الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن وجود القدوة الحسنة في الحياة ضرورة لا بد منها؛ ليحتذى بها الإنسان ويكتسب منها المعالم الإيجابية لحركته في الحياة، سواء مع الله - تعالى- في أداء العبادات والفرائض، أو مع النفس وتزكيتها وتدريبها على الأخلاق الفاضلة، أو مع الأهل والأبناء داخل الأسرة من أجل بناء أسرة متماسكة، أو مع المجتمع من حوله في أمور الدين والدينا، وهكذا.

ومن أجل ذلك جعل الله - تعالى -الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدوةً ونموذجًا يجسد الدين الذي أرسل به، حتى يعيش الناس مع هذا الدين ورسوله واقعًا حقيقيًا بعيدًا عن الأفكار المجردة، فكان هذا الرسول - عليه الصلاة والسلام - خير قدوة للأمة في تطبيق هذا الدين ليكون منارًا لها إلى يوم القيامة، يقول- تبارك وتعالى-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ)(1).

والرسول - عليه الصلاة والسلام - كان قدوة حسنة في مجالات الحياة المختلفة، ومن أهمها:

1 أخلاقه في بيته:

لقد وصفت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قالت: " كان خلقه القرآن"، فانبثق سائر أعماله - عليه الصلاة والسلام - من هذا الخلق العظيم الذي أشار إليه القرآن الكريم: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وكان إظهار هذا الخلق واضحًا في بيته مع زوجاته وبناته، حيث كان يحدثهم بأطيب الكلمات وأرق التعابير، وكان يلاعبهم ويلاطفهم، ويدخل السرور إلى قلوبهم، ويعدل بينهم، قالت عائشة - رضي الله عنها -: " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – معه" (2).

وتقول عنه أيضًا: " كان بشرًا من البشر: يفلي ثوبه ويحلب شاته، ويخدم نفسه"(3). يفعل هذا وهو نبي الأمة وقائدها، يريد أن يعلم أمته من بعده أن الإنسان مهما علا شأنه واسمه يجب عليه أن لا يتكبر ولا يتجبر، بل يحافظ على تواضعه وحلمه.

وكتب السيرة حافلة بمثل هذه الصفات الحميدة التي تميزت بها شخصية الرسول - عليه الصلاة والسلام - في بيته بين أهله.

2 أخلاقه مع الناس:

حيث كان - عليه الصلاة والسلام - على درجة رفيع من الخلق العظيم مع صحابته -رضوان الله عليهم-، فلم يكن يستعلى على أحد منهم، يقابلهم بالوجه الحسن المبتسم، ويكلمهم بأسلوب هادئ رزين، ويشاركهم في أفراحهم وأتراحهم، وكان يعامل الصحابة جميعًا معاملة واحدة، حتى يظن أحدهم أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - لا يعامل أحدًا بمثل ما يعامله من الرفق واللطف.

ثم إنه - عليه الصلاة والسلام- على يشاورهم في أمور الدعوة وفي الحروب، دون تمييز أو تفريق بينهم، عربًا كانوا أم عجمًا، فقد أخذ برأي سلمان الفارسي بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، وجعل بلالاً مؤذنه الخاص وهو حبشي.

ويجب أن يلتفت الزعماء والمسؤولون والتجار والعلماء والموظفون وسائر الناس إلى هذا الخلق النبيل الذي اتصف به الرسول - عليه الصلاة والسلام-، ويجعلوه صفةً دائمةً في حياتهم مع الناس، فلا يتكبروا على عباد الله ولا يظلموهم ولا يغشوهم ولا يصعبوا أمورهم، فإن الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني الاقتداء بأعماله كلها، حتى يطمئن الناس إلى بعضهم البعض، وتزداد ثقتهم ببعض، فيزول من المجتمع البغض والكراهية، ويحل الوئام والمودة.

3 أخلاقه مع الصغار:

تروي لنا السيرة النبوية نماذج من أخلاقه مع الصغار والأطفال وعطفه وحنانه عليهم، فكان - عليه الصلاة والسلام - يلاعبهم ويمازحهم، وكان لا يغضب عليهم ولا يضربهم، حتى أحبه جميع الصبيان والأطفال، قالت عائشة - رضي الله عنها -: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤتي بالصبيان فيدعو لهم فأُتي بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه ولم يغسله" (4)، وكان - عليه الصلاة والسلام - يلاعب زينب بنت أم سلمة وهو يقول: (يا زوينب..).

وإذا أصاب أحد هؤلاء الصغار مكروه، تجد الرسول - عليه الصلاة والسلام - يبكي عليهم ويحزن لمصابهم، فقد رآه مرة سعد بن عبادة - رضي الله عنه - وعيناه تفيض دموعًا، فقال - رضي الله عنه -: يا رسول الله، ما هذا؟ فيقول - عليه الصلاة والسلام -: (هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)(5).

4 أخلاقه مع أعدائه:

لقد أدهشت العالمَ معاملة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أعدائه وهو متمكّن منهم، فلم يظهر في التاريخ أرحم منه مع أعدائه رغم ما كان يلاقيه منهم من الأذى والعذاب والتشريد، فعندما فتحت مكة، ودانت للدين الجديد القبائل والوفود، وصار جميع الأعداء الذين كانوا يحاربونه بالأمس ويحاربون دعوته تحت يده وتصرفه، نادى فيهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (( يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء)) (6).

وعندما ذهب إلى الطائف لعله يجد من ينصره هناك، استقبله بنو ثقيف بالطرد ولحقه صبيانهم بالحجارة والشتائم، حتى أدميت قدماه، جاءه ملك الجبال وقال له: إن إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)) (7).

وما أحوج الناس إلى هذا الخُلق العظيم، في هذا العصر المتلاطم الأمواج، حيث حلّت الوحشية محل الرحمة، والرذيلة محل الفضيلة، والنفاق محل الصدق والإخلاص، وجميعها معاول هدم ودمار على العالم، والمشاهد المأساوية التي نعاينها على مدار الساعة، ما بين القتل والتشريد والحرمان والفقر في العالم هي من نتائج غياب هذه الأخلاق والقيم التي جاء بها رسول هذه الأمة - عليه الصلاة والسلام-.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب، الآية 21.

(2) صحيح مسلم7020، رقم، ص1205.

(3) مسند الإمام أحمد، باقي مسند الأنصار.

(4) صحيح البخاري، رقم6355، ص1104.

(5) صحيح البخاري، رقم1284، ص205.

(6) السيرة النبوية لابن هشام، علق عليها وأخرج أحاديثها عمر عبدالسلام تدمري، 4/54-55.

(7) صحيح البخاري، رقم 3231، ص539.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة