وقفات مع الفتوحات الإسلامية في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه 4
عدد القراءات : 2020

انتهى بنا الحديث في الحلقة السابقة عند فراغ خالد بن الوليد - رضي الله عنه - من فتح بلاد الحيرة وما حولها من بلاد العراق، ونكمل حديثنا -بعون من الله-، فنقول:

إنه بعد أن كسر شوكة الفرس ببلاد العراق، واستقرت له الأمور بها تماماً أتاه كتاب أبي بكر - رضي الله عنه - يأمره بالتوجه إلى بلاد الشام لمعاونة الأمراء الذين بعثوا إليها في استكمال فتوحها، وكان الصديق - رضي الله عنه - قد وجه إليها من قبلُ خالد بن سعيد بن العاص - رضي الله عنه -، وأمره أن ينزل في طريقه بتيماء، وأوصاه ألا يفارقها إلا بأمره، وأن يدعو من حوله من العرب إلا من اشترك في فتنة الردة، وألا يقاتل إلا من قاتله.

فصار خالد - رضي الله عنه - كما أمره الصديق وقد اجتمع إليه جموع كثيرة، وبلغ خبره الروم فصاروا يجندون العرب له من الضاحية بالشام من بهراء وسليح وغسان وكلب ولخم وجذام؛ وذلك ليضربوه بها؛ ويتجنبوا الصدام مع المسلمين كما كان يفعل الفرس، فكتب -أي خالد بن سعيد- إلى أبي بكر - رضي الله عنه - بذلك، فكتب إليه أبو بكر: "أقدم ولا تقتحمن"، وتلك كانت وصيته لكل قواده، فسار خالد - رضي الله عنه - إليهم، فلما دنا منهم تفرقوا عنه فارين، فنزل بالمكان الذي كانوا فيه من قبل، ثم كتب إلى أبي بكر - رضي الله عنه - يعلمه بذلك، فأمره بالإقدام شريطة أن يكون حذراً كي لا يؤتى من خلفه...

سار خالد بعد سماح الصديق له، وما إن غادر مكان تجمعه حتى سار إليه بطريقٌ من بطارقة الروم يسمى "باهان" والذي تمكن من إلحاق هزيمة خاطفة بخالد لتفوق جيشه في العدد والعدة، فكتب خالد  إلى أبي بكر –رضي الله عنهم- يعلمه بالأمر ويستمده، وصادف ذلك قدوم أول فوج من أفواج اليمن الذين أرسل من قبل لاستنفارهم للجهاد، وفيهم العربي الشهير "ذو الكلاع " كما قدم عليه عكرمة بن أبي جهل ببعض الجموع من تهامة وعمان والبحرين والسرو، فسيرهم إلى خالد بن سعيد.

ولم يكتف بذلك، وإنما كتب إلى عمرو بن العاص - رضي الله عنه - وكان قد صيره منذ قليل أميراً على عمان، التي عينه عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبيل وفاته.

وقد جاء في رسالته إليه: "إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، مرة ووعدك به أخرى إنجازاً لمواعيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد وليته، وقد أحببت أن أفرغك لما هو خير لك في الدنيا والآخرة، إلا أن يكون الذي أنت فيه أحب إليك".

فجاء رد عمرو - رضي الله عنه - عليه حاملا أسمى آيات التجرد لله - سبحانه وتعالى -، حيث قال له: "إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها وأفضلها فارم به".

أسعد أبا بكر الصديق رد عمرو –رضي الله عنهم- هذا فأمره وأمر الوليد ابن عقبة، وكان أميراً على بعض صدقات قضاعة، أن يجمّعا من العرب ما يستطيعان ففعلا..

ثم أمد عمراً ببعض من اجتمع إليه، وأمره أن يزحف إلى الشام، وأن يسلك طريقاً سماها له حتى يصل إلى فلسطين، وأمر الوليد بن عقبة أن يسير بمن اجتمع إليه حتى يأتي الأردن..

وكان - رضي الله عنه - قد جهز جيشاً من قبل وجعله تحت إمرة يزيد بن أبي سفيان، وكان بهذا الجيش جمهور من انتدب إليه رغبة في الجهاد في سبيل الله، وفيهم سهيل بن عمرو وأمثاله من سادة وشجعان مكة..

ولكي يرفع من الروح المعنوية للجنود، ويجعلهم يحسون بعظم الأمر الذي يقدمون عليه خرج معهم وشيعهم ماشياً على قدميه، ثم أوصى يزيد بما أوصى به غيره من الأمراء، فكان مما قاله:

"إني قد وليتك لأبلوك وأجربك وأخرجك، فإن أحسنت رددتك إلى عملك وزدتك، وإن أسأت عزلتك، فعليك بتقوى الله فإنه يرى من باطنك مثل الذي من ظاهرك، وإن أولى الناس بالله أشدهم تولياً له، وأقرب الناس من الله أشدهم تقرباً إليه بعمله، وقد وليتك عمل خالد -يقصد خالد بن سعيد الذي هُزم أمام باهان الرومي- فإياك وعُبيّة الجاهلية، فإن الله يبغضها ويبغض أهلها، وإذا قدمت على جندك فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير، وعدهم إياه، وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضاً، وأصلح نفسك يصلح لك الناس، وصل الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها..

وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرمهم، وأقلل لبثهم حتى يخرجوا من عسكرك وهم جاهلون به، ولا ترينهم فيروا خللك ويعلموا علمك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت المتولي لكلامهم، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك، وإذا استشرت فاصدق الحديث تصدق المشورة، ولا تُخزّن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك..

وأسمر بالليل في أصحابك تأتك الأخبار، وتنكشف عندك الأستار، وأكثر حرسك وبددهم في عسكرك، وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه وعاقبه في غير إفراط، وأعقب بينهم بالليل، واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة فإنها أيسرهما لقربها من النهار، ولا تخف من عقوبة المستحق، ولا تلجنّ فيها، ولا تسرع إليها، ولا تخذلها مدفعاً، ولا تغفل عن أهل عسكرك فتفسده، ولا تجسس عليهم فتفضحهم، ولا تكشف الناس عن أسرارهم، واكتف بعلانيتهم..

ولا تجالس العباثين، وجالس أهل الصدق والوفاء، وأصدق اللقاء، ولا تجبن فيجبن الناس، واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر، وستجدون أقواماً حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعهم وما حبسوا أنفسهم له".

وتلك لعمر الله وصايا يعجز عن أن يأتي بها أمهر الناس سياسة في العصر الحديث، ولكنه التوفيق والإلهام الذي يجريه الله على لسان وقلب من يتقيه.

ولم يكتف الصديق - رضي الله عنه - بتلك الجيوش التي سيرها إلى الشام مع عمرو وعكرمة ويزيد والوليد - رضي الله عنهم - جميعاً، وإنما استعمل أبا عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - على جمع آخر قد اجتمع إليه، وأمره أن يسير إلى حمص، فسار - رضي الله عنه - على طريق البلقاء، فقاتله أهلها ثم صالحوه على أن يدخلوا في حوزة الدولة الإسلامية، وينقلوا ولاءهم إليها بدلاً من الروم، فكان ذلك أول صلح في الشام كما ذكر المؤرخون...

علم الروم بتحرك الجيوش الإسلامية فاستعدوا لملاقاتها، حيث حُشد منهم جمع غفير بمنطقة تسمى بالعربة من أرض فلسطين، فوجه إليهم يزيد بن أبي سفيان أبا أمامة الباهلي فهزمهم - رضي الله عنه -، فكان ذلك أول قتال بالشام بعد جيش أسامة بن زيد - رضي الله عنه - الذي غزاها بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ولم يستسلم جمع الروم الذي هُزِم أمام أبي أمامة وإنما أعادوا الكرة للقائه فأتبعهم بهزيمة أخرى، كل ذلك قبل أن يلتقي بهم يزيد بن أبي سفيان..

لكن هذا النصر للمسلمين قابله هزيمة أخرى لجيش خالد بن سعيد الذي يبدو أن الروم قد تجرءوا عليه لهزيمته أول مرة، وكان ذلك في الموقعة التي تسمى بمرج الصفر، وكان سببها أن خالداً لما سمع بتوجيه الأمراء بالجنود بادر بقتال الروم وهو مطمئن أن المدد في طريقه إليه، ولم يتذكر نصح الصديق - رضي الله عنه - له بأن يحتاط لنفسه ومن معه، فاستطرد له "باهان" فاتبعه خالد ومعه ذو الكلاع وعكرمة والوليد، فنزل باهان مرج الصفر، ودون أن يشعر اجتمعت عليه مسالح باهان الذين كمنوا له، وأخذوا عليه الطرق، ثم خرج باهان فرأى ابناً لخالد بن سعيد فقتله ومن معه..

سمع خالد بأمر مقتل ابنه ومن معه من الجند ففت ذلك في عضده فانهزم لذلك، وتقهقر بمن معه حتى وصل إلى ذي المروة قُرب المدينة.. أما عكرمة - رضي الله عنه - فقد بقي في بعض الجند ردءاً للمسلمين يمنع الروم من أن يطلبوهم...

وصلت أنباء هزيمة خالد بن سعيد وفراره إلى مسامع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فأرسل إليه على الفور، وأمره بالمقام حيث نزل، ونهاه أن يدخل بمن انهزم معه على المسلمين كي لا يؤثر ذلك على معنوياتهم، وكان - رضي الله عنه - -كما ذُكر من قبل- حريصاً على ألا تتطرق كلمة الهزيمة إلى معجم المسلمين..

وفي هذا الأثناء قدم شرحبيل بن حسنة من عند خالد بن الوليد إلى أبي بكر –رضي الله عنهم جميعاً- وافداً ومبشراً بما تم فتحه بالعراق، فأمره أبو بكر - رضي الله عنه - بالشام، وندب معه الناس، واستعمله أميراً على الجهة التي كان قد حددها للوليد بن عقبة من قبل، فخرج شرحبيل ومر في طريقه على خالد بن سعيد فانضم إليه كثير ممن كان معه..

واجتمع إلى أبي بكر - رضي الله عنه - ناس آخرون فأرسل بهم مع معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -، وأمره باللحاق بأخيه يزيد، فلما مر معاوية بخالد بن سعيد انضم إليه من تبقى معه...

وصلت الأخبار مرة أخرى إلى الروم بتوالي زحوف المسلمين إليهم، وأن الأمر لم يقتصر على بعض المجموعات التي خرجت إليهم من قبل، فقد نزل أبو عبيدة الجابية، ونزل يزيد البلقاء، ونزل شرحبيل الأردن، ونزل عمرو بن العاص العربة، فشق ذلك عليهم، وكتبوا إلى هرقل، وصادف ذلك وجوده بالقدس الشريف، فقال لمن حوله حسب ما تذكر المصادر العربية -وكأنه كان يحس بإدبار أيام دولته-: "أرى أن تصالحوا المسلمين، فوالله لأن تصالحوهم على نصف ما يحصل من الشام ويبقى لكم نصفه مع بلاد الروم أحب إليكم من أن يغلبوكم على الشام ونصف بلاد الروم"، فتفرقوا عنه وعصوه..

وإذا سمعت أن قوماً قد افترقوا واختلفوا على حاكمهم فاعلم أن ذلك إيذاناً بأفول نجمهم وزوال ملكهم..

لم يجد هرقل بُداً من لقاء المسلمين فجمع جنده من الروم والعرب الموالين له وسار بهم إلى حمص، فنزلها وأعد الجنود والعساكر، ورأى أن يسابق الزمن، فلا يقابل جيوش المسلمين واحداً بعد آخر، وإنما يقاتلهم جميعاً في وقت واحد، وساعده على ذلك كثرة جنوده التي تعد بمئات الآلاف..

فأرسل أخاً له يسمى " تذارق " في تسعين ألفاً إلى عمرو، وأرسل قائداً يسمى "جرجة بن توذر" إلى يزيد بن أبي سفيان، وقائداً ثالثاً يسمى " القيقار بن نسطوس " في ستين ألفاً إلى أبي عبيدة بن الجراح، ورابعاً يسمى " الدراقص " نحو شرحبيل، وكان هؤلاء خلاصة قواده وصفوتهم..

فهابهم المسلمون أولاً؛ لكثرة من خرج معهم، وكاتبوا عمراً -وكان أكبرهم سنا-، وأكثرهم خبرة بخفايا الحروب- يسألونه ما الرأي؟.

فأجابهم: "إن الرأي لمثلنا الاجتماع، فإن مثلنا إذا اجتمعنا لا نغلب من قلة، فإن تفرقنا لا يقوم كل فرقة منا بمن استقبلها لكثرة عدونا".

فأخذوا بنصحه وكتبوا إلى أبي بكر - رضي الله عنه - يعلمونه بالأمر وما أشار به عمرو - رضي الله عنه - عليهم فأجابهم بمثل جواب عمرو وقال: "إن مثلكم لا يؤتى من قلة، وإنما يؤتى العشرة آلاف من الذنوب، فاحترسوا منها، فاجتمعوا باليرموك متساندين، وليصلِّ كل واحد منكم بأصحابه..".

علم قادة الروم بما اتفق عليه أمراء المسلمين من الاجتماع لهم ونزولهم اليرموك، فاجتمعوا هم أيضاً في جيش واحد وجعلوا عليهم "تذارق"، وعلى مقدمتهم "جرجة "، وعلى مجنبتهم " باهان "، وعلى الأخرى الدراقص، وعلى الحرب " القيقار "، ثم صاروا لملاقاة المسلمين باليرموك، وقد علاهم الخوف لما كانوا يسمعونه عن انتصارات المسلمين الخاطفة على الفرس، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن ملكهم كان قائماً على الاستبداد والقهر؛ لذلك كانوا يحسون أن انتقام الله منهم ليس ببعيد..

نزل الروم اليرموك قرب جيش المسلمين، وقد علاهم الخوف -كما قلت من قبل- فصيروا الوادي خندقاً لهم، وإنما أرادوا من ذلك أن تستأنس جنودهم بالمسلمين ليذهب ما بهم من خوف ووجل، فلما نزلوا نظر عمرو - رضي الله عنه -  فوجد أنه ليس لهم طريقٍ إلا عليهم، فقال لمن حوله: " أبشروا! حُصِرتْ الروم، وقلما جاء محصورٌ بخير".

وأقام كلا الفريقين شهر صفر وربيع الأول والآخر لا يقدر المسلمون منهم على شيء بسبب تحصنهم بالوادي والخندق، ومع ذلك لا يخرج الروم خرجة إلا أديل عليهم المسلمون.

فلما رأى المسلمون طوال المقام، وهم في بلاد غير بلادهم -كما أن حروبهم التي تعودوا عليها كانت خاطفة- أرسلوا إلى أبي بكر - رضي الله عنه - يشرحون له الوضع، ويستمدونه، فكتب إلى خالد بن الوليد - رضي الله عنه - يأمره بالمسير إليهم وأن يسرع بذلك، وأوصاه أن يأخذ نصف جيشه، وأن يستخلف المثنى بن حارثة الشيباني - رضي الله عنه - على ما فتح من بلاد الحيرة والعراق، وأن يبقي له النصف الآخر من الجيش، ولا يأخذن مَن فيه نجدة إلا ويترك عند المثنى مثله، ووعده بأن يعيده وأصحابه إلى العراق إذا فرغوا من أمر الشام ونجدة من بها من المسلمين...

استجاب خالد - رضي الله عنه - لأمر الصديق، وحاول عند خروجه أن يستأثر بأصحاب النبي  - صلى الله عليه وسلم - ليكونوا سبباً في جلب نصر الله له في وقت لا ينفع فيه عدد ولا عدة، إلا أن المثنى قال له: "والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر - رضي الله عنه - ، وبالله ما أرجو النصر إلا بأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -...".

فلما رأى خالد - رضي الله عنه - ذلك أرضاه ومضى لوجهه وخرج معه المثنى مشيعاً إلى مكان يسمى "قراقر" ثم رجع إلى الحيرة، وكان ذلك في المحرم سنة (13هـ).

ومع إن خالداً - رضي الله عنه - كان حريصاً على أن يصل إلى الشام في أسرع وقت إلا أنه استغل فترة سفره في الجهاد في سبيل الله، فقد أتى منطقة تسمى "حدوداء" ببلاد عذرة فقاتله أهلها فظفر بهم، وأتى مكاناً يسمى " المصيخ " وبه جمع من نصارى تغلب فقاتلهم وظفر بهم أيضاً.

ثم التمس دليلاً يرشده إلى أقرب سبيل للشام فدُلّ على رجل يسمى "رافع بن عميرة الطائي" وأخبره خالد - رضي الله عنه - أنه يريد طريقاً يوصله في أيام معدودة، وفي نفس الوقت يكون في مأمن من أن يقطعه عليه الروم، ويحولون بينه وبين الوصول لجند المسلمين بالشام، فقال له رافع: "إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال، فوالله إن الراكب المفرد يخافه على نفسه -بسبب ندرة المياه-"، فقال خالد: "إنه لا بدّ لي من ذلك لأخرج من وراء جموع الروم لئلا يحبسوني عن غياث المسلمين...".

فنصحه رافع بأن يأخذ صاحب كل جماعة الماء للشعبة لخمس، وأن يُعطّش من الإبل الشرف ما يكتفي به، ثم يسقوها عللاً بعد نهل، والعلل الشربة الثانية، والنهل الأولى، ثم يصروا –يربطوا- آذان الإبل، ويشدوا مشافرها لئلا تجتر.

أخذ خالد بنصح رافع وانطلق من قراقر، بعد أن غزا أهلها، حتى إذا سار يوماً وليلة أمر من معه فشقوا لعدة من الخيل بطون عشرة من الإبل فمزجوا ماء في كروشها بما كان من الألبان وسقوا الخيل، وظلوا يفعلون ذلك أربعة أيام، وكان في ذهن رافع الدليل أنهم سيعثرون على الماء بعد تلك المدة.

وبالفعل فما أن دنا من مكان يسمى "العلمين" حتى قال للناس: "انظروا هل ترون شجرة عوسج كقعدة الرجل"؟ فقالوا: "ما نراها"، فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكتم والله وهلكت معكم"! وكان أرمد -لا يبصر- فقال لهم: "انظروا ويحكم"! فنظروا فرأوها قد قطعت وبقي منها بقية، فلما رأوها كبروا، فقال رافع: "احفروا في أصلها"، فحفروا واستخرجوا عيناً فشربوا حتى روي الناس.

ومن العجب أن رافعاً قال وقتها: "والله ما وردت هذا الماء قط إلا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام".

فأي قدرة هذه كان يتمتع بها هذا الرجل؟!! وأي طاقة تلك التي كانت كامنة في أمثاله من رجالات العرب، ولولا الإسلام ما حركت، وكم فيهم اليوم من يمتلكون مثل طاقته، ولكن أنّى لنا بالإسلام فيحركها من مكمنها؟!

وصل خالد - رضي الله عنه - بجيشه إلى مشارف الشام فصادف في طريقه قوماً من بني " بهراء " على ماء لهم يسمى" سوى " وهم يشربون الخمر في جفنة قد اجتمعوا عليها ومغنيهم يقول:

ألا عللاني قبل جيش أبي بكر***لعل منايانا قريبٌ ولا ندري

ألا عللاني بالزجاج وكرروا *** عليّ كميت اللون صافيةً تجري

ألا عللاني من سلافة قهوةٍ *** تسلي هموم النفس من جيد الخمر

أظن خيول المسلمين وخالداً ***ستطرقكم قبل الصباح مع النسر

ولم يدر هذا المغني السكير أن قدر الله قد حل عليها، ولن ينتظر بهم الصباح، فكان من بين القتلى، نعوذ بالله من شؤم المعصية، ومن مات على شيء بعث عليه..

وبعد ذلك أتى خالد - رضي الله عنه - أهل "أرك " فصالحوه دون قتال، وسار من توه إلى " تدمر" فتحصن أهلها منها أولاً ثم صالحوه، ثم تركهم إلى مكان يسمى " القريتين" فقاتلوه فظفر بهم وانتصر عليهم، ثم أتى مكاناً ثانياً يسمى " حوارين " فقاتلوه فهزمهم كما فعل بمن سبقهم، وأتى مكاناً ثالثاً يقطنه فرع من قضاعة يسمى " بني مشجعة " فصالحهم، ثم خرج بعد ذلك إلى ثنية العقاب تجاه دمشق..

ثم سار فأتى مرج راهط وصالح أهلها، وتركها إلى مدينة بصرى ففتحها صلحاً، فكانت أول مدينة تفتح بالشام على يد خالد - رضي الله عنه -...

كل تلك الإنجازات حققها - رضي الله عنه - في المدة الوجيزة التي قضاها في طريقه إلى الشام، فأي مجد بعد ذلك يتغنى به العظماء، ومَن مِن مشاهير العالم يستطيع أن يقف في مصافه بعد ذلك؟!!..

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة