ملاقف الهواء..وعبقرية التبريد في العمارة الإسلامية
عدد القراءات : 4347

يُعد مَلَقف الهواءCatcher Wind، من أهم نظم التبريد، التي عرفتها العمارة التقليدية، في جل مدن وحواضر العالم الإسلامي، وبحسب نتائج أفضت إليها دراسات وأبحاث علمية حديثة، فإن تصميم وهندسة هذه الملاقف، وتباين أنواعها، بما يتواءم مع التداعيات المناخية، وتقلبات الطقس، إنّما يدل علي مدي اتساع الرؤية، والتفوّق الهندسي، والعبقرية المِعمارية، التي جمعت بين حاجات البيئية، ومُتطلّبات الخصوصية الاجتماعية، وفي ذات الوقت لم تُهمِل النواحي الجمالية.

في اللغة

مَلَقف الهواء، بفتح الميم واللام، أو برج الهواء كما يُسمّيه البعض هو تصميم هندسي معماري، بارز في أسطح المنازل، يستهدف جذب أكبر كمّية من الهواء الخارجي النظيف، ومن ثم توزيعها علي الغُرف، والردهات داخل المبني(1).. وهو معروف في البحرين باسم " الكشتيل "(2)، وفي الإمارات باسم " البارجيل "(3)، وفي قطر باسم "بادكير"(4)، وفي المناطق الشرقية، للملكة العربية السعودية، وبخاصة منطقة الإحساء باسم"بادجين"(5)، وهي كلمة مأخوذة من لفظين فارسيين، "باد" بمعني الهواء(6)، و"كير" بمعني الأخذ والجلب(7).. ويُعرف في مُدن وحواضر إسلامية أُخرى، باسم (الباذهنج) (8).

وفي تعريف له، يقول حسن فتحي، أحد أبرز مُهندسي العمارة الخضراء، في العصر الحديث، "هو عبارة عن مهوىShaft، يعلو عن المبني، وله فتحة مُقابلة لاتجاه هبوب الريح السائدة، لاقتناص الهواء، المار فوق المبني، والذي يكون عادة أبرد، ومن ثم دفعه إلي داخل المبني، وبهذه الطريقة يُغني المَلَقف عن الحاجة إلي النوافذ العادية، لتوفير التهوية وحركة الهواء الملازمين" (9).

نظرة تأريخية

وملقف الهواء، هو اختراع قديم(10)، لا يُعرف تحديدًا أول من استخدمه، وهناك من يرى بأنه ظهر أولاً في مصر القديمة(11).. وثمة من نسبه إلي بلاد فارس(12)، ومنها انتقل إلي المناطق المجاورة(13).. وقد انتشر في العديد من المدن والحواضر الإسلامية، إبان العصر العباسي الأول، خاصة في المناطق التي يتّسم مناخها بالجفاف(14).. وكان غير واحد من كبار مُهندسي العمارة، في الحضارة الإسلامية، قد ادخلوا عليه المزيد من التطوير، ووضعوا شروط ومعايير لإنشائه، بحيث يكون أكثر فاعلية في أداء الوظائف المنوطة به.. وكان ابن بطوطة قد أشار إليه، في رحلته المشهورة، وذلك في معرض حديثه عن السلطان بركي(15)، وذكره أحمد بن حمد الخفاجي، في كتابه الموسوم (شفاء العليل)، قائلاً: "هو المنفذ، الذي يجئ منه النسيم العليل"(16)، وكان مُدير دار الكتب المصرية، قد أرشدنا إلي مخطوطة، علي درجة كبيرة من الأهمية، تتعلّق بالتأريخ لهذا العمل الهندسي المعماري، عنوانها (تحُفة الأحباب في نصب الباذهنج والمحراب)، لأبي العباس شهاب الدين أحمد بن رجب بن طغيا المجدي، المشهور بابن المجدي (ت850ه)، وجدنا فيها الشيء الكثير، عن هذا الابتكار، وكيف تطورّت وتباينت أنواعه، خلال عهود الخلافة الإسلامية، وذكر عِدة طُرق لكيفية تصميمه وهندسته، مع مُراعاة مُعطيات البيئة المحلية، والظواهر المناخية السائدة، وبخاصة ما يتعلق منها بمطالع هبوب الرياح(17).

وأشار إليه ابن الرامي، وعدّد فوائده البيئية والصحية، من خلال مخطوطة له، بعنوان (الإعلان بأحكام البيان)، ومما قاله"إن الباذهنجات، هي عناصر التهوية، التي انتشر استخدامها، في العمائر الإسلامية، وزادت الحاجة إليها، في العمائر التي تحُيط بها المباني من أكثر جهاتها، وتفتقر واجهاتها المُطلّة علي الطريق، عن تزويدها بالهواء اللازم، ولاسيما إذا كانت الوحِدة، التي تحتاج إلي التهوية، من الوحدات التي تزدحم غالبا بالأفراد، كقاعة استقبال في دار، أو إيوان للصلاة، والاستماع إلى دروس العلم، في مسجد، أو مدرسة، أو حانقاة، حيث يكون اللجوء إلي الباذهنج، لعدم إمكان عمل نوافذ لهذه الوحدات، في تلك المُنشآت، لغرض التهوية، بسبب مجُاورة المباني الأخرى، وتجنّب فتح نوافذ، من شأنها التسبب في ضرر الكشف"(18).. وقد أورده عبد الله الشبراوي، في كتابه الموسوم (عنوان البيان، وبستان الأذهان)، واصفا إيّاه ب"المنخذ"، الذي يجئ منه الريح(19).

وقد قيل فيه الكثير من الأشعار، فهذا أبو الحسن الأنصاري، يقول:

صفا وجرى الهواء فيها رقيقا ***  فسميناه رواق النسيم.      

وذكره في قصائده، غير مرة، الشاعر مهياد الديلمي (ت428ه).. وقال عنه برهان الدين القيراطي، وهو من شعراء عصر المماليك:

يا طيب نفحة الباذهنج ***  لم تزل بهوائه لنفوسنا صافيا.  

مفرس يجذب الريح من آفاقها ***  فكأنه للريح مغناطيس.    

ويقول أيضا، مُبينا عشقه وولهه بالباذهنج:

بروحي أفدي بادهنجا مُوكلاً *** بإطفاءِ ما نلقاهُ من حُرَقِ الجَوى.  

إذا فُتِحت في الحر منه طرائقُ  *** أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى.

وفي موضع آخر، يقول:

أيا باذهنجا صحّ فيه لنا الهوى *** صِفاتك ما وفّى بهن خِطاب.

وما شئت إلاّ أن أَدُلُّ عواذِلي *** على أن رأيي في هَوَاك صَوَاب.   

ويقول شهاب الدين بن أبي حجلة:

وباذهنج تراه  كغصن، فان ترنح *** يهتز عند العطايا  لأنه يستريح

وفي قصيدة أخرى، يقول:  

هجا الشعراء جهلاً باذهنجي *** لأن نسيمه أبدًا عليل.       

فقال الباذهنج، وقد هجوه *** إذا صح الهوى دعهم يقولوا

ويقول ابن سناء الملك:

وبادهنج علا بناء ***  لكنه قد هوي هواء.

داعم عليل النسيم فيه ***  كأنه يطلب الدواء.

وقد أشار غير واحد من كبار الأطباء العرب، من أمثال الرازي، وابن سينا، وابن النفيس، إلي أهمية الهواء الذي تجلبه الملاقف، وقال أحدهم: إنه كُلّما كانت المنطقة المحلية، تتسم بالحر الشديد، فإنه يجب أن تُتَخذ رفوف أبنيتها باذهنج، أو أكثر، يتّصل بالسرداب، المُفضي بدوره إلى قاعات الجلوس، التي تجتمع فيها الناس، وذلك لإزاحة الهواء الثقيل المنحصر فيها أولاً، وتبريدها ثانيا.

شروط ومعايير

ولكي يؤدّي ملقف الهواء وظائفه، التي سنأتي علي ذكرها لاحقا، ثمة شروط ومعايير، وضعها المهندسين المعماريين، في الحضارة الإسلامية، في مُقدّمتها:

· أن تكون الفتحة العلوية للملقف، بمواجهة مطالع هبوب الرياح(20).. ومن الناحية الهندسية ليست هذه بالمهمة اليسيرة، كما قد يظن البعض، بل تحتاج إلي مهارة وخبرة كبيرة(21)، "فقد يُغيّر المبني الجديد، الذي يحتوي علي الملقف، والمباني المجاورة له، اتجاه حركة الرياح السائدة، بشكل كبير، لذا فمن الواجب دراسة حركة تدفق الهواء، علي المبني الجديد، ضمن محيطه، وذلك للتأكّد من صِحة موضع الملقف"(22).

· عادة ما يكون موضع الملقف، في الجانب الأيسر من المبني(23)، وفي مواجهة الرياح، لاقتناص أكبر قدر من الهواء(24)، في حين أن وضعه في الجانب الأيمن، وبنفس الاتجاه، يجعله مهربًا للرياح، بسبب الامتصاص الناجم عن أسلوب تدفق الهواء(25).. إلا في الحالة التي يعلو فيها الملقف كثيرًا، عن منطقة الضغط المنخفض(26).

· فيما يتعلق بحجم الملقف، فإن ذلك يتوقّف بالأساس علي متوسط درجات الحرارة في الخارج، فإذا كانت درجة الحرارة، عند مدخل الملقف مُتدنّية، وجب أن تكون مساحة مقطعه الأفقي كبيرة(27)

، أما عندما تكون درجة حرارة الهواء المحيط، أعلي من الحد الأقصى، للإزاحة المتعلقة بالمحيط الحراري، فيُصبح لزاما أن تكون مساحة مقطعه الأفقي صغيرة(28)، شرط أن يتم تبريد الهواء المُتدفق من خلال الملقف، قبل السماح بانتشاره في داخل المبني(29).. ويمكن تحقيق هذا التبريد، بعِدة وسائل، منها إمراره فوق سطح مائي، في الطابق السفلي(30)، أو تعليق (حصر) مُبللة بالماء، في داخله(31)، أو استخدام ألواح رطبة من الفحم النباتي(32)، توضع بين صفيحتين، من الشبك المعدني(33)، عوضا عن الحصر المُبللة(34).

· يمُكن التحكّم في ضغط الرياح، التي تتدفق داخل الملقف، عن طريق العوارض الخشبية(35)، أو باستخدام أواني معدنية(36)، مملوءة بالفحم النباتي المُبلل(37).

· إذا كانت جل مدن وحواضر العالم الإسلامي، مشرقية كانت أم مغربية، قد شاع فيها استخدام ملاقف الهواء، ذات الفتحة الواحدة(38)، وفي بعض الأحيان فتحتان(39)؛فإن العمارة التقليدية في منطقة الخليج، وشبه الجزيرة العربية، تفرّدت بملاقف ذات فتحات أربع(40)، تعلو في العمائر المؤلّفة من أكثر من طابق، إلي نحو 15مترًا(41)، بينما في البنايات ذات الدور الواحد، فإنها عادة ما تعلو إلي نحو ثمانية أمتار(42).. وتكون قاعدة الملقف، مُرتفعة عن مُستوي أرضيّة الغُرف، بنحو مترين كحد أقصي(43)، ولا تزيد أطوال أضلاعها، عن 7 x7 أقدام(44).

وعادة ما يُستخدم في تشيدها، الأحجار المحلّية، ذات الكتلة الحرارية thermal mass(40)، ويكون بداخلها قطاعان متعاقدان(41)، علي ارتفاع الملقف بكامله(42)، وذلك لاقتناص المزيد من الهواء، من أي جِهة يهب منها(43).. وقد يُزوّد المبني الواحد، بأكثر من ملقف(44)، لاقتناص المزيد من الهواء، خاصة في أوقات الحر الشديد، ويمكن مُشاهدة ذلك، في العديد من المدن الإماراتية، كما في دبي، (حي البستكية) (45)، والشارقة، (حي الشويهين) (46)، وأم القوين(47)، وعجمان(48)، وكذا في مدينتي المنامة، والمحرق(49)، في البحرين، ومنطقة الإحساء(50)، بالمملكة السعودية، وفي مدينة الكويت(51)، والعاصمة القطرية الدوحة(52).

ومن حيث تكويناتها، أو بالأحرى مساقطها الرئيسية، فإن ملاقف الهواء في العمارة الخليجية، والتي تشتهر باسم (البادكير) (53)، تُصنّف إلي ثلاثة أنواع:

الملاقف ذات المسقط المربع، وفيها تتساوى عدد الفتحات العلوية، في كل الجهات الأربع(54).

الملاقف ذات المسقط المستطيل، حيث تزداد عدد الفتحات، من جهة بعينها، وهي الجهة التي تكون

في مواجهة هبوط الرياح الدائمة، أو نسيم البحر، علي حساب الجهات الأخرى(55).

الملاقف ذات المسقط الدائري، وهي نادرة الوجود(56)، وتظهر بشكل أسطواني مُفرغ(57)، ويمُكن مُشاهدة نموذج لها، في سوق العرصة(58)، بمدينة الشارقة.

وفي العراق، وبخاصة المناطق الوسطي منها، انتشر نوع من ملاقف الهواء، اشتهر باسم الشناشيل(59)، مقاييسه علي النحو التالي:

 * الأساسات، بسماكة نحو 90سنتيمتر.

 * العُمق، نحو 40 سنتيمتر.

 * العرض، يتراوح بين 80 سنتيمتر، إلي المتر الكامل.

 * وتجويف، يستمر إلي سطح المبني، حتى نهاية الستارة، التي تعلو السطح، بنحو مترين(60)، وتكون فتحته العلوية الرئيسية، في جهة الغرب، حيث تهب الرياح(61).

وحدة تبريد مركزيّة

وإذا كان الكثيرون منا، قد استهانوا بأهمية ملاقف الهواء، ودورها في تبريد وتلطيف الجو، داخل المباني، واستخدموا بدلاً منها مُكيّفات الهواء الميكانيكية، التي تستنزف جُزء كبير الطاقة الكهربائية، ناهيك عن أضرارها البيئية والصحية، فإن أبحاث ودراسات علمية حديثة، تستهدف الوقوف علي مدى أهمية ملاقف الهواء، في العمارة الإسلامية، قد أفضت إلي نتائج، هي في مجُملها، تؤكد علي أن هذه الملاقف، إنما هي بمثابة وحدة تكييف مركزيّة(62)، صديقة للبيئة وللصحة أيضا(63).. ولنضرب الأمثال، ففيها الدليل والبرهان:

خلصت دراسة، قام بها فريق بحثي، في مدرسة العمارة، التابعة للجمعية المعمارية بلندن(64)، في إبريل عام 1973م، حول قياس طريقة تدفّق الهواء، (مُقيّسة بوحدة عدد الأمتار لكل ثانية) (65)، في القاعة الرئيسية، لبيت محُب الدين الشافعي الموقي، المعروف ب (عثمان كتخدا)، بالقاهرة، والتي يعود تاريخها إلي القرن الرابع عشر الميلادي(66)، إلي أن ملقف الهواء، الذي يعلو المبني، يُعد بمثابة وحدة تكييف مركزية، تقوم بطريقة عبقرية، بتوزيع الهواء، داخل القاعة الرئيسية، والغُرف المُطلة عليها(67).. أثبت ذلك أيضًا، المعماري الشهير حسن فتحي، الذي أشار إلي أن ملقف الهواء، في بيت محُب الدين، يرتفع عاليا فوق سقف الإيوان الشمالي(68)، "وهو يسمح بدخول النسيم المُعتدل البرودة، القادم من جهة الشمال، إلي القاعة بفعل الضغط الهوائي المرتفع، الذي تُسببه الرياح، عند مدخل الملقف، وفي داخل الإيوان، يتحرّك الهواء ببُطء، في اتجاه القاعة، ثم يرتفع إلي جُزئها العلوي، ليخرج من خلال المشربية، ويؤدّي الشكل الهندسي لسقف القاعة، إلي تسريع حركة الرياح، التي تأتيها من الخارج، فيُصبح ضغط الهواء، في الخارج، أقل منه في القاعة، فيهرب الهواء من القاعة إلي الخارج، ويُستبدل بشكل مُستمر بهواء من الداخل، وبهذه الطريقة تكتمل دورة الهواء في القاعة "(69).

ولتأكّده من أهمية ملقف الهواء، فقد حرص المعماري الغربي الشهير، بول رودلف Paul Rudolf، علي تصميم العديد من البنايات، وفق المنظور الإسلامي، ولعل من أهم هذه البنايات، مدرسة العمارة بجامعة ييل (70).

ويذهب وران جونسون، إلي القول بأن البادكير، في العمارة الخليجية التقليدية، له قنوات هوائية عديدة، مُصممة بإتقان، لتزويد داخل البناء، بالهواء العليل(71)، ويؤكّد بلفظه " إن البادكير، أو برج الهواء، نموذج مثالي، يُبيّن قُدرة المعماري علي التكييف مع الواقع، وعلي توظيف عناصر المناخ، في خدمة العمارة.. إنه يعمل كمستودع للكتلة الحرارية، فالأحجار التي تدخل في بنائه، تبرد ليلاً، وفي نهار اليوم التالي، حينما يدفأ الهواء، بفعل حرارة الشمس، يظل البادكير باردًا، وتكون النتيجة أن الهواء الذي يُلامس الباكير، يتعرّض للتبريد، ولما كان الهواء البارد، أثقل من الهواء الدافئ، فإن الأول يهبط عبر قنوات البادكير، ليُنعش سُكّان المبني، حين يصل إليهم، ويقوم السُكّان بوضع ملابسهم، بعد غسلها، علي أعمدة خشبية، تبرز من جدران البادكير، لكي تجف، ولهذا العمل أثر تبريدي إضافي، ومن الطبيعي أن يُفصل البادكير، عن بقية أنحاء المنزل، خلال فصل الشتاء، وإلا فإنه سوف يقوم في هذه الحالة بدور المدخنة، حيث سيسمح للهواء الدافئ، أن يتسرّب من المنزل عبر فتحاته "(72).

وفي المناطق، التي تشهد درجات حرارة عالية، خلال فصل الصيف، قد تتجاوز ال 47 درجة مئوية، فإنه " يُعمد إلي وضع أحواض ماء أسفل البادكير، حيث يمر عليها الهواء، قبل تسرّبه إلي الغُرف، ومن ثم تتضاعف برودته(73)، فطبقا للأبحاث العلمية، " يحتاج الجرام الواحد من الماء، إلي80 سعرة حرارية، لكي يتم تبخيره، واستخلاص هذا القدر من الحرارة في داخل المنزل، يكون له تأثير تبريدي قوي، ولعل هذا هوالسبب في أن أجهزة التبريد، التي تعمل بنظرية التبخير، تكون ذات فعالية، في المناطق الأكثر جفافا، أما في المناطق ذات المناخات الرطبة، حيث يكون الهواء مُشبعا ببُخار الماء، فإن هذه الأجهزة لا تؤدّي عملها بشكل مناسب"(74).

وكان قد أُجِري في العام 1985م، بجامعة أريزونا، بالولايات المتحدة الأمريكية، بحثًا موسّعا، للوقوف علي مدى فائدة ملقف الهواء، وإمكانية الاستفادة منه، في توظيف تقنيات التكييف المُتقدّمة، وفي تجربة علمية، تم الاستعانة بهيكل، يُشبه ملقف الهواء، أُخِذت أبعاده بصورة هندسية دقيقة(75)، " مع إضافة مضخة، لترطيب الوسادة الموضوعة أفقيا، علي الجهات الأربع، وبسماكة أربع بوصات، وقد وجد الباحثون أن هناك اختلافا ملحوظا في درجات الحرارة، بين الجو الخارجي والداخلي، يصل إلي 10درجات مئوية علي الأقل، في أشد فصول السنة حرارة ورطوبة "(76).

وثبت أن ملاقف الهواء، تُعد حلاً مثاليا، للتوزيع العادل، والاستفادة من مطالع هبوب الرياح، في العمائر المُتقاربة، والتجمّعات السكنية (77)، " لقد حاولت مراكز أبحاث عديدة، إيجاد التوزيع الأفضل، لمجموعة مباني، بحيث يحول دون حجبها للرياح عن بعضها، ولم ينجح أي تصميم عصري، في حل هذه المُعضلة، لأكثر من ست أو سبع بنايات متجاورة، في حين تبين أن الملقف اختراع عبقري لحل هذه المعضلة "(78).

وظائف أخرى

ولا تقتصر أهمية الملاقف الهوائية، علي كونها وحدات تبريد صديقة للبيئة وكفي، بل تؤدّي العديد من الوظائف الأخرى، فهي:

* تُضفي طابعا جماليا، علي الشكل الهندسي للمبني، يستشعره الناظر من الخارج.. وكان فنتوري، وهو أحد روّاد التأريخ المعماري، قد أشار إلي ذلك، في دراسة قيّمة له، بعنوان (التأثيرات الجمالية في العمارة) (79).

* إذا كانت النوافذ، والفتحات الجدارية، خاصة في الطوابق المنخفضة من المبني، تؤدّي مهمة التهوية الطبيعية، إلا أنها لا تمُانع من دخول الأتربة، وذرات الرمال، التي عادة ما تنشر بالقُرب من سطح الأرض، في المناطق الحارة، في حين يأتي هواء الملقف نقيا، خاليا من الأتربة والعوالق، كونه يمتد باسقا في الفضاء(80).

* يُقلل من التلوث الضوضائي(81)، القادم من خارج المبني، الذي يُصاحب عادة التهوية الطبيعية، بواسطة النوافذ.

* المُساهمة بشكل فاعل، في توازن درجات الحرارة(82)، داخل المبني.

خاتمة

إن ملقف الهواء، هو أحد الحلول العبقرية، التي عولت عليها العمارة الإسلامية، في التهوية والتبريد، وهو يوازن بين المُتطلبات البيئية المحلية، وما يُصاحبها من تداعيات مناخية، بصورة اندهش لها غير واحد من كبار مهندسي العمارة الخضراء، تلك العمارة التي بدأت تنتشر في مناطق عديدة من العالم، كما في بريطانيا، التي بدأت منذ العام 1990م، في تطبيق ما يُعرف بمعيار البناء (BREEAM) (83).

وكذا في الولايات المتحدة الأمريكية، التي أصدرت معايير جديدة، توازن بين استهلاك الطاقة والتصميم البيئي، وتُعرف اختصارًا ب (LEED) (84)، وقد انبثق عنها معيار البناء الأخضر (USGBC) (85)، الذي طُبّق فعليا، ابتداء من عام 2000م(86)، وصارت تمُنح شهادة (LEED) (87)، للمشاريع المعمارية المُتميزة، في تطبيقات العمارة المستدامة الخضراء، في عموم الولايات الأمريكية، حيث يؤخذ في التصميم بنظام النقاط(88)، فكفاءة استهلاك الطاقة في المبني، تمنح 17 نقطة(89)، بينما كفاءة استخدام المياه، تمنح 5 نقاط(90)، وجودة وسلامة البيئة الداخلية، في المبني، تمنح 15نقطة(91)، وثمة نقاط إضافية، يمُكن اكتسابها، عند تحسين مولّدات الطاقة المتجددة، ومُراقبة مُعدّل غاز ثاني أكسيد الكربون(92).. والمبني الذي يحصل علي 39نقطة، يُمنح تصنيفا (ذهبيا) (93)، وهذا يعني أن المبني تم تصميمه وهندسته، بحيث تنخفض فيه الاجهادات البيئية والاقتصادية بنسبة 50% علي الأقل(93)، مُقارنة بمبني خرساني تقليدي.. أما المبني الذي يحُقق مجموع نقاط 52 نقطة، فيحوز علي تصنيفا (بلاتينيا) (94)، وتكون الاجهادات البيئية الاقتصادية مُتدنية، بنسبة70% (95).

لقد كان للعمارة الإسلامية، السبق في الاتجاه نحو العمارة الخضراء المستدامة.. وملقف الهواء هو أحد أهم الركائز، التي يمُكن أن تُبنى عليها نقاط التصنيف، ليس فقط في سجلاً ذهبيا، بل وبلاتينيا أيضا.. ويؤكّد كينيث فراستون، في إحدى مبادئه الخمسة، حول التصادم بين الطبيعي والصناعي، علي " أن من سمات المدنيّة العالمية المُعاصرة، عزوفها عن الخواص الطبيعية، مثل التهوية الطبيعية، والإضاءة الطبيعية، ولهذا من الضروري ملاحظة إمكانية حدوث آثار ايكولوجية سلبية، جرّاء زيادة الاعتماد علي أجهزة التكيف الميكانيكية "(96).. وهو في هذا لا يُلمّح فقط إلي الاستهلاك الزائدة، في الطاقة، وارتفاع مُعدّل التلوّث، الناجم عن التوسّع في استخدام أجهزة التكيف هذه، ولكن أيضًا إلي " الطريقة التي تعجز بها الأبنية المُكيّفة، والمحُكمة الإغلاق، عن التجاوب مع المُتغيّرات اللطيفة الهادئة، التي تحدث في الطقس خارج المبني " (97).

ويضيف حسن فتحي، " إن تغيير عامل واحد، في طريقة البناء التقليدية، لا يضمن استجابة طيبة، ولا حتى معقولة للبيئة.. فوسائل التبريد الخاصة بالمساكن، كانت غاية الانسجام، فقبل ظهور الأساليب الميكانيكية الحديثة، لجأ الناس في المناطق الحارة، والجافة، والدافئة الرطبة، إلي استنباط وسائل، لتبريد مساكنهم، باستخدام مصادر الطاقة والظواهر الفيزيائية الطبيعية، وتبيّن أن هذه الحلول عموما، هي الأكثر انسجاما، مع وظائف جسم الإنسان الفسيولوجية، قياسا بالوسائل الحديثة، التي تعمل بالوقود الأحفوري، والطاقة الكهربائية، كأجهزة التبريد، وتكييف الهواء ".

ونتساءل..

في ظل الاتجاه العالمي، نحو العمارة الخضراء.. أما آن لنا الآن، أن نُعيد لملقف الهواء عرشه، الذي أضاعته المُكيّفات الصناعية، المُعادية للبيئة، والغير مُتسامحة مع الصحة، بحسب النتائج، التي أفضت بها الدراسات والأبحاث العلمية الحديثة.. ؟!

ــــــــــــــ

الهوامش

(1)             السري، د. سمير محسن حسين: أثر الخصائص التصميمية لملاقف الهواء على التهوية الطبيعية للمسكن المعاصر ص 21 (رسالة ماجستير).

(2)              العريفي، راشد: العمارة البحرينية ص 13.

(3)             الزركاني، د. خليل حسن: العناصر المعمارية في البيت الإماراتي القديم مجلة الرافد ص 127 العدد 77 ذو القعدة 1424ه / يناير 2004م تصدر في الشارقة.

(4)             النعيم، د. مشاري عبد الله: ملقف الهواء (إشكالية الشعبي / الكوني) مجلة المأثورات الشعبية ص 48 عدد مزدوج 53/54 يناير / إبريل 1999م تصدر في الدوحة.

(5)             نفسه ص 47.

(6)             الزركاني، د. خليل حسن: الشناشيل والبادكير في التراث المعماري الإسلامي مجلة آفاق الثقافة والتراث ص 100 العدد 38 السنة العاشرة ربيع الآخر 1423ه / يوليو 2002م تصدر في الإمارات.

(7)             نفسه ص 101.

(8)             غالب، عبد الرحيم: موسوعة العمارة الإسلامية ص 76 بيروت 1988م.

(9)              فتحي، م. حسن: الطاقات الطبيعية والعمارة التقليدية ص 107 جامعة الأمم المتحدة الطبعة الأولى طوكيو (اليابان) 1988م.

(10)         نفسه ص 110.

(11)         نفسه ص 111.

(12)        النعيم: سابق ص 47.

(13)        نفسه ص 48.

(14)        عبد الحافظ، حسني (كاتب الدراسة): أبراج الهواء مجلة بيئتنا ص 42 العدد 29 يناير 2001م تصدر في الكويت.

(15)         ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة ص 324 طبعة بيروت 1983م.

(16)        الخفاجي، أحمد بن حمد: شفاء العليل من كلام العرب من الدخيل ص 122 القاهرة 1382ه.

(17)         عبد الحافظ: سابق ص 43.

(18)         ابن الرامي: الإعلان بأحكام البيان تحقيق د. محمد عبد الستار عثمان ص 56 طبعة الإسكندرية 1988م.

(19)        نقلاً عن / السري. سابق ص 67.

(20)         فتحي: سابق ص 113.

(21)         نفسه ص 110.

(22)         جونسون، وارن: المحافظة على التبريد والتدفئة في العمارة الإسلامية ترجمة م. محمد عبد القادر الفقي أرامكو وورلد ص 38 مايو / يونيو 1995م.

(23)         عبد الحافظ: سابق ص 43.

(24)        جونسون: سابق ص 38.

(25)        فتحي: سابق ص 111.

(26)         نفسه ص 111.

(27)         نفسه ص 112.

(28)         نفسه ص 112.

(29)         جونسون: سابق ص 37.

(30)        نفسه ص 37.

(31)         السري: سابق ص 94.

(32)         نفسه ص 95.

(33)         جونسون: سابق 38.

(34)         نفسه ص 38.

(35)         عبد الحافظ: سابق 44.

(36)         نفسه ص 44.

(37)         نفسه ص 44.

(38)         نعمة، كرم: الشناشيل في معمارية البيت البغدادي مجلة آفاق الثقافة والتراث ص 26 العدد 19 رجب 1418ه / نوفمبر 1997م.

(39)        نعمة: سابق 27.

(40)        عبد الحافظ: سابق ص 42.

(41)        الزركاني: سابق 127.

(42)         حسين، كامل يوسف: البراجيل في العمارة الخليجية مجلة الفيصل ص 88 العدد 251 جمادى الأولى 1418ه / سبتمبر 1997م تصدر في الرياض.

(43)         نفسه ص 88.

(44)         عبد الحافظ: سابق ص 42.

(45)        محمد، د. م. محمد أمين (وآخرون): جدلية الأبعاد الاقتصادية والحفاظ العمراني بالبيئات التاريخية نحو سياسات متوازنة (أبحاث المؤتمر الأول للحفاظ المعماري بين النظرية والتطبيق) ص 32 دبي 2004م.

(46)         نفسه ص 32.

(47)        عبد الحافظ: سابق ص 44.

(48)         محمد: سابق ص 33.

(49)         الزركاني: العناصر المعمارية سابق ص 127.

(50)         النعيم: سابق ص 47.

(51)         عبد الحافظ: سابق ص 44.

(52)         الزركاني: سابق ص 127.

(53)         ثويني، د. علي: المنحنى البيئي في العمارة الإسلامية ص 6.

(54)         النعيم: سابق ص 54.

(55)         نفسه ص 54.

(56)         نفسه ص 53.

(57)         نفسه ص 53.

(58)         نفسه ص 55.

(59)         نعمة: سابق ص 25.

(60)         الزركاني: الشناشيل والبادكير سابق 104.

(61)         نفسه ص 104.

(62)         ثويني: سابق ص 8.

(63)         عبد الحافظ: سابق ص 44.

(64)         فتحي: سابق ص 109.

(65)         نفسه سابق 109.

(66)         نفسه ص 110.

(67)         نفسه ص 110.

(68)         نفسه ص 110.

(69)         نفسه ص 110.

(70)         نقلاً عن / فتحي سابق ص 111.

(71)         جونسون: سابق ص 36.

(72)         نفسه ص 38.

(73)         نفسه ص 37.

(74)         نفسه ص 39.

(75)         فتحي: سابق ص 114.

(76)         النعيم: سابق ص 57.

(77)         فتحي: سابق ص 113.

(78)         نفسه ص 114.

(79)         نقلاً عن / الناجم، م. علي عثمان: قيم المكان الموروثة وأهميتها العمرانية مجلة الخفجي ص

  20 العدد 9 السنة 29 رمضان 1420ه / ديسمبر 1999م تصدر في السعودية.

(80)        الزركاني: سابق ص 108.

(81)         النعيم: سابق ص 48.

(82)         الناجم: م. علي عثمان: البيئة العمرانية المحلية المعاصرة وقصور تهويتها الطبيعية مجلة الخفجي ص32 العدد 11 السنة 28 ذو القعدة 1419ه / فبراير 1999م تصدر في السعودية.

(83)        ثويني: سابق ص 11.

(84)        نفسه ص 9.

(85)         نفسه ص 10.

(86)        نفسه ص 12.

(87)         نفسه ص 17.

(88)         نفسه ص 17.

(89)         نفسه ص 17.

(90)         نفسه ص 18.

(91)         نفسه ص 18.

(92)         نفسه ص 18.

(93)         نفسه ص 18.

(94)         نفسه ص 19.

(95)         نفسه ص 19.

(96)         نقلاً عن / الناجم:قيم المكان سابق ص 21.

(97)         نقلاً عن / عبد الحافظ: سابق ص 44.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
hakim selaimane
ALGERIE
2013/11/01
TRES BIEN