Share |
التقوى ثمرة الصيام
الكـاتب : أحمد بلوافي
تم قراءة المقال : 891

إن الله - سبحانه وتعالى- أنـزل دين الإسلام ليكون واقعاً يحياه الناس في معاشهم، لا أمراً تلوك به ألسنتهم وخطبهم، أو يتأثرون به في أماكن وأوقات محددة لا يتعداها، ليشمل مجال الحياة الرحب ويستغرق عمر الإنسان كله.

لقد أدرك الأوائل هذا المفهوم وعملوا به فأصلح الله لهم دنياهم وآخرتـهم، وذلك لتأثرهم بقدوتـهم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الذي كان خلقه القرآن، كما قالت عائشة - رضي الله عنها - ولأنـهم خلعوا ثوب الجاهلية ورواسبها عند عتبة الدخول في دين الإسلام، فأقبلوا عليه بكليتهم لينهلوا من معينه الذي لا ينضب، فطبقوا الأوامر والنواهي على الوجه الذي كان أثره بادياً في سلوكاتـهم.

إن هذا الحال لم يدم طويلاً حتى بدأت مفاهيم الإسلام وتطبيقاته تنحسر رويداً رويداً، حتى قصرها الكثير في الأزمنة المتأخرة على شعائر التعبد مثل الصلاة والزكاة والحج وغيرها؛ وحتى هذه الشعائر لم تعد تؤدى على الوجه الأكمل الذي يكون لها فيه الأثر في حياتنا، ولهذا نجد عللنا وأدواءنا تزداد يوماً بعد آخر، ولا يمكن أن تعود لأمة الإسلام مكانتها الريادية إلا إذا أدت ما طلب منها ربـها من أوامر ونواه على الوجه الذي يريده لها ويرضاه.

فهذه الشعائر لم تفرض كطقوس وحركات خالية من أي معنى، وإنما جاءت لتحقيق غرض تزكية هذه النفوس المريضة والارتقاء بـها من حمأة الطين إلى التحليق في جو الإيمان، جو النفخة الروحية التي ألقاها الله في آدم يوم طلب من الملائكة السجود له.

فيقول - جل شأنه - في الصلاة: ((وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر))[العنكبوت: 45]، وقال في شأن الأضحية: ((لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم))[الحج: 37]، وقال في معرض الحديث عن الحج: ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنـها من تقوى القلوب))[الحج: 32]، وفي الزكاة قال: ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بـها)) [التوبة: 103]، وقال في القصاص: ((ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون))[البقرة: 179]، وعن أيام التشريق قال: ((واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى))[البقرة: 203].

وفي شأن تحويل القبلة قال: ((ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب)) ثم عدد أموراً تدخل في إطار البر مثل الإيمان بالله وختم الآية بقوله: ((أولئك هم المتقون))[البقرة: 177].

وهكذا الحال بالنسبة لجميع شعائر التعبد إنما جاءت لتزكية هذه النفوس وتطهيرها ليتحقق أمر التقوى والإخبات لله، والصيام لا يخرج عن ذلك ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون))[البقرة: 183].

يقول ابن كثير: "يقول - تعالى - مخاطباً المؤمنين من هذه الأمة وآمراً لهم بالصيام وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل، لما فيه من زكاة النفوس وطهارتـها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة.. " [ج 1/202].

وقال ابن القيم: ".. فهو [أي الصيام] من أكبر العون على التقوى كما قال - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون))[البقرة: 183] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "الصوم جنة"، وأمر من اشتدت عليه شهوة النكاح ولا قدرة له عليه بالصيام، وجعله وجاء هذه الشهوة" [زاد المعاد، ج 3/29].

وإذا كان ذلك هو المقصد الأساسي من الصيام، أي تحصيل التقوى فما هي التقوى وكيف نحققها خلال هذا الشهر الكريم؟.

معنى التقوى وأهميتها:

أصل كلمة تقوى في اللغة "وقوى" وهي من الوقاية، وتكون بمعنى اتخاذ وقاية تقيك مما تخافه وتحذره، وسئل أبو هريرة - رضي الله عنه - عن كيفيتها فقال: "أرأيت إن مشيت على أرض شوك وحسك، ماذا كنت تصنع؟ قال: كنت أتوقى وأتحذر، فقال: هكذا أبداً فكن.

والمعنى الشرعي لها لا يختلف عن المعنى اللغوي: فتقوى العبد لله أن يجعل بينه وبين ما يخشاه وقاية تقيه منه، وهي امتثال أوامره - تعالى - واجتناب نواهيه بفعل كل مأمور وترك كل منهي عنه حسب الطاقة، من فعل ذلك كان من المتقين، الذين شرفهم الله في كتابه بالمدح والثناء فقال: ((وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور)).

وبالحفظ من الأعداء: ((وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً)).

وبالتأييد والنصرة: ((إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)).

وبالنجاة من الشدائد والرزق من الحلال: ((ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب))، قال أبو ذر: " قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية ثم قال: يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بـها لكفتهم".

وبإصلاح العمل وغفران الذنب: ((اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم)).

وبكفلين من الرحمة والنور: ((اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به)).

وبالقبول: ((إنما يتقبل الله من المتقين)).

وبالإكرام والإعزاز عند الله - تعالى -: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)).

وبالنجاة من النار: ((ثم ننجي الذين اتقوا))، وبالخلود في الجنة: ((أعدت للمتقين)).

وبغاية ذلك القصوى وهي محبة الله - تعالى - وموالاته، وانتفاء الخوف والحزن، وحصول البشارة في الدنيا والآخرة والفوز العظيم: ((إن الله يحب المتقين))، ((ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم)). [دليل الفالحين، ج 1/246 - 247].

إذا كانت تلك هي الأمور التي أعدها الله للمتقين فلا غرابة أن كان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام يدعون أقوامهم إلى تقوى الله:

نوح: ((إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون))[الشعراء: 106].

هود: ((إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون))[الشعراء: 124].

صالح: ((إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون))[الشعراء: 142].

لوط: ((إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون))[الشعراء: 161].

شعيب: ((إذ قال لهم شعيب ألا تتقون))[الشعراء: 1771].

والتقوى هي وصية الله لنا وللأمم من قبل: ((ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله)).

ذلك هو معنى التقوى وأهميتها فكيف نحققها في هذا الشهر؟.

كيفية تحقيق التقوى من خلال الصيام:

وذلك بالتمسك بـهديه - صلى الله عليه وسلم - في الصيام، واستشعار عظمة الأجر والثواب الذي أعده الله لمن يؤدي هذه الفريضة على الوجه الذي طلبه. يقول ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد في هدي خير العباد: "وكان هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه [الصيام] أكمل الهدي، وأعظم تحصيل للمقصود، وأسهله على النفوس.. [فمن هديه في هذا الشهر] الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل - عليه السلام - يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان، وتلاوة القرآن والصلاة، والذكر، والاعتكاف… وكان يخص رمضان بما لا يخص غيره به من الشهور…" [ج 3/30 32].

ويمكن أن نجمل هذه الأعمال في النقاط التالية:

المحافظة على أحكام الصيام وآدابه.

عدم الرفث والجدال، "فإن سابه أحد فليقل إني صائم".

عدم قول الزور، "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" أو كمال قال، ويتبع ذلك الغيبة والنميمة والنهش في أعراض الناس.

الإكثار من قراءة القرآن وتلاوته مع التدبر.

الإنفاق في أوجه الخير.

قيام الليل، " كان إذا دخلت العشر الأواخر شد مئزره وأيقظ أهله".

الاعتكاف. اعتكف النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الشهر وفي أوسطه وآخره وواظب على الاعتكاف في العشر الأواخر لتوخي ليلة القدر.

فهذا شهر التخفيضات وموسم التنـزيلات، فالبدار البدار إلى اغتنام الفرصة لأن ما مضى لا يعود.

تزود من التقوى فإنك لا تدري  إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر

((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب))

Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.