Share |
الإسلاميون الباكستانيون التاريخ والآفاق
الكـاتب : أحمد عمرو
تم قراءة المقال : 647

باكستان دولة منذ نشأتها قامت على أساس ديني، فهي قامت على أساس إيجاد وطن قومي لمسلمي شبه القارة الهندية؛ لذلك فنشأة التيارات الإسلامية الباكستانية بدأ قبل ظهور دولة باكستان على الخريطة الدولية سنة 1947م.

غير أن الحالة الإسلامية الباكستانية تختلف عن مثيلتها في العالم الإسلامي من جهتين:

الأولى: أن التيار الإسلامي ارتبط بمفاصل الدولة منذ بداياتها.

الثانية: تعددها واختلافها الذي جعلها أشبه بفسيفساء لا يكاد يجمعها رابط.

1- المدارس الدينية

لا يستطيع باحث في الشأن الإسلامي الباكستاني أن يمر دون الحديث عن "التيار الديوبندي" أو المدارس الديوبندية إذ تعتبر المحضن أو المفرخ الأساس لكثير من التيارات والجماعات الباكستانية سواء العلمية منها أو الجهادية أو السياسية.

- مرحلة البدايات والنشأة

ظهر التيار الديوبندي في نهاية القرن الماضي لمواجهة الاحتلال البريطاني من جهة وللحفاظ على الهوية الإسلامية لمسلمي المنطقة.

لقد انطلقت فكرة إنشاء مدارس إسلامية التي تعلم القرآن وتدرس العلوم الشريعة لطلبتها من مدينة "ديوبند"، وخلال عمل دؤوب استغرق نحو قرن من الزمن تأصلت الفكرة الديوبندية في شبه القارة الهندية وانتشرت فكرة إقامة المدارس الدينية والتي عرفت بالديوبندية في كافة مدن شبة القارة الهندية قبل انقسامها، واستمرت حتى بعد انقسام القارة، حيث إن التيار الديوبندي لا زال قائمًا بعلمائه ومدارسه في باكستان والهند وبنغلادش وسريلانكا ونيبال وبورما وكشمير وحتى أفغانستان التي تخرج معظم علمائها من المدارس الديوبندية الهندية والباكستانية ولا زالت تعرف باسم المدارس الديوبندية.

وقد نظم ذلك التيار صفوفه فأعلن عن إنشاء غطاء سياسي وديني لها اسمه "جمعية علماء إسلام" التي أعلن عنها في عام 1935في الهند وهدفها المعلن نصرة الدين والحافظ على الهوية الإسلامية.

وخلال هذا العمر من حياتها تخرج من مدارسها المنتشرة في هذه البقعة من العالم ملايين من العلماء والدعاة والمفتين وخطباء المساجد وحفظة القرآن الكريم وانتشروا في مناطق مختلفة من العالم منها منطقة الخليج العربي وأوروبا وأمريكا وأسيا والجمهوريات الإسلامية السابقة. ويعتبر هذا التيار أن الدين هو محور الدولة والجهاد رايتها. هذا وقد تجسد هذا التيار في إنشاء دولة إسلامية هي باكستان حيث لعب زعماؤه دورًا محوريًا في نشأتها في عام 1947وفي وضع دستورها الموحد في السبعينات من القرن الماضي. وكانت المقاومة التي شهدتها القارة الهندية في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي قد خطط لها أشهر علماء الديوبند.

مرحلة التأطير:

رغم أن الحركة الديوبندية حركة فضفاضة خرجت من تحت عباءتها الكثير من التيارات والجماعات الدينية الباكستانية لكنها سعت في الفترة الأخيرة إلى رص صفوفها بحيث تكون لها إطار مميز يساعد في تغيير الواقع الباكستاني.

فأعلنت الحركة في عام 1980عن إنشاء "المجلس العالمي للحركة الديوبندية" وكان الهدف من إعلانها هو تنظيم التيار الديوبندي في العالم خاصة في معاقله الرسمية وهي الهند وباكستان وبنغلادش إلى جانب أفغانستان ودول إسلامية أخرى. وتمكن من تنظيم 10 مؤتمرات عالمية في كل من الهند وباكستان وبنغلادش وكان الهدف منها توحيد صفوفهم ووضع استراتيجية خاصة بهم إلى جانب مواجهة التيار السلفي والتيار الشيعي وهو ما جعلهم يدخلون في مواجهة دينية مع السعودية التي تمثل المرجعية للسلفيين أو كما يطلقون عليهم اسم "الوهابيين" وإيران التي تعد مرجع الشيعة في العالم اليوم.

التيار الديوبندي بين الشيعة والسلفية

ولوحظ بعد حوادث سبتمبر أن صراع "مجلس الديوبندي العالمي" مع الشيعة قد تراجع حيث بات يشهد علاقات دافئة ظلت تتطور من خلال العلاقات الديوبندية مع إيران الدولة أو من خلال تقارب وجهات النظر بين زعماء "جمعية علماء إسلام" مع ملالي إيران لمواجهة الهيمنة الأمريكية حتى وصل الحال أن عرضت إيران على زعماء الديوبند في باكستان في عام2006 احتضانها المؤتمر القادم للمجلس الديوبندي العالمي في طهران وهو ما يمثل تطورًا هامًا بين الفكرة الديوبندية والفكرة الشيعية اليوم.

هذه التطورات لم تحدث لدى المحور الديوبندي السلفي حيث إن الأوضاع ظلت كما هي متأزمة بين الديوبندية والسلفية وقد يمثل التقارب الحاصل اليوم بين الديوبندية والشيعة تحديًا للتيار السلفي في باكستان.

وكانت العلاقات بين التيارين الديوبندي والشيعي قد شهدت تطورًا جديدًا وغير مسبوق في العامين الأخيرين من خلال تردد زعماء "جمعية علماء إسلام" على طهران للمشاركة في عدد من المؤتمرات الدينية والثقافية وحتى افتتاح مدارس ديوبندية في المدن السنية في إيران، وهذا الأمر لم يكن ليحدث في السابق. وكانت "جمعية علماء إسلام" قد تلقت عروضًا إيرانية خلال اللقاءات التي دارت بينها وبين الزعماء الروحيين الإيرانيين من أجل بناء عدد من المدارس الديوبندية في باكستان. وكان زعماء التيار الديوبندي الباكستاني الذين يمثلهم اليوم في باكستان مجلس العمل المتحد قد أعلنوا أنهم سوف لن يسمحوا بهجوم أمريكي على إيران وأنهم سيقفون بكل قواهم مع إيران.

ومن المعروف أن هناك برودة تمر بها اليوم علاقات التيار الديوبندي مع دول الخليج عامة وخاصة السعودية والإمارات. وقد عرف الإيرانيون كيف يستفيدون منه في إطار مطامعهم الدينية في المنطقة وحتى لا تبقى السعودية هي القيادة الدينية للمسلمين.

ويرى عدد من المتخصصين في هذه التيارات أن السعودية والإمارات ربما تكون قد أخطأت في حساباتها من خلال نظرتها إلى أكبر تيار ديني في شبه القارة الهندية وأنها قد تكون استهانت بدوره وحجمه في المنطقة ومقدرته على تغيير عدد من الموازين التي ترغب دول المنطقة الحفاظ عليها.

مرحلة التضييق ومحاولة الإقصاء

"نحتاج للتعامل مع الرأس الأكبر لكل التنظيمات المتشددة" هكذا لخص مشرف -  ومن بعده بوتو -  موقفه من المدارس الإسلامية، خلال حديثه الذي أدان به تفجيرات لندن، وقد تواردت الأنباء أن أحد منفذي الهجوم زار المدارس الدينية الباكستانية قبل تنفيذه العملية، مبينًا أن المدارس الإسلامية هي محضن الجماعات وأن التركيز سيكون عليها في المرحلة القادمة.

وقال الرئيس برفيز مشرف في كلمة للشعب الباكستاني عشية الهجوم على المسجد الأحمر في إسلام أباد: إن حكومته لن تسمح لأي مسجد أو مدرسة دينية في باكستان بأن تحذو حذو المسجد الأحمر.، وطلب من رابطة المدارس الدينية التعاون مع الحكومة لوضع نهاية لنزعة التطرف -  حسب زعمه -  في المدارس الباكستانية.

وأمام نحو 25 ألفًا من أنصارها تجمهروا لسماع خطابها، قالت بوتو-  في معرض حديثها عن المدارس الإسلامية: "هناك أيضًا المدارس التي تعلم طلابها كيف يصنعون القنابل وكيف يستعملون البنادق وكيف يقتلون النساء والأطفال وكبار السن".

وقالت: "هم الذين طلبوا من الأطفال حمل القنابل في عيد الأضحى" في إشارة إلى الهجوم الانتحاري الذي استهدف وزير الداخلية السابق أفتاب خان شيرباو.

ونحت بوتو قبل اغتيالها باللائمة على الرئيس مشرف إذ لم يستطع أن يقضي على المدارس الإسلامية وتعهدت هي بكبح جماح تلك المدارس وإلغائها كليًا.

وكانت الولايات المتحدة قد أشارت كثيرًا لدور تلك المدارس في تأجيج الصراع ضدها، بل سعت في كثير من الأحيان إلى ضرب تلك المدارس وقتل الطلبة بها بحجة أن تأوي "إرهابيين"

ولم تكتف الولايات المتحدة بمجرد الحديث أو طلب وقف نشاط تلك المدارس، بل قدمت الولايات المتحدة الأمريكية إلى باكستان بنودًا أساسية عليها تنفيذها.

تتلخص في قيام باكستان بإنشاء هيئة عامة لتنظيم المدارس الدينية، ووضعها تحت رعاية وزير الداخلية، على أن تقوم هذه الهيئة بتسجيل المدارس الدينية بشكل ضروري وتوزيعها على مراحل، ومنح السلطة إلى هيئة المدارس الدينية لإعادة النظر في المناهج ورفع مستواها وتنفيذ ما تراه لازمًا، وإعادة النظر في قوانين تسجيل المنظمات غير الحكومية وفرض رقابة شديدة حول مصادر التمويل وتقوية بنيتها الأساسية، مع الاشتراط بالكشف عن مصادر تمويلها ومناهجها قبل تسجيلها.

وتقوم باكستان بالتوقيع فورًا على اتفاقية الهيئة العالمية لتجفيف مصادر تمويل الإرهاب، والتي تتضمن شروطاً طالبت بها واشنطن، وهي:

-  أن تقوم بإغلاق جميع المدارس التي لها علاقة مع الجماعات المحظورة.

-  تدمير واستئصال المجموعات الأصولية المحظورة من جذورها، والقبض على قادتها وتوعية الشعب وإطلاعه بما ارتكبوه حتى لا تعطي فرصة لتجدد دعوتهم واستمرارها تحت أسماء جديدة.

-  إغلاق جميع المدارس "الجهادية" بما فيها المدارس التي تعمل تحت رعاية الأحزاب الدينية.

لقد لوحظ أن خطوات الرئيس مشرف تسارعت -  تحت وطأت الضغوط الأمريكية -  لإضعاف التيار الديوبندي وتقسيمه لمعرفته عظم تأثير هذا التيار في الشارع الباكستاني ولثقله السياسي والعملي والاجتماعي، إلى جانب الضغوط الأمريكية الكبيرة لتصفية ذلك التيار.

خطوات مشرف للقضاء على المدارس الديوبندية

1-  وضعها تحت الرقابة

كانت أولى الخطوات التي قام بها مشرف للحد من نشاط تلك المدارس هو وضعها تحت الرقابة، فقد أعلنت السلطات الباكستانية في 20 يناير2002 عن وضعها جميع المدارس الدينية تحت الرقابة وخاصة الجامعات الدينية الشهيرة التي تخرج منها كبار العلماء والزعماء الدينيين والجهاديين. وركزت السلطات الباكستانية على مدينة كراتشي التي تضم أكثر الجامعات والمدارس الدينية شهرة في باكستان 50% من مجموع المدارس في كراتشي وحدها.

وكانت السلطات الباكستانية قد دعت 1000 مدرسة وجامعة دينية في كراتشي تسليمها قوائم الطلاب المنتسبين إليها من الطلاب المحليين والأجانب.

وطلبت السلطات الباكستانية من المشرفين على هذه المدارس والجامعات إلى جانب قوائم الطلاب معلومات عن أسرهم وعن منهج التعليم المتبع في هذه المدارس.

كما طلبت تسليمها قوائم جميع الطلاب المنتسبين إليها منذ 20 سنة الأخيرة. وركزت السلطات الباكستانية على شريحة الطلاب الذين انضموا إلى الجهاد الأفغاني أيام الاحتلال السوفيتي أو إلى الجهاد الكشميري ومن المعروف أن السلطات هي نفسها التي نظمت عملية التحاق طلاب هذه المدارس إلى القتال. وطلبت أيضًا السلطات إعطائها معلومات حول تمويل الجامعات ومصادر جميع الأموال وخاصة المصادر الخارجية.

2-  الحملة على الطلاب الأجانب والدعم الأجنبي للمدارس:

هذا وكانت السلطات الباكستانية قد وضعت قائمة للمدارس المسجلة وعددها 15 ألف مدرسة في باكستان تضم أكثر من مليونين من الطلاب وقالت: إن 10 آلاف من هذه المدارس يلتحق بها الأجانب القادمون من البلاد العربية والإسلامية المختلفة.

وتوفر هذه المدارس (10 آلاف مدرسة) الطعام والمأوى والتعليم لكل أجنبي. لكنها جميعها تشترط أن يكون الطالب الملتحق بها مقيمًا بشكل قانوني في البلاد ويملك جميع الأوراق الرسمية التي تسمح له بالتعلم في باكستان، ومن المعروف في هذه الجامعات أن منهج التعليم لم تضعه لها الحكومة بل وضعته الجماعات الدينية بنفسها كمنهج للتعليم.

وكانت السلطات الباكستانية قد أعلنت عن أسماء جامعات دينية (24) مدرسة بأنها تقدم العون "للإرهابيين" وتقوم بتهريبهم إلى إيران وبنغلادش حينما تقوم السلطات بالبحث عنهم. فقد حذرت السلطات الباكستانية على الأجانب أيًا ما كانوا سواء المقيمين بشكل رسمي أو غير رسمي الانتماء إلى تلك المدارس ومنعت تلك المدارس من تلقي أي دعم خارجي، كما هددت بإغلاق المدارس التي لا تحمل ترخيصًا أو تخالف تلك الشروط.

3-  إلغاء المدارس وضمها إلى وزارة التربية والتعليم:

تنوي باكستان إلحاق هذه المدارس بوزارة التعليم وتعيين موظفين من قبلها ليشرفوا على هذه المدارس وتضع منهجًا علميًا جديدًا يجمع بين العلوم العصرية والعلوم الدينية وتعتبر فيها اللغة الإنجليزية وتعلم الكمبيوتر من المواد الضرورية.

آفاق المستقبل:

نرى أن واقع المدارس الديوبندية التي استمرت تخرج سنويًا ما بين 50 ألفًا إلى 100ألف عالم دين ومفتي وخطيب مسجد وحافظ للقرآن في باكستان وحدها حيث يزيد عددهم اليوم عن الملايين من المتخرجين منها، يعمل البعض منهم كضباط في الجيش الباكستاني، والبعض منهم موظفون كبار في الدولة وآخرون قضاة في محاكمها، وآخرون يقودون أشهر الجماعات الدينية والسياسية وغيرها. وهذا هو سر كما يقول العارفون بها أن باكستان لا يمكنها أن تخرج عن محافظتها والتزامها الديني، وأن محاولات مشرف منذ وصوله للحكم قبل 7 سنوات قد فشل في تحقيق حلمه في تحويل باكستان إلى تركيا جديدة، إذا إن وجود مثل هذا العدد الكبير من خريجي المدارس الديوبندية في جميع قطاعات الدولة سيمنع أي محاولة لإغلاق تلك المدارس بشكل كامل وضمها إلى وزارة التربية والتعليم، أو تدجين ذلك التيار وجعله يسير في ركاب السلطة.

2-  الجماعات السلفية الباكستانية:

تعتبر التيارات السلفية في باكستان من أقدم الجماعات الدينية حيث كانت نشأتها قبل ظهور باكستان للوجود. وتعتبر جمعية أهل الحديث هي أقدم جماعة دينية منظمة في شبه القارة الهندية، لكن لعب الاستعمار البريطاني والجماعات الصوفية في المنطقة دورًا في إبعاد عامة الناس عن هذا التيار حيث وصفوه بالوهابية التي تعني في باكستان جماعة خارجة عن الإسلام تسمح بالزواج بين الأشقاء وارتكاب المحارم والكبائر المختلفة. ولا زال هذا الوضع يتابعها ليومنا هذا ويبعد عنها الأنصار، لكن مع ذلك فقد شهدت أواخر التسعينات انتفاضة دينية واضحة داخل التيار السلفي قادتها جماعة الدعوة الباكستانية نتيجة امتلاكها الوسائل والأموال والرجال.

يمكننا أن نقول: إن جمعية أهل الحديث كانت هي الجماعة التي تمثل التيار السلفي في باكستان منذ إعلان إنشاء باكستان وحتى عام1992، وبعدها شهدت أول انقسام داخلها بسبب انخراطها في العمل السياسي. وأسفر هذا الانقسام إلى ظهور جماعات سلفية عدة، منها ما يشتغل بالسياسية بجانب التدريس والتعليم، ومنها ما اقتصر على الجانب العلمي، ويمكن أن نصفها جميعًا أنها لا تحمل صفة العدائية أو الصدامية مع السلطة.

وتنقسم جماعة أهل الحديث إلى عدت جماعات رسمية منها:

1-  جمعية أهل الحديث المركزية:

وهي أكبر جماعة سلفية حيث أعلنت أنها الجماعة "الأم" وأطلقت على نفسها جمعية أهل الحديث المركزية التي قررت الانخراط في العمل السياسي وفي اللعبة الديمقراطية، وكان هذا أساس الانشقاق الذي شهدته الجماعة. ويقود الجماعة اليوم البروفيسور "ساجد مير" وهو عالم دين شهير ومثقف باكستاني معروف مقرب جدًا من السعودية.

وكان قد شارك في الانتخابات التي شهدتها باكستان في حقبة التسعينات ضمن صفوف حزب الرابطة الإسلامية الذي قاده نواز شريف، وعيّن في مناصب سياسية هامة خلال حكومة شريف إلى أن أطيح بها في عام1999.

وتقوم هذه الجماعة بالعمل السياسي. وتقوم فكرتها على فكرة التغيير السلمي وعدم ترك الساحة للعلمانيين والقوميين وعلى ضرورة مشاركة السلفيين في العمل السياسي حتى يكون لهم دور سياسي يستطيعون من خلاله فرض نظريتهم وأفكارهم في المجتمع.

2-  جمعية أهل الحديث الموحدة:

وتعتبر جمعية أهل الحديث الموحدة محاولة من علماء أهل الحديث إعادة تنظيم صفوفهم وتوحيدها بعد الانشقاق الذي قادته جمعية أهل الحديث المركزية. وجرى الإعلان عن هذه الجمعية في عام1994 وشارك فيها عدد من قيادات أهل الحديث والزعامات السلفية الباكستانية، كان من بينهم زعيم جماعة الدعوة "حافظ سعيد" وغيره من القيادات. وكان عدد من علماء السعودية السلفيين قد لعبوا دورهم في جمع صفوف الجمعية رغم رفض جماعة "ساجد مير" الانضمام إليها وإعلانهم جمعية أهل الحديث المركزية.

وكانت جمعية أهل الحديث عشية الإعلان عنها ومشاركة فسيفساء متنوع فيها بين جهادي وسياسي وعلمي قد لقيت شعبية كبيرة في الوسط السلفي الباكستاني وحتى في الوسط السلفي العربي وخاصة السعودية والكويت الذين تعاطفوا مع هذه الجماعة. لكن الحماسة والاهتمام ما انفك أن تراجع بعد أن شهدت هذه الجماعة انقسامات جديدة نتيجة تباين أفكارها بين الجهادية والسياسية والعلمية، حيث إن البعض منها أرادها جماعة سياسية فقط، بينما طالب البعض الآخر بتحويلها إلى جماعة علمية كما هو الحال مع جماعات عربية شبيهة، الأمر الذي لم ينل موافقة الجهاديين الذين حرصوا على أن تجمع بين الجهاد والعلم فقط مع الامتناع عن الانشغال في السياسة.

3-  جمعية غرباء أهل الحديث:

وهي بدورها جماعة سلفية انشقت عن جمعية أهل الحديث وأعلنت عن قيادتها في مدينة كراتشي وجمعت بين السلفية العلمية واستخدام الجهاد لتحقيق أهدافها. وأدى هذا التكوين السلفي -  والذي يمكن أن يطلق عليه سلفية جهادية -  إلى حدوث صراع داخل الجماعة أدى إلى انتهائها وتلاشيها.

4-  جمعية أهل الحديث (مجموعة إلهي):

وهي جماعة صغيرة أنشأها ابن الداعية السلفي الشهير إحسان إلهي الذي قتل على يد الشيعة في نهاية الثمانينات وتعتبر جماعة سياسية متحالفة مع السلطة لكنها لا تملك مقعدًا واحدًا في البرلمان ولا تملك شعبية تذكر في معاقلها في البنجاب. وتتفق مع الحكومة في قضايا سياسية وتطالبها بتطبيق أحكام الشريعة.

آفاق المستقبل:

نلاحظ هنا مدى ضعف التيار السلفي داخل باكستان ويرجع ذلك إلى الانشقاقات المتتالية داخل هذا التيار، إلى جانب الكثير من الشبهات التي ألصقت به.

ويحتاج هذا التيار للعودة إلى الساحة الباكستانية بقوة إلى عدة أمور:

1-  إدراك منطق الاستضعاف، المتمثل في التشرذم والشتات في الساحة السلفية.

2-  إعادة النظر في خطابه، بحيث يتفق ويراعي الواقع، بجانب دفع الشبهات التي ألصقت به من جانب الصوفية.

3-  قراءة صحيحة للواقع المحلي -  خاصة بعد اغتيال بوتو - .

4-  الإحاطة بالواقع الإقليمي والتطورات على الساحة الدولية والعلاقات الخارجية.

5-  قراءة التاريخ للاستدلال على صحة التصور والأفكار.

ونعتقد أن التيار السلفي إذا أحسن تنظيم نفسه ونظر بعين الاعتبار إلى النقاط السابقة سيكون له وجود مؤثر في الواقع الباكستاني، شريطة أن يكون ترك الخلافات غير المنهجية والتأكيد على جوانب الاتفاق إلى جانب إمكانية الدخول في تحالفات تكفل له أرضية قوية خاصة أن الساحة الباكستانية رغم تشرذمها لا تكاد تجد بداخلها اختلافات جوهرية.

3-  التيار الجهادي الباكستاني

لم يكن التيار الجهادي الباكستاني وليد أحداث سبتمبر، ولا بعد موافقة حكومة الجنرال مشرف الانضمام إلى المعسكر الدولي لمحاربة الإرهاب.

بل نستطيع أن نسجل هنا ظاهرة نادرًا ما تجدها في نشأة أي تيار جهادي، فقد نشط التيار الجهادي في باكستان بتوجيه ودعم مباشر من الجيش، والأعجب من ذلك أن تلك التيارات استطاعت بعد فترة أن تتغلغل داخل مؤسسات الجيش وتُوجد لها بين الضباط والقادة من ينتمي إليها ويدعم مواقفها.

الجهاد الأفغاني بداية الشرارة

كان الظهور الفعلي -  والذي ما زال يغذي التيار الجهادي إلى اليوم -  أثناء انفجار الجهاد الأفغاني في عام1979، بعد أن قررت حكومة الحاكم العسكري السابق الجنرال "ضياء الحق" الاستعانة بمليشيات مسلحة باكستانية يكون هدفها القيام بمهام نيابة عن الجيش الباكستاني من جهة، ويُوكل لها دور آخر يكون ضمانًا لوجود باكستاني مستمر داخل أفغانستان لمنع تعرض مصالحها للخطر.

وكان الجنرال "ضياء الحق" قد طلب دراسة هذا الملف من المخابرات العسكرية حيث أشرف على إعدادها ضابط إسلامي معتدل والجنرال السابق في سلاح المدفعية الثقيلة الجنرال "حميد جل" قبل أن يتم مكافئته على فكرة المليشيات المسلحة -  التي تحولت إلى تنظيمات جهادية فيما بعد -  بتعيينه في منصب رئيس المخابرات العسكرية، حيث إنه كان صاحب فكرة إنشائها وأن وجوده على رأس جهاز المخابرات العسكرية حينها قد يساعده على تنظيم صفوفها وتوفير المساعدات لها ووضع خطة منظمة لها داخل أفغانستان من خلال تسيير المعارك وتقوية نفوذ المنظمات الجهادية الأفغانية الموالية لباكستان وحمل المتبقية منها على الانضمام إلى هذا التحالف.

دور الجنرال "جل" في نشر الفكرة الجهادية بين التيارات الإسلامية

شرع الجنرال "حميد جل" في إجراء اتصالاته بعدد من علماء الدين وحثهم على المشاركة في الجهاد الأفغاني وتنظيم صفوفهم واستعداد الحكومة العسكرية يومها في تقديم جميع المساعدات الضرورية لهم. وحسبما يقول "جل" فإن المهمة لم تكن سهلة، خاصة أن الدعوة جاءت من قبل الاستخبارات العسكرية التي قررت أن يكون الجيش الباكستاني بعيدًا عن التدخل المباشر في الجهاد الأفغاني، وأن يكون العنصر الإسلامي في مقدمة المواجهين للاحتلال الروسي لأفغانستان. وكان أول عالم دين يستجيب لدعوة حميد "جل" هو مولانا "إرشاد أحمد" المتخرج من جامعة دار العلوم في كراتشي، حيث كان قد تطوع للجهاد الأفغاني في عام 1983ومعه مجموعة أخرى من المتخرجين الجدد من دار الإفتاء بجامعة دار العلوم الإسلامية ومن بينهم مولانا "سيف الله اختر" المسجون حاليًا بتهم غير معروفة وغيرهم من العلماء والمشايخ.

واتصل عليهم الجنرال "حميد جل" ودعاهم بدل من أن يبقوا مشتتين بين المنظمات الأفغانية القيام بتنظيم صفوفهم ضمن منظمة عسكرية واحدة، مع استعداد الجانب الباكستاني لتقديم المساعدات اللازمة لهم.

وفي عام 1984 أُعلن عن إنشاء أول منظمة جهادية باكستانية تقاتل الجيش السوفيتي في أفغانستان فقط، وتمتنع عن أي عمل عسكري خارج حدود أفغانستان. وأطلق على هذه المنظمة اسم "حركة الجهاد الإسلامي" التي تم وضعها بالتنسيق بين الجنرال "جل" ومولانا "إرشاد أحمد". وبتعاون من الجنرال جل توسعت هذه الجماعة لتتحول إلى أكبر جماعة جهادية باكستانية انضم إليها عدد كبير من طلاب المدارس الدينية وأنشأت خلالها مجلس قيادي ومجلس شورى وكتائب مسلحة وفتحت لها باكستان معسكرات تدريب على الحدود مع أفغانستان وخاصة في مناطق وزيرستان كان يشرف عليها ضباط باكستانيون؛ لأن المتطوعين يومها لم يكن لديهم خبرة واسعة بالسلاح وحرب العصابات والتدريبات اللازمة.

واستمر الجنرال حميد جل يقوم بدور محوري في تقويتها ودفعها لتلعب دورًا محوريًا داخل أفغانستان لتخفيف العبء عن الجيش الباكستاني من جهة ولإعلان حضور باكستاني داخل أفغانستان.

دور الجنرال "جل" في نشر الفكرة الجهادية داخل الجيش

كانت الفكرة الجهادية التي وضع أسسها الجنرال "حميد جل" في وسط الثمانينات قد وجدت لها قاعدة هامة تحتضنها، ليس في صفوف الإسلاميين وطلاب المدارس الدينية بل حتى داخل الجيش نفسه بعد الإجراءات التي أعلن عنها الجنرال ضياء الحق داخل جميع معسكرات الجيش في عام 1986من ضرورة الاهتمام بالمساجد والصلاة في وقتها والاهتمام بجميع مظاهر التدين. وقد دخلت هذه الفكرة الجيش في زمن الجنرال ضياء الحق حيث كانت قد تركزت سياسة الحكومة على الإسلام وتم تشجيع المحاضرات والخطب داخل ثكنات الجيش الباكستاني بهدف ترشيد وتقديم التوعية الدينية للجنود الباكستانيين.

ومع مرور الوقت أصبحت الفكرة الإسلامية مقبولة لدى شريحة واسعة من الجيش لا عند صغار الجنود بل حتى لدى شريحة من ضباط الجيش.

كما لوحظ أن المنتمين لجهاز المخابرات العسكرية من أفراد الجيش وضباطه كانوا أكثر تدينًا من غيرهم بما فيهم رئيسهم الجنرال جل الذي لم يخف يومًا تدينه.

وكانت محاولة الانقلاب العسكري والتخطيط لها من قبل بعض ضباط الجيش الباكستاني التي كشف عنها في عام 1995 في الولاية الثانية لحكم بينظير بوتو قد كشفت قوة هذا التيار وتناميه داخل الجيش ودقت ناقوس الخطر وأظهرت أن مواصلة التربية الدينية داخله قد تكون لها عواقب أخرى.

أحداث سبتمبر وتغير سياسة باكستان اتجاه الجهاديين

وبعد أحداث سبتمبر، ضغطت أمريكا على مشرف لوقف دعمه للتيارات الإسلامية والعمل على التضييق عليها وحتى تصفيتها، ومع رضوخ مشرف للضغوط الأمريكية تغير كل شيء، وتم إلغاء السياسة التي وضعها الجنرال "جل" والحاكم العسكري السابق "ضياء الحق" بداية من تطهير المؤسسة الأمنية التي أشرفت على وضع هذه الاستراتيجية والخطة في الاستعانة بالجهاديين والتعامل معهم على أنهم مؤسسات مشروعة في البلاد. ونفس الأمر حدث مع قضايا تعتبرها باكستان مصيرية وخاصة قضية كشمير وأفغانستان. فقد تم غلق قسم شئون أفغانستان وقسم شئون كشمير داخل المؤسسة الأمنية بعد تغير سياسة باكستان عقب حوادث سبتمبر في2001، وتم إحالة أشهر ضابط مخابرات البريكادير رياض إلى التقاعد وهو الذي كان المشرف المباشر على التنسيق بين الجهاديين الكشميريين من عام 1989وإلى عام2001 تاريخ إحالته على التقاعد. وبعد إبعاده من هذا المنصب شهدت هذه القضايا تغيرًا كبيرا بدأ بدمج أقسام أفغانستان وكشمير في إدارة واحدة تكون تحت رقابة شديدة لمنع تكرار حوادث قد تغضب الغرب.

والإجراء الآخر هو حل عدد من المنظمات الكشميرية من مثل "حزب المؤمنين" و"حزب الله" وتنظيم "العمر" و"البدر" وإدماج عدد آخر منها في بعضها البعض. ولم تكتف باكستان بذلك بل قلصت من مساعداتها لهم.

وكانت باكستان قد اتبعت سياسة جديدة مع من تبقى من "جهاديين شروعيين" من خلال حملهم على تغيير أسمائهم وبرامجهم والتخلي عن شعارات قديمة والامتناع عن الدخول في مخططات تضر بالمصالح الغربية والأمريكية بالخصوص.

ولم تكتف باكستان بذلك بل أفهمت جميع المجاهدين السابقين أن سياستها بعد سبتمبر لم تعد تعتمد على أي نوع من المساعدات لها وأنها التزمت بتعهداتها الدولية بعدم رعايتها للجماعات الجهادية أو مساعدتها.

وحملها ذلك على منع هذه الجماعات الباكستانية بالخصوص، وعلى غلق جميع نشاطاتها العسكرية فوق التراب الباكستاني، وأنّ على من يرغب المواصلة في العمل العسكري الالتحاق بالجيش الباكستاني حيث ستوكل له مهمات عسكرية لكن ضمن اسم الجيش وليس أي مليشيات.

وكانت المناطق الحدودية مع كشمير الهندية تعج بمعسكرات تدريب أقامتها هذه المنظمات، لكن بعد حظرها اقتحم الجيش الباكستاني جميع هذه المعسكرات وراح يغلق الواحدة بعد الأخرى وأعطى أوامره بعدم مشروعيتها.

آفاق المستقبل:

وكان من نتاج هذه الإجراءات أن ظهرت نتائج عكسية لم يأخذها نظام الحكم العسكري في الحسبان، إذ إن حظر الجماعات الجهادية أو تضييق الخناق عليها أفرز جماعات جديدة هي عبارة عن بقايا الجهاديين السابقين ورثوا عنهم العلوم العسكرية والمهارة الجهادية والسلاح والمال لكنها غير ملتزمة بالحكم والجيش الباكستاني وتعمل في السرية، الأمر الذي جعل باكستان في مواجهة تحدٍ خطير لم تحسب له حسابًا.

فقد اعتبر هؤلاء الجهاديون التوقف عن الجهاد خيانة لدماء الشهداء وقرروا مواصلة طريق النضال ومحاربة الأمريكيين من خلال الالتحاق بطالبان والقاعدة، ورغم أنهم تلقوا عددًا من الضربات الموجعة بين عامي2003-2006، لكنهم لا زالوا قادرين على توجيه ضربات عنيفة للحكم والمصالح الغربية.

ورغم ما رصدته الحكومة من وسائل مالية وبشرية واستخبارية لمواجهة الجماعات الجهادية، لكنها فشلت في إنهائها ووضع حد لها حيث لا زالت قادرة على توجيه ضربتها متى شاءت وكيف شاءت وأين شاءت وهو ما يمثل تحديًا فعليًا للحكم.

وكانت هذه الجماعات قد كسبت علمًا جهاديًا جديدًا بعد اختلاطها بالقاعدة والعرب المجاهدين خاصة الهجمات "الاستشهادية" التي لم تكن تعرفها هذه الجماعات في السابق.

وبعد:

باكستان منذ نشأتها في الأربعينيات لم تتمكن مطلقًا من بناء مؤسسات حكم فاعلة فيها، ولم تشهد استقرارًا سياسيًا طوال العقود الستة التي مرت من تاريخها الحديث، ولم ترسخ فيها تجربة الحكم، وقد تعرضت إلى خسارة جزء من أراضيها في السبعينيات، وهي مع أنها دولة أنشأت لتكون وطنًا للهنود المسلمين إلا إن الإسلام الذي يشكل هويتها الوطنية أبعد عن التوجيه السياسي بها، لذا فالصراع الآن داخل باكستان هو صراع مع هويتها، ولا أقول على هويتها، وتبدو الحركة الإسلامية بمختلف تياراتها مختلفة ومنقسمة على ذاتها ويصعب في بعض الأحيان التقريب بينها، وإهمال السدود التي تفصلها، وإذا لم تتمكن الحركة الإسلامية بها من قراءة الواقع قراءة صحيحة ومحاولة الموازنة بين المصالح والمفاسد وتغليب الراجح لمصلحة هذه الدولة الإسلامية ليس لصالح الباكستانيين وحدهم بل لصالح الأمة جمعيًا، وإدراك منطق الضعف المتمثل في حالة التشرذم وتغير من خطبها في هذه المرحلة، فلا يستبعد أن تعم الفوضى باكستان وتشهدًا تفككًا جغرافيًا مكافئًا لتفككها الديني والقبلي.

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.