أسباب تجدُّد الأزمة
عدد القراءات : 716

صروف الدهر قاسية عليَّا *** وقدر لي بأن أحيا شقيا

ووجه البؤس لازمني سنينا *** ومنذ خلقت أذكره لديا

وأيامي سياط فوق ظهري *** وصفعات مسددة إليا

تزاوجت الجراح وأنجبتني *** على أرض المواجع آدميا

هذا لسان حال إخواننا هناك إن لم يكن لسان مقالهم، فعلى مر السنين لم يذق هذا الشعب حياة رغيدة ولم ير أياماً سعيدة؛ فالنكبات تحيطه من كل مكان قد عانقته كما تعانقت في الحروف اللام والألف، فهو إما معذب في أرضه ليس له يدان، أو مهجر خارجه مهان يذوق من الويلات ويرتشف من المآسي.

وهو مع ذلك صابر صامت متمثل بقول القائل:

فإن لم يكن إلا الأسنة مركب *** فما حيلة المضطر إلا ركوبها

والأزمة موجودة منذ عشرات السنين، فما الذي جعلها تتجدد؟؟ اختلفت الروايات التي وردت عن سبب بدء الأزمة هذه المرة؛ لأن الحصار الذي تمارسه الحكومة المتواطئة مع البوذ والرهبان، شكل حاجزاً دوننا. يكفي أن تعلم أن غمراً من الناس كانت تجهل وجود هذه الدولة على الخارطة أصلاً. ليس هذا مناط المشكلة، فحتى أفظع الجرائم لا يمكن أن يثأر منه بهذه الطريقة.

إذاً ما الذي يدفعهم إلى ارتكاب هذه المجازر الفظيعة؟

إنه الحقد الدفين والشر الموغل في صدورهم على الإسلام والمسلمين. وجدوها فرصة لإبادة الإسلام والمسلمين بحجة أنهم دخلاء على البلد.

والسؤال الذي يطرح نفسه وما زال يطرحه حتى تكسرت أضلاعه: من أين هؤلاء؟ بنغلاديش تنكر أنهم منها، والحكومة البورمية تفل ما تفله بحجة أنهم دخلاء على البلد.. فمن أين هؤلاء إذن؟ من أين سقطوا؟ قل لي بربك من أين سقطوا؟ هل نبتوا فجأة أم خرجوا من البحر أم سقطوا من السماء؟

علم أولئك الشرذمة أن لا بواكي للمسلمين ولا ناصر لهم ولا من يسأل عنهم، وأن بنغلاديش لن تستقبلهم، ودول العرب لن تهتم؛ فكثير من الشعوب مشغولة بصراعاتها مع الطغاة، فهو أنجع وقت للقضاء عليهم ولإتمام ما بدأوا به من عشرات السنين من القتل والتشريد والتهجير.

إن الناظر في حال أمتنا يرى أنها غدت أهون الأمم بعد عز ورفعة وبعد أن كانت ترفل في ثوب المجد وتلبس تاج الوقار وبعد أن بلغت شأو الحياة زمناً.

كنا جبالا في الجبال وربما *** سرنا على موج البحار بحارا

ولو تمعنا النظر لوجدنا أن الدول الإسلامية كلها تتمتع بمواقع استراتيجية وتمتلك أراضي غنية بالنفط والآثار والمناظر الخلابة والحدائق والخمائل، فهي منبع الاقتصاد من كل ناحية.

فمن أين إذاً هذا الضعف؟ لقد أورث الله المسلمين الذلة والصغار بسبب بعدهم عن دينهم وانشغالهم بالدنيا وزخارفها وتناطحهم فيما بينهم على متاع الحياة.

تلك الدولة العظمى التي نراها الآن كسراب بقيعة انقسمت إلى دويلات بعدما تم تقسيمها بعد اتفاقية سايس بيكو عام 1916م، والتي وضع خطتها اليهودي برناد لويس.

قسّموها تقسيماً عشائرياً قبلياً وطائفياً حتى لا تجتمع كلمتها ولا تقوم على رأي واحد، فأصبح حالهم كما يصف نزار:

أمشي على ورق الخريطة *** خائفا فعلى الخريطة كلنا أغراب

أتكلم الفصحى أمام عشيرتي *** وأعيد لكن ما هناك جواب

يتقاتلون على بقايا تمرة *** فخناجر مرفوعة وحراب

وخريطة الوطن الكبير فضيحة *** فمخافر وحواجز وكلاب

فكيف لهم بعد هذا أن ينصروا قضاياهم وينقذوا غريقهم ويفكوا أسيرهم والأزمة ما تجددت إلا لضعفهم وخورهم وجبنهم.

ومما زاد من الجرح عمقاً ونزيفاً أن المسلمين أنابوا نائحة مستأجرة لتدافع عن قضاياهم، وجعلوا من الغرب موئلاً للحكم ومرجعاً للفصل فلا ادلهمت الحياة بهم إلا استنجدوا به وكيف يعدل من كان خصماً وحكماً.

طمعوا في الثعلب صلاحاً فاستاق القطيع إلى الذئب.. إنما هو كبرق خلب يبرق ولا يمطر يعد بوعود كاذبة ولا يفي ويحلو لأمتنا أن تصدق أكاذيبها، بل ربما أقنعت نفسها أنها اقتنعت.

ومن أسباب تفاقم الأزمة تمنع بنغلاديش عن استقبال إخوانهم، فكان الذين فروا إليها واستجاروا بها كالمستجير من الرمضاء بالنار، وما كان بالحسبان ظلمهم.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على الفتى من وقع الحسام المهند

تمنعت بنغلاديش عن احتضان إخوانهم في الدين والعقيدة وما كان لهم بعد الله ناصراً إلا هم والبحر الهائج المتلاطم الهادر أمواجه تلعب بقواربهم وترميها تارة إلى اليمين وأخرى إلى الشمال فمن نجا بروحه لقي الرصاص من بنغلاديش ومن حانت منيته تلقفه الموج وابتلعه، وكم سمعنا بقصص يندى لها الجبين وتقشعر بها أحاسيس السامعين.

وهي تعذر من ناحية وتلام من نواحٍ عدة، فتعذر من حيث أن إمكاناتها ضعيفة واقتصادها أضعف، وتلام من حيث إنها لم تتجاوب مع الحكومات الإسلامية التي أبدت رغبة في المساعدة، بل منعتها، وتلام أكثر لأنها تجاهلت هذا الظرف الإسلامي، فلم يشهد العالم قتلاً في قوم كما شهد في أراكان، والأمم المتحدة تقر بأنه أكثر الشعوب اضطهاداً، والحق ما شهدت به الأعداء، ثم ما يجدي أن يشهد بذلك فقط دون تحرك.

لقد تبلدت أحاسيس هذا العالم وتحجرت عواطفه وكم بودي أن أجره من تلابيب ثوبه وأصفعه على خديه وأقرص يديه عله يفيق، فإن لم يجب أطلقت عليه رصاصة الرحمة فلا فائدة ترجى منه.

وتفرق الأمة وتشتتها من أعظم أسباب تجدد هذه الأزمة وتفاقمها، وليس لها بين الأمم منبر للسيف أو للقلم. فلو علم البوذي أن خلف هذا المسلم معتصماً لرجع القهقرى من قبل أن تمس يده مسجداً ويهدم منبراً ويهتك عرضاً ويكشف ستراً.

أواه في أذني صوت يتيم بكى *** وصوت أرملة تستنجد العربا

تدعو وفي قلبها نار مؤججة *** ودمعها لغة تستهجن الخطبا

من حولها صبية يبكون ما وجدوا *** مأوى وما وجدوا من يدفع السغبا

أواه والنار في الفيحاء موقدة *** أجساد إخواننا صارت لها حطبا

نظرات أعينهم تعذبني وكلماتهم التي استحالت دموعاً تخنق مشاعري وترسل دمعتي.

وما هذا إلا ابتلاء من الله -تعالى- لهذه الأمة، وهو ناصر دينه لا محالة: (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ)[محمد: 4].

إن أمة لو أصابها ما أصاب الأمة الإسلامية من البلايا والرزايا لفنيت، لكن الله كتب لها البقاء؛ لأنها الحق من عنده فمتى نصرنا الله نصرنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ)[محمد: 7]، فعودوا إلى رشدكم أيها المسلمون وهبوا لنصرة إخوانكم، فواجب الوقت وفريضة الزمان نصرة أهل أراكان!.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة