تحرير المصطلحات العلمية أولاً
الكاتب : حامد الحامد
عدد القراءات : 552

أثناء قراءتك لبعض العلوم تفاجئك مصطلحات وضعية ربما يتفق عليها أهل الفن أو لا يتفقون، وربما تكون دلالتها عند قوم غير دلالتها عند آخرين، وربما يختلف دلالة المصطلح بحسب اختلاف عصره، وقد تكون له تطوّرات بتتابع العصور.

وحتى نكون منصفين لقول من أقوال الرجال، وعادلين في نقل رأي لطائفة؛ فلا بد من تحرير المصطلحات أولاً لنتمكن من القول بعلم وعدل، قال ابن تيمية رحمه الله: "ليس لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلاّ على ما عُرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد".

وهناك بعض المصطلحات التي أذكرها كأمثلة تحتاج إلى تحرير معناها لنعرف المقصود بها:

من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يُجلد أحد فوق عشرة أسواط إلاّ في حد من حدود الله))، فليس المقصود بالحد في الاصطلاح الشرعي ما اصطلح عليه الفقهاء في الجنايات، وإنما المقصود بالحد في الحديث ما أراده الله تعالى بقوله: (تلك حدود الله)، ويدخل ضمناً ما اصطلح عليه الفقهاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد: ((أتشفع في حدّ من حدود الله؟!)).

ومن ذلك لفظ (الظن) في لسان الشارع الذي أمرنا باجتنابه، ليس المقصود به الظن في اصطلاح الفقهاء، والذي يقصدون به ما يقابل القطع، ومن ذلك لفظ (التأويل) فهو في الاصطلاح الشرعي: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وأما في اصطلاح الفقهاء فهو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، وقد يستخدمه بعض المفسرين بمعنى التفسير، ومن ذلك ما قاله ابن تيمية رحمه الله: "لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة: كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وإسحاق وغيرهم سواء، لا يريدون بالمجمل ما لا يفهم منه كما فسره به بعض المتأخرين وأخطأ في ذلك، بل المجمل ما لا يكفي وحده في العمل به، وإن كان ظاهره حقاً".

ومن ذلك ما حُكي عن أبي مسلم الأصفهاني أنه أنكر النسخ، وهو لم ينكره وإنما سمّاه تخصيصاً، أي أن الحكم في المنسوخ خاص بزمن معين.

ومن ذلك قول الشافعي: "من استحسن فقد شرع" مع استحسانه لأشياء مختلفة في كتابه (الأم) كقوله: "روينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبّل الركن، وأنه استلم الركن اليماني، ورأينا أهل العلم يقبلون هذا، ويستلمون هذا، فإن قال: فلو قبّله مقبّل؟ قلت: حسن، وأيّ البيت قبّل فحسن، غير أنا إنما نأمر بالاتباع، وأن نفعل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون".

ومن ذلك ما اشتهر عن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - من تقديم الضعيف على القياس، والإمام أحمد من المتشدّدين في الرجال، وقد ينكر أحاديث في الصحيحين، ولذا فالضعيف عنده الذي يقدمه على القياس هو كالصحيح عند السيوطي وغيره من المتأخرين، وليس قصده بالضعيف ما يكون ضعفه ظاهراً، وإنما الضعيف عنده هو (الذي لم يقو قوة الصحيح، مع أن مخرجه حسن) كما يقول ابن تيمية رحمه الله، وبالمقابل يقول ابن القيم رحمه الله: "وأصحاب أبي حنيفة - رحمه الله - مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه كما قدم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي، وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنع قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم والحديث فيه ضعيف، وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف، وشرط في إقامة الجمعة المصر والحديث فيه كذلك"، وقال الذهبي رحمه الله: "وكثير من ذوي الرأي يردّون أحاديث شافه بها الحافظ المفتي المجتهد أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزعمون أنه ما كان فقيهاً، ويأتوننا بأحاديث ساقطة، أو لا يُعرف لها إسناد أصلاً محتجين بها".

ومن ذلك قول الترمذي - رحمه الله -: "هذا حديث حسن" لا يقصد به ما يقصده المتأخرون من التحسين، وإنما يريد ما فيه ضعف وليس بضعيف، فإن قال: "حسن غريب" فهو ضعيف، وإن قال: "غريب" فهو شديد الضعف، والصحيح عنده يقول فيه: (حسن صحيح)، والترمذي - رحمه الله - سار على خطا شيخه وشيخ شيخه: البخاري وابن المديني، فهو من المعتدلين وليس من المتساهلين، بل إنه ربما يتشدد أحياناً، وقد يردّ أحاديث رواها شيخه البخاري في صحيحه كما ردّ ما رواه عن ابن مسعود رضي الله عنه: (أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: (هذا ركس).

ومن ذلك قول أبي حاتم في بعض الرواة (صدوق) فهذه العبارة عنده بمعنى الثقة، وقد تكون بمعنى ثقة حافظ، وذلك باستقراء العلماء لهذا المصطلح عنده، فهو متشدّد في التعديل، وهذا اللفظ يطلقه على مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، وأبي حفص الفلاس ونحوهما من الثقات الحفّاظ.

ومن ذلك قول أبي نعيم في كتابه حلية الأولياء: (متفق عليه) يقصد بهذا ما توفرت فيه شروط الصحة، وتلقاه الأئمة بالقبول، ولا يقصد به ما رواه البخاري ومسلم.

وكذلك البغوي في كتابه مصابيح السنة عنده الصحاح ما رواه الشيخان، والحسان ما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من الأئمة في تصانيفهم.

ومن ذلك لفظ (البدعة) فهو عند الصحابة ليس كمفهومه عند التابعين، وعند التابعين ليس كمفهومه عند أتباع التابعين، وعند المتقدمين عموماً ليس كمفهومه بعد ظهور الصراع بين الأشاعرة والمعتزلة.

ومن ذلك لفظ (الإرجاء) عند الحسن بن محمد بن الحنفية يقصد به إرجاء أمر المتقاتلين إلى الله تعالى كما روى عنه العدني في كتاب الإيمان، وكذلك (الإرجاء) عند حماد بن أبي سليمان ومن تبعه من فقهاء أهل الكوفة لا يقصدون به أن الإيمان يصح بدون عمل، ولكنهم لما كان الإيمان معنوياً غير محسوس اشتبه عليهم الأمر: هل الأعمال داخل ماهية الإيمان فتكون ركناً، أو خارج الماهية فتكون شرطاً؟ والركن والشرط كلاهما لا تقوم الماهية إلاّ بهما، والفرق بينهما أن الركن داخلها، والشرط خارجها، وهذا كالخلاف في قوله: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) دبر كل صلاة، والدبر هنا أمر معنوي، فقال بعضهم: بعد السلام (خارج الماهية)، وقال آخرون: قبل السلام (داخل الماهية)، وفي الحديث الآخر: (تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة)، (وهو بعد السلام جزماً) كما قال ابن حجر، ولهذا صرح ابن تيمية - رحمه الله - في كلامه عن مرجئة الفقهاء بأن (كثيراً من النزاع فيها لفظي لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب)، والإيمان كسائر أعمال القلوب فالحب مثلاً: اعتقاد الجنان، وقول اللسان، وعمل الأركان، ولا أحد يزعم الحب وعمله يخالف قوله إلاّ المنافق ولذلك قال الله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ).

ومن ذلك لفظ (الإجماع) عند الإمام أحمد في قوله: (من ادّعى الإجماع فهو كاذب) وما رُوي عن النظام في إنكاره للإجماع، وقد فسر العلماء كلام الإمام أحمد بما ينبغي على وجهه، وأنه لا يريد إنكار الإجماع القطعي وإنما يريد ما يقصده المتخاصمون في خصامهم من دعاوى الإجماع لعدم علمهم بالمخالف لهم، كما يفعله بشر المريسي والأصم، وأما النظام فلأنه معتزلي فلا بواكي له ولا محامي عنه، والحق أن ناقلي قوله هم خصومه، وكتبه ليست بين أيدينا، وأما الجاحظ تلميذه فقد روى عنه رأيه في الإجماع بقوله: (وأما أبو إسحاق فقد كان لولا ما صح عنده من قول الأنبياء، وإجماع المسلمين على أنه قد كان، وأنه قد كان حجة وبرهاناً في وقته؛ لكان لا ينكر مذهبهم في هذا الموضع) وهذا يبين لك أن الإجماع الذي ينكره أبو إسحاق النظام ليس هو الإجماع الذي اتفقت الأمة على حجيّته - وفي كلام النظام أيضاً تقديمه للنقل على العقل -.

وكذلك الشافعي لا يرى الإجماع إلاّ في المعلوم من الدين بالضرورة كما في رسالته حيث يقول: "لست أقول ولا أحد من أهل العلم هذا مجتمع عليه إلاّ لما تلقى عالماً أبداً إلاّ قاله لك وحكاه عمن قبله: كالظهر أربع، وكتحريم الخمر وما أشبه هذا"، فضرب أمثلة على أشياء معلومة من الدين بالضرورة، وأفاد بأنه لا يحكي الإجماع إلاّ على مثل هذه.

والمقصود أن نحرر المصطلحات أولا، ثم نحكم على الآراء والرجال من خلالها.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة