تاريخ الفكر الاقتصادي بين الإسلامي والغربي
عدد القراءات : 4407

تاريخ الفكر الاقتصادي بين الإسلامي والغربي منذ أن خُلق الإنسان وهو يسعى إلى تلبية حاجاته الأساسية، وبهذا الدافع كان حريصاً على الاستفادة مما توفره الطبيعة من حوله، وبمرور الزمن بدأت تتعقد هذه الحاجات، فصار لزاما عليه أن يطور استفادته مما حوله، في محاولة لتلبية أكبر قدر من الحاجات، وبزيادة التعقيدات وكثرة الطلبات، وعجزه عن الاستفادة من الطبيعة بالشكل الذي يوفر له جميع حاجاته بدأ يسعى إلى التعاون مع غيره فيتبادل المنافع، فيلبي كل إنسان جزأ من حاجات غيره، فالمزارع يوفر للحداد طعامه، ويوفر الحداد للمزارع أدواته، وكذلك الخياط ومربي الحيوانات، وغيرها من الحرف.

ومع ازدياد التعقيدات في الحياة، ظهرت الحاجة إلى حسن التعامل مع الموارد الطبيعة كي تلبي أكبر قدر ممكن من الحاجات، كما اضطر الإنسان إلى أن يوازن بين متطلباته ويختار منها الأهم فالمهم، كما صار ملزماً بأن يتخلى عن بعض الحاجات الأقل أهمية في سبيل تلبية الأهم، وعند هذه المرحلة بدأت تتشكل الملامح الأساسية للفكر الاقتصادي والذي تطور مع الزمن ليصل إلى ما نعرفه اليوم من مذاهب اقتصادية مختلفة.

إلا أن هذه الأفكار والمذاهب الاقتصادية كانت دائما تسير في اتجاهين يلتقيان أحيانا ولكن غالبا ما يختلفان، الأول اقتصاد يسير بتوجيهات إلهية، واتجاه أخر يقوده الإنسان وفق رغباته وما يراه مصلحة وفق الظروف التي يمر بها.

فمنذ أن خلق الله - تعالى - الإنسان هيأه لأن يعيش على الأرض، وعلمه ما يحتاج ليكون خليفة على هذه الأرض، فكان آدم - عليه الصلاة والسلام - رسولا من عند الله - تعالى - إلى أبناءه، ثم توالت الرسل والأنبياء في جميع الأمم، فقال - تعالى -: (وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر:24]، وكانت مهمة الأنبياء والرسل هداية الناس لما يصلح حالهم في الدنيا والآخرة، بدعوتهم إلى إتباع منهج خالقهم والعالم بما يصلح شؤون حياتهم في جميع جوانبها، بما في ذلك الاقتصادية منها.

وبمرور الزمن كان الإنسان ينحرف عن مبادئ الدين، ويوجد لنفسه تعاملات خاصة به تحقق مصلحته دون اعتبار لمصلحة غيره من البشر، واستمر الحال على هذا المنوال ينحرف الإنسان في عقائده ومعاملاته، فيرسل الله - تعالى - الأنبياء لإعادة توجيه الإنسان إلى الطريق الصحيح الذي يكفل العدالة للجميع ويحد من نزوات الإنسان وغطرسته، ولذلك كانت جميع الأديان تتشابه في قدر كبير من أحكام المعاملات، مع مراعاتها للزمان والمكان واختلاف الحاجات بين الأمم المختلفة، مع الاتفاق على المبادئ الأساسية التي تمثل المنهج الإلهي في التعاملات الاقتصادية، فقد حرمت الأديان جميعها الربا مثلا، وختمت الأديان بالإسلام ليرسخ مبادئ الاقتصاد التي توافق أمر الله - تعالى - وتحدد له الآليات التي تضمن استمراره وتطوره بما يتناسب مع كل زمان ومكان كونه الرسالة الإلهية الخاتمة.

وعلى الرغم من بساطة الحياة الاقتصادية في الحضارات القديمة إلا أنه يمكن ملاحظة بعض الملامح للفكر الاقتصادي في هذه الحضارات فنجد مثلا العديد من الأمم قد برعت في التجارة وبنت الأساطيل التجارية كالفينيقيين الذين أنشئوا مدنا عديدة كمحطات تجارية، كما لا يخفى ما تركه أرسطو وأفلاطون من أفكار اقتصادية وتحليلات تعالج الحياة الاقتصادية السائدة في وقتهم، وكذلك الرومان والفرس وأهل سبأ الذين وصف الله تجارتهم في كتابه الكريم، بالإضافة إلى العرب وحضاراتهم التي كانت تقوم أساسا على النشاط التجاري، حيث استفادوا من المواسم الدينية في تنشيط تجارتهم واستغلوا موقعهم الجغرافي ليكونوا حلقة وصل في التجارة مع المحيطين بهم.

الفكر الاقتصادي الإسلامي:

بدأت تظهر معالم الفكر الاقتصادي الإسلامي مبكرا في عهد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ليكتمل الوحي وقد تحددت القواعد الأساسية للاقتصاد الإسلامي، والمبادئ التي يسمو بها على غيره، ومعالمه الأساسية، وخصائصه المميزة، فقد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على استقلال الدولة الإسلامية اقتصاديا حين أنشأ سوقا للمسلمين في المدينة منهيا بذلك سيطرة غير المسلمين على الحياة الاقتصادية في مجتمع المدينة، كما أوجب الله - سبحانه وتعالى - الزكاة على المسلمين والتي لا يخفى دورها في الدورة الاقتصادية للمال، ودورها في العدالة الاجتماعية وتعاون المجتمع، كما حرمت الربا لما لها من دور في تكديس الأموال عند عدد محدود من الناس لتخالف بذلك أحد أهم مقاصد المعاملات المالية في الإسلام وهو توزيع المال وعدم احتكاره، فوضحت الشريعة الإسلامية أهدافها ومقاصدها التي تسعى لتحقيقها من تشريع التعاملات المالية.

وقد استند الصحابة - رضي الله عنهم - على هذه القواعد والمقاصد في تعاملاتهم، واستمر من تبعهم بعد ذلك في تطوير هذه التعاملات وفق مبادئ الشريعة الإسلامية، وليكونوا السباقين في ابتكار العديد من صيغ التعاملات المالية التي هي عماد الحركة الاقتصادية في الوقت الحاضر، وليرسوا بذلك الأسس التي يقوم عليها ما يعرف بالاقتصاد الإسلامي.

وقد تميز العديد من رواد الفكر الاقتصادي الإسلامي على مر العصور، كعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وعمر بن عبد العزيز، من خلال دورهم في إرساء القواعد الأساسية في اقتصاد الدولة الإسلامية، ثم تبعهم العديد من الفقهاء من خلال مناقشتهم للعديد من النوازل الاقتصادية، ومساهمتهم في إيجاد الحلول الموافقة للشريعة الإسلامية لعدد كبير من المشاكل الاقتصادية، فظهرت العديد من الكتب تحت مسمى "الأموال"، و " الخراج" تتحدث عن اقتصاد الدولة الإسلامية وطرق تعاملها مع الأموال وكيفية الحصول عليها وإنفاقها، كما لم تخلو كتب الفقه من تخصيص جزء كبير لفقه المعاملات لبيان ما يحتاجه الناس في تعاملاتهم المالية وبيان المباح منها والمحرم.

وعند تتبع التعاملات المالية السائدة منذ وقت مبكر من حياة الدولة الإسلامية نجد تطورا كبيراً وتنوعا واسعاً في التعاملات التي تميز بها المسلمون وطوروها لتتوافق مع واقع حياتهم، ومقاصد شريعتهم، فظهرت عندهم العديد من التعاملات التجارية كعقود البيع والإجارة والسلم والاستصناع، بالإضافة إلى الحوالة والودائع، فيروى عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - أنه كان يقبل ودائع الناس ويحفظها، والتي وصلت إلى مبالغ ضخمة بمفهوم ذلك العصر، مما جعل بعض الكتاب يطلقون عليه "بنك الزبير" لشبهه الكبير بما تقوم به المصارف والبنوك في وقتنا الحاضر، كما ظهرت الصكوك والتي كانت تقدم للجنود في عهد مروان بن الحكم.

فكانت تعاملات المسلمين تلتزم بمنع الربا وما يتعلق به، وكان لهم أسواقهم وتجارتهم، وتميزوا بحسن تعاملهم في التجارة وكرم أخلاقهم، فكانت لهم علاقات اقتصادية مع جيرانهم ونظموا حركة التجارة وقننوا دخول البضائع وخروجها، وأنشئوا بيت المال وحددوا مهمة القائم عليه، بالإضافة إلى تحديد مصادر دخل الدولة من زكاة وخراج وغنائم، ووظفوا من يقوم على حصرها وجمعها في نظام متكامل يضمن توفير دخل دائم ومستقر للدولة الإسلامية، ووضعوا نظاما كاملا للرواتب والمعونات الاجتماعية، واهتموا بالبنية التحتية منذ وقت مبكر لنشوء الدولة الإسلامية، واستمر هذا الحال قرونا عديدة قدم فيها المسلمون الكثير للحضارة الإنسانية.

ومع انحسار التأثير السياسي للعالم الإسلامي ضعف التأثير الاقتصادي للمسلمين، وبدأ العالم الإسلامي يرزح تحت الاستعمار والنفوذ الأجنبي، وخضع للأفكار الاقتصادية الخارجية، كما قلت المشاركة في الحضارة الإنسانية، مما أتاح الفرصة للفكر الاقتصادي الغربي بالانتشار، ومع الوقت بدأ العالم الإسلامي في اعتماد الأنظمة الاقتصادية الغربية.

الفكر الاقتصادي الغربي:

أما بالنسبة للفكر الاقتصادي الحديث فقد بدأت تظهر معالمه في القرن الخامس عشر، كما يشير "جالبرث" في كتابه تاريخ الفكر الاقتصادي الماضي صورة الحاضر وهي الفترة التي انحسر فيها تأثير الاقتصاد الإسلامي- وقد ارتبطت هذه الحقبة بازدهار التجارة بين أنحاء الكرة الأرضية المختلفة، خصوصا بين الغرب والشرق، بالإضافة إلى الاكتشافات الجغرافية في ذلك العصر التي كان لها دور كبير في ازدياد الحركة الاقتصادية، بالإضافة إلى الحركة الاستعمارية التي كان لها دور كبير في نمو اقتصاديات الدول المستعمِرة، فأدى ذلك إلى بداية تشكل الأفكار والمذاهب الاقتصادية المختلفة.

ومع مرور الوقت بدأت معالم الثورة الصناعية تتشكل، كما ضعف أثر الكنيسة في الحياة العامة، مما جعل الفكر الاقتصادي يُغفل تعاليم الكنيسة في الحياة الاقتصادية، على الرغم من تدين بعض رواد الفكر الاقتصادي.

كما ظهر "آدم سمث" بكتابه ثروة الأمم، وهو يعد مؤسس علم الاقتصاد الحديث، بالإضافة إلى العديد من رواد الفكر الاقتصادي المعاصر أمثال "ديفيد ريكاردو"، و"توماس مالتس"، و"ماريشال"، وهم رواد الفكر الكلاسيكي التقليدي.

فسادت النظرية الكلاسيكية القديمة والتي كانت تركز على كيفية زيادة ثروات الأمم بزيادة الإنتاج في السلع والخدمات، وأعطوا الفرد حرية اقتصادية واسعة، على أساس أن الدافع الشخصي للفرد وعمله لتحقيق مصلحته كفيل بتحقيق المصالح الاجتماعية، وقد ساد هذا الفكر في الغرب بشكل عام فقامت السياسة الاقتصادية على حرية الفرد الاقتصادية ودعم الملكية الخاصة، وأُزيلت العقبات أمام هذه الحرية.

وفي المقابل بدأت تظهر معالم الفكر الشيوعي بأفكار "ماركس" في القرن التاسع عشر والذي انتقد بشدة النظام الرأس مالي، وحاول نقضه وحارب الملكية الخاصة، ودافع عن الملكية العامة، وأسهب كثيرا في كتاباته حول مساوئ الرأسمالية وتنبأ بانهيارها وسيادة الشيوعية عليها، فدعا إلى أن يأخذ الفرد ما يكفيه من الناتج القومي في مقابل مساهمته بأقصى ما يستطيع لمصلحة الدولة، كما دعا إلى تحرير الأديان وإلغائها مثلها في ذلك مثل النظام العائلي، وقد سادت هذه الأفكار في الاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية.

وعند العودة إلى النظام الرأسمالي فقد ظهرت المدرسة الكلاسيكية الجديدة بزعامة "كينز" في بداية القرن العشرين، لتخلف مدرسة "آدم سمث" الكلاسيكية، فكان لكينز أثر كبير في اقتصاد العالم بعد الحرب العالمية، وساعد فكره الدول الغربية في الخروج من الآثار الاقتصادية للحرب، وقد طرح في كتابه (النظرية العامة) أفكاره حول الإنتاج والاستهلاك، والعرض والطلب، واهتم بالاستثمار، وقدم نظرته للبطالة وتأثيرها، وساد فكره في أغلب الدول الغربية وتبنته في سياساتها الاقتصادية.

أما في وقتنا الحاضر فلا يمكن فصل الاقتصاد عن ما قدمه "كينز" في نظريته الاقتصادية، إلا أنه قد تطور بشكل ملحوظ فقسم إلى اقتصاد كلي واقتصاد جزئي، وأصبح الفكر الاقتصادي أكثر قدرة على التحليل والاختبار وتقديم الفروض، خصوصا مع تقدم الاقتصاد الرياضي وتطور علم الإحصاء.

ولا يزال علم الاقتصاد يتطور بتعدد الأفكار والنظريات ومساهمة العديد من العلماء والمفكرين الاقتصاديين من جميع أنحاء العالم، كما أن الأزمات التي يتعرض لها الاقتصاد من حين لآخر تساهم في هذا التطور، من خلال الدفع لإيجاد الحلول والفرضيات.

أما الاقتصاد الإسلامي والذي بدأ في العودة بقوة، وبعد غياب استمر فترة طويلة، ليصبح أحد أهم البدائل التي يمكن أن تقي الاقتصاد العالمي من الأزمات الخانقة التي تعصف به من حين لآخر، وتتمثل هذه العودة في المصارف الإسلامية التي بدأت تنشط في أواخر القرن الماضي، وإن لم يمثل ذلك عودة كاملة للاقتصاد الإسلامي إلا أن المصارف تشكل جزأ هاما من الدورة الاقتصادية، ولإلقاء نظرة على المصارف الإسلامية، لابد أولا من معرفة أهم خصائص الاقتصاد الإسلامي العامة، والأهداف والمقاصد التي تسعى الشريعة الإسلامية لتحقيقها من خلال النظام الاقتصادي، والتي هي أهداف المصارف الإسلامية أيضا.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
sana
alg
2012/04/01
جيد جدا و نريد المزيد من فضلكم و شكرا جزيلا