Share |
الإعلام في شرح نواقض الإسلام 2
تم قراءة المقال : 271

الناقض الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم، كفر إجماعاً:

وهذا الناقض هو الذي وقع فيه مشركوا قريش، حيث جعلوا مع الله وسائط تقربهم إلى الله زلفى، مع إيمانهم بربوبية الله، قال - تعالى -حاكياً عنهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزُّمر: 3]. قال – تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) [يُونس: 18].

والشرك في الربوبية باعتبار خالقين متماثلين في الأفعال والصفات ممتنع.

وما ذهب إليه بعض المشركين إلى أن معبوداتهم تملك بعض التصرف في الكون، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم، وتلاعب بعقولهم كل قوم بحسب عقولهم، فطائفة أشركوا بتعظيمهم للموتى وأهل القبور، وطائفة بالنجوم والكواكب، وطائفة صوروا الأصنام على هيئة معبوديهم التي استقرت في نفوسهم، كالصالحين، والكواكب وغيرها، وسوّل لهم الشيطان أنها وسائط وشفعاء يشفعون لهم عند الله في قضاء حوائجهم وكشف الملمات وتفريج الكربات.

وهذا الناقض وقع فيه كثير ممن ينتسب للإسلام في هذا العصر، جعلوا بينهم وبين الله وسائط، وهو الشرك الذي وقع فيه كفار قريش، إلاَّ أن هؤلاءِ زعموا تصديقهم واتباعهم لنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهم أبعد عن هدي الرسل، وقد أنكر نبي هذه الأمة هذا الشرك على كفار قريش وبين أنهم يعبدون من دون الله آلهة أخرى، لا تملك لهم ضراً ولا نفعاً وسماهم كفاراً ومشركين.

قال - تعالى -: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَْرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ *وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)  [سبَإ: 22-23].

قال - تعالى -: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) [الزُّمر: 38].

وقال - تعالى -: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا *كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا) [مَريم: 81-82].

مع إقرارهم بأن الله هو الخالق، ولا يقدر على الخلق والرزق والإحياء والإماتة إلا الله، ومع هذا لم يصيروا مسلمين موحدين بل كانوا مشركين.

وتبع المشركين على هذا كثير ممن يتسمى بالإسلام، فعظّموا الأضرحة والمزارات، وتقربوا إليها بالذبح والنذر وسألوها قضاء الحوائج، وجعلوها وسائط من دون الله، كما فعل كفار قريش وهو إشراك بالله - تعالى -.

وكان سبب ذلك تشبيههم للخالق بالمخلوق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "المجموع": (1/126):

"وإن أثبتم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس، لقربهم منهم والناس يسألونهم، أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب للحوائج.

فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وهؤلاء مشبهون لله، شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا لله أنداداً" انتهى.

وتعلَّق المشركون الذين جعلوا بينهم وبين الله وسائط بالشفاعة التي يرجونها من وسطائهم، قال - تعالى - مبيناً حجتهم في شركهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)  [الزُّمر: 3]، وقال: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) [يُونس: 18].

وهذه الشفاعة التي يرجونها شفاعة باطلة منفية، قال الله - تعالى -: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ) [الأنعام: 51]، وقال - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البَقرَة: 254].

وأخبر الله - تعالى - أن ما يرجونه من شفاعة من هؤلاء يوم القيامة تنتفي عنهم يوم القيامة، وتكون حسرة وندامة عليهم، ويقولون: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ *وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ) [الشُّعَرَاء: 100-101].

والشفاعة في كتاب الله - تعالى - وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - تنقسم إلى قسمين:

الأولى: شفاعة منفية: وهي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، ونفاها الله وأبطلها كما سبق في الآيات.

الثانية: شفاعة مثبته: وهي التي أذن الله فيها وهي التي تطلب من الله وحده، وهي لأهل الإيمان والتوحيد خاصة، وأثبتها الله بشرطين اثنين:

الأول: إذن الله - تعالى - للشافع أن يشفع، قال - تعالى -: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ) [البَقرَة: 255].

الثاني: رضا الله عن المشفوع له، قال - تعالى -: (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى) [الأنبياء: 28].

وقال - تعالى - مبيناً هذين الشرطين: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) [النّجْم: 26].

الناقض الثالث: من لم يُكفِّر المُشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر:

ومن حكم الله بكفره من أهل الكتاب والمشركين وأهل الإلحاد وأهل الردة وغيرهم يجب القطع بكفرهم، وهذا من لوازم التوحيد، فالتوحيد لا بدّ فيه من أمرين:

الأول: الكفر بالطاغوت.

الثاني: الإيمان بالله.

وهذا هو معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فمعناها: لا معبود بحق إلا الله.

فقولنا: (لا إله) نفي لأحد يستحق العبادة، وكفر بالطاغوت، وقولنا: (إلا الله) إيمان بالله واستثناء لعبوديته وحده.

قال - تعالى - مبيناً هذين الأمرين: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا) [البَقرَة: 256].

فمن لم يكفِّر المشركين أو أهل الكتاب أو توقف في كفرهم مع وضوح حالهم فهو كافر بالله وبكتابه وبرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - مُكذّب لعُموم رسالته للناس أجمعين، مرتكب ناقضاً من نواقض الإسلام، بإجماع المسلمين، فلا بدّ للمسلم من الجزم واعتقاد كفرهم.

قال القاضي عياض في "الشفا"، (2/1071):

"ولهذا نكفِّر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك" انتهى.

ومن باب أولى كُفر من قال أن أهل الكتاب اليهود والنصارى أصحاب شريعة سماوية مجتهدون فيما هم عليه، فهم على حق، فهذا كافر بالله.

ومثله من قال: من أحب أن يتدين باليهودية أو النصرانية أو بالإسلام فهو مُخيّر في ذلك فكلهم على حق.

وهذا القول معروف عند بعض الملاحدة السابقين: كابن سبعين وابن هود والتلمساني وغيرهم.. الذين يقولون: أنه يسوغ للرجل أن يتمسك بالنصرانية واليهودية كما يتمسك بالإسلام، ويجعلون هذا التمسك كتمسك أصحاب المذاهب الأربعة بمذاهبهم، ويقولون: كلها مسالك توصل إلى الله.

وهذا الناقض قد عمت به البلوى وطَمَّت، ونادى به كثير ممن طمس الله بصيرته، فنادوا بِحُرية الأديان ووحدتها والتقريب بينها، وزعموا أن كلها على حق، وأن لا عداوة مُطلقاً بين أهل الإسلام وغيرهم من الملل الكفرية، وجعلوا تبيين هذا الناقض للناس وتوضيحه عنصرية وغُلوّاً وتشدداً، وإحياءً للعداوة والبغضاء بين الأمم والشعوب، وبقولهم هذا يُهدم الإسلام ويُثلم، وهو ردّة ظاهرة وكفر صريح.

وهي دعوة مناقضة للتوحيد مباينة لدعوة الرسل، وتنوعت عباراتهم في عدم تكفير المشركين وأهل الكتاب أو التشكيك في كفرهم بزعم جمع كلمة الناس، ونبذ الكراهية من قلوب الشعوب.

وصاحب هذه الدعوى وهذه المزاعم قد جمع مع هذا الناقض المخرج من الملة، اتهام شريعة الله المُنزّهة بإفساد الشعوب وخلق الفتن والكراهية بين الناس التي لا ثمرة لها، ومصلحة المسلمين في غير ذلك، فهذا وإن لم يقل هذا القول بلسان مقاله فإنه يقوله بلسان حاله.

ودعوة وحدة الأديان وحريتها والتقريب بينها تتكئ على نِحلة عصرية الاسم قديمة المذهب والمشرب، كفرية إلحادية وهي العَلمانية، ومع كون هذه النِحلة تنكر الأديان، وتعتمد على المادية التي لا موجه لها، إلا أنها تسعى لإماتةِ الدين في النفوس بواسطة دعوى حرية الدين والتقريب بين العقائد ونبذ الخلاف.

وهؤلاء لم يعرفوا قدر الحياة التي دعا إليها الإسلام، ولا تعدو نظرتهم لها أن تكون نظرة بهيمية بل هم أضل سبيلاً، وذلك أنهم لم يعملوا لمصيرهم، والبهائم لا مصير لها ينتظرها، ولا عقل لها تفكِّر به بخلاف أولئك المُلْحدين.

قال - تعالى -: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتَحنة: 4].

وهذه هي الحنيفية ملّة إبراهيم: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) [البَقرَة: 130].

فلا بدّ للمرء أن يجرد توحيد ربه - تبارك وتعالى - فلا يدع معه غيره، ولا يشرك به طرفة عين، ويتبرأ من كل معبود سواه.

روى مسلم في "صحيحه" من طريق مروان الفزاري عن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله)).

فلا بدّ مع الإيمان بالله الكفر بما يعبد من دون الله، ولا تتحقق عصمة دم المرء وماله حتى يجمع مع الإيمان بالله الكفر بما يعبد من دونه.

وخلاصه هذا الناقض:

أن الكافر بالله - تعالى - لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون كافراً أصلياً كاليهودي والنصراني والبوذي وغيرهم، فهذا كفره ظاهر جلي، ومن لم يكفِّره أو شك في كفره أو صحح مذهبه فقد كفر وخرج من ملَّة الإسلام بذلك، وهو داخل فيما ذكرناه فيما سبق.

الثانية: أن يكون مسلماً فارتكب ناقضاً يخرجه من الإسلام، مع زعمه ببقائه على إسلامه، فإن كان ما ارتكبه من النواقض صريحاً ومحل إجماع عند أئمة الإسلام؛ كمن استهزأ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أو سبَّه أو جحد شيئاً معلوماً من دين الإسلام بالضرورة، فلا يخلو الممتنع من تكفيره من حالين:

الأولى: أن ينكر أن يكون ما وقع فيه ناقضاً من نواقض الإسلام، فهذا حكمه حكمه، بعد قيام الحجة عليه.

الثانية: أن يُقرَّ بكون ما وقع فيها ناقضاً من نواقض الإسلام، لكنه احترز من تكفيره، لاحتمال ورود العُذر عليه، فهذا لا يَكفر.

وإن كان ما ارتكبه من النواقض محل خلاف عند أئمة الإسلام؛ كترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج، فهذا لا يكفَّر أيضاً، والله أعلم.

الناقض الرابع: من اعتقد أن هدي غير النبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، وكالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه.

يجب أن يعتقد المسلم أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله وتقريره وحي من الله - تعالى -، فالسنة قسيمة للقرآن بالوحي، قال - تعالى -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) [النّجْم: 3-4].

فكل ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ فالأصل به أنه وحي من ربه بواسطة جبريل –عليه السلام-، وإن لم يُسنِده عنه في كل حال.

روى الخطيب في "الكفاية": (ص:20) عن أحمد بن زيد بن هارون قال: "إنما هو صالح عن صالح وصالح عن تابع وتابع عن صاحب وصاحب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله عن جبرائيل وجبرائيل عن الله - عز وجل –".

وهذا هو إسناد شريعة محمّد - عليه الصلاة والسلام -، فلا يقول شيئاً في التشريع من تلقاء نفسه.

ولذا يسمي السلف القرآن والسنة (الوحيين) وهذا مُسلَّم لدى المسلمين، وقد ترجم البخاري في كتاب التوحيد من "صحيحه": "باب ذكر النبي –صلى الله عليه وسلم- وروايته عن ربه".

وفي هذا، روى الدارمي وأبو داود في "المراسيل"، والخطيب في "الكفاية"، و"الفقيه والمتفقه"، وابن عبد البر في "الجامع"، والمروزي في "السنة" عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: "كان جبريل ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن".

فالسنة وحي، وهذا متقرر عند أئمة الإسلام عامة من السلف والخلف.

قال الشافعي - رحمه الله -: "السنة وحي يتلى" انتهى. ونحوه قال ابن حزم في "الإحكام": (4/505).

والسنة موصوفة بالإنزال كالقرآن.

قال الخطيب البغدادي في مقدِّمة "الكفاية": (ص: 2): "وخلَّص الورى من زخارف الضلالة، بالكتاب الناطق والوحي الصادق، المنزلين على سيد الورى..".

وقال العراقي في "طرح التثريب": (1/15، ط. الأزهرية): "ووصف السنة بالإنزال صحيح، فقد كان الوحي ينزل بها كما ينزل بالقرآن.." انتهى.

إذا عُلِم هذا عُلم أن من ردّ أو جحد السنة أو شيئاً منها فقد ردّ أو جحد القرآن أو شيئاً منه.

ومعارض السنة معارض القرآن، فكلاهما من وحي الله، وسنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - خير هدي، كما جاء في "صحيح مسلم" من حديث جابر –رضي الله عنه- مرفوعاً: ((خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد..)).

والوحيان ناسخان لكل شريعة سابقة، وهما أصلح شريعة يهتدى ويقتدى بها، فقد روى أحمد في "مسنده" من حديث محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس –رضي الله عنهما- قال: قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: ((الحنيفية السمحة)) وسنده جيّد.

وشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - كاملة لا نقص فيها: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3]. وألزم الله بلزومها: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِْسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآْخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عِمرَان: 85].

فمن اعتقد أن شيئاً من هدي الشرائع الأخرى سواءً كانت شرائع سماوية كاليهودية والنصرانية المحرّفة، أو التشريعات التي يضعها الناس ويقنِّنونها من دون الله خير من هدي محمّد - صلى الله عليه وسلم - وأنفع للناس، وأصلح لاستقامة حياتهم وأمنهم ومعيشتهم، فهو كافر خارج من الملة بإجماع المسلمين وإن حكم بما أنزل الله.

وقد أمر الله بالتحاكم إلى شريعته، ولزوم حُكم نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فمن فضّل حُكماً على حُكمه فهو كافر بالله العظيم.

فمن مقتضى الإيمان بالله ورسوله الخضوع لحكمه، والنزول عند شرعه، والرضا بأمره، ولزوم قضاءه في العقائد والأقوال والأفعال، والرجوع إلى كتاب الله وسنته عند الاختلاف في الخصومات والدماء والأموال وسائر الحقوق، فلا ينازع الله في حُكمه (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ)  [الأنعام: 57].

فيجب على الحُكَّام الحكم بحكم الله وشرعه، وعلى المحكومين التحاكم إلى ما أنزل الله في كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، قال - تعالى -: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا) [النّساء: 60].

فقوله: (يزعمون) دل على كذب دعواهم الإيمان بما أنزل الله لمخالفتهم لموجبها وعملهم بما ينافيها.

ثم بين وأقسم - سبحانه وتعالى - أنه لا يجتمع الإيمان مع التحاكم إلى غير ما أنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم -، فقال: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النّساء: 65].

فنفى الله الإيمان مؤكداً ذلك بالقسم عمن لم يتحاكم إلى ما أنزل الله ويرضى بحكمه ويسلم له.

ونفي الإيمان هنا يدل على أن تحكيم ما أنزل الله بين الناس إيمان، وقُربة يتقرب بها إلى الله، فيجب مع التحكيم اعتقاد ذلك ديناً وتعبداً، لا أنه أصلح للناس فحسب.

وتحكيم شرع الله واجب في جميع ما يقع بين العباد من خصومات، وفي كل شئون الحياة، ولذا قال - تعالى -: (فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) [النّساء: 65]، فاسم الموصول (ما) مع صلته من صيغ العموم، فالحكم عام في الدماء والأموال والأعراض وسائر الحقوق.

ومن بدّل شريعة الله بغيرها من القوانين فهذا كفر، فقد حكم الله بكفر الذين لا يحكمون بما أنزل الله فقال - تعالى -: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44].

وقد روى المروزي في "تعظيم قدر الصلاة"، وابن جرير في "تفسيره"، وعبد الرزاق في "المصنف" من حديث معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس –رضي الله عنهما- عن قوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44]، قال: "هي به كفر".

وأخرجه ابن أبي حاتم والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "السنن"، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة"، وابن عبد البر في "التمهيد" عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس –رضي الله عنهما- في قوله - تعالى -: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44]، قال: "كفر دون كفر".

وهشام بن حجير ضعفه أحمد وضعفه ابن معين جداً وقال ابن عيينة: "لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره"، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه"، وذكره العقيلي في الضعفاء، ووثقه العجلي وابن سعد. والأول أشبه.

وروي معنى اللفظ الثاني موقوفاً على طاووس بسند صحيح، وروي معناه عن عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما- رواه عنه علي بن أبي طلحة، ورواية علي أمثل من رواية ابن حجير؛ لأن روايته صحيفة عن ابن عباس –رضي الله عنهما-.

قال الشيخ محمد بن إبراهيم  في رسالة "تحكيم القوانين":

"إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم -، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين" انتهى.

وقد نصب كثير ممن ينتسب للإسلام قوانين وضعية فأمروا من ولاهم الله أمره بالتحاكم إليها، وعاقبوا من خالفهم إلى حكم الله، ومع هذا يدّعون الإقرار بالشهادتين ووجوب الحكم بشريعة الله، فهذا العمل يدل على عدم إقرارهم بذلك باطناً ولو أقروا به ظاهراً.

ومن منع عقوبة الزنا إذا تراضيا أو بدّل حكم السرقة من القطع إلى التعزير بالبدن أو المال أو حكم بحرية الاعتقاد فلا يُقتل مرتد ولا يُستتاب، فكل ذلك من الكفر والضلال المبين.

وتنحية الشريعة الإسلامية وعدم التحاكم إليها عند الخصومات وغيرها في شئون الحياة من أخطر وأوضح مظاهر الضلال والانحراف في هذا الوقت في مجتمعات المسلمين.

والتحاكم إلى آراء المخلوقين من دون حكم الله ضلال وفتنة في الدين والدنيا.

قال سليمان بن سحمان: "إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر، فقد ذكر الله في كتابه: أن الكفر أكبر من القتل، قال - تعالى -: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) [البَقرَة: 217]، وقال: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) [البَقرَة: 191]، والفتنة هي الكفر فلو اقتتلت البادية والحاضرة، حتى يذهبوا لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتاً يحكم بخلاف شريعة الإسلام، التي بعث بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم –" انتهى.

وحُكم الله أصلح للأمة بلا ريب، ويجب التحاكم إليه ولا بُد، فالمشرِّع هو الله، وهو أعلم بما يُصلِح حياة المخلوقين من أنفسهم، وأعلم بتغيُّر الحال، وتبدل الزمان، وأعلم بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

وقد زعم بعض العقلانيين من معتزلة العصر كالعلمانيين والليبراليين أن تحكيم الشريعة إقرار للاستبداد السياسي، والإرهاب الفكري، وأن حكم الله وتشريعه جمود وعدم مواكبة للحياة المدنية المتجددة، وهذا كله مع كونه مروقاً من الإسلام، ففيه تنقُّص لعلم الله فيما يُصلح العباد مع تغير حياتهم وتبَدُّل أزمانهم.

وأما من جعل حكم الله حكماً له يفصل به ويقضي بموجبه، مع إيمانه بوجوب تحكيمه، وأنه أصلح للأمة من أي حكم وضعي، لكنه وقع منه الحكم في واقعة ما لغلبة هواه، ولطمع من الدنيا من مالٍ أو جاهٍ، مع علمه بتحريم حكمه هذا، فهذا كفره كفر لا يخرجه من الملة، لكنه مرتكب ظلماً وجوراً.

الناقض الخامس: من أبغض شيئاً مما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولو عمل به كفر.

ومن كره وأبغض شيئاً مما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من هدي وحُكم فقد كفر بالله - تعالى -، وهو من صفات المنافقين النفاق الاعتقادي الأكبر الذي يخرج صاحبه من الإسلام، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار.

وهؤلاء المنافقون النفاق الاعتقادي موجودون في كل زمان، خاصة عند ظهور الإسلام وقوّته على خصومه.

فمن كره شيئاً من شريعة الله وهدي محمد - صلى الله عليه وسلم – وحكمه، سواءً كان أمراً أو نهياً مما جاء به من العقائد والشرائع فقد أسرف على نفسه وعَرّضها لما لا طاقة له به.

كما يصنعه كثير من منافقي العصر من العلمانيين والليبراليين ومن حذا حذوهم ممن اغتر بما عليه الغرب، فكرهوا الحكم بما أنزل الله؛ كحد السرقة وجلد شارب الخمر وقتل القاتل العمد ودية المرأة نصف دية الرجل، فهؤلاء مبغضون لما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند الله كفار خارجون من ملة الإسلام.

ولو عمل أحدهم بما أبغضه من شريعة الله لم ينفعه ذلك، كمن كره تعدد الزوجات مطلقاً وأبغض هذا التشريع فهو كافر بالله وإن عدد وتزوج أكثر من واحدة.

ومثله من كره حكم الله وقضاءه في أن شهادة المرأتين بشهادة الرجل الواحد، أو كره ما جاءت به بعض النصوص الثابتة من أخبار مغيبة بزعم أنها لا تتوافق مع العقل أو مع الواقع.

قال الله - تعالى -: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ *ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) [محمَّد: 8-9]، فسماهم الله كفاراً بقوله: (الذين كفروا) بسبب أنهم (كرهوا ما أنزل الله)، ولكون الكفر لا يبقى معه من عمل الخير شيء فإنه يحبطه بالكلية قال: (فأحبط أعمالهم).

وقد تجرأ كثير ممن يتسمى بالإسلام على كثير من أحكام الله، وهدي نبيه –صلى الله عليه وسلم، تصريحاً أو تلميحاً بالكراهية لها، فتنوعت أهوائهم بردها، تارةً بأنها ليست مُلزمة، وتارةً بأنها خاصة بزمان ولّى وانقضى، وكل هذا من محادّة الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم-.

ومن وقع في شيء من المعاصي مقراً بذنبه كشارب الخمر ومقترف الزنا وآكل الربا مع اعتقاده حرمتها فهو كسائر العصاة المذنبين الذين هم تحت مشيئة الله، إن شاء عذبهم وإن شاء عاقبهم.

ولا يلزم من ارتكاب الحرام بغض تحريمه، ولا من ترك الواجب بغض إيجابه، ومن ألزم بذلك فقد سلك مسلك الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار.

والآيات والأحاديث والآثار في بيان أن مرتكب الكبيرة باقٍ على إسلامه لا يلزم من ارتكابه بغضه للتشريع أكثر وأشهر من أن تذكر، ومن ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" من طريق زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-: أن رجلاً على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جلده في الشراب، فأتى به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تلعنوه! فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله)).

فقد منع من لعنه فضلاً عن إلزامه بكره وبغض تحريم الخمر.

مسألة:

والكره الذي لا يقع على ذات التشريع، مما جاء به نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ككره الزوجة أن يُعدِّد عليها زوجها، وككره المؤمنين للقتال لما فيه من فقد النفس والمال، قال - تعالى -: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) [البَقرَة: 216]. ونحوه كره المتوضئ الوضوء في اليوم البارد، قال - عليه الصلاة والسلام -: ((وإسباغ الوضوء على المكارة)).

وهذا أمر فطري لا يملكه العبد، فالزوجة لم يقع كرهها على ذات التشريع، والحكم العام في الإسلام، وإنما كرهت أن يتزوج زوجها زوجة أخرى، تكون قسيمة وضرة لها.

والمقاتل إنما كره القتال لما جبلت عليه النفس من حب الحياة وكراهية الموت؛ لكنه مقر بفضل القتال في الإسلام، وقوله - تعالى -: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ)، أي شديد عليكم ومشقة، فإن المجاهد إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء.

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.