دور الجمعيات الأهلية في تطوير سياسة التعليم الجامعي
عدد القراءات : 2324

يعد التعليم الجامعي الضمان الاجتماعي الحقيقي لأي مجتمع، والعنصر الأساسي لتحقيق التنمية، بل ويعد من أهم الأدوات التي من خلالها تستطيع الدولة أن تواكب حركة التقدم التكنولوجي الحادثة في العالم المعاصر؛ فهو يساهم بطريق مباشر أو غير مباشر في تقرير وتدعيم الإمكانات البشرية المؤهلة والمدربة للقيام بإمدادها في عملية التنمية البشرية، وبذلك يعد التعليم الجامعي المنبع المتجدد لتخريج تلك الكوادر البشرية في مختلف ميادين الإنتاج والاستثمار والخدمات.

من هذا المنطلق فإن التعليم الجامعي في حاجة دائمة إلى تطوير مناهجه وأساليبه وآلياته؛ لكي يواكب أحدث ما يجري في هذه المجالات بالخارج. إلا أن معظم السياسات الراهنة تجاه التعليم الجامعي لا تمثل سوى محاولة لتوفيق أوضاعه مع الظروف الاقتصادية المتردية، والتي تشهد صعود نجم القطاع الخاص وتألقة في سماء الاقتصاد الوطني، كما أن هذه السياسات تضفي ـ في الواقع ـ إلى مزيد من التدهور في مواصفات العملية التعليمية، وتمثل تراجعاً عن مسؤوليات وطنية أساسية تضر كثيراً بالمستقبل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمجتمعاتنا.

وفي ضوء هذه الحقيقة المؤلمة، وفي ضوء انتقال المجتمعات الإنسانية الآن من الموجة الصناعية الثانية إلى الموجة المعلوماتية التكنولوجية الثالثة - فإن هناك ما يبرر التخلي عن هذه السياسات التعليمية النمطية والتوجه إلى سياسة تعددية، ومن ثم فان هناك مساحة متاحة ومتزايدة للمنظمات غير الحكومية لوضع سياسات تعليمية متنوعة موضع التنفيذ.

وهنا يظهر دور الجمعيات الأهلية كمنظمات غير حكومية بشكل متزايد في تطوير السياسة التعليمية، إما بشكل إصلاحي من داخل المؤسسة التعليمية نفسها، أو بشكل راديكالي من خارجها. ويقيناً فإن هذا التغيير عبر الاستثمار أو النشاط الأهلي لن يكون في اتجاه واحد؛ وإنما سيكون في اتجاهات متعددة. ويظهر هذا الدور بوضوح لتلك الجمعيات الأهلية التي تمتلك رؤية شاملة لسياسات تعليمية بديلة، والتي ترى أن تغيير السياسات التعليمية هي جزء من منظور أشمل لتغيير المجتمع كله.

فالتعليم باعتباره منظومة اجتماعية فرعية من البنية المجتمعية الكلية، لم يكن ولا يستطيع أن يكون بعيداً عن التحولات التي تصيب المجتمع، بل وترتبط مسيرة التعليم بمسيرة المجتمع، ودائماً ما يسير التعليم خلف المجتمع، ويعيد إنتاج الحياة فيه.

ولما كان التعليم مرآة المجتمع فلابد من ظهور دور للجمعيات الأهلية في تطوير سياسة التعليم الجامعي.

ويمكن تعريف الجمعيات الأهلية بأنها:مجموعات نشطة من الكوادر البشرية لها أهداف جزئية - بعيداُ عن تحقيق الربحية - تريد أن تحققها من خلال وسائل محددة، تتمثل في تكوين نشاط اجتماعي منظم.

وقد ينحصر دور الجمعيات الأهلية ويقتصر على محو الأمية فقط، إلا أن هذا الدور من الممكن أن يتجاوز فكرة محو الأمية ويرتقي إلى المُعلم نفسه، وذلك من خلال إقامة دورات تدريبية للمُعلِّمِين الذين يُشكلون قطاعاً كبيراً مؤثراً بالمؤسسات التعليمية، كما أن هناك مدخلاً يمكن من خلاله تفعيل دور الجمعيات الأهلية، وهو أن تعمل هذه الجمعيات تحت إشراف الدولة لخلق برامج تعليمية متطورة؛ إذ إن انخراط الجمعيات الأهلية - أو ما يسمى المنظمات غير الحكومية في عملية المشاركة الاجتماعية بوجه عام والسياسة التعليمية بوجه خاص ليس دائماً، بل يتوقف على عوامل كثيرة منها قدرة الدولة على احتواء أنشطة هذه المؤسسات وممارستها، أو الحد منها، أو حتى قمعها. بل إن المنظمات غير الحكومية قد تلقى التشجيع بدرجة ما من جانب الدولة باعتبار أنها تمثل قنوات لتطوير السياسات التعليمية.

وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى أن هناك ثلاث صعوبات يمكن أن تقف عقبة أمام عمل المنظمات غير الحكومية، تتمثل فيما يلي:

أولاً: - التمويل: حيث إن الجمعيات الأهلية لا تستطيع أن تقوم بكثير من الأعمال انطلاقاً من تمويل محلي، خاصة وأنها جمعيات لا تهدف إلى الربح.

ثانياً: - التدريب ورفع كفاءة أعضاء مجالس الإدارات: فهناك كثير من أعضاء مجالس الجمعيات لا يعلمون شيئاً عن العمل الأهلي وما هي الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، وكل ما في الأمر أنهم أفرادٌ يريدون أن يجعلوا لأنفسهم حظوة، فشكلوا جمعيات، وصاروا رؤساء مجالس إدارتها، وجعلوا من الأحباب والجيران أعضاءً.

ثالثاً: عدم تبادل السلطة داخل الجمعيات الأهلية: فكثيرٌ من الجمعيات يظل رؤساؤها فترات طويلة دون البحث عن فكر جديد.

في ضوء ما سبق يمكن تحديد دور الجمعيات الأهلية في تطوير السياسة التعليمية بصفة عامة وسياسة التعليم الجامعي بصفة خاصة.

الطريقة الأولى: - تتمثل في تحسين أو تغيير السياسة التعليمية الراهنة، من خلال مساعدة المؤسسة التعليمية الحكومية، أو بالتعاون معها.

وتهدف هذه الطريقة إلى تغيير السياسة التعليمية تدريجياً، حتى وإن كانت تلك الجمعيات الأهلية تمتلك رؤية شاملة لسياسة تعليمية بديلة، إلا أن الغاية من هذه الطريقة إنما هو الارتقاء بنوعية الخدمة التعليمية بصفة عامة في منطقة معينة، مثل حي أو قرية أو مدينة، أو في مجالات توجهات السياسة التعليمية، وليكن الارتقاء بمستوى المدرس أو التأكيد على المساواة بين الجنسين في التعليم.

الطريقة الثانية: - تتمثل في تغيير أو تحسين السياسة التعليمية الراهنة، من خلال العمل خارج المؤسسات التعليمية الحكومية، بل وتحطيم كل علاقة بالمؤسسة إلى أقل حد ممكن. وهذا يعتبر توجهاً راديكالياً، ستكون الجمعيات الأهلية من خلاله لها توجه أيديولوجي سياسي، أو جمعيات لها مطالب جزئية. وتتطلب هذه الطريقة بناء مؤسسات تعليمية بديلة، وتوفير مصادر متعددة للتمويل، وخلق فكر جديد للاستمرار في عملية التطوير.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
magda
eygpt
2012/04/09
جميل جدا يعطيك العافيه