خشية المؤمن على نفسه من النفاق أو نقص الإيمان
عدد القراءات : 1618

الحمد لله الواحد، الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وصلى الله على نبينا محمد البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فهذه وقفات مع أحاديث نبوية تحتوي على مسائل متفرقة في أبواب العقيدة، وقد جعلت لكل حديث عنواناً عقدياً، وفي كل مقالة نتناول حديثاً بإذن الله - تعالى -.

أولاً: خَشْيَةُ المُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ النِّفَاْقِ أَوْ نَقْصِ الإِيْمَاْن

عن حنظلة الأسيدي، قال: لقيني أبو بكر، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يذكرنا بالنار، والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات، فنسينا كثيراً، قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلت: نافق حنظلة، يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات، نسينا كثيراً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ثلاث مرات)).

غريب الحديث:

عافسنا: المعافسة هي المعالجة، والممارسة، والملاعبة  (النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 3 / 263)

تخريجه:

* أخرجه مسلم (كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا، 4 / 216) ح (275).

معنى الحديث:

قال النووي " معناه أنه خاف أنه منافق حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبى - صلى الله عليه وسلم -، ويظهر عليه ذلك، مع المراقبة والفكر والإقبال على الآخرة، فإذا خرج اشتغل بالزوجة، والأولاد، ومعاش الدنيا، وأصل النفاق إظهار ما يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك نفاقاً، فأعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ليس نفاقاً، وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك ". شرح النووي على مسلم (17 / 14).

من فوائد الحديث:

1 ما كان عليه الصحابة من قوّة الإيمان، وما شدّة خوف أبي بكر، وحنظلة من النفاق إلا دليلٌ على ذلك، وقد كان الخوف من النفاق دأب الصالحين، قال البخاري: " قال إبراهيم التيمي ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً، وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل، ويذكر عن الحسن: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق ". فتح الباري (1 / 146).

2 تتجلى في شكوى أبي بكر، وحنظلة، خصلة من خصال المتقين، ألا وهي الصدق، والصدق قرين التقوى وملازمه؛ ولذا قرنهما الله - تعالى -بقوله " ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " سورة التوبة، آية رقم (119)، ويظهر ذلك في موافقة أبي بكر لحنظلة في شكواه، ثم بوحهما بذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، مع ذكر التفاصيل "عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات، ونسينا كثيراً "، وذلك صدقٌ منهما في عرض الداء، وطلب الدواء.

ولقد كان بوسعهما أن يلمحا إلى مقصودهما من غير أن يخبرا بأنهما المعنيان بالشكوى، ولم يفعلا، بل ذكرا أنهما يجدان ذلك، ويعانيان منه، وهذا صدق في المكاشفة، وتخلٍّ عن مراعاة أعين الخلق لأجل رضا الرب الخالق، ولا يفعل ذلك إلا من كان عظيم الصدق، والتجرد.

3 - وفيه: منادمة أبي بكر لحنظلة في شكواه، وبوحه له أنه يجد ما يجد، وهذا غاية في التفاعل مع الشاكي، كما أن فيه تخفيفاً من ثقل غمه وعناءه ونصبه، ومواساةً له بأنه ليس وحده من يكابد هذا الهم ويعانيه.

4 وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((وما ذاك؟ )) بعد قول الصحابي: ((نافق حنظلة)) أهمية التأني، والتثبت، واستزادة الشاكي في شرح شكواه.

5 وفي توجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - حثٌ على إعطاء النفس نصيبها من الدنيا، وقد أكَّد ذلك بتكرار قوله " ساعة وساعة " ثلاث مرات، وأكّده أيضاً بأن نفى القدرة على الدوام على الذكر، وحال الرقة والخشوع، ولو قدر أحدٌ على ذلك " لكان مكتوباً في زمرة الملائكة، الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولو كان مثل حالها لكاشفته بأنفسها، وخالطته بكلامها، ورؤيتها في ممشاه، ومجلسه، ومضجعه، وقد آنس النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته عن فوت هذه الحالة بجوابه المذكور في الحديث، وزاد الخلق تأنيساً بأن قال: (( إنه ليغان على قلبي، فأتوب إلى الله في اليوم والليلة مائة مرة )) من كلام ابن العربي، عارضة الأحوذي (9 / 316).

6 وفي الحديث أن ملابسة المؤمن للحالين ليس نفاقاً، ولا نقصاً في إيمانه، حال الرقة، والتذكر، والتفكر، وحال مخالطة الأهل، والأموال، وما يلزم من ذلك من حصول شيء من الغفلة، والنسيان.

وأنه لا يلزمه أن يظل على حال الرقة والخشوع عند ملابسته أهله وماله، حيث أن حنظلة قال " فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج، والأولاد، والضيعات، نسينا كثيراً "، وأقرهّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.

وها هنا لطيفة من كلام ابن القيم - رحمه الله - حيث قال " إن أكثر من عني بهذا الشأن يعني الخاشعين المتعبدين - تضيق نفسه وأخلاقه عن سوى ما هو بصدده، فتثقل وطأته على أهله وجليسه، ويضن عليه ببشره، والتبسط إليه، ولين الجانب له، ولعمر الله إنه لمعذور، وإن لم يكن في ذلك بمشكور، فإن الناس ينفرون من الكثيف ولو بلغ في الدين ما بلغ، ولله ما يجلب اللطف، والظرف من القلوب، ويدفع عن صاحبه من الشر، ويسهل له ما توعر على غيره ". تهذيب مدارج السالكين (2 / 915).

7 لا يتم العمل بقوله - عليه السلام - " ساعة وساعة " على الوجه الصحيح إلا لمن وفّى بساعة الإيمان، فكان في مثل حال من قيل له هذا التوجيه، حيث أن في الحديث ذكر أنهم حال ساعة الإيمان ترق قلوبهم عند الموعظة، وكأنهم يرون الجنة والنار رأي العين، أما من لزم ساعة حظوظ النفس، أو كانت الأغلب عليه، وغفل عن ساعة الإيمان، وهو مع ذلك يستدل بهذا الحديث، فقد غالط نفسه وخدعها، وألبس ضعفه وفتوره لباساً يظنه من الشرع، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة