هل رأيت نعيما قط؟
عدد القراءات : 786

نِعَمُ الله - عز وجل - على عباده في الدنيا لا تُعدُّ ولا تُحصى، قال - تعالى -: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم: 34]، ولا يعرفُ حقَّ هذه النعم ويدركُ قيمتها إلا فاقدها، وأكثر منه من مُنِحَها ثم سُلبتْ منه، فليس أدرى بنعمة الصحة من المريض، ولا أخبر بنعمة المال من الفقير، ولا أَعرفُ بنعمة العلم من الجاهل، ولا أعلم بنعمة الذرية من العقيم، ولا يُقدِّرُ نعمة الأمان إلا الخائف، ولا يشعر بنعمة النظر مثل أعمى عادَ له بصره.

فهذه بعضٌ من نعم الدنيا، يعطيها ربنا- تبارك وتعالى -لمن يشاء من عباده، ولكن؛ هل سنأخذ هذه النعم معنا إلى الدار الآخرة؟

عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله علية وسلم -: (( يُؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيُصبغ في النار صبغة، ثم يُقال: يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا، والله يا ربّ، ويُؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا، من أهل الجنة، فيُصبغ صبغة في الجنة، فيُقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا، والله يا ربّ، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدةً قط)) [1].

فلما كان كل نعيم الدنيا وما فيها يُنسى، أو تذهب لذته بغمسة واحدة في نار جهنم، فعلام نبالغ في طلبنا للدنيا ونتقاتل عليها ونخوض في ملذاتها؟

يقول ابن قيم الجوزية - رحمه الله -: " لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا...... فإيثار الدنيا على الآخرة إما من فساد في الإيمان، وإما من فساد في العقل، وما أكثر ما يكون منهما، ولهذا نبذها رسول الله - صلى الله علية وسلم - وراء ظهره هو وأصحابه وصرفوا عنها قلوبهم، وطرحوها ولم يألفوها، وهجورها ولم يميلوا اليها، وعدوها سجناً لا جنة، فزهدوا فيها حقيقة الزهد، ولو أرادوها لنالوا منها كلَّ محبوب، ولوصلوا منها إلى كل مرغوب، فقد عُرضت عليه مفاتيح كنوزها فردَّها، وفاضت على أصحابه فآثروا بها، ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها، وعلموا أنها معبر وممر، لا دار مقام ومستقر، وأنها دار عبور لا دار سرور، وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل وخيال طيف، ما استتم الزيارة حتى أذن بالرحيل" [2].

ولقد جعل الله - تعالى -لنا إشارات ومنبهات في الدنيا قبل الآخرة، فلقد رأينا الكثير ممن عاش شطراً من عمره في رغدٍ ورفاه وسعادة، ثم ما يلبث أن يمرض مرضاً شديداً، فيقول: كأنني ما عشت ذلك النعيم وما سرحت في أفيائه ولا خضت في ملذاته.

يقول أحد الأثرياء: لست أدري لماذا أقتل نفسي وأعمل ليلاً ونهاراً لزيادة ثروتي؟

فأنا بعد أن تضخمت ثروتي أكثر بكثير مما كنت أحلم، بنيت بيتي على آخر طراز، وأركب سيارة حديثة وفارهة وكاملة المواصفات، ولا أستطيع أن آكل اللحوم الحمراء لأسباب صحية، فأنا اليوم أشبه بمن يعمل خادماً [للبنك] الذي أضعه فيه أموالي، فهي تزداد لتخدم التعاملات المالية لذلك [البنك] لا أكثر ولا أقل.

وكأني بهذا الرجل المسكين تأكل الحسرةُ قلبَهُ، لا يستطيع أن يصبح سعيداً بالمال الذي جمعه، إنه يتحسر حتى على نوع لقمة العيش التي يأكلها.

بعض الناس حين يعيش في النعيم الدنيوي ينسى تماماً أن هناك حياة آخرة، فيتحول إلى وحش كاسر، يسحق كل ما يقف بطريق تمتعه بملذات نعيم الدنيا، ولأن الله - تعالى -لطيف ورؤوف بعباده فلا يعجل له العقوبة، بل يتيح له فرصة مناسبة للعودة لجادة الحق، فرحمة الله واسعة قد وسعت كل شيء، وهي أوسع من أن تدركها عقولنا.

والله - تعالى- يبتلي عبده من أجل أن يكون عبداً أواباً، وبالفعل فإن البعض من البشر يعود ويكون عوده أحمداً، والبعض الآخر يعود أيضاً ولكنها عودة الجاهل الأحمق، إنها عودة مؤقتة، ثم لا يلبث أن يتمادى مرة أخرى، ويعود للظلم وطلب الدنيا، بعد أن كان قد عاهد الله منكسراً ذليلاً متوسلاً وهو في شدته بأن لا يعود أليها، يقول - تعالى -: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) [الزمر: 8]

فكم منا يقع في هذا الخطأ الفادح؟

وكم من المخاطر كنا فيها على شفا جرف الهاوية؟

وكم من المزالق كادت تودي بحياتنا؟

وكم من الأزمات فُرِّجت، في حين كنا نظن أنها لا تُفرَج؟

إنها كثيرة كثيرة، ويستطيع الكثير منا تسميتها بعينها، لقد نجانا الله - تعالى -منها، وأعادنا لحالنا التي كنا عليها، وربما أكرمنا - سبحانه - فوضعنا في حال أحسن من التي كنا عليها، ولكن وللأسف فإن الكثير منا لا يتوانى في أن يكون أحمقاً، ويا للأسف فأن أحدنا يتخذ هذا القرار وهو بكامل قواه العقلية.

ويستلذ بعض الناس بملذات الدنيا لأنها سهلة يسيرة في متناول اليد، لا يُبذلُ فيها جهد ولا الكثير من المال، فإن الشيطان يُيَسر سبل الملذات والمعاصي ويزين وسائلها ويشجع مروجيها، يقول أحد الحكماء: " إنَّ مشقة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها، وإنَّ لذة المعاصي تذهب ويبقى عقابها".

هذه هي الحقيقة في أن ملذات المعاصي ستترتب عليها أمور كثيرة، لعل أولها العقاب الأليم الذي سيعاقب الله عليه العبد في الآخرة، وكذلك الضيق والتعب والنكد في هذه الدنيا، بينما على العكس من ذلك فحين تستثمر النعم في العمل الصالح والطاعة والخير ولو كان فيها المشقة والتعب فإن كل المعاناة ستزول ويكتب بعدها القبول في الدنيا والأجر الجزيل في الآخرة.

والناس عادةً يسعون من أجل الدنيا، وإنَّ حقيقة مقاماتهم العملية فيها، تتجلى في حديث رسول الله - صلى الله علية وسلم-، فعن أبي كبشة الأنماري - رضي الله عنه -، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إنَّما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربَّه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقه"، قال: "فهذا بأفضل المنازل"، قال: "وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً؟ "قال: "فهو يقول: لو كان لي مال عملت بعمل فلان"، قال: "فأجرهما سواء"، قال: "وعبد رزقه الله مالا ًولم يرزقه علماً، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل "قال: "وعبد لم يرزقه الله مالاً، ولا علماً، فهو يقول: لو كان لي مال لعملت بعمل فلان، قال: هي نيته، فوزرهما فيه سواء))[3].

وأموال الدنيا والملذات الناجمة عنها تزول وبطرق مختلفة، فحين يهرم الإنسان لا يصبح لأي شيء يملكه قيمة، فقد خارت قواه، فهو غير قادر على السفر مثلاً، أو مباشرة الملذات التي تحتاج إلى طاقة، وحالته الصحية لا تسمح له بأكل ما يعجبه أو ما يشتهيه، فهو لا يأكل إلا القليل، وربما هو غير قادر على السير والتنقل من مكان إلى آخر.

وبينما كنت أتابع الأخبار اليومية كما يفعل معظم أبناء جلدتي هذه الأيام، تناقلت الفضائيات وغيرها خبراً مفاده: أن رجل الأعمال السويسري المليونير كارل رابيدير تخلّى عن كامل ثروته وتبرع بها، ليعيش على 1350 دولاراً شهرياً فقط، وقد أوضح كارل أنه كان يعتقد سابقاً أن ثروته كلما ازدادت سيزداد شعوره بالسعادة، لافتاً إلى أنه بالرغم من الثراء الفاحش الذي كان يحيا فيه إلا أنه اكتشف لاحقاً أن حياته كانت زائفة عديمة المعنى تفتقد للسعادة.

وأشار المليونير كارل إلى أنه كان دائم الشعور بالذنب عند رؤيته لضحايا المجاعات والفقر في العالم في كل زيارة يقوم بها هناك، ويظن أن هناك علاقة وطيدة بين ثرائه الفاحش والفقر المدقع الذي يعيشه هؤلاء، ولفت إلى أنه بات حالياً يعيش في منزل صغير تبلغ مساحته 19 متراً مربعاً فقط، ويعمل في الوقت الحالي كمدرب، ويلقي محاضرات يناقش فيها مفاهيم حول: [السعادة] و[النقود لا تصنع السعادة].

ومن نوع هذا الشخص كثيرون، فبعد عمر طويل يكتشف هؤلاء أنهم كانوا يسيرون في الطريق الخطأ وهم يبحثون عن السعادة، فلا المال هو السعادة، ولا الرفاهية هي السعادة، ولا كثرة الأولاد، ولا المناصب الوظيفية والاجتماعية، بل ربما كان الأمر على العكس من ذلك فكانت هذه الأشياء سبباً في جلب التعاسة وليس السعادة.

نعم يحتاج المرء أن يعيش حياة كريمة، وقد تتحقق الحياة الكريمة بالمال، فبالمال يوفر الفرد حد الكفاية في الحياة وزيادة عليه، أما السعادة فطريقها طريق آخر، طريق لا يعترف بالأمور الزائفة والزائلة، إنما يتعامل مع أصحاب الأهداف الكبيرة والهمم العالية والضمائر النقية، إنه طريق الله - تعالى -.

إنَّ الله - تعالى- سيُري الناس يوماً ما كيف ستذهب وتتلاشى قيمة الأموال في هذه الدنيا، ليستيقنوا أن لا طائلة من جني النعم فيها، فسيأتي يوم على الناس ينظرون إلى الذهب وهو مرميٌ في الطرقات ولا يأخذونه، بل ويركلونه بأقدامهم لأنه أضحى لا قيمة له، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله علية وسلم -: (( تقيءُ الأرضُ أفلاذَ كبدها، أمثال الأسطوان من الذهب والفضّة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطعت يدي، ثم يَدَعُونه فلا يأخذون منه شيئاً)) [4].

ــــــــــــــــــــــــــ

[1] صحيح مسلم - كتاب صفة القيامة والجنة والنار باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار وصبغ أشدهم بؤساً.

[2] الفوائد، ابن قيم الجوزية، ج1، ص 94-95.

[3] مسند أحمد بن حنبل - مسند الشاميين - حديث أبي كبشة الأنماري.

[4] صحيح مسلم - كتاب الزكاة - باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة