إسلامية وكفى 1
عدد القراءات : 775

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا شبيه ولا مثيل ولا نظير: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد ربه مخلصاً حتى أتاه اليقين، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد:

فيا عباد الله: اتقوا الله - تعالى - حق التقوى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور).

معاشر المؤمنين: في القرن الثاني عشر الهجري، وقبيل ظهور دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، اتسمت هذه البلاد وما حولها بسمة الجهل والفقر والتخلف، وكان التنافر والعداء مستحكماً بين الحاضرة والبادية، فالقتل والسلب والنهب ظاهرة منتشرة لعدم وجود سلطان يجمع الشمل ويحفظ الأمن ويقيم العدل، والحياة بين القبائل البدوية تحكمها الفوضى والعصبية والحمية الجاهلية في صورة تعكس الشتات والانقسام إلى إمارات ومشيخات صغيرة ومتناحرة حتى وصل الحال إلى أن القرية الواحدة تتنازعها عدة زعامات يكثر بينها التنافر والظلم والجور.

كما كان الجهل بالشريعة والإعراض عن الدين مستحكماً فقد شاعت البدع وساد الغلو وفشت المنكرات والشركيات والخرافات وشاعت مذاهب الحلول والإلحاد التي تولى كبرها ابن عربي وابن الفارض.

وإن وجد في الحاضرة نزرٌ يسير من أهل العلم وشيء قليل من القراءة والكتابة فقد كانت الاهتمامات مقصورة على الفقه غالباً، وقلَّ بل ندر أن يوجد عالِم يعتني بالتوحيد والعقيدة والحديث والتفسير فضلاً عن أن يحذَّر من بدعة أو يسعى في تغير منكر.

ولم تكن هذه البلاد بأسوأ حالاً من كثير من بلاد الإسلام الأخرى فقد كان العالم الإسلامي في ذلك الوقت يعيش أوضاعاً دينية ودنيوية في غاية السوء، وكان الإسلام قد عاد غريباً كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء)) رواه مسلم.

فكثُرَت البدع والمحدثات والأهواء والفِرَق والطرق وخيَّم الجهل بظلَّه الموحش على عامة المسلمين، سيما الجهل بالعقيدة ومهمات الأحكام بسبب إعراض الكثيرين عن الدين لا يتعلمونه ولا يعملون به إلا ما يوافق الأهواء، وشاع التقليد الأعمى والتعصب المذهبي المقيت ووصل بهم الحال إلى أن تفرقوا في المسجد الحرام وقبلة المسلمين فصار أتباع كل مذهب يصلون لوحدهم، وضعفت الدولة والسلطان وصار حال الناس فوضى لا سراة لهم يسودهم السفلة والطغام وأهل الشهوات والأطماع وأعرض الناس عن السُّنَّة وقلَّ أهلها وزالت مظاهر القوة والعزة وتفرقت الجماعة وصارت أشياعاً من الفرق المتفرقة والطرق المبتَدَعة والشعوب المتنافرة والبلدان المتناحرة.

هذا الواقع أدى إلى استحكام العدو برقاب المسلمين وتمكُّنِه من تحقيق أغراضه في غزو عقائدهم وعقولهم وأفكارهم وديارهم وتحكُّمه في مصالحهم وأحوالهم.

وكان أعظم أدواء المسلمين آنذاك وأخطرها: إخلالهم بحق الله - تعالى - فتعلقت غالبيتهم بغير الله في الدعاء والاستعانة والاستغاثة والذبح والنذر لغير الله، و انتشرت القباب على القبور والمشاهد، وعُظَّمت الأشجار والأحجار وقُدَّس الأشخاص: الأحياء منهم والأموات.

في ظل هذا الزمان العصيب وفي ثنايا هذه الظروف الصعبة والأحوال السيئة، أبى الله إلا أن يظهر نور الإسلام، فبدأت أنوار الحق والهدى تشع في الأفق، حين شرع الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - ببيان عقيدة التوحيد ونشر السنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكبْتِ البدع والمحدثات وتعليم العلم والتحذير من خطورة الجهل وعاقبة التعصب.

فاشتهر أمره وذاع صيته والتفَّ حوله المخلصون و الغيورون لاسيما عندما شَرَعَ بقطع الأشجار التي كان الناس يقدَّسونها وهَدَمَ القِباب التي كانوا يعبدونها.

لقد نشأ هذا الإمام المصلح في بيئة علم وصلاح واستقامة فكان أبوه وَجَدُّه وكثيرون من أفراد أسرته من أهل العلم والفقه ولهم باع في الفتيا والقضاء والتدريس، مما صقل مواهبه وَوَجَّهَها على منهج شرعي متين وأصيل في جو علمي مأمون، وظهرت عليه سمات العبقرية والنبوغ من الذكاء والفطنة والحفظ والقوة في الفهم والعمق في التفكير مع قوة التدين والإيمان والعبادة والتحلي بحميد الخصال من الأمانة والصدق والرحمة والإشفاق والسخاء والحلم والصبر وبُعْدِ النظر وقوة العزيمة وغيرها من الصفات القيادية التي قَلَّ أن توجد إلا في الأفذاذ والنوادر من الرجال.

لقد كان - رحمه الله - متمسكاً بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح مبتعداً عن الفلسفة والكلام والخرافة.

وكان منهجه في نفسه ودعوته وفي أتباعه ومع مخالفيه منهجاً سلفياً شرعياً نقياً خالياً من الشوائب يتسم بالأصالة والثبات واليقين والوضوح والشمولية والواقعية والأهلية لإقامة مجتمع مسلم يصطبغ بصبغة التدين والطهر والأصالة والحيوية والرقي والأمن.

أقام دعوته على هذا المنهج السليم فسعى إلى ترسيخ التوحيد ونبذ الشرك والمحدثات وإقامة فرائض الدين وشعائره وتحقيق العدل وبناء مجتمع إسلامي فاضل آمن عادل متحد.

وتجلى بُعْدُ نظره - رحمه الله - في تركيزه على الأصول الكبرى والأولويات المهمة مع الحرص على عدم إهمال ما دون ذلك.

كما تجلى بتقديره الصائب لما ستواجهه الدعوة من الصعاب والعقبات واهتمامه المبكر بالبحث عن سلطة قوية ومؤهلة لحمل أعباء الدعوة وحمايتها.

كل هذا كان له بعد فضل الله وتوفيقه الأثر الأكبر في إظهار الدين والانتصار للسنة ولم يَمُتْ - رحمه الله - إلا وهو قرير العين بعد أن رأى ثمار دعوة التوحيد حية متمثلة براية السنة الخفاقة تحميها دولة التوحيد في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد وابنه سعود وهي ترفل بثياب العز والنصر والهيبة والقوة والأمن واستعلاء الدين وانكماش البدع حتى باتت دولة مترامية الأطراف في سائر جزيرة العرب وباتت القبائل والفرق المتناحرة تشكل مجتمعاً إسلامياً يترسَّم خطى مجتمع السلف الصالح في القرون الفاضلة.

أمة الإسلام: لقد كانت هذه الدعوة الإصلاحية امتداداً للمنهج الذي كان عليه السلف الصالح أهل السنة والجماعة، وهو منهج الإسلام الحق الذي كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام والتابعين وأئمة الدين من الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل الحديث والفقه.

فليست هذه الدعوة ديانة جديدة أو مذهباً خامساً كما يلمزها شانئوها بل هي ثمار جهود مخلصة نادت بالعودة إلى نبع الإسلام الصافي واستمداد التشريع من معينه العذب واجتناب ما يكدره ويفسد رواءه ويبعد أبناءه عن قوة التزامهم به معتقداً وسلوكاً.

ولتشويه حقيقة هذه الدعوة المباركة قام بعض أهل البدع والضلال بإطلاق لفظ (الوهابية) عليها تنفيراً ولمزاً وتعييراً، ولم يكن استعمال هذا اللفظ مَرْضِياً ولا شائعاً بين أهلها، وكان كثيرٌ من المُنْصِفين من أهل الأمصار والمحايدين يتفادون إطلاق هذه التسمية عليهم لأنهم يعلمون أن هذه التسمية في ابتداءها كانت وصفاً عدوانياً يُقصد به التشويه وحجب الحقيقة عن الآخرين والحيلولة بين هذه الدعوة المباركة وبين بقية المسلمين، وإيهام العلماء والمفكرين الذين لم يعرفوا حقيقة الدعوة وواقعها.

بل تعدى الأمر إلى التوسع في إطلاق مصطلح الوهابية على أشخاص وحركات منحرفة عن المنهج السليم ومخالِفَة لما قامت عليه هذه الدعوة نفسها، وكل هذا بسبب تراكمات الأكاذيب والأساطير التي نسجت حول الدعوة وأهلها بالباطل والبهتان.

أما أتباع هذه الحركة فإنهم لا يرون صواب هذه التسمية ولا ما انطوت عليه من مغالطات وأوهام، فهم ينتمون إلى الإسلام الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم من أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح فحَصْرُهم تحت مسمى غير الإسلام والسنة والجماعة خطأ فادح ودعوى مردودة.

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر كثرت الأكاذيب والأوهام حول الوهابية حتى أن بعضهم اعتبر أن كل مسلم ينزع إلى التمسك بشعائر الإسلام فهو وهابي وآخرون يطلقون هذا المصطلح على كل من كان من أهل السنة والجماعة.

هذه التناقضات في التعاريف كافية في الدلالة على أن الناس كانوا ولا يزالون في أمر مريج يتخبطون في مواقفهم وأحكامهم على هذه الدعوة الإصلاحية وأتباعها ودولتها، كما أنها تدل على أن غالبهم لا يعرف حقيقتها وأن الأهواء والتعسف والظلم والعشوائية هي التي تسيطر على مواقف الكثيرين تجاهها.

يقول أحد أهل العلم الذين عايشوا هذه الدعوة ودولتها المعاصرة وعلماءها وأهلها عن كثب: (إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عودة إلى الإسلام في أول أمره ومطلع فجره ومتى قلنا ذلك كفينا أنفسنا عناء الجدل العقيم، وهي حركة تجديد وتطهير.

تجديد: لما أهمله المسلمون من أمور الإسلام وأوامره، وتطهير: للإسلام مما أُدْخِل عليه من الشركيات والبدع.

ولم تكن دعوة محمد بن عبد الوهاب دعوة فيلسوف معتزل في غرفته ولكنها كانت دعوة زعيم مصلح يكافح دون عقيدته ويعمل لها بلسانه ويده وبكل قلبه وبكل عقله وبكل جهده. (د/المنير العجلاني).

يقول الإمام المجدد - رحمه الله - في رسالته إلى عبد الله بن عبد اللطيف: (فإني لم آتي بجهالة، بل أقولها ولله الحمد والمنة وبه القوة، إنني هداني ربي إلى الصراط المستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو غيره بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي أوصى بها أول أمته وآخرهم).

وقد حرص - رحمه الله - واهتم اهتماماً كبيراً هو وأولاده من بعده على تأكيد أنه لا جديد في دعوته وأنه لم يأت بمذهب خامس.

إن من أهم الأهداف التي دعت إليها هذه الدعوة: تحقيق التوحيد ومجانبة الشرك، وهي القضية الكبرى بين الأنبياء وخصومهم، وبين الدعاة المصلحين وأعدائهم، ولأجلها بُعِثت الرسل وأُنْزِلت الكتب: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).

فقامت هذه الدعوة -استجابة لأمر الله- بتحرير العبودية لله وحده وتعظيم الرب بأسمائه وصفاته وإخلاص العبادة له وحده دون سواه والنهي عن الشرك وذرائعه.

وكان هذا الهدف الجليل هو المقصد الأعظم والغاية الأولى لهذه الدعوة.

ومن أهدافها: تنقية مصادر التلقي، بعد أن أدخل فيها أهل الأهواء ما أدخلوه، فسعت إلى إعادة الناس إلى النبعين الصافيين: الكتاب والسنة، اتباعاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنتي )).

فأعادت الخلق إلى هذه النبعين بفهم السلف الصالح وآثارهم الصحيحة الصافية.

كما سعت إلى نشر السنن وإظهارها ونبذ البدع ومظاهرها في العقيدة والعبادات والمعاملات والأعياد وسائر أحكام الدين.

وحَثَّتِ الناس على القيام بواجبات الدين وفرائضه العامة من الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله تحقيقاً للخيرية التي وصف الله بها هذه الأمة: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).

كما دعت إلى النصيحة لكتاب الله - تعالى -ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم وإقامة الحدود والعدل بين الناس.

وتحكيم شرع الله - تعالى - بعد أن أعرض كثير من المسلمين في القرى والبوادي عن العمل بالشريعة الله في أكثر أحوالهم الدينية والدنيوية حيث سادت البدع والمحدثات والتقاليد والأعراف والأحكام الجاهلية وكثر لجوء الناس إلى الكهنة المشعوذين والسحرة الدجالين فأصابهم الضنك والعسر: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).

ومن أهداف هذه الدعوة المباركة: نشر العلم ومحاربة الجهل والتخلف، فقد تميَّز العصر الذي ظهرت فيه بشيوع الجهل والتقليد الأعمى وسادت الأمية والتخلف في أكثر مظاهر الحياة الفردية والاجتماعية مما جعل قيامها ضرورة وحاجة ملحة لنشر العلوم الشرعية والأخذ بالعلوم الدنيوية النافعة.

ومن أهدافها الكبرى: تحقيق الجماعة ونبذ الفرقة والشتات والتنازع جرَّاء كثرة الأهواء والبدع والجهل واتَّباع سبل الغواية والشهوات وما نتج عن ذلك من ذل وهوان: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).

كما حققت الأمن والسلطان الذي كان من أعظم ما يحتاجه المسلمون هذه البلاد في تلك الفترة، وهما - أي الأمن والسلطان- في غاية التلازم والترابط، فلا يمكن إقامة الدين والعدل إلا بالأمن، ولا أمن إلا بسلطان، وكانت الضرورة تقتضي قيام ولاية شرعية تحفظ للناس أمنهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم.

أمة الإسلام: لابد ونحن في صدد بيان عظيم منة الله - تعالى - على الناس بهذه الدعوة المباركة أن نبين بشيء من التفصيل حال أهل الجزيرة والعالم الإسلامي وما كانوا عليه من الشركيات والكفريات والبدع المهلكات: فقد كانت عبادة الأصنام من بشر وشجر وحجر منتشرة، فهذا يُذبح له، وهذا يُنذر له، وهذا يُطلب منه إجابة الدعوات وإغاثة اللهفات، وهذا يدعوه المضطر في البر والبحر، وهذا يزعُمون أن من التجأ إليه ينفعه في الدنيا والآخرة.

وكان كثير ممن يدَّعون العلم والفقه متلبَّسون بالشرك الأكبر ويدعون إليه ولو سمعوا إنساناً يجرَّد التوحيد لرموه بالكفر والفسوق.

وقد شخَّص أحد علماء الدعوة هذا الواقع ووصف حال الأمة أثناء ظهورها وقبلها، في بلدان نجد وأكثر البلدان الإسلامية المجاورة وهو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن إذ يقول: (كان أهل عصره ومصره ــ يعني الإمام محمد ــ في تلك الزمان قد اشتدت غربة الإسلام بينهم وعَفَتْ آثار الدين لديهم وانهدمت قواعد الملة الحنيفية، وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن، وشَبَّ الصغير وهو لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد وأحاديث الكهان، قد خلع أكثرهم ربقة الدين وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة بغير الله والتعلق على غير الله من الأولياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين.

وعلماؤهم ورؤساؤهم على ذلك، وبه راضون، قد أَعْشَتْهُمُ العوائد والمألوفات وحبستهم الشهوات عن الارتفاع إلى طلب الهدى من النصوص والآيات، يحتجون بما رأَوْه من الآثار والروايات والحكايات المختلقة والمنامات، كما يفعله أهل الجاهلية، وكثير منهم يعتقد النفع والضر في الأحجار والجمادات، ويتبركون بالآثار والقبور: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ).

وقال: فأما بلاد نجد فقد بالغ الشيطان في كيدهم وكانوا ينتابون قبر زيد بن الخطاب ويدعونه رغباً ورهباً ويزعمون أنه يقضي لهم الحوائج... وكذلك عندهم نخل – فحَّال- ينتابه النساء والرجال ويفعلون عنده أقبح الأفعال.

والمرأة: إذا تأخر عنها الزواج تذهب إليه فتضمه بيدها وتدعوه برجاء وتقول: يا فحل الفحول أريد زوجاً قبل الحول.

وشجرة عندهم تسمى: الطرفية، أغراهم الشيطان بها وأوحى إليهم التعلق إليها وأنها تُرجى منها البركة، ويعلَّقون عليها الخِرَق لعلَّ الولد يسلم من السوء.

وفي بلدة الدرعية مغارة يزعمون أنها انفلقت من الجبل لامرأة تسمى: بنت الأمير، أراد بعض الناس أن يظلمها ويضيرها، فانفلق لها الغار وكانوا يرسلون إلى هذا المكان من اللحم والخبز ما يقتات به جند الشيطان.

وكان فيها رجل يدعي الولاية يسمى: تاج، يتبركون به ويرجون منه العون ويرغبون فيما عنده من المدد بزعمهم.

وكانت تخافه الحكام والظلمة، ويزعمون أن له تصرفاً مع أنهم يحكون عنه الحكايات القبيحة والشنيعة التي تدل على انحلاله من أحكام الملة.

وهكذا سائر بلاد نجد على ما وصفنا من الإعراض عن دين الله والجحد بأحكام الشريعة.

أما بلاد الحرمين الشريفين فقد فشت فيها الاعتقادات الباطلة وعمَّت الطرق المبتدعة.

فمن ذلك: ما يُفعل عند قبر محجوب وقبة أبي طالب، فيأتون قبره للاستغاثة عند نزول المصائب وكانوا له في غاية التعظيم فلو دخل سارق أو غاصب أو ظالم قبر أحدهما لم يتعرض له أحد لما يرون له من وجوب التعظيم.

ومن ذلك ما يُفعل عند قبر ميمونة أم المؤمنين - رضي الله عنها -، وكذلك عند قبر خديجة - رضي الله عنها - مما لا يسوغ السكوت عليه من مسلم يرجو الله والدار الآخرة، وفيه من اختلاط النساء بالرجال وفعل الفواحش والمنكرات وسوء الأفعال مالا يُقرُّه أهل الإيمان، وكذلك سائر القبور المعظَّمَة في بلد الله الحرام: مكة المشرفة.

وفي الطائف: قبر ابن عباس - رضي الله عنهما -، يُفعل عنده من الأمور الشركية التي تنكرها قلوب عباد الله المخلَصين وتردُّها الآيات القرآنية وما ثبت من النصوص عن سيد المرسلين.

منها: وقوف السائل عند القبر متضرَّعاً مستغيثاً مستكيناً مستعيناً مع صَرْفِ خالص المحبة التي هي محبة العبودية والنذر والذبح لمن تحت ذاك المشهد.

وأكثر سُوَقَتِهِم وعامَّتهم يلهَجون بالأسواق: اليوم على الله وعليك يا ابن عباس، فيستمدون منه الرزق والغوث وكشف الضر.

وذكر محمد ابن الحسين النعيمي الزبيدي - رحمه الله -: أنَّ رجلاً رأى ما يفعل أهل الطائف من الشُّعَب الشركية والوظائف فقال: أهل الطائف لا يعرفون الله إنما يعرفون ابن عباس.

فقال له بعض من يترشح للعلم: معرفتهم لابن عباس كافية لأنه يعرف الله.

فانظر إلى هذا الشرك الوخيم والغلو في الصالحين ووازِن بينه وبين قوله - تعالى -: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)....

وكذلك ما يُفعل بالمدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام هو من هذا القبيل.

وفي بندر جدة ما قد بلغ من الضلال حده وهو: القبر الذي يزعمون أنه قبر حواء، وضعه لهم بعض الشياطين.

وأما بلاد مصر وصعيدها وفَيُّومها وأعمالها، فقد جمعت من الأمور الشركية والعبادات الوثنية والدعاوى الفرعونية ما لا يتسع له كتاب لاسيما عند مشهد أحمد البدوي وأمثاله من المعبودين، فقد جاوزوا به ما ادَّعتْه الجاهلية لآلهتهم، وما لم يُنقَل مثله عن أحدٍ من الفراعنة والنماردة.

بعضهم يقول: يتصرف في الكون سبعة، وبعضهم يقول: أربعة، وبعضهم يقول: قطب واحد يرجعون إليه، وكثير منهم يرى الأمر شورى بين عدد من الأقطاب.

تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً).

وقد استباحوا عند تلك المشاهد من الفواحش والمنكرات والمفاسد ما لا يمكن حصره واعتمدوا في ذلك من الحكايات والخرافات ما لا يصدر عمن له أدنى مسكةٍ أو حظٍ من المعقولات فضلاً عن النصوص.

وقُلْ مثل ذلك في ما يجري في بلاد اليمن وأرض نجران وبلاد الشام والموصل وبلاد الأكراد وفي العراق.

لقد كان هذا الواقع المتردي وهذه الأسباب وغيرها من الدوافع الطبيعية، التي هي من سنن الله - تعالى -، والدوافع الشرعية، استجابة لأمر الله، قد استدعت بالضرورة دعوة إصلاحية شاملة تقوم على تجديد الدين بإحياء ما اندرس منه وبإصلاح أحوال الأمة في سائر نواحي الحياة في العقيدة والعبادة والعلم والسلطة والاقتصاد والاجتماع وجماع ذلك كله: إخلاص العبادة لله وحده والعمل بمقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله.

فقامت هذه الدعوة الإصلاحية المباركة تحقيقاً لوعد الله - تعالى - بتجديد الدين ونصر المؤمنين وبقاء طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة.

فتصدى الإمام - رحمه الله - للردَّ على من تنكَّب عن سبيل الله القويم وصراطه المستقيم واتَّبع سبيل التحريف والتعطيل على اختلاف نِحَلِهم وبِدَعِهم وتَشَعُّب مقالاتهم وطرقهم متبعاً ما مضى عليه السلف الصالح من أهل العلم والإيمان وما درج عليه القرون المفضلة بنص الحديث ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك من قياس فلسفي أو تعطيل جهمي أو إلحاد حلولي أو تأويل معتزلي، فوضح معتقد السلف الصالح بعدما سفت عليه السوافي وذرت عليه الذراري وندر من يعرفه من أهل القرى والبوادي إلا ما كان مع العامة من أصل الفطرة فإنه قد يبقى ولو في زمن الغربة والفَتْرة.

وفي سبيل ذلك قام الإمام - رحمه الله - وأتباعه باستخدام كافة الوسائل المشروعة لتحقيق هذه الغايات الكبرى ابتداءاً من تعليم الدين والفقه عقيدةً وأحكاماً وسلوكاً من الدعوة إلى ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة بالتعليم والتدريس والخطابة والمكاتبة والمراسلة وبث المعلمين والمبلَّغين وتأليف المؤلفات وإرسال الوفود واستقبالها للبلاغ والبيان وشرح أصول الدعوة وأهدافها والإجابة عن التساؤلات والشبهات والإشكالات من المؤيدين والمعارضين والمحايدين وغيرهم، مما أدى إلى ظهور نهضة علمية وأدبية قوية نثراً وشعراً وتأليفاً وخطابةً ومحاورات علمية ثرية.

وتعدى الأمر إلى قيام مجتمع مسلم متمسك بالدين ومُظْهِرٍ للسنة ومؤتَمِرٍ بالشرع، كما أدى إلى قيام دولة إسلامية ذات كيان ديني وسياسي واقتصادي وعسكري قوي لحماية الدعوة والدولة والدفاع عن حقوقها وحقوق أهلها المشروعة.

ثم إلى ما هو أشمل من ذلك وهو قيام هذه الحركة الإصلاحية الدعوية الكبرى بإبلاغ الدين ونشره في العالم كله ليكون الدين كله لله.

اللهم آمنا في أوطاننا اللهم آمنا في دورنا اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا اللهم اجمع شملنا وعلماءنا وحكامنا ودعاتنا ولا تفرح علينا عدواً ولا تشمت بنا حاسداً اللهم اهد ضالنا اللهم من ضل وتنكب الصراط اللهم رده إلى الحق رداً جميلاً.

اللهم عليك بمن تسلط وآذى ونال من مقام نبينا - صلى الله عليه وسلم - اللهم سلط عليهم جنودك التي لا يعلمها إلا أنت يا رب العالمين اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين اللهم ابسط لنا في عافية أبداننا وصلاح أعمالنا وسعة أرزاقنا وحسن أخلاقنا واستر على ذرياتنا واحفظنا بحفظك واكلأنا برعايتك اللهم أحسن خاتمتنا في خير عمل يرضيك عنا ربنا لا تقبض أرواحنا على خزي ولا غفلة ولا فاحشة ولا معصية ولا تمتنا بحق مسلم في عرض أو دم أو مال نسألك اللهم عيشة هنية وميتةً سوية ومرداً إليك غير مخزٍ ولا فاضح.

إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً.

اللهم صلَّ وسلم وزد وبارك على نبيك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وارض اللهم عن البقية العشرة وأهل الشجرة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العلي العظيم الجليل الكريم يذكركم واشكروه على آلائه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة