز: إن أقررت أربعا رجمك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلو قال: أقر به أربع مرات كان مرة واحدة فهكذا الطلاق سواء.

وقد أجاب الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عن هذا القياس فقال[236]: وقياس: أنت طالق ثلاثا على أيمان اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد لم تجز، قياس مع وجود الفارق؛ لأن من اقتصر على واحدة من الشهادات الأربع المذكورة في آية اللعان أجمع العلماء على أن ذلك كما لو لم يأت بشيء منها أصلا، بخلاف الطلقات الثلاث، فمن اقتصر على واحدة منها اعتبرت إجماعا، وحصلت به البينونة بانقضاء العدة إجماعا.

وأما الآثار فما جاء عن الصحابة في ذلك، فقد روى طاوس وعكرمة عن ابن عباس الإفتاء بذلك ورواية طاوس عند أبي جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ، ورواية عكرمة عند أبي داود من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس، وحكى ابن وضاح وعنه ابن مغيث: الإفتاء يكون الطلاق الثلاث في كلمة واحدة واحدة عن علي وابن مسعود والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وجاء عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ما رواه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في مسند عمر قال: أخبرنا أبو يعلى حدثنا صالح بن مالك، حدثنا خالد بن يزيد ابن أبي مالك عن أبيه قال: قال عمر - رضي الله تعالى عنه -: ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث أن لا أكون حرمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح، وكذلك ما نقل من الآثار عن أهل البيت.

ويضاف إلى هذه الآثار ما سبق ذكره من الآثار مما لم يذكر هنا وذلك في الكلام على رد استدلال الجمهور بالإجماع.

وأجيب عن تلك الآثار بما يأتي: أما ما روى طاوس عن ابن عباس أن من قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إنما تلزمه طلقة واحدة فقد اعتبره أبو جعفر النحاس من مناكير طاوس التي خولف فيها طاوس[237]، قال: وطاوس وإن كان رجلا صالحا فعنده عن ابن عباس مناكير يخالف عليها، ولا يقبلها أهل العلم، منها أنه روى عن ابن عباس أنه قال في رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا: إنما تلزمه واحدة، ولا يعرف هذا عن ابن عباس إلا من روايته، والصحيح عنه وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - أنها ثلاث كما قال الله - تعالى -: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ) [سورة البقرة الآية: 230] أي الثالثة.

وأما ما روى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة " فقد تعقبه أبو داود في سننه بقوله: ورواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة هذا قوله، ولم يذكر ابن عباس، وجعله قول عكرمة، وعلى فرض ثبوتهما فقد رجع ابن عباس عن ذلك كما صرح أبو داود قال[238]: وصار قول ابن عباس فيما حدثنا أحمد بن صالح ومحمد بن يحيى، وهذا حديث أحمد قالا: نا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن إياس أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثا، فكلهم قالوا: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، قال أبو داود: وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن بكير بن الأشج عن معاوية بن أبي عياش أنه شهد هذه القصة حين جاء محمد بن إياس بن البكير إلى ابن الزبير وعاصم بن عمر فسألهما عن ذلك فقال: اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة - رضي الله عنها - ثم ساق هذا الخبر، قال أبو داود: وقول ابن عباس هو أن الطلاق الثلاث تبين من زوجها مدخولا بها وغير مدخول بها، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، هذا مثل خبر الصرف، قال فيه، ثم إنه رجع عنه، -يعني ابن عباس-. اهـ[239].

وقد ساق في الباب الذي أورد فيه ذلك، -وهو باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث- آثارًا عن سائر أصحاب ابن عباس بخلاف ما ذكر عن طاوس وعكرمة حيث قال: حدثنا حميد بن مسعدة، نا إسماعيل أنا أيوب، عن عبد الله بن كثير عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، قال فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس، وإن الله قال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2]، وإنك لم تتق الله فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، وإن الله - تعالى- قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] قال أبو داود: روى هذا الحديث حميد الأعرج وغيره عن مجاهد عن ابن عباس، ورواه شعبة عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وأيوب وابن جريج جميعا عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وابن جريج، عن عبد الحميد بن رافع عن عطاء عن ابن عباس، ورواه الأعمش عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس وابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قالوا في الطلاق الثلاث: إنه أجازها، قال: وبانت منك، نحو حديث إسماعيل عن أيوب عن عبد الله بن كثير.. اهـ.

وقال الباجي بخصوص ما نقل عن ابن عباس من فتواه بأن الثلاث بفم واحد واحدة ما نصه[240]: " قد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة وانعقد به الإجماع " اهـ.

وأما ما نقله أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث الطليطلي عن ابن وضاح، من أن علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - قد أفتوا بأن من طلق ثلاثا في كلمة واحدة لا يلزمه سوى طلقة واحدة، فيتوقف الاستدلال به على ثبوت السند إليهم بذلك، ولم يثبت.

وقد تعقبه أبو بكر بن العربي في كتابه الناسخ والمنسوخ ونقله عنه ابن القيم قال[241]: قال - تعالى -:  (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] زل قوم في آخر الزمان فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يلزم وجعلوه واحدة، ونسبوه إلى السلف الأول، فحكوه عن علي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطأة الضعيف المنزلة، المغموز المرتبة، ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل، وغوى قوم من أهل المسائل فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه، وقالوا: إن قوله: أنت طالق ثلاثا كذب؛ لأنه لم يطلق ثلاثا كما لو قال: طلقت ثلاثا، ولم يطلق إلا واحدة وكما لو قال: أحلف ثلاثا كانت يمينا واحدة، ومر أبو بكر بن العربي إلى أن قال: وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت لا أصل له في كتاب ولا في رواية له عن أحد، وقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة، فهذا في معناها، فكيف إذا صرح بها؟، وأما حديث الحجاج بن أرطأة فغير مقبول في الملة ولا عند أحد من الأئمة.

قال ابن العربي لم يعرف في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين، وقد سبق العصران الكريمان بالاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم، نقل العدل عن العدل ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا. اهـ.

وقد ذكر ابن القيم ذلك في إغاثة اللهفان[242] بقوله: " لعله إحدى الروايتين عنهم، وإلا فقد صح بلا شك عن ابن مسعود وعلي وابن عباس الإلزام بالثلاث إن أوقعها جملة، وصح عن ابن عباس أنه جعلها واحدة ولم نقف على نقل صحيح عن غيرهم، من الصحابة بذلك، فلذلك لم نعد ما حكي عنهم في الوجوه المبينة للنزاع، وإنما نعد ما وقفنا عليه في مواضعه ونعزوه إليها، وبالله التوفيق " اهـ كلام ابن القيم.

وقال البيهقي في السنن الكبرى[243] في عزو ذلك إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني، أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، ثنا محمد بن عبد الوهاب بن هشام نا علي بن سلمة اللبقي، ثنا أبو أسامة عن الأعمش قال: كان بالكوفة شيخ يقول سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فإنه يرد إلى واحدة، -والناس عنقا وآحادا إذ ذلك يأتونه ويسمعون منه-، قال: فأتيته فقرعت عليه الباب فخرج إلي شيخ، فقلت له: كيف سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يقول: فيمن طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد؟ قال سمعت علي بن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فإنه يرد إلى واحدة، قال: فقلت له: أين سمعت هذا من علي - رضي الله تعالى عنه -؟ قال: أخرج إليك كتابا، فأخرج فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما سمعت علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا في مجلس واحد فقد بانت منه ولا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. قال: فقلت: ويحك هذا غير الذي تقول، قال: الصحيح هو هذا، ولكن هؤلاء أرادوني على ذلك " اهـ.

وأما ما روى أبو يعلى عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - من قوله: " ما ندمت على شيء ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرمت الطلاق" إلخ فلا يصح الاحتجاج به على أن عمر قد ندم آخر حياته على إمضاء الثلاث لأمرين:

أحدهما: أن يزيد بن أبي مالك لم يدرك عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - وقد قال الحافظ الذهبي في " ميزان الاعتدال " في يزيد بن أبي مالك: صاحب تدليس وإرسال عمن لم يدرك، وذكره الحافظ ابن حجر في " تعريف أهل التقديس بالموصوفين بالتدليس " وقال: وصفه أبو مسهر بالتدليس.

الثاني: أن خالد بن يزيد بن أبي مالك وهَّاه ابن معين، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال النسائي: غير ثقة، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن عدي: عن ابن أبي عصمة عن أحمد بن أبي يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: خالد بن يزيد بن أبي مالك ليس بشيء، وقال ابن أبي الحواري: سمعت ابن معين يقول بالعراق: كتاب ينبغي أن يدفن: كتاب الديات لخالد بن يزيد بن أبي مالك، لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة، قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت هذا الكتاب من خالد ثم أعطيته العطار، فأعطى الناس فيه حوائج، وفي " تهذيب التهذيب " للحافظ ابن حجر، قال ابن حيان: كان صدوقا في الرواية ولكنه كان يخطئ كثيرا، وفي حديثه مناكير، لا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد عن أبيه، وقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: متروك الحديث، وذكره ابن الجارود والساجي والعقيلي في الضعفاء. اهـ.

وأجيب عما نقل عن أهل البيت النبوي في اعتبار الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، واحدة بما رواه البيهقي[244] قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، نا أبو عمر وعثمان بن أحمد ابن السمان ببغداد، أنا حنبل بن إسحاق بن حنبل، نا محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، نا مسلمة بن جعفر الأحمسي، قال: قلت لجعفر بن محمد: إن قوما يزعمون أن من طلق ثلاثا بجهالة رد إلى السنة يجعلونها واحدة، يروونها عنكم؟ قال: معاذ الله، ما هذا من قولنا، من طلق ثلاثا فهو كما قال.

وأخبرنا أبو عبد الله، نا أبو محمد الحسن بن سليمان الكوفي ببغداد، نا محمد بن عبد الله الحضرمي، نا إسماعيل بن بهرام، نا الأشجعي عن بسام الصيرفي قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: من طلق امرأته ثلاثا بجهالة أو علم فقد بانت منه. اهـ ونقل السيافي عن صاحب الآمالي أنه قال[245]: حدثنا أبو كريب عن حفص بن غياث قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: من طلق ثلاثا فهي ثلاث، وهو قولنا أهل البيت. ثم ذكر رواية البيهقي عن شيخه الحاكم المتقدمة، وقال السياغي من الروض النضير في وقوع الطلاق بائنا بإرساله ثلاثا بلفظ واحد قال[246]: وهو مذهب جمهور أهل البيت كما حكاه محمد بن منصور عنهم في الأمالي بأسانيده، وروى في الجامع الكافي عن الحسن بن يحيى قال: رويناه عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وعن علي - عليه السلام -، وعلي بن الحسين، وزيد بن علي ومحمد بن علي الباقر، ومحمد بن عمر بن علي، وجعفر بن محمد، وعبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله وخيار آل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، ثم قال الحسن: أجمع آل الرسول على أن الذي يطلق ثلاثا في كلمة واحدة أنها قد حرمت عليه وسواء كان قد دخل بها الزوج أو لم يدخل، ورواه في (البحر) عن ابن عباس وابن عمر وعائشة وأبي هريرة وعن علي - عليه السلام - والناصر والمؤيد بالله وتخريجه، والإمام يحيى والفريقين ومالك وبعض الإمامية، قال ابن القيم: وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة اهـ. وذهب إليه ابن حزم في المحلى وأطال الاحتجاج عليه، اهـ المراد من الروض النضير.

المذهب الثالث: يقع في المدخول بها ثلاثا وبغير المدخول بها واحدة، وذكر ابن القيم أنه أخذ بالحديث الوارد في التفرقة: إسحاق بن راهوية وخلق من السلف جعلوا الثلاث واحدة في غير المدخول بها.

وهذا المذهب مبني على ما رواه أبو داود في سننه أن رجلا يقال له: أبو الصهباء وكان كثير السؤال لابن عباس قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من إمارة عمر - رضي الله تعالى عنهما -، فقال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من إمارة عمر - رضي الله تعالى عنهما -، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال: أجروهن عليهم.

قال ابن القيم: رأى هؤلاء أن إلزام عمر بالثلاث هو في حق المدخول بها، وحديث أبي الصهباء في غير المدخول بها، قالوا: ففي هذا التفريق موافقة المنقول من الجانبين وموافقة القياس. انتهى.

وقد سبقت مناقشة هذا الدليل في الجواب الثالث من الأجوبة على حديث ابن عباس، وهو الدليل الأول للمذهب الثاني.

المذهب الرابع: عدم وقوع الطلاق مطلقا؛ لأن إيقاع الطلاق على ذلك الوجه بدعة محرمة فهو مردود لحديث: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد))[247] وقد حكي هذا القول للإمام أحمد فأنكره، وقال: هو قول الرافضة، كما نص عليه ابن القيم في زاد المعاد، وذكر بأن القول بعدم الوقوع جملة هو مذهب الإمامية، قال: وحكوه عن جماعة من أهل البيت، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة الفرق بين الطلاق الحلال والحرام: أن القول بعدم الوقوع محدث مبتدع، قاله بعض المعتزلة والشيعة ولا يعرف عن أحد من السلف. اهـ.

وقال ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم في شرحه لحديث: ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد))[248] قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث وسئل عمن قال: لا يقع الطلاق المحرم؛ لأنه يخالف ما أمر به، فقال: هذا قول سوء رديء ثم ذكر قصة ابن عمر وأنه احتسب بطلاقه في الحيض، وقال أبو عبيد: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار حجازهم وتهامهم، ويمنهم وشامهم، وعراقهم ومصرهم، وحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يحفظ قوله من أهل العلم إلا ناسا من أهل البدع لا يعتد بهم. اهـ.

وفيما يلي كلام مجمل لابن تيمية في المسألتين: قال[249]: " الأصل الثاني " أن الطلاق المحرم الذي يسمى: " طلاق البدعة " إذ أوقعه الإنسان هل يقع، أم لا؟ فيه نزاع بين السلف والخلف، والأكثرون يقولون بوقوعه مع القول بتحريمه، وقال آخرون: لا يقع مثل طاوس، وعكرمة، وخلاس، وعمر، ومحمد بن إسحاق، وحجاج بن أرطأة، وأهل الظاهر كداود وأصحابه، وطائفة من أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد، ويروى عن أبي جعفر الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وغيرهما من أهل البيت، وهو قول أهل الظاهر: داود وأصحابه، لكن منهم من لا يقول بتحريم الثلاث، ومن أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد من عرف أنه لا يقع مجموع الثلاث إذا أوقعها جميعا، بل يقع منها واحدة.

ولم يعرف قوله في طلاق الحائض، ولكن وقوع الطلاق جميعا قول طوائف من أهل الكلام والشيعة، ومن هؤلاء من يقول: إذا أوقع الثلاث جملة لم يقع به شيء أصلا، لكن هذا قول مبتدع لا يعرف لقائله سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وطوائف من أهل الكلام والشيعة، لكن ابن حزم من الظاهرية لا يقول بتحريم جمع الثلاث، فلذا يوقعها، وجمهورهم على تحريمها وأنه لا يقع إلا واحدة.

ومنهم من عرف قوله في الثلاث، ولم يعرف قوله في الطلاق في الحيض، كمن ينقل عنه من أصحاب أبي حنيفة ومالك، وابن عمر روى عنه من وجهين أنه لا يقع، وروى عنه من وجوه أخرى أشهر وأثبت أنه يقع، وروى ذلك عن زيد.

وأما " جمع الثلاث " فأقوال الصحابة فيها كثيرة مشهورة: روي الوقوع فيها عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة وعمران بن الحصين وغيرهم، وروي عدم الوقوع فيها عن أبي بكر، وعن عمر صدرا من خلافته، وعلي بن أبي طالب وابن مسعود، وابن عباس أيضا، وعن الزبير، وعبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -.

قال أبو جعفر أحمد بن محمد بن مغيث في كتابه الذي سماه: " المقنع في أصول الوثائق وبيان ما في ذلك من الدقائق ": وطلاق البدعة أن يطلقها ثلاثا في كلمة واحدة، فإن فعل لزمه الطلاق.. ثم اختلف أهل العلم بعد إجماعهم على أنه مطلق كم يلزمه من الطلاق؟ فقال علي بن أبي طالب، وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما -: يلزمه طلقة واحدة، وكذا قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -؛ وذلك لأن قوله: " ثلاثا " لا معنى له؛ لأنه لم يطلق ثلاث مرات؛ لأنه إذا كان مخبرا عما مضى فيقول: طلقت ثلاث مرات، يخبر عن ثلاث طلقات أتت منه في ثلاثة أفعال كانت منه، فذلك يصح، ولو طلقها مرة واحدة فقال: طلقها ثلاث مرات لكان كاذبا.

وكذلك لو حلف بالله - تعالى- ثلاثا يردد الحلف كانت ثلاثة أيمان، وأما لو حلف بالله - تعالى - فقال: أحلف بالله - تعالى - ثلاثا لم يكن حلف إلا يمينا واحدة، والطلاق مثله، قال: ومثل ذلك قال الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف روينا ذلك كله عن ابن وضاح، يعني الإمام محمد بن وضاح الذي يأخذ عن طبقة أحمد بن حنبل وابن أبي شيبة ويحيى بن معين وسحنون بن سعيد وطبقتهم، قال: وبه قال من شيوخ قرطبة ابن زنباع شيخ هدى، ومحمد بن عبد السلام الخشني فقيه عصره، وابن بقي بن مخلد، وأصبغ بن الحباب، وجماعة سواهم من فقهاء قرطبة، وذكر هذا عن بضعة عشر فقيها من فقهاء طليطلة المتعبدين على مذهب مالك بن أنس.

قلت: وقد ذكره التلمساني رواية عن مالك، وهو قول محمد بن مقاتل الرازي من أئمة الحنفية حكاه عن المازني وغيره، وقد ذكر هذا رواية عن مالك، وكان يفتي بذلك أحيانا الشيخ أبو البركات ابن تيمية، وهو وغيره يحتجون بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه وأبو داود وغيرهما عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر - رضي الله تعالى عنهما - طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم، وفي رواية: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأمضاه عليهم، وأجازه.

والذين ردوا هذا الحديث تأولوه بتأويلات ضعيفة، وكذلك كل حديث فيه: أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ألزم الثلاث بيمين أوقعها جملة، أو أن أحدا في زمنه أوقعها جملة فألزمه بذلك مثل حديث يروى عن علي، وآخر عن عبادة بن الصامت، وآخر عن الحسن عن ابن عمر، وغير ذلك فكلها أحاديث ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة ويعرف أهل العلم بنقد الحديث أنها موضوعة، كما هو مبسوط في موضعه.

وأقوى ما ردوه به أنهم قالوا: ثبت عن ابن عباس من غير وجه أنه أفتى بلزوم الثلاث، وجواب المستدلين أن ابن عباس روي عنه من طريق عكرمة أيضا: أنه كان يجعلها واحدة، وثبت عن عكرمة عن ابن عباس ما يوافق حديث طاوس مرفوعا إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وموقوفا على ابن عباس، ولم يثبت خلاف ذلك عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم – فالمرفوع: أن ركانة طلق امرأته ثلاثا، فردها عليه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -[250]، قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا سعيد بن إبراهيم، حدثنا أبي عن ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة مولى ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم – ((كيف طلقتها؟)) قال: فقال: طلقتها ثلاثا، قال: ((في مجلس واحد؟)) قال: نعم، قال: ((فإنها تلك واحدة فارجعها إن شئت))" قال: فراجعها[251]، وكان ابن عباس يقول: إنما الطلاق عند كل طهر.

قلت: وهذا الحديث قال فيه ابن إسحاق: حدثني داود -وداود من شيوخ مالك ورجال البخاري، وابن إسحاق إذا قال: حدثني، فهو ثقة عند أهل الحديث-، وهذا إسناد جيد، وله شاهد من وجه آخر رواه أبو داود في السنن، ولم يذكر أبو داود هذا الطريق الجيد؛ فلذلك ظن أن تطليقة واحدة بائنا أصح، وليس الأمر كما قال، بل الإمام أحمد رجح هذه الرواية على تلك وهو كما قال أحمد، وقد بسطنا الكلام على ذلك في موضع آخر.

وهذا المروي عن ابن عباس في حديث ركانة من وجهين، -وهو رواية عكرمة عن ابن عباس- من وجهين عن عكرمة، وهو أثبت من رواية عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، ونافع بن عجير: أنه طلقها ألبتة، و" أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - استحلفه، فقال: ((ما أردت إلا واحدة؟))[252]؛ فإن هؤلاء مجاهيل لا تعرف أحوالهم، وليسوا فقهاء، وقد ضعف حديثهم أحمد بن حنبل وأبو عبيد وابن حزم، وغيرهم، وقال أحمد ابن حنبل: حديث ركانة في البتة ليس بشيء، وقال أيضا: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس " أن ركانة طلق امرأته ثلاثا " وأهل المدينة يسمون " ثلاثا " البتة، فقد استدل أحمد على بطلان حديث البتة بهذا الحديث الآخر الذي فيه أنه طلقها ثلاثا، وبين أن أهل المدينة يسمون من طلق ثلاثا طلق البتة، وهذا يدل على ثبوت الحديث عنده، وقد بينه غيره من الحفاظ، وهذا الإسناد، وهو قول ابن إسحاق: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: هو إسناد ثابت عن أحمد وغيره من العلماء.

وبهذا الإسناد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "رد ابنته زينب على زوجها بالنكاح الأول"[253]، وصحح ذلك أحمد وغيره من العلماء، وابن إسحاق إذا قال: حدثني فحديثه صحيح عند أهل الحديث، إنما يخاف عليه التدليس إذا عنعن، وقد روى أبو داود في سننه هذا عن ابن عباس من وجه آخر، وكلاهما يوافق حديث طاوس عنه، وأحمد كان يعارض حديث طاوس بحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثا، ونحوه.

وكان أحمد يرى جمع الثلاث جائزا، ثم رجع أحمد عن ذلك، وقال: تدبرت القرآن فوجدت الطلاق الذي فيه هو الرجعي، -أو كما قال-، واستقر مذهبه على ذلك، وعليه جمهور أصحابه، وتبين من حديث فاطمة أنها كانت مطلقة ثلاثا متفرقات لا مجموعة، وقد ثبت عنده حديثان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من جمع ثلاثا لم يلزمه إلا واحدة، وليس عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ما يخالف ذلك، بل القرآن يوافق ذلك، والنهي عنده يقتضي الفساد، فهذه النصوص والأصول الثابتة عنه تقتضي من مذهبه أنه لا يلزمه إلا واحدة، وعدوله عن القول بحديث ركانة وغيره كان أولا لما عارض ذلك عنده من جواز جمع الثلاث، فكان ذلك يدل على النسخ، ثم إنه رجع عن المعارضة وتبين له فساد هذا المعارض، وأن جمع الثلاث لا يجوز: فوجب على أصله العمل بالنصوص السالمة عن المعارض، وليس يعل حديث طاوس بفتيا ابن عباس بخلافه، وهذا علمه في إحدى الروايتين عنه، ولكن ظاهر مذهبه الذي عليه أصحابه أن ذلك لا يقدح في العمل بالحديث، لا سيما وقد بين ابن عباس عذر عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في الإلزام بالثلاث، وابن عباس عذره هو العذر الذي ذكره عن عمر - رضي الله تعالى عنه -، وهو أن الناس لما تتابعوا فيما حرم الله - تعالى- عليهم استحقوا العقوبة على ذلك فعوقبوا بلزومه، بخلاف ما كانوا عليه قبل ذلك، فإنهم لم يكونوا مكثرين من فعل المحرم.

وهذا كما أنهم لما أكثروا شرب الخمر واستخفوا بحدها كان عمر يضرب فيها ثمانين، وينفي فيها، ويحلق الرأس، ولم يكن ذلك على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وكما قاتل عليٌ بعض أهل القبلة، ولم يكن ذلك على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -، والتفريق بين الزوجين هو ما كانوا يعاقبون به أحيانا: إما مع بقاء النكاح، وإما بدونه؛ فالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فرق بين الثلاثة الذين خلفوا وبين نسائهم حتى تاب الله عليهم من غير طلاق، والمطلق ثلاثا حرمت عليه امرأته حتى تنكح زوجا غيره عقوبة له ليمتنع عن الطلاق.

وعمر بن الخطاب ومن وافقه -كمالك وأحمد في إحدى الروايتين- حرموا المنكوحة في العدة على الناكح أبدا؛ لأنه استعجل ما أحله الله فعوقب بنقيض قصده، والحكم أن لهما عند أكثر السلف أن يفرقا بينهما بلا عوض إذا رأيا الزوج ظالما معتديا؛ لما في ذلك من منعه من الظلم ودفع الضرر عن الزوجة، ودل على ذلك الكتاب والسنة والآثار، وهو قول مالك وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد، وألزم عمر بالثلاث لما أكثروا منه: إما أن يكون رآه عقوبة تستعمل وقت الحاجة، وإما أن يكون رآه شرعا لازما، لاعتقاده أن الرخصة كانت لما كان المسلمون لا يوقعونه إلا قليلا، وهكذا، كما اختلف كلام الناس في نهيه عن المتعة، هل كان نهي اختيار؛ لأن إفراد الحج بسفرة والعمرة بسفرة كان أفضل من التمتع، أو كان قد نهى عن الفسخ؛ لاعتقاده أنه كان مخصوصا بالصحابة؟ وعلى التقديرين فالصحابة قد نازعوه في ذلك، وخالفه كثير من أئمتهم من أهل الشورى وغيرهم في المتعة، وفي الإلزام بالثلاث، وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، كما أن عمر كان يرى أن المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى، ونازعه في ذلك كثير من الصحابة، وأكثر العلماء على قولهم، وكان هو وابن مسعود يريان أن الجنب لا يتيمم، وخالفهما عمار وأبو موسى وابن عباس وغيرهم من الصحابة، وأطبق العلماء على قول هؤلاء، لما كان معهم الكتاب والسنة، والكلام على هذا كثير مبسوط في موضع آخر، والمقصود هنا التنبيه على ما أخذ الناس به.

والذين لا يرون الطلاق المحرم لازما يقولون: هذا هو الأصل الذي عليه أئمة الفقهاء: كمالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، وهو أن إيقاعات العقود المحرمة لا تقع لازمة كالبيع المحرم، والنكاح المحرم، والكتابة المحرمة، ولهذا أبطلوا نكاح الشغار، ونكاح المحلل، وأبطل مالك وأحمد البيع يوم الجمعة عند النداء، وهذا بخلاف الظهار المحرم؛ فإن ذلك نفسه محرم، كما يحرم القذف وشهادة الزور، واليمين الغموس، وسائر الأقوال التي هي في نفسها محرمة، فهذا لا يمكن أن ينقسم إلى صحيح وغير صحيح، بل صاحبها يستحق العقوبة بكل حال، فعوقب المظاهر بالكفارة، ولم يحصل ما قصده به من الطلاق؛ فإنهم كانوا يقصدون به الطلاق، وهو موجب لفظه، فأبطل الشارع ذلك؛ لأنه قول محرم، وأوجب فيه الكفارة.

وأما الطلاق فجنسه مشروع: كالنكاح والبيع، فهو يحل تارة، ويحرم تارة فينقسم إلى صحيح وفاسد، كما ينقسم البيع والنكاح، والنهي في هذا الجنس يقتضي فساد المنهي عنه، ولما كان أهل الجاهلية يطلقون بالظهار فأبطل الشارع ذلك؛ لأنه قول محرم كان مقتضى ذلك أن كل قول محرم لا يقع به الطلاق، وإلا فهم كانوا يقصدون الطلاق بلفظ الظهار كلفظ الحرام، وهذا قياس أصل الأئمة مالك، والشافعي، و أحمد.

ولكن الذين خالفوا قياس أصولهم في الطلاق خالفوه؛ لما بلغهم من الآثار، فلما ثبت عندهم عن ابن عمر أنه اعتد بتلك التطليقة التي طلق امرأته وهي حائض قالوا: هم أعلم بقصته، فاتبعوه في ذلك، ومن نازعهم يقول: ما زال ابن عمر وغيره يروون أحاديث ولا تأخذ العلماء بما فهموه منها؛ فإن الاعتبار بما رووه، لا بما رأوه وفهموه، وقد ترك جمهور العلماء قول ابن عمر الذي فسر به قوله: " فاقدروا له "، وترك مالك وأبو حنيفة وغيرهما تفسيره لحديث: ((البيعان بالخيار))[254] مع أن قوله هو ظاهر الحديث، وترك جمهور العلماء تفسيره لقوله - تعالى -: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) [سورة البقرة الآية: 223] وقوله: نزلت هذه الآية في كذا، وكذلك إذا خالف الراوي ما رواه، كما ترك الأئمة الأربعة وغيرهم قول ابن عباس: أن بيع الأمة طلاقها، مع أنه روى حديث بريرة وأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - خيَّرها بعد أن بيعت وعتقت؛ فإن الاعتبار بما رووه، لا ما رأوه وفهموه.

ولما ثبت عندهم عن أئمة الصحابة أنهم ألزموا بالثلاث المجموعة، قالوا: لا يلزمون بذلك إلا وذلك مقتضى الشرع، واعتقد طائفة لزوم هذا الطلاق وأن ذلك إجماع، لكونهم لم يعلموا خلافا ثابتا، لا سيما وصار القول بذلك معروفا عن الشيعة الذين لم ينفردوا عن أهل السنة بحق.

قال المستدلون: هؤلاء الذين هم بعض الشيعة وطائفة من أهل الكلام يقولون: جامع الثلاث لا يقع به شيء، هذا القول لا يعرف عن أحد من السلف، بل قد تقدم الإجماع على بعضه، وإنما الكلام هل يلزمه واحدة؟ أو يقع ثلاثا؟ والنزاع بين السلف في ذلك ثابت لا يمكن رفعه، وليس مع من جعل ذلك شرعا لازما للأمة حجة يجب اتباعها من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، وإن كان بعضهم قد احتج على هذا بالكتاب، وبعضهم بالسنة، وبعضهم بالإجماع، وقد احتج بعضهم بحجتين أو أكثر من ذلك، لكن المنازع يبين أن هذه كلها حجج ضعيفة، وأن الكتاب والسنة والاعتبار إنما تدل على نفي اللزوم، وتبين أنه لا إجماع في المسألة، بل الآثار الثابتة عمن ألزم بالثلاث مجموعة عن الصحابة تدل على أنهم لم يكونوا يجعلون ذلك مما شرعه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأمته شرعا لازما، كما شرع تحريم المرأة بعد الطلقة الثالثة، بل كانوا مجتهدين في العقوبة بإلزام ذلك إذا كثر، ولم ينته الناس عنه.

وقد ذكرت أن الألفاظ المنقولة عن الصحابة تدل على أنهم ألزموا بالثلاث لمن عصى الله - تعالى -بإيقاعها جملة، فأما من كان يتقي الله فإن الله يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [سورة الطلاق الآية: 2-3] فمن لا يعلم التحريم حتى أوقعها، ثم لما علم التحريم تاب والتزم أن لا يعود إلى المحرم، فهذا لا يستحق أن يعاقب، وليس في الأدلة الشرعية: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، ما يوجب لزوم الثلاث له، ونكاحه ثابت بيقين، وامرأته محرمة على الغير بيقين، وفي التزامه بالثلاث إباحتها للغير مع تحريمها عليه وذريعة إلى نكاح التحليل الذي حرمه الله ورسوله.

و" نكاح التحليل " لم يكن ظاهرا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه، ولم ينقل قط أن امرأة أعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إلى زوجها بنكاح تحليل، بل: " لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - المحلل والمحلل له[255]، و "لعن آكل الربا، وموكله وشاهديه وكاتبه[256]"، ولم يذكر في التحليل الشهود ولا الزوجة ولا الوالي؛ لأن التحليل الذي كان يفعل كان مكتوما بقصد المحلل، أو يتواطأ عليه هو والمطلق المحلل له، والمرأة ووليها لا يعلمون قصده ولو علموا لم يرضوا أن يزوجوه؛ فإنه من أعظم المستقبحات والمنكرات عند الناس، ولأن عاداتهم لم تكن بكتابة الصداق في كتاب، ولا إشهاد عليه، بل كانوا يتزوجون ويعلنون النكاح، ولا يلتزمون أن يشهدوا عليه شاهدين وقت العقد، كما هو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإشهاد على النكاح حديث صحيح، هكذا قال أحمد بن حنبل وغيره.

فلما لم يكن على عهد عمر - رضي الله تعالى عنه - تحليل ظاهر، ورأى في إنفاذ الثلاث؛ زجرا لهم عن المحرم فعل ذلك باجتهاده، أما إذا كان الفاعل لا يستحق العقوبة، وإنفاذ الثلاث يفضي إلى وقوع التحليل المحرم بالنص وإجماع الصحابة، والاعتقاد وغير ذلك من المفاسد، لم يجز أن يزال مفسدة حقيقة بمفاسد أغلظ منها، بل جعل الثلاث واحدة في مثل هذا الحال كما كان على عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر أولى، ولهذا كان طائفة من العلماء مثل أبي البركات يفتون بلزوم الثلاث في حال دون حال، كما نقل عن الصحابة، وهذا: إما لكونهم رأوه من " باب التعزير " الذي يجوز فعله بحسب الحاجة، كالزيادة على أربعين في الخمر والنفي فيه، وحلق الرأس، وإما لاختلاف اجتهادهم، فرأوه تارة لازما وتارة غير لازم.

وبالجملة فما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته شرعا لازما إنما لا يمكن تغييره؛ لأنه لا يمكن نسخ بعد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، ولا يجوز أن يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقصد هذا، ولا سيما الصحابة، لا سيما الخلفاء الراشدون، وإنما يظن ذلك في الصحابة أهل الجهل والضلال: كالرافضة والخوارج الذين يكفرون بعض الخلفاء أو يفسقونه، ولو قدر أن أحدا فعل ذلك لم يقره المسلمون على ذلك؛ فإن هذا إقرار على أعظم المنكرات، والأمة معصومة أن تجتمع على مثل ذلك، وقد نقل عن طائفة: كعيسى بن أبان وغيره من أهل الكلام والرأي من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة ومالك: أن الإجماع ينسخ به نصوص الكتاب والسنة.

وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن الإجماع يدل على نص ناسخ، فوجدنا من ذكر عنهم أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخا، فإن كانوا أرادوا ذلك فهذا قول يُجَوز تبديل المسلمين دينهم بعد نبيهم، كما تقول النصارى من: أن المسيح سوغ لعلمائهم أن يحرموا ما رأوا تحريمه مصلحة، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة، وليس هذا دين المسلمين، ولا كان الصحابة يسوغون ذلك لأنفسهم، ومن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك، فإنه يستتاب كما يستتاب أمثاله، ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم والمفتي فيصيب فيكون له أجران، ويخطئ فيكون له أجر واحد.

وما شرعه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - شرعا معلقا بسبب إنما يكون مشروعا عند وجود السبب: كإعطاء المؤلفة قلوبهم، فإنه ثابت بالكتاب والسنة، وبعض الناس ظن أن هذا نسخ، لما روي عن عمر: أنه ذكر أن الله أغنى عن التآلف، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهذا الظن غلط، ولكن عمر استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبهم، فترك ذلك لعدم الحاجة إليه لا لنسخه، كما لو فرض أنه عدم في بعض الأوقات ابن السبيل، والغارم ونحو ذلك.

ومتعة الحج قد روي عن عمر أنه نهى عنها، وكان ابنه عبد الله بن عمر وغيره يقولون: لم يحرمها، وإنما قصد أن يأمر الناس بالأفضل، وهو أن يعتمر أحدهم من دويرة أهله في غير أشهر الحج؛ فإن هذه العمرة أفضل من عمرة المتمتع والقارن باتفاق الأئمة، حتى إن مذهب أبي حنيفة وأحمد منصوص عنه أنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج وأفرد الحج في أشهره فهذا أفضل من مجرد التمتع والقران، مع قولهما بأنه أفضل من الإفراد المجرد، ومن الناس من قال: إن عمر أراد فسخ الحج إلى العمرة، قالوا: إن هذا محرم به ولا يجوز، وأن ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه من الفسخ كان خاصا بهم، وهذا قول كثير من الفقهاء: كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وآخرون من السلف والخلف قابلوا هذا، وقالوا: بل الفسخ واجب، ولا يجوز أن يحج أحد إلا متمتعاً مبتدئا أو فاسخا، كما أمر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أصحابه في حجة الوداع، وهذا قول ابن عباس وأصحابه ومن اتبعه من أهل الظاهر والشيعة، والقول الثالث: أن الفسخ جائز، وهو أفضل ويجوز أن لا يفسخ، وهو قول كثير من السلف والخلف كأحمد بن حنبل وغيره من فقهاء الحديث، ولا يمكن الإنسان أن يحج حجة مجمعا عليها إلا أن يحج متمتعا ابتداء من غير فسخ.

فأما حج المفرد والقارن: ففيه نزاع معروف بين السلف والخلف، كما تنازعوا في جواز الصوم في السفر، وجواز الإتمام في السفر، ولم يتنازعوا في جواز الصوم والقصر في الجملة.

وعمر لما نهى عن المتعة خالفه غيره من الصحابة، كعمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وغيرهم، بخلاف نهيه عن متعة النساء، فإن عليا وسائر الصحابة وافقوه على ذلك، وأنكر علي على ابن عباس إباحة المتعة، قال: إنك امرؤ تائه، إن رسول الله - صلى الله - تعالى -عليه وسلم - حرم متعة النساء، وحرم لحوم الحمر الأهلية عام خيبر[257]، فأنكر علي بن أبي طالب على ابن عباس إباحة الحمر، وإباحة متعة النساء؛ لأن ابن عباس كان يبيح هذا وهذا، فأنكر عليه علي ذلك، وذكر له: " أن رسول الله - صلى الله - تعالى -عليه وسلم حرم المتعة، وحرم الحمر الأهلية[258]، ويوم خيبر كان تحريم الحمر الأهلية، وأما تحريم المتعة فإنه عام فتح مكة، كما ثبت ذلك في الصحيح، وظن بعض الناس أنها حرمت، ثم أبيحت، ثم حرمت، فظن بعضهم أن ذلك ثلاثا، وليس الأمر كذلك.

فقول عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: " إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت له فيه أناة، فلو أنفذناه عليهم فأنفذه عليهم: هو بيان أن الناس أحدثوا ما استحقوا عنده أن ينفذ عليهم الثلاث، فهذا إما أن يكون كالنهي عن متعة الفسخ، لكون ذلك كان مخصوصا بالصحابة وهو باطل؛ فإن هذا كان على عهد أبي بكر - رضي الله تعالى عنه -، ولأنه لم يذكر ما يوجب اختصاص الصحابة بذلك، وبهذا أيضا تبطل دعوى من ظن ذلك منسوخا كنسخ متعة النساء، وإن قدر أن عمر رأى ذلك لازما فهو اجتهاد منه اجتهده في المنع من فسخ الحج لظنه أن ذلك كان خاصا.

وهذا قول مرجوح قد أنكره غير واحد من الصحابة، والحجة الثانية هي مع من أنكره، وهكذا الإلزام بالثلاث، من جعل قول عمر فيه شرعا لازما قيل له: فهذا اجتهاده قد نازعه فيه غيره من الصحابة، وإذا تنازعوا في شيء وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، والحجة مع من أنكر هذا القول المرجوح.

وإما أن يكون عمر جعل هذا عقوبة تفعل عند الحاجة، وهذا أشبه الأمرين بعمر، ثم العقوبة بذلك يدخلها الاجتهاد من وجهين:

من جهة أن العقوبة بذلك: هل تشرع؟ أم لا؟؛ فقد يرى الإمام أن يعاقب بنوع لا يرى العقوبة به غيره، كتحريق علي الزنادقة بالنار، وقد أنكره عليه ابن عباس، وجمهور الفقهاء مع ابن عباس.

ومن جهة أن العقوبة إنما تكون لمن يستحقها فمن كان من المتقين استحق أن يجعل الله له فرجا ومخرجا، لم يستحق العقوبة، ومن لم يعلم أن جمع الثلاث محرم، فلما علم أن ذلك محرم تاب من ذلك اليوم أن لا يطلق إلا طلاقا سنيا فإنه من المتقين، فمثل هذا لا يتوجه إلزامه بالثلاث مجموعة بل يلزمه بواحدة منها، وهذه المسائل عظيمة وقد بسطنا الكلام عليها في موضع آخر من مجلدين، وإنما نبهنا عليها هنا تنبيها لطيفا.

والذي يحمل عليه أقوال الصحابة أحد أمرين: إما أنهم رأوا ذلك من باب التعزير الذي يجوز فعله بحسب العادة: كالزيادة على أربعين في الخمر، وإما لاختلاف اجتهادهم فرأوه لازما، وتارة غير لازم، وأما القول بكون لزوم الثلاث شرعا لازماً، كسائر الشرائع، فهذا لا يقوم فيه دليل شرعي، وعلى هذا القول الراجح لهذا الموقع أن يلتزم طلقة واحدة ويراجع امرأته، ولا يلزمه شيء؛ لكونها كانت حائضا، إذ كان ممن اتقى وتاب من البدعة.

الخلاصة:

اتفق الفقهاء على أن طلاق السنة -بالنسبة لعدد الطلاق- أن يطلق الرجل زوجته طلقة واحدة مدخولا بها أم غير مدخول بها، ثم له أن يمسك المدخول بها فيراجعها ما دامت في العدة، وله أن يتركها فلا يراجعها حتى تنقضي عدتها فتبين منه، وهذا هو التسريح لها بإحسان، واتفقوا أيضاً على أنه إذا عاد إلى مطلقته برجعة أو عقد ثم طلقها طلقة واحدة فطلاقه طلاق سنة، ولو فعل مثل هذا مرة ثالثة كان طلاقه طلاق سنة باتفاق.

واختلفوا فيما لو طلق امرأته ثلاثا بأن قال لها: أنت طالق ثلاثا، مثلا، هل هو طلاق بدعة أو لا؟ واختلفوا أيضا فيما لو طلق المدخول بها طلقة ثم أتبعها أخرى في نفس الطهر أو الطهر الثاني أو الثالث قبل أن يراجعها، هل هو طلاق بدعة أو لا؟.

ومحل البحث ما لو قال لها في لفظ واحد: أنت طالق ثلاثا مثلا، هل هو بدعة ممنوعة أو لا؟ وهل يعتد به أو لا؟ فهاتان مسألتان في كل منهما خلاف بين العلماء، وفيما يلي خلاصة القول فيهما:

المسألة الأولى: في حكم الإقدام على جمع الثلاث بكلمة واحدة: وفيه قولان:

1 - القول الأول: أنه بدعة ممنوعة، وهو قول الحنفية والمالكية وإحدى الروايتين عن أحمد وقول ابن تيمية وابن القيم، وقد استدلوا لذلك بأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعنى والقياس:

أما القرآن: فمنه قوله - تعالى -: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)  إلى قوله: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [سورة الطلاق الآية: 1-2] قيل: المراد: الأمر بتفريق الطلقات الثلاث على أطهار العدة الثلاثة، والأمر بالتفريق نهي عن الجمع نهي تحريم، أو نهي كراهة فكان جمع الثلاث في طهر واحدة بدعة ممنوعة.

وذكر ابن تيمية أن الله لم يبح في هذه الآية إلا الطلاق الرجعي لقوله - تعالى -: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] والأمر هو الندم على الطلاق، والرغبة في الرجعة، ولقوله - تعالى -: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [سورة الطلاق الآية: 2]، فخيَّر - سبحانه - بين الرجعة قبل انقضاء العدة دون مضارة للزوجة، وبين تركها حتى تنقضي عدتها فتبين منه، وأنه - سبحانه - لم يبح فيها إلا الطلاق للعدة، فإرداف الطلاق للطلاق في العدة ولو في طهر آخر ممنوع لقوله - تعالى -: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1]؛ إذ المعنى الأمر بطلاقهن مستقبلات عدتهن، ومن طلق زوجته الطلقة الثانية في طهرها الثاني، والثالثة في طهرها الثالث بنت مطلقته على ما مضى من عدتها ولم تستأنف العدة للثاني ولا للثالث، فلم يكن طلاقا للعدة، فكان غير مشروع.

ومنه قوله - تعالى –: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] ووجه الاستدلال أن هذه الجملة خبرية لفظاً، طلبية معنى، لئلا يلزم الخلف في خبره - تعالى -، ولهذا نظائر في الكتاب والسنة ولغة العرب، فالمعنى إذا عزمتم الطلاق فطلقوه مرة بعد مرة؛ إذ لا يقال لمن دفع درهمين لإنسان دفعة أنه أعطاه مرتين إلى غير هذا من النظائر، والأمر بالتفريق نهي عن الجمع فكان ممنوعاً.

فإن قيل: إذا كان كل الطلاق في دفعتين كان الواقع منه في دفعة طلقتين، وفي الأخرى طلقة، فكان الجمع بين طلقتين مشروعا، وإذن يكون الجمع بين الثلاث مشروعا؛ إذ لا فرق.

فالجواب أن الآية أمرت بتفريق الطلقتين من الثلاث لا بتفريق الثلاث، بدليل ما ذكر بعدُ من مشروعية الرجعة، وفي معناه: ما قيل من أن المراد: أوقِعوا الطلاق الرجعي المذكور في قوله - تعالى –: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ...الآية) [سورة البقرة الآية: 228]، مرة بعد مرة، ومن طلق ثلاثا، أو طلقتين دفعة، لم يفعل ما أمر به فكان مبتدعا في طلاقه، كما أن من قال: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاثا وثلاثين عقب المكتوبات مكتفيا بذكر اسم العدد عن تكرار كلٍّ من التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين مرة لم يكن آتيا بما أمر به كما أمر، فكان مبتدعا.

وقيل في وجه الاستدلال بالآية: إن المراد الإخبار عن صفة الطلاق الشرعي، والألف واللام في الطلاق للحصر فيقتضي ذلك المنع من الطلاق على غير هذه الصفة؛ لكونه بدعة مخالفة للشرع.

فإن قيل: المراد الإخبار عن أن الطلاق الرجعي طلقتان، وما زاد فليس برجعي، يدل عليه قوله بعد ذلك: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] أجيب بأنه لو كان المراد ما ذكرتم لقال: الطلاق طلقتان، سواء أوقعهما الزوج مجتمعتين أم مفترقتين، فلما قال: مرتان - اقتضى إيقاعه مفترقًا، وثبت أن المراد الإخبار عن صيغة إيقاعه.

فإن قيل: لفظ التكرار إذا علق باسم أريد به تضعيف العدد دفعة دون تكرار الفعل كما في قوله - تعالى -: (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] ونحوها؛ فإن المراد تضعيف العدد لا تفريق الأجر، أجيب بأن المراد: نؤتها أجرها مرة بعد مرة كما روي عن بعض السلف، وعلى تقدير أن المراد في الآية تضعيف العدد دفعة يقال: إن الأصل فيما ذكر تكرار الفعل إلا إذا دل دليل على إرادة تضعيف العدد فيعدل إليها استثناء كما في الآية (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31] وما عداه يبقى على الأصل، على أنه لو أريد بقوله - تعالى –: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] تضعيف العدد دفعة لمنع الزوج من إيقاع طلقة مفردة، وهذا باطل بإجماع.

وأجيب أيضا بأن الفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان فلا يتصور فيه الجمع كآية الطلاق، وبين ما يكون مثلين وجزأين ومرتين في المضاعفة فيتصور فيه الجمع كما في آية (نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ) [سورة الأحزاب الآية: 31]، وآية (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) [سورة التوبة الآية: 101] ونحوهما.

ومنه قوله - تعالى -: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ... الآية) [سورة البقرة الآية: 232] ، وهذا إنما يكون فيما دون الثلاث، وهو يعم كل طلاق، لوقوعه في حيز الشرط، فعلم أن جمع الثلاث غير مشروع.

ومن السنة حديث: ((تزوجوا ولا تطلقوا)) إلخ، قيل: نهى عن الطلاق لأمر ملازم له لا لعينه؛ لأنه بقي معتبرا شرعا في حق الحكم بعد النهي، والمراد - والله أعلم - الجمع بين طلقتين أو أكثر من طهر والطلاق في الحيض، ولكن هذا الحديث ضعيف فلا يشتغل بمناقشته[259].

ومنها ما روى مخرمة بن بكير عن أبيه: قال سمعت محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاثا تطليقات جميعا فقال: ((فعلته لاعبا)) ثم قال: ((تلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم)) حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله، ألا أقتله[260]؟ وإسناده على شرط مسلم، ودلالة متنه على المنع ظاهرة، واعترض عليه أولا: بأن مخرمة لم يسمع من أبيه، وإنما هو كتاب، وعورض ذلك بقول من قال: سمع من أبيه، ومعه زيادة علم وإثبات فيقدم، وعلى تقدير أنه لم يسمع من أبيه، وإنما رواه من كتابه، وكان كتاب أبيه عنده محفوظا مضبوطا، فقد انعقد الإجماع على قبول الكتاب والعمل به إذا صح عند روايةٍ أنه من كتاب شيخه، بل الرواية من الكتاب المصون أوثق، فإن الحفظ يخون والنسخة الثابتة المحفوظة لا تخون، وقد أطال ابن القيم الكلام على توثيق مخرمة واعتبار الرواية من الكتاب، وصحة الاحتجاج بها.

واعترض ثانيا: بأن محمود بن لبيد وإن كان صحابيا إلا أنه لم يثبت له سماع من النبي - صلى الله عليه وسلم - فروايته عنه مرسلة، وأجيب بأن مرسل الصحابي مقبول، فصح الاحتجاج بالحديث.

ومنها حديث عبادة بن الصامت: أن قوما جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إن أبانا طلق امرأته ألفاً، فقال: ((بانت امرأته بثلاث في معصية الله، وبقي تسعمائة وسبعة وتسعون وزرا في عنقه إلى يوم القيامة)) وأجيب بأن في سنده رجالا مجهولين وضعفاء فلا يصلح للاحتجاج به.

ومنها حديث علي قال: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا طلق البتة فغضب، وقال: ((أتتخذون آيات الله هزواً؟ أو دين الله هزوا، أو لعبا، من طلق البتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجها غيره))[261]، فدل غضبه على المنع من جمع الثلاث بلفظ صريح أو كناية، وأجاب الدارقطني بأن في سنده إسماعيل بن أمية القرشي، وهو ضعيف، وقال ابن القيم في سنده مجاهيل وضعفاء فلا يصح الاحتجاج به.

ومنها أن ابن عمر لما طلق امرأته في الحيض وأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بمراجعتها قال: أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكانت تحل لي، قال: ((لا، بانت منك وهي معصية))[262] وأجيب بأن في سنده شعيب بن رزيق وقد تكلموا فيه، وتفرد في هذا الحديث عن الثقات بزيادة قوله: أرأيت لو طلقتها ثلاثا، إلخ، فلم يأت أحد منهم في روايته لهذا الحديث بما أتى به، ولذا لم يروِ حديثه هذا أحد من أصحاب الصحاح ولا السنن.

وأما الإجماع: فقد أنذر عمر من يأتيه وقد طلق امرأته ثلاث تطليقات مجموعة بأن يوجعه ضربا، وحكم كثير من الصحابة بأن من يطلق ثلاثا مجموعة أو أكثر فقد عصى ربه، واستنكروا ذلك من فاعله، وجعلوه متعديا لحدود الله، وانتشر ذلك عنهم دون نكير، فكان إجماعا على المنع من جمع ثلاث طلقات فأكثر دفعة.

وأما المعنى: فمن وجهين:

الأول أن النكاح عقد مصلحة، والطلاق إبطال له، فكان مفسدة، والله لا يحب الفساد.

الثاني: أن النكاح عقد مسنون بل واجب، وفي الطلاق قطع للسنة، أو تفويت للواجب، فكان الأصل فيه الحظر أو الكراهة، إلا أنه رخص فيه للدواعي الطارئة كتوقع مفسدة من استمرار النكاح أشد من مفسدة الطلاق، فيرتكب أخف المفسدتين؛ تفاديا لأشدهما، لكن يقتصر من ذلك على طلقة واحدة، إذ بها تندفع المفسدة، وما زاد عليها فيبقى على الأصل، وهو المنع ويشهد لكون الأصل في الطلاق الحظر حديث: ((أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة))[263]. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه.

وأما القياس: فلأن التطليق ثلاثا دفعة فيه تحريم البضع من غير حاجة، فأشبه الظهار، فكان ممنوعا، ولأن فيه ضررا وإضرارا بنفسه وبامرأته، فأشبه الطلاق في الحيض فكان ممنوعا.

2- القول الثاني: أن جمع الطلاق الثلاث في كلمة ليس بمحرم ولا بدعة، وبه قال الشافعي وأبو ثور وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وجماعة من أهل الظاهر، واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة والآثار والمعنى.

أما الكتاب: فقوله - تعالى -: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230] وقوله - تعالى -: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [سورة الأحزاب الآية: 49] وقوله - تعالى -: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) [سورة البقرة الآية: 241] فهذه تعم إباحة الثلاث والاثنتين؛ فإنه - تعالى - لم يخص مطلقة طلقة واحدة من مطلقة ثلاثا، فليس لأحد أن يخصها إلا بدليل ويمكن أن يقال: إن المقصود في الجمل الشرطية الحكم بما تضمنه الجواب على تقدير تحقق فعل الشرط، بقطع النظر عن كونه فعل الشرط مطلوب الحصول أو مباحا أو ممنوعا، وعلى هذا يكون القصد من آية: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230] الحكم بتحريم الزوجة على زوجها الذي طلقها المرة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره، وقد يكون طلاقها المرة الثالثة مأذونا فيه كما لو طلقها في طهر لم يمسها فيه طلقة، وقد يكون محرما كما لو طلقها المرة الثالثة في حيض مثلا، ويكون القصد من آية: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [سورة الأحزاب الآية: 49] عدم وجوب العدة على تقدير حصول الطلاق قبل الدخول، أما كون طلاقها مباحا أو محرما فيفهم من أمر آخر، وأما آية: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [سورة البقرة الآية: 241] فالقصد منها إثبات المتعة للمطلقة، وجوبا أو ندبا، لا بيان حكم الطلاق، فقد يكون محرما وثبت لها المتعة، وقد يكون مباحا كما تقدم.

وبهذا يتبين أن الآيات الثلاث ليست في محل النزاع.

وأما السنة: فمنها: حديث فاطمة بنت قيس، وفيه أن زوجها طلقها ثلاثا أو طلقها البتة وهو غائب، وبعث إليها وكيله بشعير نفقة لها، فسخطته، فقال: والله، ما لك علينا من شيء، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم – فقال: ((ليس لك عليه نفقة))[264] فلم يعب - صلى الله عليه وسلم - الثلاث مع الإجمال فيما بلغه من خبر الطلاق، ولم يستفسر عن كيفيته، ولفظ البتة هنا مراد به الثلاث، وإلا لم تسقط نفقتها ولا سكناها.

وأجيب برواية الزهري هذا الخبر عن أبي سلمة، وفيه: ذكرت أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وبراوية الزهري أيضا عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود: أن زوجها أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، فذكر الخبر، وفيه أن مروان أرسل إليها قبيصة بن ذؤيب فحدثته... وذكر باقي الخبر، فكان هذا تفسيرا لما في الثلاث أو البتة من الإجمال، وأن ذلك لم يكن مجموعا، وأعلَّ ابن حزم الرواية الثانية بالانقطاع لعدم التصريح بالتحديث أو السماع، ويمكن أن يقال: إن ظاهرها الاتصال؛ لأنها في حكم الرواية بها لمتعته ونحوها، فصلحت تفسيراً للإجمال، وقال ابن حزم أيضا: إن كلا الخبرين ليس فيهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بذلك، ويمكن أن يقال: إن الأصل بيان السائل الثقة الورع لواقع أمره، وخاصة الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك لتطمئن النفس إلى موافقة الجواب للواقع، وعلى تقدير الاحتمال في حديث فاطمة، فحمله على ما كان شائعا كثيرا -وهو إفراد الطلاق- أولى من حمله على النادر وهو جمع الثلاث في كلمة.

ومنها: حديث تلاعن عويمر وامرأته، وفيه: أنه طلقها ثلاثًا بعد اللعان قبل أن يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - فلو كان جمع الثلاث ممنوعا لبين له النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عاص بجمع الثلاث، وعلمه الطلاق المشروع.

وأجيب بأنه لما لم يصادف طلاقه محلا لم ينكر عليه؛ فإنها صارت أجنبية منه لا تحل له أبدا بتمام اللعان لا بالطلاق الثلاث، وإلا لحلت له بعد أن تنكح زوجا آخر، وقد أيد ذلك فيما سبق في حديث محمود بن لبيد من إنكاره - صلى الله عليه وسلم - على من طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، وبهذا يجمع بين خبري الإنكار والسكوت بحمل أحدهما على طلاق صادف محلا، والآخر على ما إذا لم يصادف محلا، وأما قول سهل: فأنفذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله: فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، فسيأتي الكلام عليه في موضعه من المسألة الثانية.

ومنها: حديث المرأة التي طلقها زوجها ثلاثا، والأخرى التي بت زوجتها طلاقها وقد تزوجت كلا منهما بعد ذلك ثم طلقت قبل أن يجامعها، وأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول فقال النبي - صلى الله عليه وسلم –: ((لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك))[265]، فدل عدم نقل الإنكار من النبي - صلى الله عليه وسلم - طلاق الرجل امرأته ثلاثا أو بت طلاقها على جواز الجمع بين الثلاث؛ إذ لو كان ممنوعا لأنكره، ولو أنكره لنقل، أجيب أن اللفظ محتمل أن تكون الثلاث مجتمعة وأن تكون مفرقة، ولفظ البتة يعبر به عن الثلاث، وقد ثبت أن كلا منهما قد طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، فليس في ذلك دليل لجواز جمع الثلاث.

وأما الآثار: فمنها ما روي أن عمر - رضي الله عنه - استفتي فيمن طلق امرأته البتة فاستحلفه عما أراد فحلف أنه أراد واحدة فردها إليه، ولم يقل له: لو أردت ثلاثاً لعصيت ربك.

وأجيب بأن عمر أنكر عليه بقوله: ما حملك على هذا، وبتلاوة قوله - تعالى -: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) [سورة النساء الآية: 66] ورد الجواب بأنه أنكر عليه عدوله في الطلاق عن اللفظ الصريح إلى لفظ مشكل محتمل وهو البتة.

ومنها أن عثمان لم ينكر على عبد الرحمن بن عوف طلاقه امرأته ثلاثا، ومنها أن أبا هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمر، وعائشة وعبد الله بن الزبير لم ينكروا على من استفتى في طلاق الثلاث، ولم يعيبوا عليه ذلك، ولم يقل أحد منهم لمن استفتاه في ذلك: بئس ما صنعت، وما روي من إنكار ابن عباس وغيره من الصحابة على من طلق امرأته مائة أو ألفا، فإنما إنكاره لما زاد عما جعل إليه من الثلاث، وروي ما يوافق ذلك عن شريح والشعبي وغيرهما من التابعين.

وقد يقال: يرد هذا ما روي عن عمر وابن عمر وابن عباس وعمران بن حصين أنهم أثموا من طلاق ثلاثاً، وقالوا: إنه عصى ربه، وتوعدوا من يطلق ثلاثا في مجلس واحد بالأذى، كما روي عنهم ذلك فيمن تجاوز الثلاث في طلاقه، وإذن فليس الإنكار خاصا بما زاد على الثلاث.

وأما المعنى: فإن الشرع قد جعل الطلاق إلى الزوج يمضي منه ما شاء ويبقي ما شاء، دون أن يكون عليه في ذلك حرج، كما أنه لا يحرم عليه أن يعتق ما شاء من عبيده، ويتصدق بما شاء من ماله، ويبقي من ذلك ما شاء بل له أن يأتي على ذلك كله.

وأجيب بأن الأصل فيما ذكر أنه من القربات، فله أن يفعل من ذلك ما شاء، ويؤجر عليه ما لا يضر بنفسه، بخلاف الطلاق؛ فإن الأصل فيه الحظر لما تقدم، ولأنه أبغض الحلال إلى الله، وقد شرع على صفة معينة، فينبغي التزامها في إيقاعه.

المسألة الثانية: فيما يترتب على إيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد:

وفيه مذاهب:

المذهب الأول: أنه يقع ثلاثا، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين من بعدهم، وقد استدلوا لذلك بأدلة من الكتاب والسنة والآثار، والإجماع والقياس.

أما الكتاب: فمنه قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229]؛ فإنه يدل على أنه إذا قال الزوج لامرأته: أنت طالق، أنت طالق، في طهر لزمه اثنتان، وإذن فيلزمه اثنتان إذا أوقعهما معا في كلمة واحدة، وكذا الثلاث إذا أوقعها معا؛ لأنه لم يفرق بين ذلك أحد، وأيضاً حكم الله بتحريمها عليه بعد الثالثة في قوله: (فَإِنْ طَلَّقَهَا... الآية) [سورة البقرة الآية: 230]، ولم يفرق أحد بين إيقاعها في طهر أو أطهار، فوجب الحكم بإلزامه بالجميع على أي وجه أوقعه، مباحا أو محظوراً، واعترض بأن المراد بالآية الطلاق المأذون فيه، وإيقاع الثلاث معا غير مأذون فيه، فكيف يستدل بها في الإلزام بطلاق وقع على غير الوجه المباح، وهي لم تتضمنه؟

وأجيب بأنها دلت على الأمر بتفريق الطلاق، ولا مانع من دلالتها على الإلزام به من جهة أخرى إذا وقع على غير الوجه المأمور به.

واعترض أيضا بأن قوله - تعالى –: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية:1] بين المراد من آية الاستدلال، وأن الطلاق إنما يكون للعدة، فمتى خالف ذلك لم يقع طلاقه.

وأجيب بأنا نثبت حكم كل من الآيتين فنثبت بآية (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية:1] أن الطلاق المسنون ما كان للعدة، ونثبت بآية (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] أن من طلق لغير العدة أو جمع بين الثلاث لزمه ما فعل، وبذلك نكون قد أخذنا بحكم كل من الآيتين، على أن آخر آية الطلاق للعدة وهو قوله - تعالى -: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ... الآية) [سورة البقرة الآية: 230]، يدل على وقوع الطلاق لغير العدة، فإنه لو لم يلزمه لم يكن ظالما لنفسه بإيقاعه ولا بطلاقه، كما أن قوله - تعالى -: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2] يدل على ذلك، وسيأتي لهذا زيادة بيان في الدليل الثاني -إن شاء الله-.

واعترض أيضا بأن الزوج لو وكل من يطلق طلاقا مفرقا على الأطهار فجمع الثلاث في طهر لم يقع؛ لكونه غير مأمور به فكذا الزوج، وأجيب بالفرق بينهما؛ فإن الزوج يملك الطلاق الثلاث، وإيقاعه على غير الوجه المشروع لا يمنع من إلزامه به كالظهار والردة، أما الوكيل فلا يملك من الطلاق إلا ما ملكه موكله، ولا يملك إيقاعه إلا على الوجه الذي وصفه له موكله، إذ هو معبر عن موكله وتلزمه حقوق ما يوقعه، وسيأتي لهذا مزيد بحث.

واستدل أيضاً بعموم قوله - تعالى- في الآية: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] على أنه يتناول إيقاع الثلاث دفعة.

وأجيب عن وجوه الاستدلال بالآية:

أولا: بأن تسريح المطلقة طلاقا رجعيا بإحسان تركها بلا مضارة لها حتى تنقضي عدتها، لإطلاقها مرة أخرى قبل رجعتها، وما روي مرفوعا من تفسير التسريح بالإحسان بطلاقها الثالثة فمرسل.

ثانيا: بأن من العلماء من فرق بين إيقاع الطلاق مفرقا في طهر أو مجموعا وبين إيقاعه مفرقا في أطهار دون سبق رجعة، وإيقاعه مفرقا في أطهار مع سبق كل برجعة، فدعوى عدم الفرق مخالفة للواقع.

ثالثا: بأن الله جعل الطلاق إلى الزوج لكن على أن يوقعه مفرقا مرة بعد مرة على صفة خاصة، ولم يشرع - سبحانه - إيقاع الطلاق ثلاثا جملة؛ حكمة في تشريعه ورحمة بعباده، فإيقاعه ثلاثا مجموعة مخالف لأمر الله وشرعه، وأما قياس الثلاث مجموعة على الظهار فيبطل قولكم، ويثبت قول مخالفيكم؛ فإن الله لم يلزم المظاهر بما التزم من تحريم زوجته، وجعلها كأمه أو أخته مثلا بل لم تزل زوجته، وعاقبه بشيء آخر على جريمة الظهار هو الكفارة، فإذا أدى ما شرع من الكفارة حلت له مماستها، فمقتضى قياسكم أن لا يلزم بشيء من الثلاث، ويعاقب بأمر آخر على جريمة الجمع بين الثلاث، وكذا القول في قياسكم جمع الثلاث على الردة، وإذن ليست الآية دليلا على إلزام الثلاث أو الثنتين إذا أوقعها مجموعة، بل تدل على خلافه.

ومنه: قوله - تعالى-: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] ومن طلق ثلاثا مجموعة فقد تعدى حدود الله؛ لإيقاعه الطلاق على غير الوجه المشروع، وظلم نفسه بتعجله فيما كانت له فيه أناة، وحرمانه من رجعة زوجته، إذ لو لم يلزم بالثلاث من طلق ثلاثا مجموعة لم يكن ظالما لنفسه ولا محروما من زوجته، لتمكنه من رجعتها.

ويؤيده أن ابن عباس أفتى بإلزام الثلاث من طلق ثلاثا، وعاب على من جمع الثلاث، ورماه بالحماقة، واستشهد بالآية.

وأجيب بمنع دلالة الآية على الإلزام بالثلاث؛ لأن ركانة لما طلق امرأته ثلاثا أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها، وتلا هذه الآية، ولو كانت دليلا على إلزام الثلاث من طلق ثلاثا مجموعة لما استدل بها - صلى الله عليه وسلم -، وستأتي مناقشة حديث ركانة.

وكما روي عن ابن عباس الإلزام بالثلاث والاستشهاد بالآية روي عنه اعتبارها واحدة.

ويمكن أن يقال بحمل تعدي حدود الله في الآية، وظلم المطلق لنفسه على الطلاق لغير العدة، وإخراج الزوج مطلقته طلاقا رجعيا من بيتها الذي كانت تسكنه قبل الطلاق، وخروجها منه أيام العدة، دون الطلاق الثلاث، وقد يساعد على هذا سابق الكلام ولاحقه، وفي هذا أيضا جمع بين الأدلة.

ومنه قوله - تعالى -: (وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا) [سورة البقرة الآية: 231] ذكر عن الحسن أنها نزلت فيمن كان يطلق، ويزوج ابنته، ويعتق عبده، ويدعي أنه كان لاعبا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم –: ((ثلاث من قالهن لاعبا جائزات: العتاق والطلاق والنكاح))[266]وأجيب بأنه لا دليل في الآية، ولا في الحديث على المطلوب؛ لأنه لم يذكر فيهما طلاق الثلاث أصلا، وإنما فيهما النهي عن اللعب في الطلاق ونحوه على أن ما ذكر من مراسيل الحسن.

وأما السنة: فأولا: حديث تلاعن عويمر العجلاني وامرأته، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بينهما بإنفاذ الطلاق الثلاث لا باللعان، يؤيد هذا قول سهل: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنفذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلخ، وبهذا يعلم أن طلاق عويمر اعتبر ثلاثا، وبانت منه امرأته بذلك، ثم أكد ذلك بتأبيد تحريمها عليه في اللعان خاصة، وقد يقال: بأن إنفاذ الطلاق الثلاث دفعة على الملاعن خاص باللعان لما فيه من تأبيد التحريم بخلاف غيره، بدليل حديث محمود بن لبيد، ويجاب بأن حديث محمود بن لبيد -وإن صح- ليس فيه إنفاذ الثلاث ولا عدم إنفاذها، وحديث اللعان فيه إنفاذها فيقدم، بل قيل: إن حديث محمود بن لبيد دليل على اعتبار إيقاع الثلاث دفعة ثلاثا؛ لأن الزوج طلق ثلاثا يظنها لازمة له فلو كانت غير لازمة لبين له - صلى الله عليه وسلم - لعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

وقد أجيب عن أصل الاستدلال بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنفذ تطليقات عويمر على الوجه الذي كان معروفا في عهده من اعتبارها واحدة رجعية، ثم حرمها عليه تحريما أبديا بدليل قوله في الحديث: فمضت السنة بعدُ في المتلاعنين أن يفرق بينهما، فإن التفريق يتأتى مع بقاء النكاح بخلاف ما إذا اعتبرت تطليقات عويمر ثلاثا، فإنها تكون أجنبية منه بذلك محرمة عليه حتى تنكح زوجا غيره.

وكذا يقال فيما أمضاه على المطلق في حديث محمود بن لبيد، فإن حمله على ما كان معروفا في عهده - صلى الله عليه وسلم - أقرب من حمله على الثلاث، بل هو المتعين.

ثانيا: حديث من طلقها زوجها ثلاثا وأبى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيحها لزوجها الأول حتى يطأها الثاني، قالوا: الظاهر أنه طلقها ثلاثا مجموعة، فأمضاها عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلا لحلت للأول دون أن تذوق عسيلة الثاني، وأجيب بأنه ورد في بعض الروايات أن الأول طلقها آخر ثلاث تطليقات، وعلى تقدير تعدد القصة، وأن هذه الرواية كانت في إحداهما فكل منهما ليس فيها ما يدل على أن التطليقات كانت مجموعة، لجواز أن تكون متفرقة، بل في الحديث ما يدل على تفريقها؛ فإنه لا يقال طلق ثلاثا إلا لمن فعل ذلك مرة بعد مرة، كما يقال: سلم ثلاثا، وسبح ثلاثا، ومع هذا فقد كان المشهور في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إيقاع الطلاق متفرقا، أما إيقاعه مجموعا فقد كان قليلا ومنكرا، وحمل اللفظ على الكثير الحق أقرب من حمله على القليل المنكر.

ثالثا: حديث فاطمة بنت قيس، فإن زوجها طلقها ثلاثا مجموعة، وقد تقدم الكلام فيه وفي مثله توجيها وإجابة، إلا أنه ذكر هنا زيادة في رواية مجالد بن سعيد عن الشعبي أن زوجها طلقها ثلاثا جميعا، وأجيب عنها بأنها قد تفرد بها مجالد عن الشعبي وهو ضعيف، وعلى تقدير الصحة فكلمة جميع في الغالب لتأكيد العدد، فالمعنى حصول الطلاق الذي يملكه جميعه لا اجتماعه، كما في قوله - تعالى -: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) [سورة يونس الآية: 99] فالمراد حصول الإيمان من جميعهم لا حصوله منهم في وقت واحد، وذكر بعضهم أن تعبير فاطمة بنت قيس عن كيفية طلاقها مختلف الصيغة، ولم يفرق بينها الصحابة في الحكم، وإلا لاستفسروا عما فيها من إجمال، وأجيب بأن الإجمال زال برواية: طلقها آخر ثلاث تطليقات، ورواية: أرسل إليها بطلقة كانت بقيت لها.

رابعا: حديث ركانة؛ فإنه طلق امرأته سهيمة البتة، واستفسره النبي - صلى الله عليه وسلم - عما أراد، واستحلفه عليه فحلف ما أراد إلا واحدة، فردها عليه، فدل على أنه لو أراد أكثر لأمضاه عليه؛ إذ لو لم يفترق الحكم لما استفسره ولا استحلفه، وهذا الحديث وإن تكلم فيه من أجل الزبير بن سعيد فقد صححه بعض العلماء، وحسنه بعضهم، وذكر الحاكم له متابعا من بيت ركانة.

وأجيب بأن الإمام أحمد ضعف حديث طلاق ركانة زوجته البتة من جميع طرقه، وضعفه البخاري، وقال: مضطرب فيه، تارة قيل فيه: ثلاثا، وتارة قيل فيه: واحدة، وعلى ذلك تترك الروايتان المتعارضتان، ويرجع إلى غيرهما، هذا وقد روي حديث تطليق ركانة امرأته ثلاثا وجعلها واحدة من طريقين: إحداهما: عند الإمام أحمد من طريق سعد بن إبراهيم بسنده إلى ابن عباس مرفوعا، والثانية: في سنن أبي داود من طريق ابن صالح بسنده إلى ابن عباس مرفوعا، فوجب المصير إلى ذلك.

وأجيب عن الأولى بأنها لا تقوم بها الحجة، لمخالفتها فتيا ابن عباس، وستأتي مناقشة ذلك، وأجيب عن الثانية بأن في سندها مقالا؛ لأن ابن جريج روى هذا الحديث عن بعض بني أبي رافع، ولأبي رافع بنون ليس فيهم من يحتج به إلا عبيد الله، وسائرهم مجهولون، وقد رجح أبو داود في سننه رواية نافع بن عجير في طلاق ركانة زوجته البتة على رواية بعض بني أبي رافع أن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثًا لذلك، ولفظ ابن جريج تسمية المطلق عبد يزيد مع أن عبد يزيد لم يدرك الإسلام، ولأن أهل بيت ركانة أعلم بحاله.

وقد أجاب ابن القيم بما خلاصته: سقوط رواية كل من نافع بن عجير وبعض بني أبي رافع؛ لجهالة كل منهما، أما أن يرجح أحد المجهولين أو من هو أشد جهالة على الآخر فكلا، ويعدل إلى رواية الإمام أحمد من طريق سعد بن إبراهيم بسنده إلى ابن عباس لسلامته؛ فإن أحمد وغيره احتجوا به في مسائل النكاح والعرايا وغيرها، وقد ذكر فيه أن ركانة طلق امرأته سهيمة ثلاثا فجعلها - صلى الله عليه وسلم - واحدة، وستأتي لهذا زيادة بحث - إن شاء الله.

خامسا: حديث ابن عمر في تطليق زوجته في الحيض، وفي آخره: فقلت: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها، قال: ((لا كانت تبين منك، وتكون معصية))؛ فإنه ظاهر في إمضاء الثلاث مجموعة.

وأجيب أولا: بأن في سنده شعيب بن رزيق الشامي عن عطاء الخراساني، وقد وثق الدارقطني شعيبا، وذكره ابن حبان في الثقات، وحكى عنه ابن حجر أنه قال: يعتبر بحديثه من غير روايته عن عطاء الخراساني، وقال الأزدي: فيه لين، وقال ابن حزم: ضعيف، أما عطاء الخرساني فقد ذكره البخاري في الضعفاء، وقال ابن حبان كان رديء الحفظ يخطئ ولا يعلم، فبطل الاحتجاج به، ووثقه ابن سعد وابن معين وأبو حاتم، ومع ذلك فقد انفرد شعيب عن الأئمة الأثبات بهذه الزيادة؛ فإنه لم يعرف عن أحد منهم ذكرها.

سادسا: حديث عبادة بن الصامت في تطليق بعض آبائه امرأته ألفا، فلما سأل بنوه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه، وأجيب بأن في سنده رواة مجهولين وضعفاء.

سابعا: حديث: ((من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته)) وأجيب بأن في سنده إسماعيل بن أمية الذراع، وقد قال فيه الدارقطني بعد روايته لهذا الحديث: ضعيف متروك الحديث.

ثامنا: حديث علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا طلق امرأته البتة فأنكر ذلك وقال: من طلق البتة ألزمناه ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.

وأجيب بأن في سنده إسماعيل بن أمية القرشي، قال فيه الدارقطني: كوفي ضعيف، وقال ابن القيم: في إسناد هذا الحديث مجاهيل وضعفاء.

وأما الإجماع: فقد نقل كثير من العلماء على إمضاء الثلاث في الطلاق بكلمة واحة منهم الشافعي وأبو بكر الرازي وابن العربي والباجي وابن رجب وقالوا: إنه مقدم على خبر الواحد، قال الشافعي: الإجماع أكثر من الخبر المنفرد؛ وذلك أن الخبر مجوز الخطأ والوهم على راويه، بخلاف الإجماع؛ فإنه معصوم، وأجيب بأنه قد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم القول برد الثلاث المجموعة إلى الواحدة منهم: أبو بكر، وعمر صدرا من خلافته، وعلي وابن مسعود وابن عباس، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وطاوس، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن إسحاق، وابن تيمية المجد، وأصبغ بن الحباب، ومحمد بن بقي، ومحمد بن عبد السلام الخشني، وعطاء بن يسار، وابن زنباع، وخلاس بن عمرو، وأهل الظاهر، وخالفهم في ذلك ابن حزم، وغاية الأمر أن يقال: إن بعض من نقل عنهم الإلزام بالثلاث إذا كانت مجموعة نقل عنهم أيضا جعلها واحدة، فيكون لهم في المسألة قولان، والقصد أن الخلاف في الإلزام بها مجموعة لم يزل قائما ثابتا، وممن حكى الخلاف في ذلك عن السلف والخلف أبو الحسن علي بن عبد الله اللخمي، وأبو جعفر الطحاوي، في تهذيب الآثار وغيرهم، وبهذا يتبين أنه ليس في المسألة إجماع.

وأما الآثار المروية عن الصحابة وغيرهم: في إمضاء الثلاث على من طلق زوجته ثلاثا في مجلس واحد فكثيرة منها، ما روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وعمران بن الحصين وأبي هريرة وغيرهم، فإن سلم اعتبارها في الاحتجاج؛ لكونها أقوال صحابة ثبت المطلوب، وخاصة أن فيهم ثلاثة من الخلفاء: عمر الملهم وعثمان وعلي وحبر الأمة ابن عباس - رضي الله عنهم -، وإلا فالحجة في إجماعهم؛ فإن فتواهم اشتهرت عنهم، ولم يعرف عمن لم يفت بذلك إنكار لفتواهم به، فكان إجماعا وقد تقدم.

وأجيب بأن عمر - رضي الله عنه - أمضى عليهم الثلاث عقوبة لهم لما رآه من المصلحة في زمانه ليكفوا عما تتابعوا فيه من جمع الطلاق الثلاث، ويرجعوا إلى ما جعل الله لهم في الفسحة والأناة رحمة منه بهم، ولما علم الصحابة منه حسن سياسته لرعيته وافقوه على ذلك وأفتوا به رعاية لما رآه من المصلحة؛ ولذا صرحوا لمن استفتاهم في هذا الأمر بأنه عصى ربه، ولم يتقه، فلم يجعل له مخرجا، ولم يجعل ذلك الإمضاء شرعا لازما مستمرا؛ لأنه مما تتغير الفتوى به بتغير الزمان والأحوال بل جعل العقوبة به تقريرا لمن خالف ما أمر به كالنفي، ومنعه - صلى الله عليه وسلم - المخلفين الثلاثة من نسائهم مدة من الزمن، والضرب في الخمر، ونحو هذا مما يختلف التعزير فيه باختلاف الزمان والأحوال، وكان هذا من الخليفة اجتهادا.

وأما القياس: فهو أن النكاح ملك للزوج فتصح إزالته مجتمعا كما صحت إزالته متفرقا، وأن الله جعله بيده يزيل منه ما شاء، ويبقي ما شاء، كالعتق وعقد النكاح.

وأجيب بأنه قياس مع الفارق؛ فإن الطلاق جُعل إليه ليوقعه متفرقا على كيفية معينة، ومنعه من جمعه لما تقدم في المسألة الأولى، فلا يصح قياس جمعه على تفريقه ولا على العتق، ولا عقد النكاح على أكثر من واحدة وما أشبهها، مما شرع له إيقاعه مجتمعا ومتفرقا.

المذهب الثاني: أن الطلاق الثلاث دفعة واحدة يعتبر طلقة واحدة، دخل بها الزوج أم لا، وهو قول أبي بكر وعمر صدرا من خلافته، وعلي وابن مسعود وابن عباس والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، وكثير من التابعين ومن بعدهم كطاوس وخلاس بن عمرو ومحمد بن إسحاق، وداود الظاهري، وأكثر أصحابه، وهو اختيار ابن تيمية، وابن القيم، واستدل لهذا المذهب بالكتاب والسنة والآثار، والإجماع، والقياس.

أما الكتاب: فأولاً: قوله - تعالى-: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [سورة البقرة الآية: 228] إلى قوله - تعالى -: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية:230] وبيانه أن الألف واللام في قوله: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] للعهد، والمعهود هو الطلاق المفهوم من قوله - تعالى-: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [سورة البقرة الآية: 228]، وهو رجعي لقوله - تعالى –: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) [سورة البقرة الآية: 228]، فالمعنى: الطلاق من الذي يكون للزوج فيه حق الرجعة مرتان، مرة بعد مرة، ولا فرق في اعتبار كل مرة منهما واحدة بين أن يقول في كل مرة: طلقتك واحدة أو ثلاثا أو ألفا، فكل مرة منها طلقة رجعية؛ لما سبق، ولقوله - تعالى –بعدُ: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] وأما قوله - تعالى -: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230]، فالضمير المرفوع والمنصوب فيه عائدان إلى المطلق والمطلقة فيما سبق لئلا يخلو الكلام عن مرجع لهما؛ ولأن الطلاق وقع بعد الشرط، والحل بعد النفي، فدل على العموم، فلو كانت هذه الجملة مستقلة عما قبلها للزم تحريم كل مطلقة ولو طلقة أو طلقتين حتى تنكح زوجا آخر، وهو باطل بإجماع، وإذاً فمعنى الآية: فإن طلقها مرة ثالثة بلفظ واحد طلقة أو ثلاثا فلا تحل له حتى تتزوج غيره، وبهذا يدل عموم الآية على اعتبار الثلاث بلفظ واحد طلقة، وقد سبقت مناقشة هذا الدليل.

ثانيا: قوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [سورة الطلاق الآية: 1] إلى قوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) [سورة الطلاق الآية 2] وبيانه أن الجمهور استدلوا بها من وجوه على تحريم جمع الثلاث، وإذًا فلا يقع منها مجموعةً إلا ما كان مشروعاً وهو الواحدة.

وأجيب بأن التحريم لا يناقض إمضاء الثلاث، فكم من عبادة أو عقد مشروع ارتكب فيه مخالفة، فقيل لصاحبه: عصى وصحت عبادته، ومضى عقده، وعلى تقرير المناقضة فهو يمنع من إمضاء الواحدة أيضا؛ لوقوع الطلاق على خلاف ما شرع الله، وذلك ما لا يقول به أحد من الجمهور.

وأما السنة: فمنها: أولا: ما رواه مسلم في صحيحه من طريق ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثالث واحدة، فقال عمر - رضي الله عنه -: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم[267]، وأجيب عن الاستدلال به بما يأتي:

أولا: أنه حديث منسوخ؛ لأن ابن عباس أفتى بخلافه، فدل ذلك على أنه علم ناسخا له فاعتمد عليه في فتواه، ونوقش بأنه يمكن أن يكون اجتهد فوافق اجتهاده اجتهاد عمر - رضي الله عنهما - في إمضاء الثلاث؛ تعزيراً؛ للمصلحة كما تقدم، وأيضاً لو علم ناسخا لذكره، مع وجود الدواعي إليه، ولم يكتف بمثل ما كان يعلل به في فتواه، وأيضاً: الصواب أن العبرة بما رواه الراوي لا بقوله.

قالوا: أيضا يدل على نسخ الحديث ما ذكر في سبب نزول قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] من أن المطلق كان له الحق في الرجعة ولو طلق ألف مرة، ما دامت مطلقته في العدة، فأنزل الله الآية منعا لهم من الرجعة بعد المرة الثالثة حتى تنكح زوجا آخر.

ونوقش أولا: بأنه روي مرسلا من طريق عروة بن الزبير ومتصلا من طريق عكرمة عن ابن عباس لكن في سنده علي بن حسين بن واقد، وهو ضعيف.

وثانيا: بأنه استدلال في غير محل النزاع، فإنه ليس فيه الإلزام بالثالث في لفظ واحد.

وقالوا: أيضا يدل على نسخه حديث امرأة رفاعة، وحديث اللعان، وحديث فاطمة بنت قيس وقد سبق الاستدلال بها ومناقشتها.

وقالوا أيضا: يدل على نسخه إجماع الصحابة زمن عمر - رضي الله عنهم - على إمضاء الثلاث؛ فإنه لا يكون إلا عن علم بالناسخ.

ونوقش بأنه لا يتأتى مع قول عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؟. فلو كان اعتمادهم على العلم بالناسخ لذكروه، ولم يعلل عمر بذلك، وأيضا كيف يستمر العمل بالمنسوخ في عهده - صلى الله عليه وسلم - وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر - رضي الله عنهما-؟ مع كون الأمة معصومة في إجماعها عن الخطأ.

ونوقش استمرار العمل بالمنسوخ في العهود الثلاثة بأنه إنما فعله من لم يبلغه النسخ، فلما كان زمن عمر انتشر العلم بالناسخ، فأجمعوا على إمضاء الثلاث، كما حصل في متعة النكاح سواء.

ونوقش بأن متعة النكاح كان الخلاف فيها مستمرا بين الصحابة؛ لعدم معرفة بعضهم بالناسخ المنقول نقلا صحيحا إلى أن أعلمهم به عمر في خلافته، ونهاهم عنها، بخلاف جعل الثلاث في لفظ واحد طلقة واحدة، فإنه ثابت في عهده - صلى الله عليه وسلم -، ولم يزل العمل عليه عند كل الصحابة في خلافة الصديق إلى سنتين أو ثلاث من خلافة عمر - رضي الله عنهما - إما فتوى أو إقرار أو سكوتا، ولهذا ادعى بعض أهل العلم أنه إجماع قديم، لم تجمع الأمة على خلافه بعد، بل لم يزل في الأمة من يفتي بجعل الثلاث واحدة، ولم ينقل حديث صحيح يصلح أن يعتمد عليه في نسخ حديث ابن عباس، ويكون مستندا لما ذكر من الإجماع بل الذي روي في ذلك إما في غير الموضوع، وإما في الموضوع لكنه ضعيف أو مكذوب، ومع هذا فقد ثبت عن عكرمة عن ابن عباس ما يوافق حديث طاوس مرفوعا وموقوفا على ابن عباس، فالمرفوع هو أن ركانة طلق امرأته ثلاثا فردها عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يثبت ما يخالفه مرفوعا، وقد سبقت مناقشة حديث ركانة، وستأتي بقيتها، ولا نكارة في إمضاء عمر للثلاث باجتهاده، ولا على غيره من الصحابة ممن وافق اجتهادهم اجتهاده في إمضائها، وقد بين عمر وابن عباس وغيرهما وجه ذلك: بأن الناس لما تتابعوا فيما حرم الله عليهم من تطليقهم ثلاثا مجموعة، وكثر منهم ذلك على خلاف ما كانوا عليه قبل، ألزموا بالثلاث؛ عقوبة لهم، ونظير هذا كله تتغير فيه الفتوى بتغير الأحوال والأزمان والأمكنة كالعقوبة في الخمر، والتفريق بين الذين خلفوا ونسائهم، وقتال علي لبعض أهل القبلة متأولا، ولم يكن الإمضاء شرعا مستمرا إنما كان رهن ظروفه.

وأجيب ثانيا: بتأويل حديث طاوس عن ابن عباس بأن الطلاق الذي كان الناس يوقعونه واحدة في عهده - صلى الله عليه وسلم - وعهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر اعتادوا إيقاعه بعد ذلك ثلاثا، ويشهد لهذا قول عمر - رضي الله عنه -: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة... الخ.

ونوقش بأنه تأويل يخالف الواقع في العهود الثلاثة الأولى، فإن الطلاق ثلاثا جملة قد وقع فيها من الصحابة، كما تقدم في حديث محمود بن لبيد، وحديث اللعان، وكما يأتي في حديث ركانة، وأيضاً يمنع منه ما ورد في بعض روايات الحديث من أنها جعلت واحدة أو ردت إلى الواحدة.

وأجيب ثالثا: بحمل الحديث على غير المدخول بها بدليل ذكر ذلك في الرواية الأخرى؛ فإن الزوج إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بانت بالأولى، فكانت الثلاث واحدة، ونوقش هذا ولم يزل ماضيا، ولم يتقيد بعهد ولا زمان، وما نحن فيه تغير حكمه في أيام عمر - رضي الله عنه - عما كان عليه قبل، وقد وجه بعضهم الجواب بتوجيه آخر، وهو أن زوجها إذا قال لها: أنت طالق ثلاثا، بانت بقوله: أنت طالق، ولغي قوله: ثلاثا، ونوقش بأنه كلام متصل، فكيف يفصل بعضه من بعض ويحكم لكل بحكم؟.

ونوقش أصل الجواب بأن حديث طاوس نفسه عن ابن عباس مطلق ليس فيه ذكر لغير المدخول بها، وجواب ابن عباس في الرواية الأخرى وارد على سؤال أبي الصهباء عن تطليق غير المدخول بها ثلاثا، فخص ابن عباس غير المدخول بها ليطابق الجواب السؤال، ومثل هذا ليس له مفهوم مخالفة.

وأجيب رابعا: بأن جعل الثلاث واحدة لم يكن عن علم منه - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أمره وإلا ما استحل ابن عباس أن يفتي بخلافه.

ونوقش بأن جماهير المحدثين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهده - صلى الله عليه وسلم - له حكم؛ فإنه على تقدير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم بذلك يستبعد أن يفعله الصحابة وهم خير الخلق، ولا يعلمه - صلى الله عليه وسلم - والوحي ينزل، ثم كيف يستمر العمل من الأمة على خطأ في عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر، والأمة معصومة من إجماعها على الخطأ.

وأجيب خامسا: يحمل الحديث على صورة تكرير لفظ الطلاق، فإنه يعتبر واحدة مع قصد التوكيد، وثلاثا مع قصد الإيقاع، وكان الصحابة خيارا أمناء فصدقوا فيما قصدوا، فلما تغيرت الأحوال وفشا إيقاع الثلاث جملة بلفظ واحد ألزمهم عمر الثلاث في صورة التكرار؛ إذ صار الغالب عليهم قصدها.

ونوقش بأن حمل الحديث على ذلك خلاف الظاهر؛ فإن الحكم لم يتغير في صورة التكرار فيما بعد عما كان عليه في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر، بل الأمر لم يزل على اعتباره واحدة في هذه الصورة عند قصد التوكيد، ومن ينويه لا يفرق بين بر وفاجر، وصادق وكاذب، ومن لا ينويه في الحكم لا يقبل منه مطلقا برا أو فاجرا، وأيضا قول عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة... إلخ يرد حمل الحديث على هذه الصورة؛ فإن معناه: أن الناس استعجلوا فيما شرعه الله لهم متراخيا بعضه عن بعض رحمة منهم بهم، فأوقعوه بلفظ واحد، فهذا يدل على أن لفظ الثلاث في الحديث مراد به جمع الثلاث دفعة، وإن كان في نفسه محتملا.

وأجيب سادسا: بمخالفة فتوى ابن عباس لروايته؛ فإنه لم يكن ليروي حديثا ثم يخالفه إلى رأي نفسه؛ ولذلك لما سئل أحمد بأي شيء تدفع حديث ابن عباس قال: برواية الناس عنه من وجوه خلافه.

ونوقش بأن الصواب من القولين في مخالفة الراوي لروايته أن الحديث الصحيح المعصوم لا يترك لمخالفة راويه، وهو غير معصوم؛ إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو أنه لا يحضره الحديث وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على المسألة التي خالفه فيه،ا أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا، أو يقوم في ظنه ما يعارضه، ولا يكون معارضا له في الواقع، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه، لثقته به واعتقاده أنه إنما خالفه لدليل أقوى منه، وعلى هذا الأصل بنى المالكية والشافعية والحنابلة فروعا كثيرة حيث قدموا العمل برواية الراوي على فتواه، وأيضا كما نقل عن ابن عباس إمضاء الثلاث، وروي عنه اعتبار الثلاث مجموعة طلقة واحدة، وإذا تعارضت الروايتان عدل عنهما إلى الحديث، لكن هذه المناقشة مردودة بأمرين: الأول أن رواية الراوي إنما تقدم على قوله إذا كانت صريحة أو ظاهرة في معنى قال بخلافه، وإلا قدم قوله؛ لأنه يدل على أن الاحتمال الذي خالفه قوله غير مراد من الحديث، وحديث ابن عباس هنا محتمل أن يكون في الطلاق ثلاثا بلفظ واحد، وأن يكون مفرقا كما في الصورة التي في الجواب الخامس عن الحديث، فدلت فتواه على إرادة صورة التفريق لا صورة الاجتماع، الثاني: أن ما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة أن ابن عباس قال: إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة، معارض بما رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن عكرمة أن ذلك من قول عكرمة لا من قول ابن عباس، ورواية إسماعيل مقدمة لموافقته الثقاة في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا لا واحدة.

وقد يقال في الأمر الأول: إن لفظ الطلاق الثلاث في الحديث ظاهر فيها مجموعة، وإلا لم يقل عمر - رضي الله عنه -: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة... إلخ؛ اعتذارا منه في الحكم على خلاف ظاهره، وبه اعتذر ابن عباس وغيره في إمضاء الثلاث، وقد سبق الكلام في هذا عند مناقشة الجواب عن الحديث بالنسخ.

ويقال في الأمر الثاني: إنه لا مانع من ثبوت القول بجعل الثلاث بلفظٍ واحدةً عن كل من ابن عباس وعكرمة، وعلى تقدير تعارض الروايتين بالنفي والإثبات، فالمثبت مقدم على النافي، على أن حماد بن زيد أثبتُ في أيوب من كل من روى عن أيوب، كما قال يحيى بن معين، فيقدم على إسماعيل بن إبراهيم[268].

وأجيب سابعا: بأن المراد بالطلاق الثلاث في الحديث لفظ البتة لاشتهارها في الثلاث عند أهل المدينة، فرواه بعض رواته بالمعنى فعبر بالثلاث بدلا من البتة، وفي هذا جمع بين الروايات، وكان يراد بها واحدة كما أراد بها ركانة، فلما تتابع الناس في إرادة الثلاث بها ألزمهم إياها عمر - رضي الله عنه - ونظيره زيادته الضرب في شرب الخمر حين تتابع الناس فيه.

وقد يقال: إن هذا تأويل على خلاف الظاهر بلا دليل، وأيضا تقدم في كلام الشافعي أن كلمة البتة مستحدثة.

وعلى ذلك لا يجوز حمل لفظ الطلاق الثلاث في الحديث عليها.

وأجيب ثامنا: بأنه حديث شاذ؛ لانفراد طاوس به عن ابن عباس، وانفراد الراوي بالحديث - وإن كان ثقة - علة توجب التوقف فيه إذ لم يرو معناه من وجه يصح.

ونوقش بأن مجرد انفراد الثقة برواية الحديث ليس علة توجب رده أو التوقف، ولا يسمى هذا شذوذا عند علماء الحديث إنما الشذوذ يكون علة في رد الحديث، هو أن يخالف الثقة الثقات مخالفة لا يمكن معها الجمع ولم يخالف طاوس في رواية هذا الحديث أحدا من الرواة الثقات عن ابن عباس في هذا الموضوع، وإنما وقعت المخالفة بين ما رواه وما أفتى به، وقد مضى الكلام في ذلك، لكن لقائل أن يقول: إن استمرار العمل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر بجعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة وتغيير عمر لذلك على علم من الصحابة مما تتوفر الدواعي على نقله، فنقله آحادا يوجب رده، اللهم إلا أن يحمل الحديث على ما تقدم من أن الطلاق كان على وجه التكرار مع قصد التأكيد، أو قد كان بلفظ البتة فاختلف الحكم فيه باختلاف النية.

وقد يناقش ألا يراد بمنع أن يكون ما ذكره مما تتوفر الدواعي على نقله، وأنه على تقدير أن يكون من ذلك، فللمستدل أن يقول: إن الحديث قد اشتهر نقله وصح سنده ولم يجرؤ أحد على تكذيبه أو تضعيفه بوجه يعتبر مثله كما اشتهر نقل مخالفة فتوى عمر وابن عباس لظاهره، ويشهد لهذا اشتغال العلماء سلفا وخلفا بالأمرين، فبعضهم يؤول الحديث ليتفق مع الفتاوى، وبعضهم يذهب إلى بيان وجه مخالفة الفتاوى له ويبقيه على ظاهره، ويعتذر عن الفتوى بخلافه، وبعضهم يعارضه بفتوى ابن عباس ويقدم العمل بها عليه، إلى غير هذا مما يدل على شهرة النقل للأمرين، وعلى تقدير عدم الشهرة فكم من أمر تتوفر الدواعي على نقله قد نقل آحادا وعمل به جمع من أئمة الفقهاء ورده آخرون بهذه الدعوى.

وأجيب تاسعا: بأن الحديث مضطرب سندا ومتنا، أما اضطراب سنده فلروايته تارة عن طاوس عن ابن عباس، وتارة عن طاوس عن أبي الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، وأما اضطراب متنه فإن أبا الصهباء تارة يقول: ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ وتارة يقول: ألم تعلم أن الطلاق الثلاث كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدر من خلافة عمر واحدة؟.

ونوقش بأن الاضطراب إنما يحكم به على الحديث إذا لم يمكن الجمع ولا الترجيح، وكلاهما ممكن فيما نحن فيه؛ فإن الرواية عن أبي الجوزاء وهِم فيها عبد الله بن المؤمل، حيث انتقل في روايته الحديث عن ابن أبي مليكة من أبي الصهباء إلى أبي الجوزاء، وقد كان سيء الحفظ فلا تعارض بها رواية الثقاة عن أبي الصهباء، وأما روايته عن طاوس عن ابن عباس وعن طاوس عن أبي الصهباء عن ابن عباس فكلاهما ممكن فلا تعارض ولا اضطراب، وأما اختلاف المتن فتقدم بيان الجمع بين الروايتين فلا اضطراب.

وأجيب عاشرا: بمعارضته بالإجماع والإجماع معصوم فيقدم، وقد تقدمت مناقشة ذلك.

ومن السنة أيضا: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن سعد بن إبراهيم، حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ((كيف طلقتها؟)) قال: طلقتها ثلاثاً، قال فقال: ((في مجلس واحد)) قال: نعم، قال: ((فإنما تلك واحدة فأرجعهما إن شئت)) قال: فراجعها[269] فكان ابن عباس يرى الطلاق عند كل طهر، وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد، واستدل بما روي به في رد ابنته - صلى الله عليه وسلم - على زوجها ابن أبي العاص بالنكاح الأول، وقدمه على ما يخالفه فهو حجة ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، فكيف إذا عضده نظيره أو ما هو أقوى منه، ودلالة متنه ظاهرة في اعتبار الطلاق ثلاثا في مجلسٍ واحدٍ واحدةً.

ونوقش بأن المراد بالطلاق الثلاث في الحديث: لفظ البتة؛ لاشتهارها في الثلاث عند أهل المدينة فرواه بعض رواته بالمعنى فعبر بالثلاث بدلا من البتة، وفي هذا جمع بين الروايات وكانت يراد بها واحدة أولا، فلما تتابع الناس في إرادة الثلاث ألزمهم إياها عمر - رضي الله عنه -، ونظيره زيادة الضرب في شرب الخمر ونحوه، مما تغير فيه الحكم لتغير أحوال الناس، وقد تقدم هذا في الجواب السابع عند الاستدلال بحديث طاوس عن ابن عباس في جعل الثالث المجموعة واحدة مع مناقشته.

ونوقش أيضا: بأن لفظ: طلقتها ثلاثا: يحتمل أن يكون بلفظ واحد، وأن يكون مفرقا، وأجيب بأن احتمال تفريقه خلاف الظاهر؛ لقوله في الحديث: في مجلس واحد، والغالب فيما كان كذلك أن يكون بلفظ واحد.

ونوقش أيضا بمعارضته للإجماع، وقد تقدم مناقشة الإجماع عند الكلام على الاستدلال به على إمضاء الثلاث.

ونوقش أيضا بمعارضته لحديث نافع بن عجير في إمضائه ثلاثا، وأجيب بترجيح هذه الرواية على رواية نافع بن عجير؛ لسلامتها وضعف نافع، وقد سبق شرح ذلك إلى غير هذا من المناقشات التي سبقت عند الإجابة عن الاستدلال بحديث ابن عباس في اعتبار الثلاث واحدة.

ومن السنة أيضا حديث بعض بني أبي رافع عن عكرمة عن ابن عباس أن يزيد أبا ركانة وإخوته طلق أم ركانة، وتزوج امرأة أخرى، فشكت ضعفه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمره بطلاقها فطلقها، وقال له: ((راجع أم ركانة)) فقال: إني طلقتها ثلاثا، فقال: ((قد علمت راجعها))[270]، وقد سبق نص الحديث مع مناقشته.

ومن السنة أيضا حديث ابن عمر وفيه أنه طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فردها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى السنة، ورُدَّ أولا: بأن رواة هذا الحديث شيعة، وثانيا: بأن في سنده ظريف بن ناصح وهو شيعي لا يكاد يعرف، وثالثا: بأنه مع ما ذكر مخالف لما رواه الثقات الأثبات: أن ابن عمر طلق امرأته في الحيض تطليقه واحدة، فهو حديث منكر.

واستدلوا بالإجماع، قالوا: إن الأمر لم يزل على اعتبار الثلاث بلفظ واحد واحدة، إلى ثلاث سنين من خلافة عمر.

ويمكن أن يجاب بما ورد من الآثار عن بعض الصحابة من أن الثلاث بلفظ واحد تمضي ثلاثا، وقد سبق ذكرها في استدلال من يقول بإمضاء الثلاث لكن للمستدل أن يقول: إن الآثار التي وردت فيها الفتوى بخلاف هذا الدليل بدأت في عهد عمر بضرب من التأويل، يدل على تأخير بدئها ظاهر حديث طاوس عن ابن عباس، وقد تقدم مع المناقشة.

واستدلوا بالقياس، قالوا: كما لا يعتبر قول الملاعن، وقول الملاعنة: أشهد بالله أربع شهادات بكذا، أربعَ شهادات، لا يعتبر قول الزوج لامرأته: أنت طالق ثلاثا بلفظ واحد ثلاث تطليقات، وكذا كل ما يعتبر فيه تكرار القول أو الفعل من تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل وإقرار.

ونوقش بأنه قياس مع الفارق، للإجماع على اعتبار الطلقة المفردة في الطلاق، وبينونة المعتدة منها بانتهاء العدة، وعدم اعتبار الشهادة الواحدة من الأربع في اللعان.

وللمستدل أن يقول: هذا الفارق مسلم، ومعه فوارق أخرى بينهما، انفرد كل من الطلاق واللعان بشيء منها، لكنها ليست في مورد قياس المستدل هنا؛ فإنه وارد فيما يعتبر فيه تكرار الفعل أو القول، ولا يعتد فيها بالاكتفاء بذكر اسم العدد، وليس من شرط سلامة القياس اشتراك المقيس والمقيس عليه في جميع صفاتها، بل إن اعتبار هذا لا يتأتى معه قياس؛ لأن كل شيئين لا بد أن ينفرد كل منهما عن الآخر بخاصة أو خواص، وإلا كان عينه.

واستدلوا بما روي من الآثار في الإفتاء بذلك عن ابن عباس وعلي وابن مسعود والزبير وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم من الصحابة ومن بعدهم.

ونوقش بأن ما روي من ذلك عن طاوس عن ابن عباس مردود؛ فإن لطاوس عن ابن عباس مناكير منها روايته هذه الفتوى عن ابن عباس، وأجيب بأن طاوس بن كيسان قد وثقه ابن معين، وسئل أيهما أحب إليك طاوس أم سعيد بن جبير؟ فلم يخير بينهما، وقال قيس بن سعد: كان طاوس فينا مثل ابن سيرين بالبصرة، وقال الزهري: لو رأيت طاوسا علمت أنه لا يكذب، وروى له أصحاب الكتب الستة في أصولهم[271].

فعلى من ادعى روايته للمناكير عن ابن عباس أن يثبت ذلك بشواهد من رواياته عنه في غير هذه المسألة، أما فيما رواه في هذه المسألة فهو مجرد دعوى في محل النزاع، وما ذكر من مخالفة غيره له في هذه المسألة، فغايته أن يكون لابن عباس فيها قولان، روى كل من الفريقين عنه قولا منهما، ولذلك قد تم رجوعه عنها على تقدير صحة روايتها، ثم إن عكرمة تابع في روايته هذا الأثر عن ابن عباس، وهو من رجال السنة.

ونوقش بأن رواية حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس معارضة برواية إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب أن هذا الأثر من قول عكرمة، وأجيب أولا: بأنه لا معارضة لجواز أن يكون روي عن كل منهما، وثانيا: أنه على تقدير المعارضة، فرواية حماد بن زيد مقدمة على رواية إسماعيل بن إبراهيم، فإن حمادا أثبتُ في الرواية عن أيوب من كل من روى عنه[272].

المذهب الثالث: أن الطلاق الثلاث يمضي ثلاثا في المدخول بها، وواحدة في غير المدخول بها، واستدلوا لمذهبهم في المدخول بها بما استدل به الجمهور، وقد تقدم مع مناقشته، واستدلوا لمذهبهم في غير المدخول بها[273] بحديث أبي الصهباء الذي قال فيه لابن عباس: أما علمت أن الرجل، كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من إمارة عمر؟ قال: بلى، وقد تقدم الحديث، قالوا: إن التفصيل بين المدخول بها وغير المدخول فيه جمع بين الروايات، وإثبات حكم كل منهما في حال، وقد سبقت مناقشة هذا الدليل.

المذهب الرابع: أنه لا يعتد به مطلقا؛ لأن إيقاعه ثلاثا بلفظ واحد بدعة محرمة، فكان غير معتبر شرعا، لحديث ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد))[274]ورد بأنه لا يعرف القول به عن أحد من السلف، وأن أهل العلم في جميع الأمصار مجمعون على اعتباره والاعتداد به، وإن اختلفوا فيما يمضي منه، ولم يخالف فيه إلا ناس من أهل البدع ممن لا يعتد بهم في انعقاد الإجماع.

وقد يستدل لهم أيضا بأنه كالظهار؛ فإنه لما كان محرما لم يعتبر طلاقا مع قصد المظاهر الطلاق، فكذا الطلاق ثلاثا مجموعة، وأجيب بالفرق؛ فإن الظهار محرم في نفسه على كل حال، فكان باطلا، ولزمته فيه العقوبة على كل حال، وبخلاف الطلاق فإن جنسه مشروع كالنكاح والبيع، ولذا امتنع في حال دون حال، وانقسم إلى صحيح وباطل أو فاسد.

هذا ما تيسر إعداده، وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

مصادر بحث الطلاق الثلاث بلفظ واحد:

1 - تفسير القرطبي طبع مطبعة دار الكتب المصرية عام 1354هـ.

2 - أحكام القرآن لأحمد بن علي الرازي " الجصاص " طبع بمطبعة البهية المصرية سنة 1347هـ.

3 - أضواء البيان.

4 - صحيح البخاري ومعه فتح الباري طبع المطبعة السلفية، بترقيم عبد الباقي وإشراف محي الدين الخطيب.

5 - عمدة القاري للعيني طبع المطبعة المنيرية.

6 - صحيح مسلم وعليه النووي الطبعة الأولى طبع بالمطبعة الأزهرية سنة 1347هـ.

7 - مختصر سنن أبي داود ومعها المعالم للخطابي وتهذيبها لابن القيم طبع مطبعة أنصار السنة المحمدية. عام 1367هـ.

8 - جامع الترمذي.

9 - عارضة الأحوذي على الترمذي: لابن العربي.

10 - شرح الزرقاني على الموطأ: طبع بمطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة 1373هـ.

11 - مسند الإمام أحمد: بتعليق أحمد شاكر: طبع دار المعارف سنة 1369هـ.

12 - مستدرك الحاكم: وعليه تلخيصه للذهبي: الطبعة الأولى سنة 1340هـ طبع بمطبعة حيدرآباد.

13 - نيل الأوطار: طبعة حلبية الطبعة الثانية عام 1371هـ.

14 - جامع العلوم والحكم: طبعة حلبية عام 1382هـ، الطبعة الثالثة.

15 - سنن ابن ماجه: الطبعة الأولى بالمطبعة النازية.

16 - سنن سعيد بن منصور.

17 - سنن الدارقطني: طبع دار المحاسن للطباعة طبع عام 1386هـ.

18 - السنن الكبرى للبيهقي: الطبعة الأولى بمطبعة حيدرآباد.

19 - المصنف لعبد الرزاق: الطبعة الأولى.

20 - شرح المذاهب اللدنية: للزرقاني المالكي: الطبعة الأولى بالمطبعة الأزهرية سنة 1325هـ.

21 - شرح معاني الآثار: طبع مطبعة الأنوار المحمدية.

22 - المنتقى للباجي: طبع مطبعة السعادة الطبعة الأولى عام 1332هـ.

23 - الجرح والتعديل: الطبعة الأولى بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الدكن عام 1371هـ.

24 - تهذيب التهذيب: الطبعة الأولى بمطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الدكن عام 1327هـ.

25 - خلاصة تهذيب تهذيب الكمال: الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية عام 1323هـ.

26 - الإصابة ومعها الاستيعاب: طبع بمطبعة مصطفى محمد.

27 - المستفاد من مبهمات المتن والإسناد: طبع مطابع الرياض.

28 - بدائع الصنائع للكاساني: طبع بمطبعة الجمالية بمصر الطبعة الأولى عام 1328هـ.

29 - المبسوط للسرخسي: طبع بمطبعة السعادة بجوار محافظة مصر الطبعة الأولى.

30 - فتح القدير لابن الهمام: الطبعة الأولى بالمطبعة الكبرى الأميرية عام 1315هـ.

31 – المدونة: الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية سنة 1324هـ ومعها المقدمات.

32 - المقدمات لابن رشد ومعها المدونة.

33 - مواهب الجليل: للحطاب: ملتزم الطبع مكتبة النجاح، ليبيا.

34 – الأم: الطبعة الأولى بالمطبعة الخيرية عام 1331هـ.

35 – المذهب: الطبعة الحلبية.

36 - المغني والشرح الكبير: الطبعة الأولى بمطبعة المنار سنة 1346هـ.

37 – الكافي: الطبعة الأولى سنة 1382هـ طبع المكتب الإسلامي.

38 – الإنصاف: طبع بمطبعة السنة المحمدية عام 1377هـ.

39 - مجموع فتاوى شيخ الإسلام.

40 - زاد المعاد: طبع مطبعة أنصار السنة المحمدية.

41 - أعلام الموقعين: الطبعة المنيرية.

42 - إغاثة اللهفان: طبعة حلبية عام 1357هـ.

43 - مسودة آل تيمية.

44 - سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث: ليوسف بن حسن بن عبد الرحمن بن عبد الهادي: طبعة محمد نصيف ضمن مجموعة رأس الحسين.

45 – المحلى: لابن حزم: الطبعة الأولى.

46 - التجريد في أسماء الصحابة: للذهبي: الطبعة الأولى في مطبعة دائرة المعارف النظامية بحيدرآباد الدكن.

47 - الناسخ والمنسوخ: لابن النحاس: الطبعة الأولى.

القرار:

بعد الاطلاع على البحث المقدم من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء والمعد من قبل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في موضوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد.

وبعد دراسة المسألة وتداول الرأي واستعراض الأقوال التي قيلت فيها ومناقشة ما على كل قول من إيراد توصل المجلس بأكثريته إلى اختيار القول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا، وذلك لأمور أهمها ما يلي:

أولا: لقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) إلى قوله - تعالى -: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) [سورة الطلاق الآية: 1] فإن الطلاق الذي شرعه الله هو ما يتعقبه عدة وما كان صاحبه مخيرا بين الإمساك بمعروف - والتسريح بإحسان، وهذا منتف في إيقاع الثلاث في العدة قبل الرجعة فلم يكن طلاقا للعدة، وفي فحوى هذه الآية دلالة على وقوع الطلاق لغير العدة إذ لو لم يقع لم يكن ظالما لنفسه بإيقاعه لغير العدة، ولم ينسد الباب أمامه حتى يحتاج إلى المخرج الذي أشارت إليه الآية الكريمة: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية: 2] وهو الرجعة حسبما تأوله ابن عباس - رضي الله عنه - حين قال للسائل الذي سأله وقد طلق ثلاثا: إن الله - تعالى- يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) [سورة الطلاق الآية 2] وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا عصيت ربك، وبانت منك امرأتك.

ولا خلاف في أن من لم يطلق للعدة بأن طلق ثلاثا مثلا فقد ظلم نفسه، فعلى القول بأنه إذا طلق ثلاثا فلا يقع من طلاقه إلا واحدة، فما هي التقوى التي بالتزامها يكون المخرج واليسر، وما هي عقوبة هذا الظالم نفسه المتعدي لحدود الله حيث طلق بغير العدة، فلقد جعل الشارع على من قال قولا منكرا لا يترتب عليه مقتضى قوله المنكر عقوبة له على ذلك كعقوبة المظاهر من امرأته بكفارة الظهار، فظهر - والله أعلم - أن الله - تعالى- عاقب من طلق ثلاثا بإنفاذها عليه وسد المخرج أمامه، حيث لم يتق الله، فظلم نفسه وتعدى حدود الله.

ثانيا: ما في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلقت، فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - أتحل للأول؟ قال: ((لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول))[275] فقد ذكره البخاري - رحمه الله - تحت ترجمة: "باب من أجاز الطلاق ثلاثا"، واعترض على الاستدلال به بأنه مختصر من قصة رفاعة بنت وهب التي جاء في بعض رواياتها عند مسلم أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، ورد الحافظ ابن حجر - رحمه الله - الاعتراض بأنه غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة فلا مانع من التعدد، فإن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير، فطلقها قبل أن يمسها، ثم قال: وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموأل هو رفاعة بن وهب. أ هـ.

وعند مقابلة هذا الحديث بحديث ابن عباس الذي رواه عنه طاوس[276] كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة إلخ، فإن الحال لا تخلو من أمرين: إما أن يكون معنى الثلاث في حديث عائشة وحديث طاوس أنها مجتمعة أو متفرقة، فإن كانت مجتمعة فحديث عائشة متفق عليه، فهو أولى بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث تحرمها، ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة فلا حجة في حديث طاوس على محل النزاع في وقوع الثلاث بلفظ واحد واحدة. وأما اعتبار الثلاث في حديث عائشة مفرقة وفي حديث طاوس مجتمعة فلا وجه له ولا دليل عليه.

ثالثا: لما وجه به بعض أهل العلم كابن قدامة - رحمه الله - حيث يقول: ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقا، فصح مجتمعا كسائر الأملاك. والقرطبي - رحمه الله - حيث يقول: وحجة الجمهور من جهة اللزوم من حيث النظر ظاهرة جداً، وهو أن المطلقة ثلاثاً لا تحل للمطلق حتى تنكح زوجا غيره، ولا فرق بين مجموعها ومفرقها لغة وشرعا، وما يتخيل من الفرق صوريٌ ألغاه الشارع اتفاقا في النكاح والعتق والأقارير، فلو قال المولى: أنكحتك هؤلاء الثلاث في كلمة واحدة انعقد، كما لو قال: أنكحتك هذه، وهذه، وهذه، وكذلك في العتق والإقرار وغير ذلك من الأحكام. أ هـ، وغاية ما يمكن أن يتجه على المطلق بالثلاث لومه على الإسراف برفع نفاذ تصرفه.

رابعا: لما أجمع عليه أهل العلم إلا من شذ في إيقاع الطلاق من الهازل استنادا إلى حديث أبي هريرة وغيره مما تلقته الأمة بالقبول، من أن ثلاثا جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة[277]، ولأن قلب الهازل بالطلاق عمد ذكره، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في تعليله القول بوقوع الطلاق من الهازل، حيث قال: ومن قال: لا لغو في الطلاق فلا حجة معه بل عليه؛ لأنه لو سبق لسانه بذكر الطلاق من غير عمد القلب لم يقع به وفاقا، وأما إذا قصد اللفظ به هازلا فقد عمد قلبه ذكره، اهـ؛ فإن ما زاد على الواحدة لا يخرج عن مسمى الطلاق، بل هو من صريحه، واعتبار الثلاث واحدة إعمال لبعض عدده دون باقيه دون مسوغ، اللهم إلا أن يكون المستند في ذلك حديث ابن عباس، ويأتي الجواب عنه - إن شاء الله.

خامسا: إن القول بوقوع الثلاث ثلاثا قول أكثر أهل العلم، فلقد أخذ به عمر وعثمان وعلي والعبادلة: ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن مسعود، وغيرهم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال به الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى والأوزاعي وذكر ابن عبد الهادي عن ابن رجب - رحمه الله - بقوله: اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيء صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد. اهـ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض بحثه الأقوال في ذلك: الثاني - أنه طلاق محرم ولازم، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في الرواية المتأخرة عنه، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول من كثير من السلف من الصحابة والتابعين. اهـ وقال ابن القيم: واختلف الناس فيها، -أي في وقوع الثلاث بكلمة واحدة- على أربعة مذاهب أحدها: أنه يقع وهذا قول الأئمة الأربعة وجمهور التابعين وكثير من الصحابة. اهـ، وقال القرطبي: قال علماؤنا: واتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة، وهو قول جمهور السلف.

وقال ابن العربي في كتابه الناسخ والمنسوخ ونقله عنه ابن القيم - رحمه الله - في تهذيب السنن: قال - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] زل قوم في آخر الزمان، فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يلزم وجعلوه واحدة ونسبوه إلى السلف الأول، فحكوه عن علي والزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس وعزوه إلى الحجاج بن أرطأة الضعيف المنزلة والمغموز المرتبة، ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل... -إلى أن قال-: وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت لا أصل له في كتاب ولا رواية له عن أحد - إلى أن قال: وأما حديث الحجاج بن أرطأة فغير مقبول في الملة ولا عند أحد من الأئمة. اهـ.

سادسا: لتوجه الإيرادات على حديث ابن عباس - رضي الله عنه - كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة... إلى آخر الحديث[278] مما يضعف الأخذ به والاحتجاج بما يدل عليه؛ فإنه يمكن أن يجاب عنه بما يلي:

أ - ما قيل من أن الحديث مضطرب سندا ومتنا: أما اضطراب سنده فلروايته تارة عن طاوس عن ابن عباس، وتارة عن طاوس عن أبي الصهباء عن ابن عباس، وتارة عن أبي الجوزاء عن ابن عباس، وأما اضطراب متنه فإن أبا الصهباء تارة يقول: ألم تعلم أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوه واحدة؟. وتارة يقول: ألم تعلم أن الطلاق الثلاث كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة.

ب - قد تفرد به عن ابن عباس طاوس، وطاوس متكلم فيه من حيث روايته المناكير عن ابن عباس، قال القاضي إسماعيل في كتابه أحكام القرآن: طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة منها هذا الحديث.

وعن أيوب أنه كان يعجب من كثرة خطأ طاوس. وقال ابن عبد البر: شذ طاوس في هذا الحديث. وقال ابن رجب: وكان علماء أهل مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل. ونقل القرطبي عن ابن عبد البر أنه قال: رواية طاوس وهم وغلط، لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والمغرب.

جـ - ما ذكره بعض أهل العلم من أن الحديث شاذ من طريقتين: أحدهما: تفرد طاوس بروايته، وأنه لم يتابع عليه، قال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: كل أصحاب ابن عباس رووا عنه خلاف ما روى طاوس: وقال الجوزجاني هو حديث شاذ: وقال ابن رجب ونقله عنه ابن عبد الهادي: وقد عنيت بهذا الحديث في قديم الدهر فلم أجد له أصلا.

الثاني: ما ذكره البيهقي، فإنه ساق الروايات عن ابن عباس بلزوم الثلاث ثم نقل عن ابن المنذر أنه لا يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ويفتي بخلافه، وقال ابن التركماني: وطاوس يقول: إن أبا الصهباء مولاه سأله عن ذلك، ولا يصح ذلك عن ابن عباس لرواية الثقات عنه خلافه، ولو صح عنه ما كان قوله حجة على من هو من الصحابة أجل وأعلم منه وهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وغيرهم. اهـ.

فلما في هذا الحديث من الشذوذ فقد أعرض عنه الشيخان الجليلان: أبو عبد الله أحمد بن حنبل، فقد قال للأثرم وابن منصور: بأنه رفض حديث ابن عباس قصداً؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك. والإمام محمد بن إسماعيل البخاري ذكر عنه البيهقي أنه ترك الحديث عمدا لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد، ولا شك أنهما لم يتركاه إلا لموجب يقتضي ذلك.

ر - إن حديث ابن عباس يتحدث عن حالة اجتماعية مفروض فيها أن تكون معلومة لدى جمهور معاصريها، وتوفر الدواعي لنقلها بطرق متعددة مما لا ينبغي أن يكون موضع خلاف، ومع هذا لم تنقل إلا بطريق آحادي عن ابن عباس فقط، ولم يروها عن ابن عباس غير طاوس الذي قيل عنه بأنه يروي المناكير. ولا يخفى ما عليه جماهير علماء الأصول من أن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي لنقله متوفرة، ولم ينقله إلا واحد ونحوه أن ذلك يدل على عدم صحته، فقد قال صاحب جمع الجوامع عطفا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر: والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله خلافا للرافضة. اهـ وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: إذا انفرد واحد فيما تتوفر الدواعي إلى نقله، وقد شاركه خلق كثير كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعا خلافا للشيعة. ا هـ.

فلا شك أن الدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون بعده في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر من أن الطلاق الثلاث كانت تجعل واحدة متوفرة توافرا لا يمكن إنكاره، ولا شك أن سكوت جميع الصحابة عنه حيث لم ينقل عنهم حرف واحد في ذلك غير ابن عباس يدل دلالة واضحة على أحد أمرين: إما أن المقصود بحديث ابن عباس ليس معناه بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد، وإما أن الحديث غير صحيح لنقله آحادا مع توفر الدواعي لنقله.

هـ - ما عليه ابن عباس - رضي الله عنه - من التقى والصلاح والعلم والاستقامة والتقيد بالاقتداء والقوة في الصدع بكلمة الحق التي يراها يمنع القول بانقياده إلى ما أمر به عمر - رضي الله عنه - من إمضاء الثلاث، والحال أنه يعرف حكم الطلاق الثلاث في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر خلافة عمر من أنه يجعل واحدة.

فلا يخفى خلافه مع عمر - رضي الله عنهما - في متعة الحج وبيع الدينار بالدينارين وفي بيع أمهات الأولاد وغيرها من مسائل الخلاف، فكيف يوافقه في شيء يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه خلافه، وإلى قوته - رضي الله عنه - في الصدع بكلمة الحق التي يراها، تشير كلمته المشهورة في مخالفته عمر في متعة الحج وهي قوله: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء!، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.

و - على فرض صحة حديث ابن عباس، فإن ما عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من التقى والصلاح والاستقامة وتمام الاقتداء بما عليه الحال المعتبرة شرعا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر يمنع القول بانقيادهم إلى أمر عمر - رضي الله عنه - في إمضاء الثلاث، والحال أنهم يعرفون ما كان عليه أمر الطلاق الثلاث في ذلك العهد، ومع هذا فلم يثبت بسند صحيح أن أحدا منهم أفتى بمقتضى ما عليه الأمر في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وصدر من خلافة عمر حسبما ذكره ابن عباس في حديثه.

ز - ما في حديث ابن عباس من الدلالة على أن عمر أمضى الثلاث؛ عقوبة للناس؛ لأنهم قد استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة، وهذا مشكل، ووجه الإشكال: كيف يقرر عمر - رضي الله عنه - وهو هو تقىً وصلاحا وعلما وفقها - بمثل هذه العقوبة التي لا تقتصر آثارها على من استحقها وإنما تتجاوزه إلى طرف آخر ليس له نصيب في الإجرام، وتعني بالطرف الآخر الزوجات حيث يترتب عليها إحلال فرج حرام على طرف ثالث، وتحريم فرج حلال بمقتضى عقد الزواج، وحقوق الرجعة، مما يدل على أن حديث طاوس عن ابن عباس فيه نظر، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وجهة نظر المخالفين:

نرى أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة، وقد سبقنا إلى القول بهذا ابن عباس في رواية صحيحة ثابتة عنه، وأفتى به الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود من الصحابة في رواية عنهم وأفتى به عكرمة وطاوس وغيرهما من التابعين، وأفتى به ممن بعدهم محمد بن إسحاق وخلاس بن عمرو والحارث العكلي، والمجد بن تيمية، وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، وتلميذه شمس الدين ابن القيم وغيرهم.. وقد استدل على ذلك بما يأتي:

الدليل الأول: قوله - تعالى -: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة الآية: 229] وبيانه: أن الطلاق الذي شرع للزوج فيه الخيار بين أن يسترجع زوجته أو يتركها بلا رجعة حتى تنقضي عدتها فتبين منه - مرتان مرة بعد مرة، سواء طلق في كل مرة منهما طلقة أو ثلاثا مجموعة، لأن الله - تعالى – قال: (مَرَّتَانِ) [سورة البقرة الآية: 229] ولم يقل: طلقتان، ثم قال - تعالى- في الآية التي تليها: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [سورة البقرة الآية: 230] فحكم بأن زوجته تحرم عليه بتطليقه إياها المرة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره سواء نطق في المرة الثالثة بطلقة واحدة أم بثلاث مجموعة، فدل على أن الطلاق شرعا مفرقا على ثلاث مرات، فإذا نطق بثلاث في لفظ واحد كان مرة واعتبر واحدة.

الدليل الثاني: ما رواه مسلم في صحيحه من طريق طاوس عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر - رضي الله عنه -: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم[279]، وفي صحيح مسلم أيضا عن طاوس عن ابن عباس، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر واحدة، قال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم[280]. فهذا الحديث واضح الدلالة على اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلقةً واحدةً، وعلى أنه لم ينسخ لاستمرار العمل به في عهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، ولأن عمر علل إمضاءه ثلاثا بقوله: "إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة"، ولم يدَّعِ النسخ، ولم يعلل الإمضاء به، ولا بظهوره بعد خفائه، ولأن عمر استشار الصحابة في إمضائه ثلاثا، وما كان عمر ليستشير أصحابه في العدول عن العمل بحديث علم أو ظهر له أنه منسوخ، وما أجيب به عن حديث ابن عباس فهو إما تأويل متكلف، وحمل للفظه على خلاف ظاهره بلا دليل، وإما طعن فيه بالشذوذ والاضطراب وضعف طاوس، وهذا مردود بأن مسلما رواه في صحيحه وقد اشترط ألا يروي في كتابه إلا الصحيح من الأحاديث، ثم إن الطاعنين فيه قد احتجوا بقول عمر في آخره " إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم " فكيف يكون آخره حجة مقبولة، ويكون صدره مردودا لاضطرابه وضعف راويه؟ وأبعد من هذا ما ادعاه بعضهم من أن العمل كان جاريا على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يجعل الطلاق الثلاث واحدة، لكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم بذلك؛ إذ كيف تصح هذه الدعوى والقرآن ينزل والوحي مستمر، وكيف تستمر الأمة على العمل بالخطأ في عهده وعهد أبي بكر وسنتين أو ثلاث من خلافة عمر؟، وكيف يعتذر عمر في عدوله عن ذلك إلى إمضائه عليهم بما ذكر في الحديث من استعجال الناس في أمر كانت لهم فيه أناة؟ ومن الأمور الواهية التي حاولوا بها رد الحديث معارضته بفتوى ابن عباس على خلافه، ومن المعلوم عند علماء الحديث وجمهور الفقهاء أن العبرة بما رواه الراوي متى صحت الرواية لا برأيه وفتواه بخلافه لأمور كثيرة استندوا إليها في ذلك، وجمهور من يقول بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يعتبر ثلاثا يقولون بهذه القاعدة، ويبنون عليها الكثير من الفروع الفقهية وقد عارضوا الحديث أيضا بما ادعوه من الإجماع على خلافه بعد سنتين من خلافة عمر - رضي الله عنه - مع العلم بأنه قد ثبت الخلاف في اعتبار الثلاث بلفظ واحد ثلاثاً، واعتباره واحدة بين السلف والخلف، واستمر إلى يومنا، ولا يصح الاستدلال على اعتبار الطلاق الثلاث بلفظ واحد ثلاثا بحديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - في تحريم الرسول - صلى الله عليه وسلم - زوجة رفاعة القرظي عليه حتى تنكح زوجا غيره لتطليقه إياها ثلاثا؛ لأنه ثبت أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، كما رواه مسلم في صحيحه، فكان الطلاق مفرقا، ولم يثبت أن رفاعة بن وهب النضري جرى له مع زوجته مثل ما جرى لرفاعة القرظي حتى يقال بتعدد القصة، وأن إحداهما كان الطلاق فيها ثلاثة مجموعة، ولم يحكم ابن حجر بتعدد القصة، بل قال: إن كان محفوظا - يعني حديث رفاعة النضري - فالواضح تعدد القصة، واستشكل ابن حجر تعدد القصة في كتابه الإصابة حيث قال: لكن المشكل اتحاد اسم الزوج الثاني عبد الرحمن بن الزبير.

الدليل الثالث: ما رواه الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا سعد بن إبراهيم، حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: طلق ركانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا، قال: فسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كيف طلقتها))، قال: طلقتها ثلاثا قال: فقال: ((في مجلس واحد؟)) قال: نعم، فقال: ((فإنما تلك واحدة فارجعها إن شئت))، قال: ((فراجعها))[281]، قال: فكان ابن عباس يرى أن الطلاق عند كل طهر، قال ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين: " وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد وحسنه "، وضعف أحمد وأبو عبيد والبخاري ما روي من أن ركانة طلق زوجته بلفظ: البتة.

الدليل الرابع: بالإجماع، وبينه ابن تيمية وابن القيم وغيرهما بأن الأمر لم يزل على اعتبار الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة في عهد أبي بكر وسنتين أو ثلاث من خلافة عمر، وأن ما روي عن الصحابة من الفتوى بخلاف ذلك، فإنما كان من بعضهم بعدما أمضاه عمر ثلاثا تعزيرا وعقوبة، لمَّا استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة، ولم يُرِد عمر بإمضاء الثلاث أن يجعل ذلك شرعا كليا مستمرا، وإنما أراد أن يلزم به ما دامت الدواعي التي دعت إليه قائمة كما هو الشأن في الفتاوى التي تتغير بتغير الظروف والأحوال، وللإمام أن يعزر الرعية عند إساءة التصرف في الأمور التي لهم فيها الخيار بين الفعل والترك بقصرهم على بعضها، ومنعهم من غيره، كما منع النبي - صلى الله عليه وسلم - الثلاثة الذين خلفوا من زوجاتهم مدة من الزمن؛ عقوبة لهم على تخلفهم عن غزوة تبوك مع أن زوجاتهم لم يُسئن، وكالزيادة في عقوبة شرب الخمر، وتحديد الأسعار عند استغلال التجار –مثلا- للظروف وتواطئهم على رفع الأسعار دون مسوغ شرعي؛ إقامةً للعدل، وفي معنى هذا تنظيم المرور؛ فإن فيه منع الناس من المرور في طرق قد كان مباحا لهم السير فيها من قبلُ؛ محافظةً على النفوس والأموال وتيسيرا للسير مع أمن وسلام.

الدليل الخامس: قياس الطلاق الثلاث على شهادات اللعان، قالوا: كما لا يعتبر قول الزوج في اللعان أشهد بالله أربع شهادات أني رأيتها تزني إلا شهادة واحدة لا أربعا، فكذا لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا، لا يعتبر إلا طلقة واحدة لا ثلاثا، ولو قال: أقر بالزنا أربعا مكتفيا بذكر اسم العدد عن تكرار الإقرار، لم يعتبر إلا واحدة عند من اعتبر التكرار في الإقرار، فكذا لو قال لزوجته: أنت طالق ثلاثا مكتفيا باسم العدد عن تكرار الطلاق لم يعتبر إلا واحدة، وهكذا كل ما يعتبر فيه تكرار القول لا يكفي فيه عن التكرار ذكر اسم العدد كالتسبيح والتحميد والتكبير عقب الصلوات المكتوبة، والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم...


[1] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: 3/93 وما بعدها.

[2] رواه ابن عدي في الكامل من طريق علي بن أبي طالب، وقال السيوطي في الجامع الصغير: ضعيف.

[3] المبسوط: (6 / 4 وما بعدها)، ويرجع أيضا إلى فتح القدير: (3 / 26 وما بعدها).

[4] سنن النسائي: الطلاق: (3401).

[5] سنن النسائي: الطلاق: (3557).

[6] شرح معاني الآثار: (2/30).

[7] سنن النسائي: الطلاق: (3401).

[8] المغني ومعه الشرح الكبير: (8/241).

[9] سنن النسائي: الطلاق: (3557)، مسند أحمد بن حنبل: (2/124).

[10] صحيح مسلم: صفة القيامة والجنة والنار: (2813)، مسند أحمد بن حنبل (3/315).

[11] سنن الترمذي: الطلاق: (1186).

[12] سنن الترمذي: الطلاق: (1187)، سنن أبي داود: الطلاق: (2226)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2055).

[13] زاد المعاد: (4/100 وما بعدها).

[14] سنن النسائي: الطلاق: (3401).

[15] صحيح مسلم: المساجد ومواضع الصلاة: (597)، مسند أحمد بن حنبل (2/371)، موطأ مالك: النداء للصلاة: (488).

[16] صحيح البخاري: الجهاد والسير: (3011)، صحيح مسلم: الإيمان: (154)، سنن الترمذي: النكاح: (1116)، سنن النسائي: النكاح: (3344)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1956)، مسند أحمد بن حنبل: (4/405)، سنن الدارمي: النكاح: (2244).

[17] صحيح البخاري: المناقب: (3636)، صحيح مسلم: صفة القيامة والجنة والنار: (2801)، سنن الترمذي: تفسير القرآن: (3285)، مسند أحمد بن حنبل (1/447).

[18] صحيح البخاري: تفسير القرآن: (4864)، صحيح مسلم: صفة القيامة والجنة والنار: (2801)، سنن الترمذي: تفسير القرآن (3285)، مسند أحمد بن حنبل (1/447).

[19] انظر المحلى: (10/167 - 168).

[20] انظر فتح الباري: (9/297).

[21] انظر تهذيب التهذيب: (10/66).

[22] صحيح مسلم: الطلاق: (1480)، سنن الترمذي: النكاح: (1135)، سنن أبي داود: الطلاق: (2284)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1869)، مسند أحمد بن حنبل: (6/373)، موطأ مالك: الطلاق: (1234)، سنن الدارمي: النكاح: (2177).

[23] سنن الترمذي: كتاب الطلاق: (1177)، سنن أبي داود: الطلاق: (2208)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2051)، سنن الدارمي: الطلاق: (2272).

[24] صحيح البخاري: الطلاق: (5259)، صحيح مسلم: اللعان: (1492)، سنن النسائي: الطلاق: (3402)، سنن أبي داود: الطلاق: (2245)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2066)، مسند أحمد بن حنبل: (5/331)، موطأ مالك: كتاب الطلاق: (1201)، سنن الدارمي: النكاح: (2229).

[25] صحيح البخاري: الطلاق: (5259)، صحيح مسلم: اللعان: (1492)، سنن النسائي: الطلاق: (3402)، سنن: أبي داود الطلاق: (2245)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2066)، موطأ مالك: كتاب الطلاق: (1201)، سنن الدارمي: النكاح: (2229).

[26] صحيح البخاري: الطلاق: (5260)، صحيح مسلم: النكاح: (1433)، سنن الترمذي: النكاح: (1118)، سنن النسائي: الطلاق: (3409)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1932)، مسند أحمد بن حنبل: (6/38)، سنن الدارمي: الطلاق: (2267).

[27] المغني ومعه الشرح الكبير: (8 / 242).

[28] صحيح البخاري: الطلاق: (5261)، صحيح مسلم: النكاح: (1433)، مسند أحمد بن حنبل: (6/42).

[29] صحيح مسلم: الطلاق: (1480)، سنن الترمذي: النكاح: (1135)، سنن أبي داود: الطلاق: (2290)، مسند أحمد بن حنبل: (6/373)، موطأ مالك: الطلاق: (1234)، سنن الدارمي: النكاح: (2177).

[30] صحيح مسلم: الطلاق: (1482)، سنن النسائي: الطلاق: (3547)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2033).

[31] صحيح مسلم: الطلاق: (1480)، سنن النسائي: الطلاق: (3404)، سنن أبي داود: الطلاق: (2290)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1869)، مسند أحمد بن حنبل: (6/373)، موطأ مالك: الطلاق: (1234)، سنن الدارمي: النكاح: (2177).

[32] كذا في الأصل المنقول عنه، [وفي نسخة من المحلى: أخبرها هي ونفر سواها. وهو أوضح].

[33] انظر مصنف ابن أبي شيبة: (5/11).

[34] بدائع الصنائع: (3 / 96).

[35] فتح القدير: (3 / 25).

[36] شرح معاني الآثار: (3 / 59).

[37] المدونة: (2 / 68).

[38] مواهب الجليل: (4 / 39).

[39] المنتقى: (4 / 3).

[40] تفسير القرطبي: (3 / 129).

[41] المهذب: (2/84)

[42] المغني: (8 / 243).

[43] الإنصاف: (8 / 453).

[44] مجموع الفتاوى: (33 / 8).

[45] زاد المعاد: (4 / 104).

[46] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406).

[47] سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث: (70).

[48] سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث: (70).

[49] سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث: (77).

[50] أضواء البيان: (1 / 176).

[51] انظر عمدة القاري: (9/538).

[52] بواسطة سير الحاث لابن عبد الهادي: (93 / 94).

[53] شرح النووي لصحيح مسلم: (10 / 70 – 71).

[54] أضواء البيان: (1 / 175 – 176).

[55] مسند أحمد بن حنبل: (1/266).

[56] سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث: (78).

[57] موطأ مالك: النكاح: (1166).

[58] سير الحاث: (89 – 90).

[59] صحيح البخاري وعليه الفتح: (9 / 391) وصحيح مسلم وعليه شرح النووي: (10 / 123).

[60] صحيح البخاري: الطلاق: (5259)، صحيح مسلم: اللعان: (1492)، سنن النسائي: الطلاق: (3402)، سنن أبي داود: الطلاق: (2245)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2066)، مسند أحمد بن حنبل: (5/331)، موطأ مالك: كتاب الطلاق: (1201)، سنن الدارمي: النكاح: (2229).

[61] النووي على مسلم: (10 / 122)، ويرجع أيضا إلى الفتح: (9 / 367).

[62] مجموع الفتاوى: (23 / 77 – 78) ويرجع أيضا إلى زاد المعاد: (4/115)، وإغاثة اللهفان: (1/314).

[63] أضواء البيان: (1/162 وما بعدها).

[64] سنن أبي داود: كتاب الطلاق: (2248).

[65] سنن النسائي: الطلاق: (3401).

[66] صحيح البخاري: الطلاق: (5261)، صحيح مسلم: النكاح: (1433).

[67] فتح الباري: (9 / 301).

[68] عمدة القاري: (9 / 541).

[69] زاد المعاد: (4 / 108).

[70] زاد المعاد: (4 / 114).

[71] أضواء البيان: (1 / 167).

[72] أضواء البيان: (1 / 163).

[73] صحيح مسلم: الطلاق: (1480)، سنن الترمذي: النكاح: (1135)، سنن النسائي: الطلاق: (3405)، سنن أبي داود: الطلاق: (2288)، مسند أحمد بن حنبل: (6/373)، موطأ مالك: الطلاق: (1234).

[74] صحيح البخاري: الطلاق: (5260)، صحيح مسلم: النكاح: (1433)، سنن الترمذي: النكاح: (1118)، سنن النسائي: الطلاق: (3409)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1932)، مسند أحمد بن حنبل: (6/38)، سنن الدارمي: الطلاق: (2267).

[75] أضواء البيان: (1 / 166).

[76] مجموع الفتاوى: (33 / 77).

[77] صحيح مسلم: الطلاق: (1480)، سنن الترمذي: النكاح: (1135)، سنن النسائي: النكاح: (3222)، مسند أحمد بن حنبل: (6/373)، موطأ مالك: الطلاق: (1234)، سنن الدارمي: النكاح: (2177).

[78] صحيح مسلم: الطلاق: (1480)، سنن الترمذي: الطلاق: (1180)، سنن النسائي: النكاح: (3222)، سنن أبي داود: الطلاق: (2290)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1869)، مسند أحمد بن حنبل: (6/373)، موطأ مالك: الطلاق: (1234)، سنن الدارمي: النكاح: (2177).

[79] صحيح مسلم: الطلاق: (1482)، سنن النسائي: الطلاق: (3547)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2033).

[80] صحيح مسلم: الطلاق: (1480)، سنن الترمذي: النكاح: (1135)، سنن النسائي: النكاح: (3244)، سنن أبي داود: الطلاق: (2288)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2036)، مسند أحمد بن حنبل: (6/373)، موطأ مالك: الطلاق: (1234).

[81] صحيح مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة: (2942)، سنن الترمذي: النكاح: (1135)، سنن النسائي: النكاح: (3222)، سنن أبي داود: الطلاق: (2290)، مسند أحمد بن حنبل: (6/373)، موطأ مالك: الطلاق: (1234)، سنن الدارمي: النكاح: (2177).

[82] إغاثة اللهفان: (1 / 313).

[83] أضواء البيان: (1 / 170).

[84] سنن الترمذي: كتاب الطلاق: (1177)، سنن أبي داود: الطلاق: (2206)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2051)، سنن الدارمي: الطلاق: (2272).

[85] أحكام القرآن: (1 / 459).

[86] سنن الترمذي: كتاب الطلاق: (1177)، سنن أبي داود: الطلاق: (2206)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2051)، سنن الدارمي: الطلاق: (2272).

[87] الكافي: (2 / 786).

[88] سنن ابن ماجه: (1 / 632).

[89] المستدرك: (1/199 – 200).

[90] سنن الترمذي: كتاب الطلاق: (1177)، سنن أبي داود: الطلاق: (2206)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2051)، سنن الدارمي: الطلاق: (2272).

[91] سنن الدارقطني: (2 / 439).

[92] العارضة على الترمذي: (5 / 135).

[93] تفسير القرطبي: (3 / 132).

[94] تفسير القرطبي: (3 / 132).

[95] نيل الأوطار: (6 / 227).

[96] مختصر سنن أبي داود: (3 / 122).

[97] جامع الترمذي: (5 / 132).

[98] سنن أبي داود: الطلاق: (2196)، مسند أحمد بن حنبل: (1/265).

[99] السنن الكبرى للبيهقي: (7 / 337).

[100] سنن أبي داود: الطلاق: (2196).

[101] معالم السنن: (3 / 126).

[102] المحلى: (10 / 168).

[103] تهذيب سنن أبي داود: (3 / 121).

[104] المستفاد من مبهمات المتن والإسناد: (66).

[105] المستدرك: (2 / 291).

[106] سنن أبي داود: الطلاق: (2196).

[107] تلخيص المستدرك: (2 / 491).

[108] التجريد: (388).

[109] معالم السنن: (3 / 122).

[110] سنن أبي داود: (1 / 7، 508).

[111] سنن أبي داود: الطلاق: (2196).

[112] سنن الترمذي: كتاب الطلاق: (1177)، سنن أبي داود: الطلاق: (2206)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2051)، سنن الدارمي: الطلاق: (2272).

[113] سنن الترمذي: كتاب الطلاق: (1177)، سنن أبي داود: الطلاق: (2208)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2051)، سنن الدارمي: الطلاق: (2272).

[114] تفسير القرطبي: (3 / 131 – 132).

[115] تفسير القرطبي: (3 / 131).

[116] فتح الباري: (9 / 297).

[117] زاد المعاد: (4 / 115 – 116) وإغاثة اللهفان: (1 / 315 – 316).

[118] سنن الترمذي: النكاح: (1143)، سنن أبي داود: الطلاق: (2240)، سنن ابن ماجه: النكاح: (2009)، مسند أحمد بن حنبل: (1/217).

[119] صحيح البخاري: الطلاق: (5332)، صحيح مسلم: الطلاق: (1471)، سنن الترمذي: الطلاق: (1175)، سنن النسائي: الطلاق: (3392)، سنن أبي داود: الطلاق: (2185)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2019)، مسند أحمد بن حنبل: (2/124)، موطأ مالك: الطلاق: (1220)، سنن الدارمي: الطلاق: (2262).

[120] سنن الترمذي: الطلاق: (1175)، سنن النسائي: الطلاق: (3400)، مسند أحمد بن حنبل: (2/43).

[121] تفسير القرطبي: (3 / 130).

[122] صحيح البخاري: الطلاق: (5332)، صحيح مسلم: الطلاق: (1471)، سنن النسائي: الطلاق: (3557)، سنن أبي داود: الطلاق: (2185)، سنن ابن ماجه: كتاب الطلاق: (2022)، مسند أحمد بن حنبل: (2/124)، موطأ مالك: الطلاق: (1220)، سنن الدارمي: الطلاق: (2262).

[123] جامع العلوم والحكم: (56 - 57) شرح حديث ' من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".

[124] إغاثة اللهفان: (1 / 318).

[125] إغاثة اللهفان: (1 / 317).

[126] إغاثة اللهفان: (1 / 317).

[127] إغاثة اللهفان: (1 / 317).

[128] أحكام القرآن: (1 / 459).

[129] المنتقى: (4 / 3).

[130] الناسخ والمنسوخ.

[131] أحكام القرآن: (1 / 81).

[132] سنن أبي داود: الطلاق: (2196).

[133] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406).

[134] في المطبوعة ' ويحطها مقالة جناية ' وعلى كل حال فالجملة غير واضحة، فلتحرر. (وفي مصنف عبد الرزاق: (6 / 332): فقالت أم الحسن وما بعد الثلاث)

[135] وقد صحح نص الأثر من نسخة المصنف نفسه: (6 / 332).

[136] قوله: - مقاتل الرازي - كذا بالأصل المطبوع.

[137] مسند أحمد بن حنبل (1/265).

[138] في نسخة الواسطي.

[139] سنن سعيد بن منصور القسم الأول (3/259).

[140] سير الحاث: (79، 80).

[141] صحيح البخاري: المناقب: (3689)، مسند أحمد بن حنبل: (2/339).

[142] صحيح البخاري: المناقب: (3689)، مسند أحمد بن حنبل: (2/339).

[143] صحيح مسلم: فضائل الصحابة: (2398)، سنن الترمذي: المناقب: (3693)، مسند أحمد بن حنبل: (6/55).

[144] في الهامش لعل صوابه ' إخفاء '.

[145] قوله ' حقا ' كذا في المطبوعة.

[146] أعلام الموقعين: (3 / 29 – 31).

[147] سنن النسائي: الطلاق: (3401).

[148] إغاثة اللهفان: (1/330 وما بعدها).

[149] فِي سند هذا الأثر خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك ، قال فِي التقريب : خالد بن يزيد هذا ضعيف مع كونه فقيها وقد اتهمه ابن معين ، وأبو يزيد صدوق ربما وهم ، اهـ . تقريب .

[150] المغني ومعه الشرح الكبير: (8/243).

[151] إغاثة اللهفان: (1/306).

[152] فتح الباري: (9/365).

[153] فتح الباري: (9/365).

[154] فتح الباري: (9/365).

[155] فتح القدير: (3/65).

[156] المنتقى شرح الموطأ: (4/3).

[157] مجموع الفتاوى: (33 /8).

[158] زاد المعاد: (4/105).

[159] الإنصاف: (8/453).

[160] أعلام الموقعين: (3/34، 28، 29).

[161] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406).

[162] سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث ضمن مجموعة عليه: (81).

[163] سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث ضمن مجموعة عليه: (82-83).

[164] قبله ' وظاهر إجماع ابن حزم.. الخ ' هكذا بالأصل المطبوع.

[165] سير الحاث: (90)، وما بعدها ويرجع إلى ما ذكره ابن القيم في الإغاثة: (1/1- 3)

[166] قوله ' يعرف ' كذا في الأصل المطبوع.

[167] الإحالة على أرقام الصفحات في المطبوعة.

[168] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن أبي داود: الطلاق: (2199).

[169] سنن النسائي: الطلاق: (3406)، سنن أبي داود: الطلاق: (2199).

[170] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406)، سنن أبي داود: الطلاق: (2200).

[171] الأم: اختلاف الحديث: (7 / 305-310).

[172] صحيح مسلم: النكاح: (1433)، سنن الترمذي: النكاح: (1118)، سنن النسائي: الطلاق: (3409)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1932)، مسند أحمد بن حنبل: (6/38)، سنن الدارمي: الطلاق: (2267).

[173] صحيح مسلم: النكاح: (1433)، سنن الترمذي: النكاح: (1118)، سنن النسائي: الطلاق: (3409)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1932)، مسند أحمد بن حنبل: (6/226)، سنن الدارمي: الطلاق: (2267).

[174] صحيح مسلم: الطلاق: (1480)، سنن الترمذي: النكاح: (1135)، سنن النسائي: النكاح: (3222)، سنن أبي داود: الطلاق: (2284)، مسند أحمد بن حنبل: (6/373)، موطأ مالك: الطلاق: (1234)، سنن الدارمي: النكاح: (2177).

[175] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406)، سنن أبي داود: الطلاق: (2200).

[176] شرح معاني الآثار: (2 / 32).

[177] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406)، سنن أبي داود: الطلاق: (2200).

[178] شرح معاني الآثار: (3 / 33).

[179] فتح الباري: (9/299).

[180] فتح الباري: (9/298).

[181] زاد المعاد: (4/117، 118).

[182] أضواء البيان: (1/186 – 187).

[183] صحيح مسلم: الحج: (1217)، مسند أحمد بن حنبل: (3/304).

[184] السنن الكبرى: (7/338).

[185] المنتقى: (4/4).

[186] تفسير القرطبي: (3/130).

[187] ابن حجر الفتح: (9 / 299).

[188] المغني ومعه الشرح: (7 / 304).

[189] زاد المعاد: (4 / 119).

[190] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406)، سنن أبي داود: الطلاق: (2199).

[191] سنن أبي داود: الطلاق: (2199).

[192] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406).

[193] إغاثة اللهفان: (298).

[194] فتح الباري: (9 / 363).

[195] إغاثة اللهفان: (1 / 285 – 286).

[196] صحيح البخاري: الذبائح والصيد: (5539)، سنن الترمذي: الأطعمة: (1798)، سنن النسائي: الفرع والعتيرة: (4260)، سنن أبي داود: الأطعمة: (3842)، مسند أحمد بن حنبل: (6/330)، موطأ مالك: الجامع: (1815).

[197] أضواء البيان: (1 / 196 - 197 – 198).

[198] إغاثة اللهفان: (1 / 291).

[199] المحلى: (10 / 168، 169).

[200] صحيح البخاري: الزكاة: (1506)، صحيح مسلم: الزكاة: (985)، سنن الترمذي: الزكاة: (673)، سنن النسائي: الزكاة: (2512)، سنن أبي داود: الزكاة: (1616)، سنن ابن ماجه: الزكاة: (1829)، مسند أحمد بن حنبل: (3/98)، موطأ مالك: الزكاة: (628)، سنن الدارمي: الزكاة: (1664).

[201] زاد المعاد: (4 / 120).

[202] أضواء البيان: (1 / 196).

[203] معالم السنن: (3 / 27).

[204] المختصر للمنذري: (3 / 1126).

[205] الفتح: (9 / 298).

[206] زاد المعاد: (4 / 118، 119).

[207] أضواء البيان: (180 – 183).

[208] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406).

[209] إغاثة اللهفان: (1/158 – 159).

[210] المسودة: (242).

[211] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406).

[212] السنن الكبرى: (7 / 337 – 338).

[213] قراءة شاذة للآية الأولى من سورة الطلاق.

[214] أعلام الموقعين: (3 / 31 وما بعدها).

[215] موطأ مالك: الصيام: (679).

[216] أضواء البيان: (1 / 189 – 191).

[217] معالم السنن: (3 / 126).

[218] فتح الباري: (9 / 299).

[219] سير الحاث: (74).

[220] تفسير القرطبي: (3 / 129).

[221] أضواء البيان: (192)

[222] الفتح: (9 / 363).

[223] إغاثة اللهفان: (1 / 295 – 296).

[224] أضواء البيان: (1 / 193 – 195).

[225] قوله ' لأن ' كذا بالأصل المطبوع.

[226] صحيح البخاري: بدء الوحي: (1)، صحيح مسلم: الإمارة: (1907)، سنن الترمذي: فضائل الجهاد: (1647)، سنن النسائي: الطهارة: (75)، سنن أبي داود: الطلاق: (2201)، سنن ابن ماجه: الزهد: (4227)، مسند أحمد بن حنبل: (1/43).

[227] صحيح البخاري: بدء الوحي: (1)، صحيح مسلم: الإمارة: (1907)، سنن الترمذي: فضائل الجهاد: (1647)، سنن النسائي: الطهارة: (75)، سنن أبي داود: الطلاق: (2201)، سنن ابن ماجه: الزهد: (4227)، مسند أحمد بن حنبل: (1/43).

[228] فتح الباري: (9 / 364).

[229] إغاثة اللهفان: (1 / 293 – 295).

[230] صحيح البخاري: الطلاق: (5309)، صحيح مسلم: اللعان: (1492)، سنن النسائي: الطلاق: (3402)، سنن أبي داود: الطلاق: (2245)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2066)، موطأ مالك: كتاب الطلاق: (1201)، سنن الدارمي: النكاح: (2229).

[231] مسند أحمد بن حنبل: (1/265).

[232] أعلام الموقعين: (3 / 40).

[233] سنن الترمذي: النكاح: (1142)، سنن ابن ماجه: النكاح: (2010).

[234] سنن أبي داود: الطلاق: (2196).

[235] إغاثة اللهفان: (1 / 289).

[236] أضواء البيان: (1 / 195 – 196).

[237] الناسخ والمنسوخ: (71).

[238] سنن أبي داود بشرح عون المعبود: (2 / 226 – 227).

[239] سنن أبي داود بشرح عون المعبود: (2 / 226 – 227).

[240] المنتقى: (4 / 4).

[241] مختصر سنن أبي داود ومعه التهذيب والمعالم: (3 /128).

[242] إغاثة اللهفان: (179).

[243] السنن الكبرى: (7/339 – 340).

[244] السنن الكبرى: (7 / 340).

[245] الروض النضير: (4 / 387).

[246] الروض النضير: (4 / 379).

[247] صحيح مسلم: الأقضية: (1718)، مسند أحمد بن حنبل: (6/180).

[248] صحيح مسلم: الأقضية: (1718)، مسند أحمد بن حنبل: (6/180).

[249] مجموع الفتاوى: (33 / 81- 98).

[250] سنن الترمذي: كتاب الطلاق: (1177)، سنن أبي داود: الطلاق: (2208)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2051)، سنن الدارمي: الطلاق: (2272).

[251] مسند أحمد بن حنبل: (1/265).

[252] سنن الترمذي: كتاب الطلاق: (1177)، سنن أبي داود: الطلاق: (2206)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2051)، سنن الدارمي: الطلاق: (2272).

[253] سنن الترمذي: النكاح: (1143)، سنن أبي داود: الطلاق: (2240)، سنن ابن ماجه: النكاح: (2009).

[254] صحيح البخاري: البيوع: (2079)، صحيح مسلم: البيوع: (1532)، سنن الترمذي: البيوع: (1246)، سنن النسائي: البيوع: (4464)، سنن أبي داود: البيوع: (3459)، مسند أحمد بن حنبل: (3/402)، سنن الدارمي: البيوع: (2547).

[255] سنن الترمذي: النكاح: (1119)، سنن أبي داود: النكاح: (2076)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1935)، مسند أحمد بن حنبل: (1/87).

[256] صحيح البخاري: اللباس: (5962)، مسند أحمد بن حنبل: (4/308).

[257] صحيح مسلم: النكاح: (1406)، سنن النسائي: النكاح: (3368)، سنن أبي داود: النكاح: (2073)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1962)، مسند أحمد بن حنبل: (3/405)، سنن الدارمي: النكاح: (2195).

[258] صحيح البخاري: النكاح: (5115)، صحيح مسلم: النكاح: (1407)، سنن الترمذي: النكاح: (1121)، سنن النسائي: النكاح: (3365)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1961)، مسند أحمد بن حنبل: (1/142)، سنن الدارمي: النكاح: (2197).

[259] ذكره السيوطي في الجامع الصغير وضعفه.

[260] سنن النسائي: الطلاق: (3401).

[261] سنن أبي داود: الطلاق: (2198).

[262] صحيح البخاري: الطلاق: (5252)، صحيح مسلم: الطلاق: (1471)، سنن الترمذي: الطلاق: (1176)، سنن النسائي: الطلاق: (3392)، سنن أبي داود: الطلاق: (2185)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2019)، مسند أحمد بن حنبل: (2/59)، سنن الدارمي: الطلاق: (2262).

[263] سنن الترمذي: الطلاق: (1187)، سنن أبي داود: الطلاق: (2226)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2055).

[264] صحيح مسلم: الطلاق: (1480)، سنن الترمذي: النكاح: (1135)، مسند أحمد بن حنبل: (6/373).

[265] صحيح البخاري: الشهادات: (2639)، صحيح مسلم: النكاح: (1433)، سنن الترمذي: النكاح: (1118)، سنن النسائي: الطلاق: (3409)، سنن ابن ماجه: النكاح: (1932)، مسند أحمد بن حنبل: (6/226)، سنن الدارمي: الطلاق: (2267).

[266] موطأ مالك: النكاح: (1166).

[267] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406)، سنن أبي داود: الطلاق: (2199).

[268] تهذيب التهذيب.

[269] سنن أبي داود: الطلاق: (2196)، مسند أحمد بن حنبل: (1/265).

[270] سنن أبي داود: الطلاق: (2196).

[271] تهذيب التهذيب.

[272] تهذيب التهذيب.

[273] سنن أبي داود: الطلاق: (2199).

[274] صحيح مسلم: الأقضية: (1718)، مسند أحمد بن حنبل: (6/180).

[275] صحيح البخاري: الطلاق: (5261)، صحيح مسلم: النكاح: (1433).

[276] صحيح مسلم: الطلاق: (1472).

[277] سنن الترمذي: الطلاق: (1184)، سنن أبي داود: الطلاق: (2194)، سنن ابن ماجه: الطلاق: (2039).

[278] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406).

[279] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن النسائي: الطلاق: (3406).

[280] صحيح مسلم: الطلاق: (1472)، سنن أبي داود: الطلاق: (2199).

[281] سنن أبي داود: الطلاق: (2196)، مسند أحمد بن حنبل: (1/265).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
Abuabida
الصين
2012/04/05
لا اله الا الله
محمد
المغرب
2012/09/20
لا إله إلا الله محمد رسول الله
محمد جاويد السنابلي
الهند
2012/09/21
الحمد لله أنا استفدتم بقالتكم القيمة العلمية
كوثر عادل
الاسكندرية
2012/09/22
كنت مع خلاف مع زوجى وسيبته ونزلت الى شغلى وفوجت من اخى انه غير طبلة الشقة وعايزينى اذهب الى اهلى للجلوس معهم المهم لم استحمل لانى اولا واخد منى فلوس لكى نستلم الشقة وجميع متعلقاتى بالداخل الشقة المهم لحقته عند مدخل العمارة وانهارت على ولم املك نفسى وواقفنا امام بعضنا واطلاق عليا ثلاث مرات الطلاق امام اخى وسيبنى ومشى وعدا اليوم اسبوعين ولم يتصل او يجيب الماذون ليتم الطلاق كما قال وعند مكالمة منه لاخى قال انه بيعاقب اهل بيته يعنى اة وانا جالسة فى بيتى معايا امى وابويا لاننى محرمة على دولونى ماذا افعل معاه وكيف اتصرف علما بانه متزوج غيرى ثلاث ولم يصرف عليا وكل كلامه اصرفى انتى انا مليش دعوة وانه مش مقيم معى الا يومين فى الاسبوع واننى اشتغل واصرف على بيتى واساعد اهلى لانهم ظروفهم على قد الحال والحمد الله على كل شىء دولينى افادكم الله بالله عليكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
طارق
العراق
2013/04/15
انا طلقه مرا واحده عند الشيخ ولكن والد البنيه متفق مع الشيخ انها ثلاثه طلقات بدون رجعه
ايمان
اسرائيل
2013/04/22
اها