Share |
من أرادَ أن يكونَ من أهلِ المَعارِف! فليلزمْ "لِطَائفُ المَعَارف" لابن رجب الحنبلي
تم قراءة المقال : 232

أخي في الله... أختي في الله...

قطعت شهور العام لهوًا وغفلة *** ولم تحترم فيما أتيت المحرَّما

فلا (رجبًا) وافيت فيه بحقه *** ولا صمت (شهر الصوم) صومًا متممًا

ولا في ليالي (عشر ذي الحجة) الذي *** مضى كنت قوامًا ولا كنت مُحْرمَا

فهل لك أن تمحو الذنوب بعبرةٍ؟ *** وتبكي عليها حسرة وتندما؟

وتستقبل (العام الجديد) بتوبةٍ *** لعلك أن تمحو بها ما تقدما

إنَّ الإمام أبو الفرج عبد الرحمن ابن رجبٍ الحنبلي - رحمه الله - قد ذبحَ القلوب وشرَّحها بجميل كلامه، ولطيف مقالته، جعلَ القلوب تشتاق إلى رب الأرباب، وملأ العقول تفكيرًا من تقصير أولي الأربابِ لرب العباد.

فتراه ينصحك بنصيحةٍ فإذا هيَ عليك فضيحة، وتراه يكشف عنكَ قريحة فإذا هي لك مليحة، فتسمو روحك ويشغف قلبك بكلامه الأسير الأسيف، الذي ينبع من منطقِ العلمِ والصدق.
ولا أشهدَ على القولِ مما ذكرناهُ: من قرأ سفره الجليل(جامعُ العلومِ والحِكم) الذي جمعَ فيه بين العلمِ والموعظةِ والقول الحسن.

وهاهو كتاب جليل يزيدكُ إجلالاً لمصنفه، ودعاءً لزابره، موسومٌ ب (لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف)حقَّق فيه الإمام الجليل أبو الفرج ابن رجب ما وردَ في الكتاب والسنة في ذكر شهور السنة، بادئًا بشهر الله (المحرم) وخاتمًا بشهر العباد (ذي الحجة) مقسمًا كل شهر على مجالس إلا بعضها، وذاكرًا فصول السنةِ الشمسية في ثلاثةِ مجالس.

وستجدُ العين مقرحة والقلب مشرحًا إذا ما تكلم عن شهر الله (المحرم) وإذا ما تكلم عن شهر الصيام (رمضان) وشهر الحج (ذي الحجة)، ومن ثمَّ آخرَ مجلسٍ في (ذكرِ التوبةِ والحث عليها قبل الموت وختم العمر بها والتوبة وظيفة العمر وهي خاتمة مجالس الكتاب) فيسلِكُ من معرفةِ الأحكام عللها، ومن حوادثِ الأحوالِ حِكَمها، فوالله لقد رأيتهُ وهو يطبع الأسماعَ بجواهر لفظِهِ، ويقرع الأسماع بزواجرِ وعظِهِ.

وكأنَّي بالإمام ابن رجبٍ ينادي بقارئِ الكتاب أن الشهور أيام وأن الأيام ساعات فلا تغترَّ بكثرها ولا بفصولها، واعلم أنَّ العمل قد حان، وأن الأجل قد آن.

* وإني ناصحٌ لمن أرادَ أن يهذب قلبه، وأن يرشد عقله، وأن يبصِّر دربه = أن يخصص وقتًا آنذا ليسَ بالطويل لقراءة هذا الكتاب وتدبره وفهمه، ولا تطل وقتكَ في مجالسته لتشتاق فلا تنساق، ذلك أن الحاجة ماسة لهذا الأمر، فبابُ رمضانَ قد طرق الأبواب وانصرفْ، وأبواب العشرْ أقبلتْ فهل أنت قادمٌ أو منفَلت؟ وإنها لتنتظر من يفتحها، فافتحوا القلوب لتَدخل العشرَ على أضياف أطهار كرماء، فتأبىَ الغيابَ وتطلبُ الإياب..

اسمع إلى قولِهِ ووعظِهِ -فالزمْه ولا تستغنِ عنه-:

* "أرض الجنة اليوم قيعان، والأعمال الصالحة لها عمران؛ بها تبنى القصور وتغرس أرض الجنان؛ فإذا تكامل الغراس والبنيان انتقل إليه السكان".

* "المواعظ سياط تضرب القلوب فتؤثر في القلوب كتأثير السياط في البدن والضرب لا يؤثر بعد انقضائه كتأثر في حال وجوده لكن؛ يبقى أثر التأليم بحسب قوته وضعفه -فكلما قوي الضرب كانت مدة بقاء الألم أكثر-".

* "أنين المذنبين أحب إليه من زجل المسبحين؛ لأن زجل المسبحين ربما شابه الافتخار وأنين المذنبين يزينه الانكسار والافتقار".

* "قال بعض السلف: آدم أخرج من الجنة بذنب واحد؛ وأنتم تعلمون الذنوب وتكثرون منها! وتريدون أن تدخلوا بها بها الجنة؟ كما قيل:

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجس *** درج الجنان بها وفوز العابد

ونسيت أن الله أخرج آدما *** منها إلى الدنيا بذنب واحد

* "كان بعض الصالحين يقوم الليل فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته يا أيها الركب المعرسون! أكلّ هذا الليل ترقدون! ألا تقومون فترحلون؟.. فإذا سمع الناس صوته وثبوا من فرشهم فيسمع من هنا باك... ومن هنا داع... ومن هنا نال... ومن هنا متوضئ... فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته عند الصباح (يحمد القوم السرى).

يا نفس قومي فقد نام الورى *** إن تصنعي الخير فذو العرش يرى

وأنت يا عين دعي عنك الكرى *** عند الصباح يحمد القوم السرى)

* "واعلم أن الإنسان ما دام يأمل الحياة فإنه لا يقطع أمله في الدنيا، وقد لا تسمح نفسه بالإقلاع عن لذاتها وشهواتها من المعاصي وغيرها ويرجيه الشيطان بالتوبة في آخر عمره؛ فإذا تيقن الموت وأيس من الحياة؛ أفاق من سكرته بشهوات الدنيا.. فندم حينئذ على تفريطه ندامة يكاد يقتل نفسه.. وطلب الرجعة إلى الدنيا ليتوب ويعمل صالحا... فلا يجاب إلى شيء من ذلك فيجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت".

* "كم من شارف مركبه ساحل النجاة! فلما هم أن يرقى.. لعب به موج الهوى فغرق الخلق كلهم تحت هذا الخطر؛ قلوب العباد بين اصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. قال بعضهم: ما العجب ممن هلك كيف هلك إنما العجب ممن نجا كيف نجا".

* "أيها العاصي ما يقطع من صلاحك الطمع ما نصبنا اليوم شرك المواعظ إلا لتقع إذا خرجت من المجلس وأنت عازم على التوبةقالت لك ملائكة الرحمة: مرحبا وسهلا؛ فإن قال لك رفقاؤك في المعصية: هلم إلينا فقل لهم: كلا!! ذاك خمر الهوى الذي عهدتموه قد استحال خلا، يا من سود كتابه بالسيئات قد آن لك بالتوبة أن تمحو؟! يا سكران القلب بالشهوات، أما آن لفؤادك أن يصحو؟!".

* يا عبدَ الله... ويا أخي في الله..

إلى الله تب قبل انقضاء من العمر *** أخي ولا تأمن مفاجأة الأمر!

ولا تستصمن عن دعائي فإنما *** دعوتك إشفاقا عليك من الوزر!

فقد حذرتك الحادثات نزولها *** ونادتك إلا أن سمعك ذو وقر!

تنوح وتبكي للأحبة إن مضوا *** ونفسك لا تبكي وأنت على الأثر!

وهو القائل - رحمه الله وأعلى قدره-:

أفِي دَارِ الخَرَابِ تَظلُّ تَبنِي *** وتَعمُرُ؟ مَا لِعمرَانٍ خُلِقتَ!

وَمَا تَركَتْ لَكَ الأَيَّامُ عُذرًا *** لَقَد وَعَظَتْكَ لَكِنْ مَا اتَّعَظتَ!

تُنادي للرَّحِيلِ بِكُلِّ حِينٍ *** وَتُعلِنُ إنَّمَا المَقصُودُ أنْتَ!

وتُسمِعُكَ النِّدَا وأنتَ لاَهٍ *** عَنِ الدَّاعِي كأنَّكَ مَا سَمِعتَ!

وتَعلَمُ أنَّهُ سَفَرٌ بَعِيدٌ *** وعَن إِعدَادِ زَادٍ قَد غَفَلتَ!

تَنَامُ وَطالِبُ الأيَّامِ سَاعٍ *** ورَاءكَ لاَ يَنَامُ فَكيفَ نِمتَ!

مَعائِبُ هَذِهِ الدُّنيَا كَثِيرٌ *** وأنتَ عَلَى محبَّتِهَا طُبِعتَ!

يَضِيعُ العُمرُ فِي لَعِبٍ وَلهوٍ *** وَ لَو أُعطِيتَ عَقلاً مَا لَعِبتَ!

فمَا بَعدَ الممَاتِ سِوَى جَحِيمٍ *** لِعاصٍ أو نَعِيمٍ إِن أَطعتَ

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.