تحقيق القول في حديث حماد بن سلمة
عدد القراءات : 884

حماد بن سلمة: هو ابن دينار البصري، وقد اختلف في ولائه.

يكنى بأبي سلمة، ت (167هـ).

علق له البخاري حديثاً([1])، واحتج به مسلم عن ثابت خاصة.

قال أبو عبد الله الحاكم: "لم يخرج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول، إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرّج له في الشواهد عن طائفة".

وقال أبو بكر البيهقي: "هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثاً أخرجها في الشواهد" ([2]).

وقال ابن رجب: "ومع هذا فقد خرّج مسلم في صحيحه لحماد بن سلمة عن أيوب وقتادة وداود بن أبي هند والجريري ويحيى بن سعيد الأنصاري، ولم يخرج حديثه عن عمرو بن دينار، ولكن إنما خرج حديثه عن هؤلاء فيما تابعه عليه غيره من الثقات، ووافقوه عليه، لم يخرج له عن أحد منهم شيئاً تفرد به عنه، والله أعلم" ([3]).

وأخرج له أصحاب السنن والمسانيد، ومن خرج في الصحيح كابن خزيمة وابن حبان، وقد صحح له الترمذي أحاديث كثيرة من غير روايته عن من قُدّم فيهم.

فهو أحد الأئمة الأعلام، وكان إمام أهل البصرة في زمانه، ومحدثها وفقيهها، حتى قال علي بن المديني: "من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين"([4]).

إلا أن له بعض الأوهام.

ولذا اختلف الحفاظ في الحكم على حديثه، على قولين:

القول الأول: توثيقه مطلقاً.

القول الثاني: التفصيل في حديثه.

وأما القول بتضعيفه مطلقاً، فلم أره عن أحدٍ من الحفاظ المتقدمين([5]).

فأما الذين وثقوه مطلقاً؛ فمنهم:

- ابن مهدي: فقد أثنى عليه ثناءً عاطراً ولم يفصل في حديثه.

- وابن معين: فقد قال: "ثقة".

- والعجلي: فقال: "ثقة، رجل صالح، حسن الحديث". وقال: "إن عنده ألف حديث حسن ليس عند غيره".

- وهذا هو اختيار أبو حاتم ابن حبان فقد ذكره في الثقات([6]) وقال: "وكان من العباد المجابين الدعوة وكان ابن أخت حميد الطويل، حميدٌ خاله، ولم ينصف من جانب حديثه واحتج بأبي بكر بن عياش في كتابه، وبابن أخي الزهري، وبعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، فإن كان تركه إياه لما كان يخطئ؛ فغيره من أقرانه -مثل الثوري وشعبة ودونهما- كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثر من تغيّر حفظه؛ فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجوداً، وأنى يبلغ أبو بكر حماد بن سلمة ولم يكن من أقران حماد مثله بالبصرة في الفضل، والدين، والعلم، والنسك، والجمع، والكتبة، والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدعة، ولم يكن يثلبه في أيامه إلا قدري، أو مبتدع جهمي؛ لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي ينكرها المعتزلة، وأنى يبلغ أبو بكر بن عياش حماد بن سلمة في إتقانه أو في جمعه أو في علمه أو في ضبطه" ([7]).

وأما الذين فصلوا في حديثه؛ فمنهم:

- وعلى رأسهم يحيى بن سعيد القطان، فقال: "حماد بن سلمة عن زياد الأعلم وقيس بن سعد ليس بذاك". ثم قال: "إن كان ما حدث به حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فليس قيس بن سعد بشيء، ولكن حديث حماد بن سلمة عن الشيوخ، عن ثابت، وهذا الضرب" ([8]). قال ابن عدي: "يعني أنه ثبتٌ فيها" ([9]).

- وعلي بن المديني، فقد قال: "هو عندي حجةٌ في رجال، وهو أعلم الناس بثابت البناني وعمار بن أبي عمار" ([10]).

- وهو قول أحمد، فقد وثقه في روايةٍ عنه، وفصّل في حديثه في روايات أُخر، والمطلق يحمل على المقيد، وسيأتي نقل كلامه.

- وكذا يعقوب بن شيبة، وسيأتي نقل كلامه.

فصلٌ: في أقسام حديث حماد بن سلمة:

لقد ذهب القائلون بالتفصيل في حال حماد بن سلمة؛ إلى تقسيم حديثه باعتباراتٍ متعددة:

الاعتبار الأول: من جهة شيوخه.

الاعتبار الثاني: من جهة الرواة عنه.

الاعتبار الثالث: من جهة حديثه.

الاعتبار الأول: من جهة شيوخه، وهم على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: من ثُبّت في الرواية عنهم، وقُدّم فيهم.

القسم الثاني: من لم يُقدم فيهم، ولَم يتكلم في روايته عنهم خاصة.

القسم الثالث: من تُكلم في روايته عنهم خاصة.

القسم الأول: من ثُبّت في الرواية عنهم، وقُدّم فيهم:

لقد أُثني على حمادٍ في روايته عن خمسةٍ من شيوخه:

1- على رأسهم: ثابت البناني؛ فإن حماداً أثبت الناس فيه بالاتفاق.

قال الإمام مسلم([11]): "اجتماع أهل الحديث من علمائهم؛ على أن أثبت الناس في ثابت البناني: حماد بن سلمة، وكذلك قال يحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل المعرفة".

2- حميد الطويل؛ وتقدم في كلام ابن حبان أنه خالٌ لحماد.

قال الإمام أحمد([12]) -في رواية الأثرم-: "لا أعلم أحداً أحسن حديثاً عن حميدٍ من حماد بن سلمة، سمع منه قديماً، يروي أشياء مرة يرفعها، ومرة يوقفها". قال: "وحميد يختلفون عنه اختلافاً شديداً".

قلت: قوله: "مرة يرفعها ومرة يوقفها"، دليلٌ على ضبط حديثه.

وقال -في رواية أبي الحارث-: "ما أحسن ما روى حمادٌ عن حميد".

وقال -في رواية أبي طالب-: "حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثاً".

وقال أيضاً -في روايته-: "حماد بن سلمة أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديماً، يخالف الناس في حديثه" يعني: في حديث حميد.

قلت: قوله "يخالف الناس في حديثه"، يعني: يرويها على الوجه الصحيح، بخلاف غيره.

وقال يحيى بن معين: "حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد"([13]).

3- علي بن زيد بن جدعان.

قال أبو حاتم: "حماد بن سلمة في ثابت وعلي بن زيد أحب إليّ من همام، وهو أضبط الناس وأعلمه بحديثهما بين خطأ الناس، وهو أعلم بحديث علي بن زيد من عبد الوارث" ([14]).

قال ابن رجب([15]): "حديثه عن علي بن زيد بن جدعان، هو حافظ له".

وقال عن حماد: "من أثبت الناس في شيوخه الذين لزمهم، كثابت البناني، وعلي بن زيد".

4، 5 - محمد بن زياد البصري، وعمار بن أبي عمار.

ورواية حماد عنهما قريبة من السواء، ولعل روايته عن محمد بن زياد تقدم؛ قال أحمد -في رواية علي بن سعيد-: "محمد بن زياد صاحب أبي هريرة ثقة، وأجاد حماد بن سلمة الرواية عنه" ([16]).

وقال شعبة: "كان حماد بن سلمة يفيدني عن محمد بن زياد" ([17]).

وقال ابن أبي حاتم: "حدثنا صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل، نا علي يعني ابن المديني، قال: سمعت يحيى يعني ابن سعيد القطان قال: قال شعبة: كان حماد بن سلمة يفيدني عن عمار بن أبي عمار" ([18]).

وقال يعقوب بن شيبة: "حماد بن سلمة ثقة في حديثه اضطراب شديد، إلا عن شيوخٍ فإنه حسن الحديث عنهم، متقن لحديثهم، مقدم على غيره فيهم، منهم ثابت البناني وعمار بن أبي عمار" ([19]).

- لم قُدّم حماد في هؤلاء الشيوخ؟

لأمور:

أولاً: سماعه من بعضهم في حال الصغر، وهم كبار شيوخه، وهذا أدعى لضبط حديثه:

فقد قال حماد: "كنت إذا أتيت ثابت البناني وضع يده على رأسي ودعا لي" ([20]).

قلت: وهذا يدل على صغره حال مجيئه إلى ثابت.

وقال أيضاً عن خاله حميد: "ربما أتيت حميداً فقبّل يدي" ([21]).

قلت: وتقبيله ليد ابن أخته يدل على صغر سنه.

ولعل الباقين كذلك، قال الإمام أحمد -في رواية الأثرم-: "حماد بن سلمة إذا روى عن الصغار أخطأ".

وأشار إلى روايته عن داود بن أبي هند([22]).

قلت: قوله: "الصغار"، يعني: شيوخه الصغار.

وتقدم قول يحيى القطان: "إن كان ما حدث به حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فليس قيس بن سعد بشيء، ولكن حديث حماد بن سلمة عن الشيوخ، عن ثابت، وهذا الضرب".

قلت: قوله: "عن الشيوخ"، يعني: شيوخه الكبار([23]).

ثانياً: قُربه من بعضهم، كحالِ حميدٍ معه، والخؤولة مظنة قوة العلاقة، وكثرة المخالطة، وبالتالي ضبط حديثه والرواية عنه.

ثالثاً: أنهم من بلده، فجميعهم بصريون([24])، وغالباً ما يكون حديث الرجل عن أهل بلده أضبط من حديثه عن غيرهم. والله أعلم.

القسم الثاني: من لم يُقدّم فيهم، ولَم يتكلم في روايته عنهم خاصة:

تقدم لنا أن بعض الحفاظ تكلم في حماد إلا من استثناهم، كثابت وغيره.

فهذا يفيد أن حديث حماد قسمين:

الأول: من قُدّم في الرواية عنهم.

والثاني: بقية شيوخه.

ولكن الأولى جعلُ قسمٍ بين القسمين؛ لأن هناك من شيوخه من تُكلم في روايته عنهم خاصة، وهم القسم الآتي.

القسم الثالث: من تُكلم في روايته عنهم خاصة:

مثل: قيس بن سعد، وزياد الأعلم، وداود بن أبي هند، وسعيد الجريري، وأيوب السختياني وغيرهم.

قال الإمام مسلم([25]): "وحماد يعدّ عندهم([26]) إذا حدّث عن غير ثابت؛ كحديثه عن قتادة، وأيوب، ويونس، وداود بن أبي هند، والجريري، ويحيى بن سعيد، وعمرو بن دينار، وأشباههم فإنه يخطئ في حديثهم كثيراً، وغير حماد في هؤلاء أثبت عندهم، كحماد بن زيد، وعبد الوارث، ويزيد بن زريع، وابن علية".

أما قيس بن سعد، فقال أحمد: "ضاع كتابه عنه فكان يحدث من حفظه فيخطئ" ([27]).

وتقدم نقل قول يحيى بن سعيد القطان: "حماد بن سلمة عن زياد الأعلم وقيس بن سعد ليس بذاك". وقوله: "إن كان ما حدث به حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فليس قيس بن سعد بشيء".

وقال البيهقي: "حماد ساء حفظه في آخر عمره، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه، ويجتنبون ما تفرد به عن قيسٍ خاصة" ([28]).

وقيس بن سعد ليس من أهل بلده، فإنه كان مكياً، ولعل حماداً سمع منه في مجلس أو مجلسين، ولم يُكثر من التردد عليه، وقد دون هذه الأحاديث وضاعت عليه، فلم يُتقن حديثه.

وأما زياد الأعلم فإنه كان بصرياً، ولكن قد قال الدارقطني: "هو قليل الحديث" ([29]).

قلت: ولعلها أحاديث يسيرة، وهذا قد يؤدي إلى أن حماداً لا يتردد عليه، لقلّة حديثه، وبالتالي لا يضبطه.

الاعتبار الثاني: من جهة الرواة عنه:

وهم على قسمين:

القسم الأول: من كتب عنه من النسخ.

القسم الثاني: من سمع منه الأصناف.

والأول أقوى.

قال يحيى بن معين: "من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع من حماد بن سلمة نسخاً فهو صحيح" ([30]).

والمقصود بالنسخ ما سمعه عن كل شيخٍ على حده؛ فنسخة حديثه عن ثابت، ونسخة حديثه عن حماد...وهكذا.

وأما الأصناف، فهي الكتب المصنفة التي تجمع أحاديث الرواة، فتكون مختلطة بعضها ببعض، فمرة عن أيوب، ومرة عن حماد، ومرة عن ثابت، ومرة عن علي بن زيد بن جدعان... وهكذا. والأول أسهل في ضبط الرواية.

الاعتبار الثالث: من جهة حديثه:

فمن سمع منه قديماً أقوى ممن سمع منه أخيراً.

وتقدم قول البيهقي: "حماد ساء حفظه في آخر عمره".

قلت: وهذا وإن لم يسبق إليه البيهقي صراحةً([31])، إلا أن حديث الرجل في قوته ونشاطه أقوى في الجملة من حديثه حال كبر سنه وضعفه. والله أعلم.

فصلٌ: في مقدار ونوع الخطأ الذي وقع فيه حماد بن سلمة:

توطئة:

لا يخفى أن مقدار ونوع الخطأ ليس على درجة واحدة، إذ منه الكثير والقليل، والفاحش واليسير.

والخطأ إما أن يكون في المتن أو الإسناد؛ وهو في الأول أشد، من حيث الجملة.

ولكل منهما درجات.

- فدرجات الخطأ في المتن:

1. شديد؛ كأن يأتي بمتن منكر مخالف للنصوص، ولذا يقول الحفاظ: "يروي أباطيل".

2. خفيف؛ كأن يصحّف أو يخطئ في كلمة.

3. ما بين ذلك.

- ودرجات الخطأ في الإسناد:

1. شديد؛ كأن يقلب الإسناد.

2. خفيف؛ كأن يصحّف اسم أحد الرواة.

3. ما بين ذلك.

وإذا كان خطأ الراوي -في المتن أو الإسناد- كثيراً؛ وُصف بقولهم: "واهي الحديث، منكر الحديث، متروك" على حسب الحال.

وإذا كان خطؤه قليلاً؛ وُصف بقولهم: "ربما وهم أو أخطأ".

وذا كان خطؤه ما بين ذلك؛ وُصف بقولهم: "يهم، يخطئ، له أوهام".

وقد أشار لمثل هذا الإمام مسلم في مقدمة التمييز.

وعند الحكم على أحدٍ من الرواة، لا بدّ أن يُنتبه إلى التحرير السابق، فقد يكون الخطأ الواحد أشد من أخطاء كثيرة، كما قال الدارقطني([32]) عن أحد الرواة: "ضعيف، ليس بالقوي، يخطئ كثيراً، حدث عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر –رضي الله عنه- جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الصلاتين. وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة ولا جمل، وهذا يسقط مئة ألف حديث". أي: هذا الخطأ.

وقال أبو حاتم عن هذا الحديث([33]): "باطل عندي، هذا خطأ".

قال الذهبي معلقاً([34]): "يعني من أتى بهذا ممن هو صاحب مئة ألف حديث أثّر فيه ليْناً، بحيث تنحط رتبة المائة ألف عن درجة الاحتجاج، وإنما هذا على سبيل المبالغة، فكم ممن قد روى مائتي حديث ووهم منها في حديثين وثلاثة وهو ثقة".

وإنما قال الدارقطني الكلام المتقدم؛ لأن هذا الحديث ليس من حديث الثوري، ولا ابن المنكدر، وكلاهما من كبار الثقات. فالذي يخطئ على الراوي المشهور بالثقة والإمامة، ويأتي بإسنادٍ كالشمس في الصحة، ليس كمن يخطئ فيمن هو دون ذلك.

وتأسيساً على ما تقدم؛ ما مقدار ونوع الخطأ الذي وقع فيه حماد بن سلمة؟

اختلف الحفاظ في ذلك على قولين:

القول الأول: أنه قليل الخطأ.

واختاره ابن سعد، حيث قال: "كان ثقة، كثير الحديث، وربما حدث بالحديث المنكر"([35]).

وهذا يفيد: قلّة خطئه، واحتمال وقوعه في الخطأ الشديد.

القول الثاني: أنه كثير الخطأ.

واختاره مسلم، كما تقدم نقل قوله: "يخطئ في حديثهم كثيراً" في حديث حماد عن بعض الرواة.

ويعقوب بن شيبة، كما تقدم نقل قوله: "في حديثه اضطراب شديد، إلا عن شيوخٍ.. ".

وهذا يفيد: كثرة خطئه في حديثه عن بعض شيوخه.

وقد تكون هذه الكثرة نسبية، ويدل عليه قول ابن سعد المتقدم.

وهذا ما مال إليه الذهبي، حيث قال: "كان بحراً من بحور العلم، وله أوهام في سعة ما روى، وهو صدوق حجة -إن شاء الله- وليس هو في الإتقان كحماد بن زيد"([36]).

ويؤيده قول ابن رجب المنقول أول البحث.

وهذا يفيد -والله تعالى أعلم- قلة خطأ حماد، إذ لو كان يروي أحاديثاً منكرة أو باطلة عن هؤلاء، لم يخرج له مسلم أصلاً، مما يدل على أن روايته عنهم فيها خطأ قليل.

ويعضده قول البيهقي: "فالاحتياط أن لا يُحتج به فيما يخالف الثقات"([37]).

ومعنى هذا الكلام أن الأصل في حديث حماد: القبول ما لَمْ يخالف الثقات.

وهذا يجري في حق من هو أجل وأحفظ من حماد.

والله أعلم.

فصلٌ: في خطأ حماد بن سلمة هل هو في المتن أم الإسناد؟

الذي يظهر أن خطأه في الإسناد أغلب؛ والدليل على ذلك:

1. ما قاله أحمد -بعد أن ذكر كلاماً ليحيى بن سعيد القطان في رواية حماد عن قيس بن سعد، وسأله ابنه عبد الله: لأي شيءٍ قال هذا؟ -: "لأنه روى عنه أحاديث رفعها إلى عطاء عن ابن عباس-رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-"([28]).

2. وقول أحمد في رواية حنبل: "حماد بن سلمة يسند عن أيوب أحاديث لا يسندها الناس عنه"([39]).

3. ما قاله الخليلي([40]): "ذاكرت يوماً بعض الحفاظ؛ فقلت: البخاري لم يخرج حماد بن سلمة في الصحيح وهو زاهد ثقة؟ فقال: لأنه جمع بين جماعة من أصحاب أنس، فيقول: حدثنا قتادة، وثابت، وعبد العزيز بن صهيب. وربما يخالف في بعض ذلك. فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه، وهو يجمع بين أسانيد؛ فيقول: حدثنا مالك، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، والأوزاعي، بأحاديث، ويجمع بين جماعة غيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ له".

قال ابن رجب معلقاً: "ومعنى هذا: أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقةً واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره" ([41]).

قلت: فجمعُ حمادٍ لأكثر من شيخ له في الحديث الواحد، وبين روايتهم اختلاف في المتن أو الإسناد، مع عدم الفصل بين رواياتهم بعضها عن بعض؛ يعتبر من الغلط.

والأخطاء التي وقفنا عليها من حديث حماد من روايته عن محمد بن عمرو، جميعها في الإسناد.

وما تقدم لا ينفي وقوع خطئه في المتن، فقد يختصر حديث الراوي في بعض الأحيان، وذلك يؤدي إلى خطئه.

قال الخطيب([42]): "سئل أبو عاصم النبيل: يُكره الاختصار في الحديث؟ قال: نعم؛ لأنهم يخطئون المعنى... قال عنبسة: قلت لابن المبارك: علمت أن حماد بن سلمة كان يريد أن يختصر الحديث، فيقلب معناه. قال: فقال لي: أو فطنت له؟".

وقال ابن عدي بعد ذكره عدداً من الأحاديث تبلغ (29) حديثاً بحذف المكرر-: "وهذه الأحاديث التي ذكرتها لحماد بن سلمة منه ما ينفرد حماد به، إما متناً وإما إسناداً، ومنه ما يشاركه فيه الناس... ولحماد بن سلمة هذه الأحاديث الحسان والأحاديث الصحاح التي يرويها عن مشايخه وله أصناف كثيرة كتب ومشايخ كثيرة"([43]).

وهذا يفيد تقوية ابن عدي لحماد، وأن هذه الأخطاء لم تؤثر على حديثه كثيراً.

والأحاديث التي ساقها ابن عدي: بعضها من رواية حماد عن ثابت، وبعضها توبع حمادٌ عليها، فهي صحيحة.

وبعضها مما نبه ابن عدي على خطأ حمادٍ فيها، وهي الأقل.

وبعضها في المتن، وبعضها في الإسناد.

والذي يظهر أن حماداً يحدث من حفظه كثيراً؛ قال يحيى بن سعيد القطان: "كنا نأتي إليه وليس معه كتاب". وهذا يدل على أنه يُكثر من التحديث من حفظه، وذلك مظنة الخطأ، وتقدم قول البيهقي: "حماد ساء حفظه في آخر عمره".

إضافةً لذلك: ضياع بعض كتب شيوخه عنه، كقيس بن سعد كما تقدم.

والله أعلم.

فصلٌ: في الرواة عن حماد بن سلمة:

قال يحيى بن معين: "من أراد أن يكتب حديث حماد بن سلمة فعليه بعفان بن مسلم".

وقال النسائي: "أثبت أصحاب حماد بن سلمة: ابن مهدي، وابن المبارك، وعبد الوهاب الثقفي"([44]).

قلت: ومنهم يحيى بن سعيد القطان، فهو من أجلهم، وأعلمهم بحماد. وتقدم ما يدل على ذلك.

قال علي بن المديني: "قلت ليحيى: حملت عن حماد بن سلمة إملاءً؟ قال: نعم إملاء، كلها إلا شيء كنت أسأله عنه في السوق، فأتحفظه. قلت ليحيى: كان يقول حدثني وثنا؟. قال: نعم، يجيء بها عفواً حدثني وثنا" ([45]).

والله - تعالى -أعلم.

-· تنبيهان:

- قال ابن عدي: "حدثنا ابن حماد، حدثني عبد الله بن أحمد، قال: سمعت يحيى بن معين -أو قال أبي([46])، شك ابن حماد –"، قال يحيى بن سعيد: "إن كان ما يروى حماد بن سلمة عن قيس بن سعد فهو... كذاب. قلت: لأي شيء؟ قال: لأنه روى عنه أحاديث رفعها إلى عطاء عن ابن عباس –رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-"([47]).

- وجاء في التعديل والتجريح للباجي([48]): "قال ابن الجنيد: سُئل النسائي عن حماد بن سلمة فقال: لا بأس به". وقد كان قبل ذلك قال فيه: "ثقة". قال القاسم بن مسعدة: "فكلمتُه فيه فقال: ومن يجترئ يتكلّم فيه، لم يكن عند القطان هناك، ولكنه روى عنه أحاديث دَارَى بها أهل البصرة". ثم جعل يذكر النسائي الأحاديث التي انفرد بها في التشبيه، كأنه خاف أن يقول الناس: "إنه تكلم في حماد من طريقها"، ثم قال: "حمقى أصحاب الحديث". وذكر من حديث حماد منكراً عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة –رضي الله عنه-: ((إذا سمع أحدكم الأذان والإناء على يده)).

أقول وبالله التوفيق: أولاً: الجواب على كلام القطان:

من وجوه:

1- أن يحيى بن سعيد القطان روى عن حماد بن سلمة، وكان الغالب لا يروي إلا عن ثقة عنده. قال القطان: "كنت أجي إلى حماد بن سلمة وما عنده كتاب. قال ابن المديني: سنة كم؟ قال: بعد الهزيمة بقليل، وكنت أحد أطراف من عمرو صاحب الهروي. وكان يأتيه يزيد بن زريع تلك الأيام وأبو عوانة والسامي يكتب لهم". وقال القطان أيضاً: "كان حماد بن سلمة يفيدني عن محمد بن زياد. قال ابن المديني: حماد كان يفيدك؟ قال القطان: فيما أعلم"([49]).

2- أن يحيى بن سعيد القطان كان شديد التزكية، حتى قال: "لو لم أرو إلا عن من هو ثقة عندي، لم أرو إلا عن خمسة أو نحو ذلك"([50]).

3- أن يحيى بن سعيد القطان قد أثنى على حماد بن سلمة. قال عفان بن مسلم: "اختلف أصحابنا في سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة، فصرنا إلى خالد بن الحارث فسألناه، فقال: حماد أحسنهما حديثاً وأثبتهما لزوماً للسنة. قال عفان: فرجعنا إلى يحيى بن سعيد فأخبرناه، فقال: قال لكم وأحفظهما؟ قال: فقلنا ما قال إلا ما أخبرناك"([51]).

4- أن يحيى بن سعيد القطان قد فصّل في حديث حماد بن سلمة، حيث قال: "حماد بن سلمة عن زياد الأعلم وقيس بن سعد ليس بذاك... إن كان ما حدّث به حماد بن سلمة عن قيس بن سعد، فليس قيس بن سعد بشيء، ولكن حديث حماد بن سلمة عن الشيوخ عن ثابت، وهذا الضرب". قال ابن عدي: "يعني أنه ثبتٌ فيها"([52]).

قلت: فقد أثنى هنا على رواية حماد بن سلمة عن ثابت، ومن كان مثله، أنه ثبتٌ في حديثه عنهم، ولعله يقصد من هؤلاء حميد الطويل، لقوله: "وهذا الضرب".

5- أن كلام يحيى بن سعيد القطان في رواية حماد عن قيس بن سعد وزياد الأعلم جاءت من وجه آخر عنه، كما في الوجه السابق رقم (4)، وليس فيها قوله: "كذاب"، وإنما قوله: "ليس بذاك"، وأنه استنكر الأحاديث التي رواها حماد بن سلمة عن قيس بن سعد.

وإسناد هذه الرواية أقوى من الأول.

وابن حماد هو الدولابي أبو بشر، وكان من الحفاظ، ومن أصحاب أبي حنيفة ([53])، وقد تكلم حماد بن سلمة في أبي حنيفة كلاماً شديداً، فقد يكون عند الدولابي بعض الميل على حماد بن سلمة.

وقد تقدم لنا أنه روى عن شيخه الثلجي القصة التي فيها الطعن على حماد، وبينت فيما تقدم أنها موضوعة.

ثانياً: الجواب على كلام النسائي:

هذه القصة تفيد أن حماد بن سلمة ثقة لا بأس به، ولكن له بعض الأخطاء والأوهام التي تنزله عن درجة الإتقان.

ودليل ذلك: أن النسائي وثّقه، فقال عنه: "ثقة".

ثم سئل عنه بعد ذلك فقال: "لا بأس به".

ثم عندما كلمه القاسم بن مسعدة في حماد، فقال: "ومن يجترئ يتكلّم فيه، لم يكن عند القطان هناك، ولكنه روى عنه أحاديث دَارَى بها أهل البصرة".

ولعل مقصود النسائي بهذه الكلمة: أن من أجل مكانة حماد وجلالته، منعت النسائي أن يقول: إن لحماد أخطاءً وأوهاماً، ولهذا إشارة عندما ذكر عن حماد حديثاً منكراً، كما تقدم.

وإلا فلو كان ضعيفاً عنده لبين ضعفه، وأقول هذا من باب التنزل، وإلا فلا شك أن حماداً إمام جليل وثقة نبيل، غير أنه -كما تقدم تفصيل ذلك- ليس بالمتقن، وله بعض الأوهام والأخطاء.

وقد أحتج به النسائي في كتابه السنن، فقد أخرجه له أحاديث كثيرة.

وأما قوله: "لم يكن عند القطان هناك، ولكنه روى عنه أحاديث دَارَى بها أهل البصرة".

فمعناه: أنه ليس بالضابط المتقن فيما يظهر.

وقد تقدم تفصيل القول في درجة حماد بن سلمة، عند ابن القطان.

والله - تعالى - أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) فقال في صحيحه (6440): "وقال لنا أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبيّ قال: كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت (ألهاكم التكاثر)".

وقد اختلف في هذه الصيغة من البخاري "قال فلان"؛ هل هي من قبيل الوصل، أم التعليق؟

وتحرير المسألة أن يقال: إن من علق عنهم البخاري على قسمين:

1- من لم يسمع منهم، فهذا يسمى تعليقاً بلا نزاع، وهذا الأصل.

2- من سمع منهم، وهذا محل خلاف:

واشتهر عند المتأخرين إلحاقه بالقسم الأول، فيسمونه تعليقاً.

والأقرب أنه من قبيل الوصل؛ لأن أبا الوليد الطيالسي، شيخ البخاري، وقد لقيه وسمع منه.

غير أن هذه الصيغة ليست بمنزلة "حدثنا فلان". وإعراض الإمام البخاري عن هذه الصيغة لتلك، لا بدّ أن يكون له نكتة، والعلم عند الله، وليس من غرضي هنا تفصيل هذه المسألة.

([2]) قول الحاكم والبيهقي من تهذيب ابن حجر (1/482) ط. الرسالة، وينظر: سنن البيهقي (4/94).

([3]) شرح علل الترمذي (2/783) ط. همام سعيد.

([4]) نقلاً من الكامل لابن عدي (2/266).

([5]) بعض أهل البدع طعن في حديثه، قال الدولابي: "ثنا محمد بن شجاع بن الثلجي، أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث حتى خرج خرجةً إلى عبادان فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطاناً خرج إليه في البحر فألقاها إليه. قال الثلجي: سمعت عباد بن صهيب يقول: إن حماد بن سلمة كان لا يحفظ، فكانوا يقولون: إنها دست في كتبه. وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه، فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث" (من الكامل 2/260). قال ابن عدي: "وأبو عبد الله ابن الثلجي كذاب، وكان يضع الحديث ويدسه في كتب أصحاب الحديث بأحاديث كفريات، فهذه الأحاديث من تدسيسه" (الكامل). وقال الذهبي: "ابن البلخي ليس بمصدق على حماد وأمثاله، وقد اتهم" (تهذيب ابن حجر 1/482). وقال ابن حجر: "وعباد أيضاً ليس بشيء".

قلت: ابن البلخي هو ابن الثلجي، وكان حنفياً ينال من الشافعي وأحمد.

([6]) (6/216-217).

([7]) وينظر أيضاً مقدمة صحيح ابن حبان (1/153-155) فقد أعاد الإنكار على من ترك رواية حماد، رحم الله المنكِر والمنكَر عليه.

([8]) نقلاً من الجرح والتعديل (3/141).

([9]) الكامل (2/256).

([10]) نقلاً من سير أعلام النبلاء (7/446).

([11]) التمييز (ص217-218)

([12]) تنظر الروايات الأربع في شرح العلل لابن رجب (2/781-782).

([13]) رواية الدوري (4/297).

([14]) الجرح والتعديل (3/141).

([15]) شرح العلل (1/414؛ 2/781).

([16]) من شرح العلل (2/782).

([17]) من الكامل (2/256).

([18]) الجرح والتعديل (3/141).

([19]) من شرح العلل (2/781).

([20]) من الكامل (2/258).

([21]) من الكامل (2/257-258).

([22]) من شرح العلل (2/783).

([23]) قد يقال: أيوب ممن سمع منه قديماً، وقد تكلم في روايته عنه؟!

ويجاب عن هذا: بأن حماداً لم يضبط حديث أيوب؛ لأنه لم يأته إلا مرة واحدة ولم يتردد عليه.

قال الإمام أحمد: "وأما سماعه من أيوب فسمع منه قديماً قبل حماد بن زيد ثم تركه، وجالسه حماد بن زيد فأكثر عنه، وكان حماد بن زيد أعلم بحديث أيوب من حماد بن سلمة". (شرح العلل 2/782).

([24]) إلا عمار بن أبي عمار فإنه مكي، غير أنه قد جاء ما يفيد قدومه للعراق، حيث قال ابن حبان في الثقات (5/268) عنه: "مات في ولاية خالد القسري على العراق". وهذا إشارة إلى أن وفاته كانت هناك.

([25]) التمييز (ص218).

([26]) أي كبار الحفاظ، وتقدم نقل أول كلامه.

([27]) من شرح العلل (2/782).

([28]) من شرح العلل (2/783).

([29]) من تهذيب ابن حجر (1/645).

([30]) من شرح العلل (2/784).

([31]) وقد تعقبه ابن حجر في ذلك.

([32]) ينظر: تهذيب ابن حجر (1/596)، سؤالات الحاكم (ص206)، سؤالات البرقاني (ص5).

([33]) في العلل (م 313).

([34]) سير أعلام النبلاء (10/453).

([35]) من تهذيب ابن حجر (1/483).

([36]) سير أعلام النبلاء (7/446).

([37]) في الخلافيات -كما في سير أعلام النبلاء (7/452)- وتقدم نقل أول كلامه؛ أول البحث.

([38]) من الكامل (2/254).

([39]) من شرح علل الترمذي لابن رجب (2/782).

([40]) الإرشاد (1/417-418)، وقد نقله ابن رجب.

([41]) شرح العلل (2/816).

([42]) الكفاية (ص191-192).

([43]) الكامل (2/264-266) وفيه (كتب) كذا، وفي مختصر الكامل (ص256) بدونها، والسياق مستقيم.

([44]) شرح العلل لابن رجب (2/707).

([45]) من الكامل (2/266).

([46]) أي الإمام أحمد.

([47]) عبارة الكامل (2/253-254) فيها تصحيف وخطأ، وينظر مختصر الكامل للمقريزي (ص254).

([48]) (2/524).

([49]) ينظر: الكامل (2/256).

([50]) راجع مقدمة الجرح والتعديل.

([51]) ينظر: الكامل (2/253).

([52]) ينظر: الكامل (2/256).

([53]) أي على مذهبه.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة